المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .. التمييز في الإسلام ( 2 - 2 ) ( د. كمال علاونه )


د. كمال إبراهيم علاونه
02-10-2008, 09:09 AM
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ..
التمييز في الإسلام

( 2 - 2 )
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
فلسطين العربية المسلمة



يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)}( القرآن المجيد ، الحجرات ) .
والمسلمون سواسية ، لا فرق بين غني وفقير ، بين موظف وعامل ، طبيب ومهندس ، لا فرق بينهم جميعا في كافة أنحاء المعمورة ، من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها . من الأمثلة اليومية الحية على المساواة بين الناس ، ذكورا وإناثا ، في الركن الثاني من أركان الإسلام ( بعد الشهادتين : اشهد أن لا إله الا الله ، واشهد أن محمدا رسول الله ) الصلاة اليومية المكتوبة أو المفروضة ذات الأوقات الخمسة ( الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء ) انه يمكن للمصلين الرجال في الصلاة ، وللنساء أيضا ، أن كل من يأتي أولا يصف في الصف الأول وراء الإمام ثم إذا امتلأ الصف الأول يصف للصلاة في الصف الثاني ، ثم الثالث وهكذا ، لا فرق بين أي منهم سواء أكان ابيضا أو اسودا أو احمرا ، وزيرا أو عاملا أو موظفا عاديا . والحال ذاته ، ينطبق على النساء في تعبئة الصفوف للصلاة ، الا أن النساء تأتى للصلاة في المسجد خلف الرجال ويفصل بينهم الأولاد ، لتحاشي الاختلاط الاجتماعي ، أثناء العبادة ، وفي هذا فإن للإسلام فلسفة روحانية خاصة للعبادة يتميز بها .
ومن الأمثلة الموسمية السنوية الإسلامية لحياة العدل والمساواة المعاشة في الحج وهو الركن الخامس من أركان الإسلام الأساسية . يقف المسلمون الرجال يوم الحج الأكبر ( يوم عرفة ) بزي إسلامي ابيض واحد يدعون الله ويبتهلون إليه ، لا تمييز ولا فرق بين كبير وصغير أو بين ابيض واسود أو بين عربي وعجمي أو بين رئيس أو وزير ومسلم عادي . الجميع سواسية كأسنان المشط ، في مستوى إيماني إسلامي واحد ، فهو مظهر من المظاهر الاحتفالية الإسلامية السنوية التي تنم عن المحبة والإخاء ، تحت ظل الإسلام ، لا فرق بين من يأتي من قارات : آسيا أو أفريقيا أو أوروبا أو الأمريكيتين أو استراليا ، ومن أي دولة كانت .
فالإسلام هو الذي يجمع بين الجميع في موقف إيماني واحد ، الجميع يمارس الشعائر والطقوس الدينية عينها ، وإن تعددت الألسن واللغات والألوان والأجسام وسواها . فالحج له منافع دينية ودنيوية في الآن ذاته إذ أن المسلم :
وفي وقوفه بعرفه هو وإخوانه على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وألوانهم في صعيد واحد وزي واحد ووقت واحد ، لا فرق بين رئيس ومرؤوس وصغير وكبير وغني وفقير يهتفون كلهم في لغة واحدة : ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ) . ويتضرعون إلى الله بقلوب ملئت بالخشية وأيد ضارعة بالدعاء ، وألسنة تلهج بالثناء على الله بما هو أهله إشعارا بالمساواة ، وفيه يظهر أيضا معنى الأخوة الشاملة التي يحرص الإسلام على غرسها في نفوس أتباعه [1] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn1).
إن الإسلام لا يخصص أمكنة للصلاة أو العبادة لفئة دون أخرى ، أو لون دون آخر ، ولا يحدد ساعات محددة لهذا اللون أو ذاك ، كما يحصل في بعض الأحيان في الديانات الأخرى ، في قارات أمريكا أو أفريقيا أو آسيا وسواها . على أي حال ، كما رأينا فان الإسلام دعا إلى تحرير العبيد الذين كانوا مضطهدين أيام الجاهلية الأولى ، وقد حث القرآن الكريم على عتق الرقيق من العبودية واستعباد بني جلدتهم لهم ، واتخذت عملية التحرير أو العتق شكلين : الأول : التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ، والثاني : كفارة بعض الذنوب والسيئات . قال الله تعالى : { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ } [2] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn2) . وجعل تحرير الرق من الأمور التي يتقرب بها الإنسان إلى خالقه ، وخصص لها نصيبا مفروضا من مصارف الزكاة الثمانية ، قال الله تعالى : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [3] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn3) . وقال النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم : " أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار " [4] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn4) .
