د. كمال إبراهيم علاونه
02-10-2008, 09:02 AM
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ..
التمييز في الإسلام
( 1 - 2 )
يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)}( القرآن المجيد ، الحجرات ) .
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
فلسطين العربية المسلمة
الإسلام رسالة دينية عالمية لجميع بني آدم ، يمتاز بالريح الطيبة المليئة بالحنان والرحمة العامة للجميع والإحسان المتنامي ، وهو دين المؤاخاة البشرية العالمية العامة ، جاء بالبشرى الطيبة لإنقاذ البشرية من الشر ليحل محله الخير العام ، في كافة الأشكال والصور الإنسانية الحية ، لا يوجد به حواجز طائفية أو نعرات عرقية أو عنصرية أو لونية أو سواها . وهو لا يوصد أبوابه أمام أي إنسان يرغب في اعتناقه والسير على هداه أو صراطه المستقيم القويم ، جاء بها النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ( صلى الله عليه وسلم ) بوساطة الملك جبريل عليه السلام مبلغا عن رب العزة تبارك وتعالى ، فهو رسالة شاملة للمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، العامة والخاصة . لقد دعا الإسلام إلى التعاون والاعتصام بحبل الله المتين ، قال الله سبحانه وتعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [1] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn1).
الإنسان في الإسلام ، بغض النظر عن جنسه أو سلالته أو عرقه أو أصله الاجتماعي أو القومي ، هو خليفة الله في الأرض ، قال الله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [2] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn2) . فالإنسان في الإسلام مخلوق كرمه الله سبحانه وتعالى على سائر المخلوقات ، ولم يذكر عنصره أو منبته ، بل ذكر خلافته في الأرض لاستصلاحها والاستفادة من خيراتها جنبا إلى جنب مع أخيه ، ومن حقه أن يكون مكرما دونما التفات إلى عنصره أو جنسه أو لونه أو نسبه .
فلا تمييز في الإسلام بين الأجناس البشرية البيضاء والحمراء والسوداء والصفراء وسواها ، أو بين المهاجرين والأنصار ، أو بين المسلمين الذين كانت أصولهم أسرى أو عبيد لدى الآخرين ، بأي حال من الأحوال ، فالإسلام دين رحمة للناس كافة . عن ذلك يقول الله سبحانه وتعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [3] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn3) . وفي آية أخرى ، قال الله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [4] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn4).
وقد نادى الإسلام بالمساواة بين جميع الناس ، وحثهم على عدم السخرية من بعضهم البعض ، سواء أكانوا ذكورا أو إناثا ، وعدم الهمز واللمز والتنابز بالألقاب ، ودعا إلى اجتناب الظن السوء بالآخرين وعدم التجسس أو الغيبة لئلا تنتشر الكراهية بين الناس ، وذلك لأن كل الناس آدميين ، من نسل آدم وحواء ، لا فرق بينهم وقد خلقهم الله لعبادته ، ولكي يتعارفوا فيما بينهم . قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ . يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [5] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn5) . والمفاضلة هنا بين بني آدم فقط في التقوى والصلاح والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [6] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn6) . وفي سورة قرآنية أخرى ، نطقت الآيات القرآنية بالدعوة إلى التقوى لأن الله عز وجل خلق الناس جميعا من نفس واحدة ، قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [7] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn7) . إذن فالناس كلهم مخلوقون من نفس واحدة كما بين لنا رب العزة والجبروت ، وهذه النفس البشرية هي آدم عليه السلام ، خلق من ضلعه أمنا حواء عليها السلام ، ثم تكاثر آدم وحواء وخلفوا مجموعة من البشر وبدورهم تكاثروا وتناسلوا وانجبوا غيرهم وهكذا .
فالأصل والمنبت الإنساني واحد ، وهم بذلك سواسية في الخلق والتكوين ، ولكن الظروف والبيئة هي التي تفرق بين عاداتهم ونمط تفكيرهم . بهذا فان الإسلام دعا إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وان التمايز الثقافي لا ينتج عن الخلق أو نوع السلالة أو اللون البشري وإنما هناك جملة عوامل تصب في هذه الخانة وهي التعليم والبيئة الحياتية والإمكانات المتوافرة لهذه الفصيلة أو الجماعة أو الشعب أو الأمة أو تلك .
