المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سكاكين تل أبيب والمؤبدات الأربعة ( هلال كمال علاونه )


هلال كمال علاونه
30-07-2008, 04:45 PM
سكاكين تل أبيب والمؤبدات الأربعة

بقلم : هلال كمال علاونه
سعيا وراء قوت يومه ، وبسبب ضيق دنيا العمل في الوطن الفلسطيني المحتل عام 1967 ، يعمل اسعد صوالحة " أبو عدي " في التحنة المركزية بإسرائيل ، تستدعيه الشاباك الإسرائيلية ، تحقق معه ، وتسأله عن إخوته ، مما اثأر استغرابه ، فهو يعمل منذ عدة سنوات ، دون أن يحقق معه احد ، وفي نهاية التحقيق طلبوا منه مغادرة إسرائيل ، يتجه أبو عدي إلى مسقط رأسه قرية عزموط ، حيث تعيش أسرته ، في شتاء عام 1990 ، ليجد منع التجول مفروضا على القرية ، ويضطر للعودة إلى بيته ، من طريق وادي الزيتون الذي يمر من قرية دير الحطب شرقا ، ولحظة وصوله يبادره أخوه يوسف بالقول : " أخوك محمد عمل عملية في تل أبيب " .
أيعقل هذا ؟ من ؟ محمد ؟ يجيب اسعد ، مفاجأة محمد صوالحه لأهله وأقربائه ولكل من يعرفه كبيرة جدا ، محمد ابن السبعة عشر ربيعا حمل زاده صباحا ، واتجه إلى عمله في البناء بمخيم عسكر ، هذا ما عبر عنه والده عبد الحميد صوالحة ، ولكن عبد الحميد لم يدر بخلده أن ابنه ذاهب إلى غير رجعة .
محمد صوالحة وحسني صوالحة وجعفر دويكات ، أصدقاء ثلاثة ، وأقرباء ثلاثة ، أعمارهم واحدة " 17 عاما " ، ينتمون لحركة فتح ، ثلة قليلة تنطلق في إحدى الليالي الباردة ، يختارون الزمان والمكان والهدف في إسرائيل ، الزمان في الثاني من كانون الأول عام 1990 ، المكان هو تل أبيب ، الهدف حافلة نقل .
ظهرا يستقلون الحافلة ، يوزعون أنفسهم فيها ، لينقضوا على ركابها طعنا بالسكاكين ، ولعل السلاح الأبيض كان الأسهل من حيث الحصول عليه ، الأخف حملا ، والأوفر حظا في الدخول إلى إسرائيل ، في وقت كانت فيه الانتفاضة الأولى في أوجها .
يقول عبد الحميد صوالحة والد محمد ، أن التلفزيونات المحلية أذاعت خبر العملية ، وأنها أوقعت ثلاثة عشر إسرائيليا بين قتيل وجريح ، قبل أن يسيطر عليهم سائق الحافلة ، الذي أوقف حافلة النقل ، واستدعى الشرطة الإسرائيلية ، التي طوقت المكان ، واقتحمت الحافلة .
ويضيف والد محمد ، أن جعفر دويكات ، احد المنفذين الثلاثة ، رفض الانصياع لأوامر الشرطة بإلقاء السلاح الأبيض ، ليمتشق سكينه وينقض عليهم ، وتصيبه رصاصتهم في وجهه ، ويستشهد على الفور ، أما رفيقيه الآخرين حسني ومحمد ، فقد أصيبا بطلقات نارية ، وأخذا أسيرين ، يقول اسعد شقيق محمد : لم نكن نتوقع أن هذا الأمر سيحصل ، صحيح أنهم أصدقاء ، لكن لم نكن لنعرف أنهم سيتفرقوا بهذه الطريقة .
4 مؤبدات و99 سنة
تصدر المحكمة العسكرية الإسرائيلية حكمها على الشابين محمد وحسني صوالحة ، كانت مدة الحكم ثلاثين عاما ، لأنهما لم يتجاوزا سن الثمانية عشر عاما ، أعمارهما هي 17 عاما ، يقول عبد الحميد صوالحة ، والد محمد ، أن المحكمة الإسرائيلية استأنفت قرارها بعد سنة ونصف من الحكم الأول ، ليبلغ الأسيران سن 18 عاما ، وكانت نتيجة الاستئناف هي سجن كل من محمد وحسني أربعة مؤبدات و99 سنة .
ويضيف والد محمد أن محاميهما لم يستطع فعل أي شيء لهما ، لأنهما نفذا العملية على مرأى ومسمع من الجميع .
في اليوم التالي لتنفيذ العملية ، القوات الإسرائيلية تهدم بيت كل من عائلة محمد وحسني ، كونهما يسكنان في بيت عائلتهما ، ليصبح البيتان أثرا بعد عين ، وينال أفراد أسرتيهما نصيبهما من العقاب . ولم يكن بإمكان أسرة محمد إلا أن يفترشوا الأرض ويلتحفوا السماء ، بعد هدم البيت ، حتى تمكنوا بعد بضعة أيام أن يتخذوا خيمة ، التي مكثوا فيها زهاء سنة ، حتى جاء فرج الله ببناء بيت في موضع البيت الذي هدم ، بدعم من منظمة التحرير الفلسطينية ، وكان البيت الجديد لا يقل تواضعا عن البيت الذي هدم .
يمضي الأسيران ضعف عمرهما حتى الآن في السجون الإسرائيلية ، فهما يمضيان السنة الثامنة عشر في المعتقلات ، متنقلين من سجن لآخر ، مع فصلهما عن بعضهما .
يقوم أهل محمد بزيارته بين الفينة والأخرى ، كان آخرها زيارة اسعد لشقيقه محمد قبل شهر ، اسعد الذي كان يعمل في إسرائيل ، وهم محروم منذ ثمانية عشر عاما من دخولها ، إلا بتصريح زيارة لأخيه محمد .
يقول اسعد " أبو عدي " أن أخاه يهدي بين الحين والآخر أعمالا زخرفية ، وتحفا فنية رائعة ، لمن بقي يذكره ، ولدي زيارتي لأبي عدي لاحظت صورة لمحمد يعلقها في صدر بيته ، ويبدو في الصورة أن أمل محمد في الإفراج عنه ماثلا أمام عينيه بابتسامة عريضة .
فقد طلب من أبيه وإخوته بناء بيت له من مخصصاته الشهرية من وزارة الأسرى ، وهو ما تم بالفعل ، وقمت وشقيقه اسعد بزيارة لبيته ، الذي يتكون من طابقين ، احدهما لشقيقه محمود ، كي يتزوج ويستقر فيه ، والطابق الثاني من الحجر لمحمد .
البيت حاضر وصاحبه غائب ، والبيت يبكي أهله الذي لم يسكنوه بعد ، ولم تجف دموعه ، لكن صاحبه الأسير محمد صوالحة مسح دموعه ، ببارقة أمل الإفراج عنه .