وقال النبي محمد ( ص ) في حديث نبوي آخر : " إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ " [5] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn5). فأين هذه التعاليم الإنسانية الإسلامية الراقية وعملية الاستغلال الاقتصادي لفئات بشرية في العالم من أقصاه إلى أقصاه ، في الأنظمة الرأسمالية والشيوعية وغيرها على مدى الحقب والأزمان ، إنها مساواة إسلامية حقيقية تؤتي ثمارها الطيبة بين أبناء المجتمع الواحد ، بلا عصبية أو إجراءات فصل أو تمييز عنصري ، بل على العكس من ذلك ، إن العنصرية منبوذة في المجتمع الإسلامي الواحد بصرف النظر على الغنى والفقر أو مكان الإقامة أو الولادة .
بناء على ذلك ، نقول إن الإسلام نفى العنصرية نفيا قاطعا جملة وتفصيلا ، إذ لا مكانة للعرقية في الإسلام ، وإنما التقوى هو الأساس للمفاضلة والتكريم والتشريف بين جميع أبناء الأمة الواحدة ، مهما تعددت أعراقهم وأجناسهم ولغاتهم والوا نهم وقاراتهم وأماكن سكناهم وتطورهم الحضاري والعلمي ، فالجميع سواسية كأسنان المشط الواحد ، كل أسنانه متساوية في صف واحد غير منتقص الكرامة الإنسانية . والإسلام بدعوته إلى نبذ العنصرية القائمة على اللون أو العرق أو اللغة أو الطبقة وغيرها ، فلأنه يعرف أن هذه الدعوات غير القويمة تسوم الإنسان بكل ضروب العذاب من القسوة والظلم والاستبداد والاستعباد ، والكراهية والبغضاء والفرقة الاجتماعية ، وتسمم كل ينابيع الحياة . لذلك فالإسلام ينبذها لاداركه العذاب النفسي والجسدى والروحي الذي يلحق بهذه النظرة الاستعلائية ، فقد حاربها أيما محاربة ويستعيض عنها بالدعوة إلى التسامح والإخاء الإسلامي الشامل .
وفي زمن الخليفة الراشدي المسلم الثاني عمر بن الخطاب الذي لقب بالفاروق ، لعدالته وإنصافه بين الناس كافه ، وقع تعد على أحد الرعايا المسلمين من مصر ، إذ جاء أحد المصريين يشكو إلى الخليفة عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) الوالي المسلم على مصر وهو عمرو بن العاص حيث اعتدى محمد بن عمرو بن العاص على المصري بسبب خلاف على فرس للمصري . فضرب محمد ابن عمرو بن العاص المصري بالسوط قائلا له أثناء عملية الضرب : " خذها وأنا ابن الاكرمين " ، وخاف عمرو بن العاص من المصري أن يرفع مظلمته إلى الفاروق عمر بن الخطاب فحبسه مدة من الزمن ، لتتناسى القضية ، ولكن المصري بعد إخلاء سبيله توجه إلى عمر بن الخطاب ليشكو له مظلمته . فاستقدم الخليفة عمر بن الخطاب واليه على مصر عمرو بن العاص وابنه محمد ، وأجلسهما مجلس القصاص الإسلامي ، وطلب الخليفة عمر من المصري أن يضرب محمد بن عمرو ابن العاص بالدرة ( العصا ) على مرأى من أبيه ، كما ضربه بالسوط . وقال له : اضرب بها " ابن الاكرمين " ، يعنى محمد بن عمرو بن العاص . وبعد أن اثخن المصري ابن عمرو ابن العاص ضربا قال له عمر : أجلها على صلعة عمرو ! فوالله ما ضربك بها الا بفضل سلطانه … قال عمرو فزعا : يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت . وقال المصري معتذرا : يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني ، ثم التفت الخليفة عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص وقال له المقولة المنصفة الخالدة : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " [6] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn6) . نعم ، إن كل إنسان ولد حرا من بطن أمه ، فلماذا تلجأ فئة أو شعب أو طائفة لاستعباد العباد بشتى الطرق والوسائل وتسعى إلى قهرهم وظلمهم لتروي الظمأ الذي تعاني منه المتمثل في النقص النفسي ومحاولة تغطية ذلك بالتكبر والاستعلاء على الآخرين . فعملية الاستعلاء إن دلت على شيء فإنما تدل على مرض نفسي وآفة اجتماعية تنخر أوصال المجتمع ، وهذا ما تنبه له الإسلام واستبعده كلية ووضع حلا جذريا له من الأساس ليعيش الناس في وئام لا في خصام .