واعتبر الإسلام أن اختلاف الألسنة التي يتحدث بها الناس واختلاف الألوان البشرية هي من الآيات الدالة على خلق الله للبشر ، وليست للتمييز العرقي أو الجنسي أو اللوني أو الاثني أو القومي أو الوطني أو الأصل الاجتماعي أو الثروة أو غيرها بين الناس ، وهي آيات للتفكر فيها من قبل العلماء بعظيم صنع الله ، قال الله تعالى : { وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ } [8] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn8) . بذلك فان تباين الألسنة واختلافها هي من الأمور التي ستبقى إلى ابد الآبدين وينبغي على الجميع أن يستوعب ذلك ، وان لا يكون هناك تمييز أو تفريق بين الألوان بأي حال من الأحوال ، ولا بأي صورة من الصور ذلك أن الله هو الخالق ولا دخل للإنسان في تحديد لونه .
والإنسان والحالة هذه هو مجرد مخلوق لا ضلع له في تحديد لون بشرته ، وبالتالي لم الاختلاف والادعاء بالتفوق في هذه الحالة ، فالذي خلق الإنسان الأبيض أو الأصفر أو الأسود أو الأحمر هو الله نفسه تجلت قدرته . ويفترض أن تكون بين هذه الأجناس والألوان الألفة والتعاون والإخاء ليعمروا الكون وليعبدوا الله حق عبادته .
لقد ساوى الإسلام بين البشر كافة في النشأة الأولى ، حيث وردت آية قرآنية بهذا الخصوص : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا } [9] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn9) . وكما أن الله جل وعلا ، خلق الناس من نفس واحدة ، فكل نفس أيضا ستموت ، إن عاجلا أو آجلا ، وهي مساواة حقيقية بين كافة المخلوقات البشرية . قال الله تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [10] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn10). ولم يمايز الإسلام بين الناس في المصير المحتوم ، في الموت أيضا ، حيث أن مصيرهم إلى زوال ، فلماذا يلجأون إلى التمييز العرقي فيما بينهم ؟
على أي حال ، إن الإسلام ليس كغيره من الأديان الأخرى ، ساوى بين الجميع ، حث على العدل والإحسان ، واعتبر أن التمييز بين الأجناس على أساس عرقي أمر غير مقبول بل إن له عواقب وخيمة على المجتمع الإسلامي بكافه شرائحه ، قال الله جل وعلا يخاطب المؤمنين :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [11] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn11) . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن قصة " لقمان الحكيم " في إحدى سور القرآن المجيد ، وهذا الولي من أولياء الله أو الحكيم هو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح ( آزر أبو إبراهيم عليه السلام ) . وقيل لقمان هو عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل أيلة . وقيل إن لقمان عاش ألف سنه وأدركه نبي الله داود عليه السلام . كان لقمان اسود من سودان مصر مشقق الرجلين ذا مشافر أي عظيم الشفتين . قال النبي الكريم محمد ، صلى الله عليه وسلم ، عن لقمان الحكيم : " لم يكن لقمان نبيا ، ولكن عبدا كثير التفكر حسن اليقين ، أحب الله تعالى فأحبه ، فمن عليه بالحكمة ، وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق ، فقال : رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء ، وإن عزمت علي فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني " [12] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn12).
وقد آتاه الله عز وجل الحكمة ، واخبرنا الله سبحانه على لسان لقمان حكم متعددة شاملة وجامعة مانعة أسداها لإبنه ، حيث قال الله عز وجل في القرآن الكريم :
{ وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ . وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } [13] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn13).
هذه الوصايا الحكيمة التي ذكرت في القرآن المجيد هي تكريم للقمان – اسود اللون - الذي حباه الله بأن آتاه الحكمه لتكون نبراسا لإبنه أولا ولمن جاء بعده من الأمم التالية على مدار الزمان لرسم الخلق القويم ونبذ الخلق الذميم . هذه الوصايا جاءت من إنسان اسود اللون من سائر خلق الله لا فرق بينه وبين غيره من الأولياء والصالحين الذين حباهم الله بغض النظر عن لون جلدهم . وهذا الذكر الرباني للقمان الحكيم هو نوع من التكريم الإسلامي لهذا الولي الحكيم الذي من الله عليه بالحكمة والوعظ السوي القويم في المجالات الدينية والدنيوية على السواء . ومن عدالة الإسلام الظاهرة والباطنة على السواء ، ما فعله النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين عين أسامة بن زيد بن حارثة ( وهو من الموالى ) قائدا للجيش الإسلامي وكان أبو بكر وعمر بن الخطاب ، وهما من كبار الصحابة ( وخلفاء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فيما بعد ) جنودا في هذا الجيش [14] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn14) .