هذا ، وإن وجدت بعض الأنظمة في التاريخ الإسلامي التي حاولت تفضيل عنصر على آخر ، فهي لا تمثل الإسلام بأي صورة من صوره الإنسانية النبيلة المشرقة ، فهي قد شتت عن القيم والمبادئ الإسلامية السمحة ، ولا يعتد بها إنما يعتد بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، لأنهما هما الركنان الهامان للتشريع الإسلامي بل هما النبعان الغزيران بالمبادئ الإنسانية القائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية ، وإحساس الغني بأوضاع الفقير على مدى العصور والأزمان . فمثلا ، كانت سياسة الدولة الأموية القائمة على تفضيل العنصر العربي على العناصر الإسلامية الأخرى ، بجعلها الخلافة الإسلامية ( ملكية وراثية في بني أمية ) وتهميش دور العناصر غير العربية إلى حد ما ، أحد أهم الأسباب التي هدمت بنيان الخلافة الأموية في دمشق في المشرق العربي وحولتها إلى الدولة العباسية الإسلامية غير المتعصبة إلى جنس أو عرق بذاته ، في العراق في بغداد عام 132 هـ الموافق 750 م .
وأما الخلافة الإسلامية في الدولة العباسية ، التي نبذت التعصب للعنصر العربي فقد دام حكمها لفترة طويلة من الزمن حتى 656 هـ :
وهكذا سقطت الدولة الأموية التي مدت الفتوح العربية إلى أقصى المشرق وأقصى المغرب ، والتي نظمت الدولة ، وعربت الدواوين وشجعت العلوم والأدب ، فنمت في ظلها نواة تلك الدوحة العالية التي بلغت عنان السماء زمن الدولة العباسية . والسر في ذهابها يرجع إلى سياستها العنصرية فقد اعتبرت نفسها دولة عربية قبل أن تكون دولة إسلامية … ولذلك لم ينظر العباسيون إلى جنس بعينه من رعاياهم يتعصبون له على نحو تعصب الأمويين العرب ، بل نظروا إلى الشعوب التي تتألف منها الأمة الإسلامية نظرة واحدة لا تكاد تختلف ، واعتبروهم رعية لهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم [7] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn7) .
وإن الشبهات التي يحاول البعض – من المستشرقين والشعوبيين والقوميين والملحدين وذوي النظرة الضيقة - إلصاقها بالإسلام الحنيف ، هي بعيدة كل البعد عن التعاليم الأخلاقية الإسلامية الحقيقية ، وباطلة قولا وفعلا ، على حد سواء ، لأن النموذج الإسلامي الحقيقي التطبيقي هو صدر الإسلام أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين الأربعة ، حيث انتفت العنصرية والفئوية والشعوبية في بوتقة اندماجية إسلامية أخوية وتعاونية شاملة وجامعة لجميع الأجناس والأعراق العربية والأعجمية والرومية . في الجزيرة العربية والمناطق المحيطة بها من الجهات الأربع ، فكانت فسيفساء إسلامية مترابطة ، ومتراصة البنيان ، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، المبني على أسس العقيدة الإسلامية الثابتة على مدى الأجيال .