إستطاع الإسلام – إبان عهد الرعيل الإسلامي الأول - وما تلاه ، أن يقوم باستقبال مجموعات المسلمين الداخلين في دين الله أفواجا بكل محبة واخوة وترحاب ، وأن يبني الدولة الإسلامية العالمية ، في وقت قصير على أسس العدالة والإنصاف والمساواة بين الجميع ولم تقم هذه الدولة القوية على معيار الأجناس أو الأعراق البشرية : " ذلك أن خلو الدين ( الإسلامي ) من تفضيل جنس على جنس ، وتسويته المطلقة بين من اعتنقوه كافة ، سمح للفرس والروم والترك وسائر الموالي أن يزاحموا العرب بالمناكب في ميادين النشاط العلمي والأدبي والفني ، وأن ينتزعوا القيادة منهم في هذه الآفاق الحرة " [15] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn15) .
قال النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يؤكد على المساواة بين الناس : " الناس كأسنان المشط " [16] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn16) . وأكد النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع في مكة المكرمة في السنة العاشرة للهجرة النبوية الشريفة ، على مبادئ الإنصاف والعدالة دون محاباة عصبية أو تفاخر بالأصل الاجتماعي أو العرقي أو الأنساب بين الجميع ، بقوله : " أيها الناس ، إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم ، وآدم من تراب ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ، وليس لعربي على عجمي فضل الا بالتقوى ، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! قالوا : نعم . قال : فليبلغ الشاهد منكم الغائب " [17] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn17) . وفي حديث نبوي آخر ، قال الرسول الأعظم محمد ، صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من غضب لعصبية " [18] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn18) . وما حادثة المؤاخاة الإسلامية التاريخية بين المهاجرين والأنصار المسلمين في التاريخ الإنساني الا أكبر شاهد تاريخي على المساواة الإسلامية المميزة بين الناس بصرف النظر عن أصولهم الاجتماعية والاقتصادية واللونية . فقد آخى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين الأغنياء والفقراء ، الأسياد السابقين والعبيد السابقين ، على السواء ، من أبناء مكة المكرمة والمدينة المنورة فاصبحوا اخوة في العقيدة والدين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، بل كانوا يتوارثون بعضهم البعض حتى نزلت آيات المواريث . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين ، في قضية المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، على اختلاف أصولهم وأجناسهم العربية والحبشية والفارسية والرومية : " تآخوا في الله أخوين أخوين " [19] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn19) . ولم تقتصر الاخوة الإسلامية على المهاجرين والأنصار الأوائل ، وإنما هي حالة عامة بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، كانت وستبقى إلى الأبد ، إلى قيام الساعة ، يقول الله سبحانه :
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [20] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn20). والإسلام بعدله وكرمه ودعوته الحقة نبذ التخاصم البشري واللجوء إلى العصبيات القبلية أو الشعوبية أو الأممية ، في العالم منذ بدء الخليقة وحتى نهايتها . يقول العلامة المسلم محمد الغزالي عن العصبية العنصرية والتفوق الجنسي لبعض الأمم أو الشعوب على الأخرى بأنها مجرد هراء لا أساس له من الصحة ، وينفي وجود العصبيات المتزمتة في الدين الإسلامي الحنيف ، قائلا :
عصبيات للأسر ، عصبيات للأوطان ، عصبيات للأجناس ، أما الحقائق الكبرى التي تعلو هذه النزعات الطائشة – وتحكمها بحزم - فان العالم في جاهليته القديمة أو الحديثة لا يلقي باله إليها .. لأنها تعكر عليه نعيم الأمجاد الزائفة التي ينتجها في ظلال هذه العصبيات … إن هذه العصبيات – برغم ما يساندها من قوانين وتقاليد هي في نظر الدين ( الإسلامي ) حماقة كبرى ، والاعتراف بها هدم للأركان الأولى من الرسالات التي أنزل الله هداية للعالمين [21] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn21) .