بهذا فان الإسلام ، ذو العروة الوثقى ، قدم ويقدم افضل الحلول الناجعة لوقف الزحف العنصري على الأفكار البشرية في كل زمان ومكان . عن التعاون الوثيق بين العرب والمسلمين الجدد أيام الفتوحات الإسلامية ، يقول عبد الحميد العبادي :
هذا التعاون الوثيق بين العرب وبين العناصر المسلمة الجديدة واستظلالهم جميعا بظل الإسلام والدولة الإسلامية من أقوى الأسباب في مد نطاق الفتوح الإسلامية … وكان هذا يكاد يكون متعذرا أو مستحيلا لو اقتصر الأمر على العرب الخلص وحدهم نظرا لقلة عددهم بالنسبة للأقاليم الشاسعة التي أقدموا على غزوها … فالوحدة التي شملت جميع العناصر الإسلامية من عرب وفرس ومصريين وبربر هي السر في امتداد الدولة الإسلامية شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا [8] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn8) .
ومن الأمثلة على تحرير العبيد وإعلاء شأنهم في الإسلام ، يقول ( ول ديورانت ) : " … وإن المرء ليدهش من كثرة أبناء العبيد والجواري الذين كان لهم شأن عظيم في الحياة العقلية والسياسية في العالم الإسلامي ، ومن كثرة من أصبحوا ملوكا وأمراء ، أمثال .. المماليك " [9] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn9) .
في حالة المماليك ، وهم الأرقاء الأجانب الذين استقدمهم المسلمون وخاصة الأيوبيين من مختلف البلاد والأمصار ، كان أكثرهم من الأتراك والمغول والشراكسة [10] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn10) ، استطاعوا أن يقيموا دولتين للمماليك في مصر وهما : دولة المماليك البحرية بين الأعوام (1250 – 1390 م ) . مهد لدولتهم امرأة من الإماء الأرمنيات التركيات هي ( شجرة الدر ) التي كانت جارية للخليفة العباسي المستعصم وانتقلت إلى جواري الملك الصالح الأيوبي الذي اعتقها بعد أن أنجبت لهما ولدا ثم حكمت ثمانين يوما بعد وفاة زوجها الصالح الأيوبي عام 1249 م ، ثم تزوجها قائد جيشها أتابك العسكر عز الدين ايبك الذي اختاره الأمراء سلطانا . لقد توالى الأرقاء على قيادة الجيش والسلطنة في دولة المماليك البحرية ليصل عددهم إلى خمسة وعشرين سلطانا ما عدا شجرة الدر [11] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn11) . والدولة المملوكية الثانية هي المماليك البرجية بين الأعوام ( 1382 – 1517 م ) الذين تألفوا من الحرس الخاص للمملوك قلاوون ( 1279 – 1290 م ) من سلاطين المماليك البحرية إذ كانوا من الأرقاء الشراكسة . وقد وصل عدد السلاطين من المماليك البرجية إلى ثلاثة وعشرين سلطانا ، هذا في حين كان يتم اختيار السلاطين في المماليك البرجية عن طريق انتخاب الأمراء للسلطان ولم تكن عملية الاستخلاف في هذه الدولة وراثية [12] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn12) ، وكان متوسط بقاء السلطان في الحكم نحو ستة أعوام .
وحتى الإسلام عند بداية سطوع نجمه ، لم يكن متعصبا ولم يدع إلى العصبية القبلية أو الشعوبية في البلاد التي فتحها ، وكانت أخلاق الفاتحين المسلمين تتمثل في تخيير أهل البلاد والأمصار التي يصلونها ، بين ثلاثة خيارات هي : إما الإسلام ، إذ يترك أهل البلاد وشأنهم . وإما الجزية ، فتقبل منهم ، ويكف عنهم المسلمون ، وان احتاج أهل الذمة إلى المساعدة نصرهم المسلمون . وأما الخيار الثالث فكان المنابذة والمجاهدة الحربية . وقد تجلت هذه الخيارات في العديد من المعارك أو الفتوحات الإسلامية التي خاضها الجيش الإسلامي ، كما حدث في معركة اليرموك ومعركة القادسية وغيرها [13] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn13) .