روي أن أبي ذر الغفاري ، رضي الله عنه ، قال : كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية ، فنلت منها ، فذكرني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : " أساببت فلانا ؟ قلت : نعم ، قال " أفنلت من أمه ؟ قلت : نعم ، قال : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ " [22] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn22) . في أعقاب هذا التأنيب النبوي لأبي ذر الغفاري ، تاب توبة نصوحا ، وطلب من الذي سبه في أمه ( وكان قال له يا ابن السوداء ) – كما جاء في بعض الروايات – أن يطأ بقدمه على وجهه ، فرفض الرجل . وروى الحافظ ابن عساكر ، أن رسول الله محمد بن عبد الله ، عليه الصلاة والسلام ، قال : " يا أيها الناس ، إن الرب واحد ، والأب واحد ، وإن الدين واحد ، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنما هي اللسان ، فمن تكلم بالعربية فهو عربي " [23] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn23). وقد جاء هذا الحديث النبوي الشريف في خطبة ودعوة للصلاة جامعة ، في رد على رجل يدعى قيس بن مطاطية حيث جاء إلى حلقة علم فيها : سلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ، وبلال الحبشي - وكانوا زمن الجاهلية ممن بيعوا كعبيد - وحاول الحط من كرامة صحابة رسول الله هؤلاء الثلاثة .
على أي حال ، إن بلال بن رباح الحبشي ، هذا العبد ذي اللون الأسود الذي اعتقه الإسلام أصبح له مكانة طيبة بين المسلمين ، واصبح له اسم خالد في تاريخ الدعوة الإسلامية على مدى الأجيال الإسلامية المتعاقبة ، نال سمعة عالمية وشهرة دولية ، في الحياة الإسلامية ، من جيل إلى جيل ، ومن قرن إلى آخر ، حتى أيامنا هذه . كان يقول عن نفسه : إنما أنا عبد حبشي .. كنت بالأمس عبدا . فقد كان عبدا لدى قبيلة ( بني جمح ) وبعد بزوغ فجر الدعوة الإسلامية سرا في مكة المكرمة في الديار الحجازية ، أعلن إسلامه ، فوصل الخبر إلى سيده ، الذي حاول منعه من الإسلام واللحاق بدعوة الإسلام الحنيف ، فعرض عليه أن يتخلى عن إسلامه ، فرفض بلال فاخذ جلاده يعذبه ويسومه سوء العذاب يوميا في لهيب الصحراء عند الظهيرة . وكان بلال يردد ( أحد .. أحد ) ، يعني أن الله أحد لا شريك له . بعد تعرضه للتعذيب الشديد اعتقه أبو بكر الصديق ، أحد صحابة النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وقال للجلادين الذين يعذبون بلالا المسلم ، مدافعا ومكافحا عن حريته في اعتناق ما يشاء من الدين " أتقتلون رجلا يقول ربي الله " ، فاصبح بلال حرا ، بعد دفع مبلغ من المال فدية له . وفي معركة بدر الكبرى بين المسلمين والكفار من قريش جعلت الكلمات التي رددها بلال الحبشي أيام تعذيبه من قبل سيده الذي جلده في الجاهلية ( أمية ابن خلف ) " أحد .. أحد " رمزا وشعارا للمعركة الأولى الفاصلة بين الجانبين ، كناية عن الاحترام لهذا الشعار الإسلامي الذي اتخذه بلال بين رباح ، غير العربي ، فهو من عرق أفريقي حبشي ، لم يتنازل عنه تحت كافة أنواع العذاب النفسي والجسدي اليومي المتواصل . وقد صار بلال الحبشي المؤذن للصلاة زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعند فتح مكة المكرمة ، بعد أن رجع مع المسلمين وعددهم عشرة آلاف مسلم ، من المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية السياسية والإدارية إلى مكة المكرمة ، بقيادة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم بعد انتصار المسلمين الفاتحين صعد بلال بن رباح على مبنى الكعبة المشرفة في المسجد الحرام ، وهو اقدس بقعة في العالم عند الأمة الإسلامية ، ليصدع بالأذان الإسلامي مناديا للصلاة ( الله اكبر ، الله اكبر ) . لقد وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، قائد الأمة الإسلامية ، بلال بن رباح قائلا عنه إنه : رجل من أهل الجنة . إنه تكريم ما بعده تكريم لهذا المسلم الذي جاء من منبت الرقيق ، فانطلق الرجل ( الحبشي الأسود ) من الرق إلى أفق الحرية الواسع الرحب في ظل الإسلام حتى وفاته في زمن الخليفة عمر بن الخطاب ، ودفن جثمانه في دمشق [24] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn24) .
وسلمان الفارسي ، في الإسلام ، الذي بيع كعبد لبعض اليهود في يثرب قبل مقدم الإسلام ، مثال آخر ، على إعلاء الإسلام لحرية العبيد وتحريرهم من الرق ، وعدم إيلاء العرقية أو العنصرية أية أهمية ، حيث إنه في السنة الخامسة للهجرة النبوية الشريفة ، تجمع المشركون لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والأمة الإسلامية في المدينة المنورة ، فحشدت الجموع الكافرة من قريش واليهود في المدينة لملاحقة المسلمين في عقر دار الهجرة . وبعد المشاورة بين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، لردع المهاجمين الظالمين ، اقترح سلمان الفارسي ، على المسلمين أن يحفروا خندقا لصد هجمات الأعداء عنهم والدفاع عن حمى الإسلام والمسلمين . تم تنفيذ اقتراح الرجل المسلم سلمان الفارسي ، العبد السابق من قرية ( جي ) من أهل اصبهان الفارسية ، غير العربي . فحفر المسلمون الخندق ، ولعظيم امتنان المسلمين لسلمان الفارسي لهذه الخطة الحربية المحكمة ، في ذلك الوقت ، كان الأنصار في يوم الخندق ينادون " سلمان منا " ، ونادى المهاجرون " سلمان منا " ، أما النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فقال : " سلمان منا آل البيت " . أما علي ابن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فكان يلقب سلمان الفارسي ب " لقمان الحكيم " وهي عبارات طيبة كناية عن الاحترام والتبجيل لهذا الإنسان المسلم الذي كان اصله من بلاد فارس ( إيران اليوم ) . ولم يتمكن نحو أربعة وعشرين ألف مقاتل من الأحزاب من المشركين واليهود من احتلال المدينة ، ومكثوا خلف الخندق شهرا كاملا حيث هزمهم المسلمون بإذن الله ، فاضطرت قريش أن تعود خائبة من حيت أتت . وفيما بعد تولى سلمان الفارسي منصب أمير إمارة المدائن ، بتكليف من الخليفة المسلم ، وكان يقول عن الإمارة : حلاوة رضاعها ، ومرارة فطامها . ورفض نعيم الحياة الفانية مؤثرا نعيم الحياة الآخرة ، حيث كان يرفض العطايا ، ويعمل في صناعة ( الخوص ) أي السكاكين . هذا المثال نموذج من الأمثلة الإسلامية في رفع مقام غير المسلمين ، بعيدا عن التعصب والعنصرية العرقية أو الاجتماعية أو الاقتصادية لم تظهر في أي دين أو مذهب في أي عصر من العصور [25] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn25) .
وها هو صهيب الرومي ( صهيب بن سنان ) الذي سباه الروم وهو غلام من بلده ( الأبلة ) عندما كان والده واليا عليها لكسرى الفرس ، وبيع عبدا لشخص يدعى ( عبد الله بن جدعان ) بضم الجيم ، الذي أعتقه وحرره من ربقة العبودية وهيئ له مهنة التجارة للعمل بها معه ، فاصبح صهيب تاجرا ثريا ، في كنف الإسلام . وعند اعتزام النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، الهجرة من مكة إلى يثرب ( المدينة المنورة ) كان من المفترض أن يسافر صهيب بصحبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) الا أنه تأخر بسبب إعاقة أهل قريش له . فأراد صهيب أن يلحق بالمسلمين ، فلحقه بعض قناصة قريش ، فتفاوض معهم على أن يدعوه وشأنه مقابل ماله الذي خبأه في مكة فوافقوا وتركوه وقفلوا راجعين من حيث أتوا . فقال النبي لصهيب عن ذلك : ربح البيع أبا يحيى . تحدث صهيب ذات مره عن نفسه ، يروي المعاملة الحسنة التي لاقاها من إمام وقائد الأمة الإسلامية الأول ، فقال :
لم يشهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مشهدا قط ، إلا كنت حاضره … ولم يبايع بيعه قط إلا كنت حاضرها ، ولم يسر سرية قط … ولا غزا غزوة قط ، أول الزمان وآخره ، إلا كنت فيها عن يمينه أو شمال … وما خاف – المسلمون – أمامهم قط إلا كنت أمامهم … ولا خافوا ورائهم إلا كنت ورائهم … وما جعلت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بيني وبين العدو أبدا حتى لقي ربه [26] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn26) .