كما أن الإسلام ، في تاريخ الخلافة والإمارة الإسلامية على مدى العصور لم يستثن النصارى أو اليهود من العمل في الوظائف العامة في الدولة كالوزارة أو الدواوين العامة أو المناصب العليا في مختلف الأجهزة المدنية أو حتى العسكرية ، بل إنه في حالات متعددة وصل بعض النصارى أو اليهود إلى الوزارة ، والشواهد كثيرة في التاريخ الإسلامي ، القديم والحديث ، على السواء . فمثلا كان الأمويون يستعملون نصارى ( مسيحيين ) في وظائف الدولة ، واستخدم ( المعز لدين الله ) عيسى بن سنطور النصراني واستناب بالشام منشة اليهودي :
فمال الوزير عيسى إلى النصارى ، وشجع منشة اليهود فضج الناس بالشكوى ! فألقى الخليفة القبض عليهما وأخذ من عيسى ثلاثمائة ألف دينار ، وغرم منشة مبلغا ضخما . وفي سنة 529 هـ استوزر الحافظ لدين الله مسيحيا أرمنيا يدعى بهرام ويلقب تاج الدولة ! وقد عمد بهرام هذا إلى فصل المسلمين من وظائفهم وتعيين المسيحيين بدلهم … وقد كان مسلك هذا الوزير المتعصب سببا في إثارة المسلمين ضده … فلما هاج الجمهور ضده عزل عن الوزارة … ونحن نتساءل في أي عهد من التاريخ المسيحي استوزر الملوك المسيحيون يهودا أو مسلمين ؟ بل في أي عهد استوزر الكاثوليك بروتستانتيا أو بالعكس ، إن المسلمين وحدهم هم الذين فعلوا ذلك [14] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn14) .
وفي عهد خلافة الحافظ لدين الله في مصر ، اسند منصب الوزارة إلى النصراني الأكرم بن زكريا ، أمير الدواوين ، وفي عهد الخلافة الفاطمية في القاهرة ، اسند المنصور أبو علي ( الملقب الآمر ) الخليفة الفاطمي العاشر ، منصب الوزارة إلى ( أبو نجاح النصراني المعروف بالراهب ) ، فاقترف مظالم متعددة مما أدى إلى بغضه لدى عامة الناس ، وتهجم هذا الوزير النصراني على مكانة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فأمر الخليفة بقتله [15] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn15) .
وبهذا نستطيع التأكيد بأن الإسلام محا سياسة التمييز ، بكافة أنواعها وأشكالها ، التي كانت سابقة ، ويستطيع أن يمحو سياسة التمييز والفصل العنصري اللا حقة التي قد تأتي مستقبلا ، فأبطل العمل بالتمييز على أساس سلالة الدم ، أو الطائفة الدينية والإقليمية والشعوبية ، والطبقية والحرفية والصناعية والبيئية واللغوية وغيرها . واعتبر تلك المعايير للتمييز أو التفريق بين الناس معايير زائفة منحرفة من رواسب الجاهلية ، واستبدلها بقواعد الكرامة الإنسانية والمساواة والعدالة القائمة على الأخوة والمحبة والتعاون بين جميع الناس دون تفريق بين الأجناس ، وبذلك استبدل الإسلام العادات والتقاليد الهابطة بالقيم والمثل والأخلاق الفاضلة السامية . قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [16] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn16) . بناء على ما سبق ، من مناداة الإسلام بالتقوى والعدالة الاجتماعية والإنصاف وتكافؤ الفرص بين الجميع ، فان الآلاف من مختلف الديانات يلجأون إلى اعتناق الإسلام سواء في حالات الظلم والتمييز العنصري في أمريكا من قبل المسيحيين أو في الهند من قبل الهندوس أو الوثنيين أو في قارة أفريقيا من قبل المسيحيين والوثنيين أيضا وتحول آلاف المسيحيين الأوروبيين إلى الإسلام ، وذلك لأن الإسلام دعوة إصلاحية ينبذ التنازع والتفرقة بين الناس مهما كانت الحجج والذرائع والمبررات .
يؤكد العالم جوان كوماس ، استاذ الانتروبولوجيه في مدرسة الانتروبولوجية الوطنية في مكسيكو ، في كتاب ( العرقية إزاء العلم ) الصادر عن اليونسكو في مطلع العقد الخامس من القرن العشرين على نبذ الإسلام للعنصرية بقوله : " ولم يظهر الدين الإسلامي ، من جهته أية صلابة أو تعصب عنصري حيال الشعوب الأخرى منذ اللحظة التي يعتنق فيها هؤلاء دين الإسلام " [17] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn17) .