وعندما اعتدي على الخليفة عمر بن الخطاب في محراب المسجد في صلاة الفجر قال عمر في وصيته : ليصل بالناس صهيب ، فهل هناك ، في هذا المجال ، اعظم من تكريم الإنسان المسلم في حمى الإسلام ، مهما كان اصله الاجتماعي أو الاقتصادي أو العرقي .
ولا بد من القول ، إن الله سبحانه وتعالى كرم بني آدم في الخلق ، كلهم أجمعين ، لا فرق بينهم ولم يحدد جنس أو جماعة منهم وحدها ، لحسبها ونسبها ولغتها ولونها وشكلها ، بل شملت عملية التكريم كافة بني البشر من ناحية التكريم الإلهي ، قال الله تعالى في القرآن المجيد : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [27] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn27) . وقال الله سبحانه وتعالى في سورة أخرى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } [28] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn28) .
[1] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref1) القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، آية 103 .
[2] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref2) القرآن الكريم ، سورة البقرة ، آية 30 .
[3] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref3) القرآن الكريم ، سورة الأنبياء ، آية 107 .
[4] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref4) القرآن الكريم ، سورة سبأ ، آية 27 .
[5] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref5) القرآن الكريم ، سورة الحجرات ، الآيات 11 – 13 .
[6] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref6) القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، آية 110 .
[7] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref7) القرآن الكريم ، سورة النساء ، آية 1 .
[8] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref8) القرآن الكريم ، سورة الروم ، آية 22 .
[9] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref9) القرآن الكريم ، سورة فاطر ، آية 11 .
[10] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref10) القرآن الكريم ، آل عمران ، آية 185 .
[11] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref11) القرآن الكريم ، سورة المائدة ، آية 8 .
[12] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref12) ذكره ابن عطيه .
[13] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref13) القرآن الكريم ، سورة لقمان ، الآيات 12 – 19 .
[14] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref14) محمد الغزالي ، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام ( القاهرة : دار الكتب العربية ، دون تاريخ نشر ) ، ص 137 .
[15] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref15) المرجع السابق ، ص 138 .
[16] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref16) حديث نبوي ، في مسند الشهاب القضاعي ، الجزء 1 ، ص 310 .
[17] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref17) سيرة ابن هشام ، الجزء الرابع ، ص 1022 – 1024 .
[18] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref18) رواه أبو داود .
[19] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref19) عبد السلام هارون ، تهذيب سيرة ابن هشام ( القاهرة : مكتبة السنة ، 1989 ) ، ص 115 .
[20] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref20) القرآن الكريم ، سورة الحجرات ، آية 10 .
[21] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref21) محمد الغزالي ، مرجع سابق ، ص 10 – 11 .
[22] [1] عبد السلام هارون ، تهذيب سيرة ابن هشام ( القاهرة : مكتبة السنة ، 1989 ) ، ص 115 .
[ 23 ] القرآن الكريم ، سورة الحجرات ، آية 10 .
[ 24] محمد الغزالي ، مرجع سابق ، ص 10 – 11 .
[25] رواه البخاري ومسلم .
[ 26] رواه ابن عساكر .
[ 27] خالد محمد خالد ، رجال حول الرسول ( بيروت : دار الفكر ، دون تاريخ نشر ) ، ص 80 – 92 .
[ 28] المرجع السابق ، ص 44 – 57 .
ملاحظة هامة : يتبع .. ( 2 - 2 )
التمييز في الإسلام
( 1 - 2 )
يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)}( القرآن المجيد ، الحجرات ) .
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
فلسطين العربية المسلمة
الإسلام رسالة دينية عالمية لجميع بني آدم ، يمتاز بالريح الطيبة المليئة بالحنان والرحمة العامة للجميع والإحسان المتنامي ، وهو دين المؤاخاة البشرية العالمية العامة ، جاء بالبشرى الطيبة لإنقاذ البشرية من الشر ليحل محله الخير العام ، في كافة الأشكال والصور الإنسانية الحية ، لا يوجد به حواجز طائفية أو نعرات عرقية أو عنصرية أو لونية أو سواها . وهو لا يوصد أبوابه أمام أي إنسان يرغب في اعتناقه والسير على هداه أو صراطه المستقيم القويم ، جاء بها النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ( صلى الله عليه وسلم ) بوساطة الملك جبريل عليه السلام مبلغا عن رب العزة تبارك وتعالى ، فهو رسالة شاملة للمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، العامة والخاصة . لقد دعا الإسلام إلى التعاون والاعتصام بحبل الله المتين ، قال الله سبحانه وتعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [1] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn1).
الإنسان في الإسلام ، بغض النظر عن جنسه أو سلالته أو عرقه أو أصله الاجتماعي أو القومي ، هو خليفة الله في الأرض ، قال الله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [2] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn2) . فالإنسان في الإسلام مخلوق كرمه الله سبحانه وتعالى على سائر المخلوقات ، ولم يذكر عنصره أو منبته ، بل ذكر خلافته في الأرض لاستصلاحها والاستفادة من خيراتها جنبا إلى جنب مع أخيه ، ومن حقه أن يكون مكرما دونما التفات إلى عنصره أو جنسه أو لونه أو نسبه .
فلا تمييز في الإسلام بين الأجناس البشرية البيضاء والحمراء والسوداء والصفراء وسواها ، أو بين المهاجرين والأنصار ، أو بين المسلمين الذين كانت أصولهم أسرى أو عبيد لدى الآخرين ، بأي حال من الأحوال ، فالإسلام دين رحمة للناس كافة . عن ذلك يقول الله سبحانه وتعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [3] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn3) . وفي آية أخرى ، قال الله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [4] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn4).
وقد نادى الإسلام بالمساواة بين جميع الناس ، وحثهم على عدم السخرية من بعضهم البعض ، سواء أكانوا ذكورا أو إناثا ، وعدم الهمز واللمز والتنابز بالألقاب ، ودعا إلى اجتناب الظن السوء بالآخرين وعدم التجسس أو الغيبة لئلا تنتشر الكراهية بين الناس ، وذلك لأن كل الناس آدميين ، من نسل آدم وحواء ، لا فرق بينهم وقد خلقهم الله لعبادته ، ولكي يتعارفوا فيما بينهم . قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ . يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [5] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn5) . والمفاضلة هنا بين بني آدم فقط في التقوى والصلاح والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [6] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn6) . وفي سورة قرآنية أخرى ، نطقت الآيات القرآنية بالدعوة إلى التقوى لأن الله عز وجل خلق الناس جميعا من نفس واحدة ، قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [7] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn7) . إذن فالناس كلهم مخلوقون من نفس واحدة كما بين لنا رب العزة والجبروت ، وهذه النفس البشرية هي آدم عليه السلام ، خلق من ضلعه أمنا حواء عليها السلام ، ثم تكاثر آدم وحواء وخلفوا مجموعة من البشر وبدورهم تكاثروا وتناسلوا وانجبوا غيرهم وهكذا .
فالأصل والمنبت الإنساني واحد ، وهم بذلك سواسية في الخلق والتكوين ، ولكن الظروف والبيئة هي التي تفرق بين عاداتهم ونمط تفكيرهم . بهذا فان الإسلام دعا إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وان التمايز الثقافي لا ينتج عن الخلق أو نوع السلالة أو اللون البشري وإنما هناك جملة عوامل تصب في هذه الخانة وهي التعليم والبيئة الحياتية والإمكانات المتوافرة لهذه الفصيلة أو الجماعة أو الشعب أو الأمة أو تلك .
واعتبر الإسلام أن اختلاف الألسنة التي يتحدث بها الناس واختلاف الألوان البشرية هي من الآيات الدالة على خلق الله للبشر ، وليست للتمييز العرقي أو الجنسي أو اللوني أو الاثني أو القومي أو الوطني أو الأصل الاجتماعي أو الثروة أو غيرها بين الناس ، وهي آيات للتفكر فيها من قبل العلماء بعظيم صنع الله ، قال الله تعالى : { وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ } [8] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn8) . بذلك فان تباين الألسنة واختلافها هي من الأمور التي ستبقى إلى ابد الآبدين وينبغي على الجميع أن يستوعب ذلك ، وان لا يكون هناك تمييز أو تفريق بين الألوان بأي حال من الأحوال ، ولا بأي صورة من الصور ذلك أن الله هو الخالق ولا دخل للإنسان في تحديد لونه .