ومن نافلة القول ، إن الإسلام خصص أحد أركانه وهو ركن الزكاة للتكافل الاجتماعي والاقتصادي والمالي بين الغني والفقير بصورة دائمة ومنتظمة سنويا وموسميا ، لتحاشي التمييز أو المفاضلة العنصرية الاجتماعية أو الاقتصادية .
والإسلام ، وان تطرق إلى المعاملة الإنسانية الأخوية بين جميع المسلمين ، من مشارق الأرض ومغاربها ، فانه أيضا لم ينس غير المسلمين ( أهل الذمة ) الذين يعيشون في كنفه ، من العطف والمعاملة الكريمة اللائقة بكرامة الإنسان الآدمية الحقة ، فهو لا يقطع عنهم حقوقهم الفطرية الطبيعية ويعاملهم بالحسنى . قال الله تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [18] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn18) .
هذا في عصر الإسلام الأول ، أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث كان الناس يتهافتون على الإسلام لعدالته ودعوته الحقة للمساواة بين الجميع ، ولم يفتر الناس من مختلف الملل والنحل من اتباع منهج الإسلام لينصفهم ويعدل بينهم ويعاملهم بما هم أهل له من العزة والكرامة والإنسانية ، على مر العصور ، ونلاحظ أن المئات بل الآلاف سنويا من الهندوس في الهند أو السود في الولايات المتحدة يعتنقون الإسلام لأنه يلبي رغباتهم في الحرية والمساواة والعدالة بين الأجناس لا فرق بين جنس وجنس وعرق وعرق ، اذ انه لا إكراه في اتباع الدين الإسلامي . وهذا يتمثل في قول الله سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [19] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn19) .
بقي أن نقول ، إن الإسلام دعا إلى عدم المفاضلة أو التفريق بين أنبياء ورسل الله عز وجل ، بصورة صارمة لا تقبل الجدل ، فجعل الإيمان بالرسل كافة ، الذين بعثهم الله سبحانه وتعالى ، من القضايا الإيمانية الثابتة ، على مدى الأزمان ، السابقة واللاحقة ، فقد نطقت الآيات القرآنية بذلك ، إذ يقول الله جل جلاله : { آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [20] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn20) .




[1] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref1) عبد الفتاح حسن رواه المكي ، الإيضاح في مناسك الحج والعمرة للإمام الرباني يحيى بن شرف النووي ، وعليه الإفصاح على مسائل الإيضاح ( مكة المكرمة : المكتبة الامدادية ، 1997 ) ، ص 36 .
[2] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref2) القرآن الكريم ، سورة البلد ، الآيات 12 – 13 .
[3] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref3) القرآن الكريم ، سورة التوبة ، آية 60 .
[4] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref4) رواه البخاري .
[5] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref5) رواه البخاري ، باب العتق وفضله .
[6] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref6) عباس محمود العقاد ، عبقرية عمر ( صيدا : منشورات المكتبة العصرية ، دون تاريخ نشر ) ، ص 118 .
[7] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref7) عبد الحميد العبادي ، الإسلام والمشكلة العنصرية ، مرجع سابق ، ص 79 – 83 .
[8] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref8) المرجع السابق ، ص 70 .
[9] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref9) عمر الخطيب ، مرجع سابق ، ص 156 .
[10] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref10) فيليب حتي وآخرون ، تاريخ العرب ( بيروت : دار غندور للطباعة والنشر ، 1994 ) ، ص 763 .
[11] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref11) المرجع السابق ، ص 762 – 763 .
[12] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref12) المرجع السابق ، ص 763 – 764 .
[13] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref13) أنظر محمد الغزالي ، مرجع سابق ، ص 118 – 121 ، ص 135 – 137 .
[14] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref14) المرجع السابق ، ص 59 – 60 .
[15] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref15) المرجع السابق ، ص 62 – 63 .
[16] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref16) القرآن الكريم ، سورة المائدة ، آية 2 .
[17] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref17) أونسكو ، العرقية إزاء العلم ، مرجع سابق ، ص 12 .
[18] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref18) القرآن الكريم ، سورة النحل ، آية 125 .
[19] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref19) القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآيات 256 – 257 .
[20] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref20) القرآن الكريم ، سورة البقرة ، آية 285 .
انتهى .