والإنسان والحالة هذه هو مجرد مخلوق لا ضلع له في تحديد لون بشرته ، وبالتالي لم الاختلاف والادعاء بالتفوق في هذه الحالة ، فالذي خلق الإنسان الأبيض أو الأصفر أو الأسود أو الأحمر هو الله نفسه تجلت قدرته . ويفترض أن تكون بين هذه الأجناس والألوان الألفة والتعاون والإخاء ليعمروا الكون وليعبدوا الله حق عبادته .
لقد ساوى الإسلام بين البشر كافة في النشأة الأولى ، حيث وردت آية قرآنية بهذا الخصوص : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا } [9] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn9) . وكما أن الله جل وعلا ، خلق الناس من نفس واحدة ، فكل نفس أيضا ستموت ، إن عاجلا أو آجلا ، وهي مساواة حقيقية بين كافة المخلوقات البشرية . قال الله تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [10] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn10). ولم يمايز الإسلام بين الناس في المصير المحتوم ، في الموت أيضا ، حيث أن مصيرهم إلى زوال ، فلماذا يلجأون إلى التمييز العرقي فيما بينهم ؟
على أي حال ، إن الإسلام ليس كغيره من الأديان الأخرى ، ساوى بين الجميع ، حث على العدل والإحسان ، واعتبر أن التمييز بين الأجناس على أساس عرقي أمر غير مقبول بل إن له عواقب وخيمة على المجتمع الإسلامي بكافه شرائحه ، قال الله جل وعلا يخاطب المؤمنين :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [11] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn11) . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن قصة " لقمان الحكيم " في إحدى سور القرآن المجيد ، وهذا الولي من أولياء الله أو الحكيم هو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح ( آزر أبو إبراهيم عليه السلام ) . وقيل لقمان هو عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل أيلة . وقيل إن لقمان عاش ألف سنه وأدركه نبي الله داود عليه السلام . كان لقمان اسود من سودان مصر مشقق الرجلين ذا مشافر أي عظيم الشفتين . قال النبي الكريم محمد ، صلى الله عليه وسلم ، عن لقمان الحكيم : " لم يكن لقمان نبيا ، ولكن عبدا كثير التفكر حسن اليقين ، أحب الله تعالى فأحبه ، فمن عليه بالحكمة ، وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق ، فقال : رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء ، وإن عزمت علي فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني " [12] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn12).
وقد آتاه الله عز وجل الحكمة ، واخبرنا الله سبحانه على لسان لقمان حكم متعددة شاملة وجامعة مانعة أسداها لإبنه ، حيث قال الله عز وجل في القرآن الكريم :
{ وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ . وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } [13] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn13).
هذه الوصايا الحكيمة التي ذكرت في القرآن المجيد هي تكريم للقمان – اسود اللون - الذي حباه الله بأن آتاه الحكمه لتكون نبراسا لإبنه أولا ولمن جاء بعده من الأمم التالية على مدار الزمان لرسم الخلق القويم ونبذ الخلق الذميم . هذه الوصايا جاءت من إنسان اسود اللون من سائر خلق الله لا فرق بينه وبين غيره من الأولياء والصالحين الذين حباهم الله بغض النظر عن لون جلدهم . وهذا الذكر الرباني للقمان الحكيم هو نوع من التكريم الإسلامي لهذا الولي الحكيم الذي من الله عليه بالحكمة والوعظ السوي القويم في المجالات الدينية والدنيوية على السواء . ومن عدالة الإسلام الظاهرة والباطنة على السواء ، ما فعله النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين عين أسامة بن زيد بن حارثة ( وهو من الموالى ) قائدا للجيش الإسلامي وكان أبو بكر وعمر بن الخطاب ، وهما من كبار الصحابة ( وخلفاء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فيما بعد ) جنودا في هذا الجيش [14] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn14) .
إستطاع الإسلام – إبان عهد الرعيل الإسلامي الأول - وما تلاه ، أن يقوم باستقبال مجموعات المسلمين الداخلين في دين الله أفواجا بكل محبة واخوة وترحاب ، وأن يبني الدولة الإسلامية العالمية ، في وقت قصير على أسس العدالة والإنصاف والمساواة بين الجميع ولم تقم هذه الدولة القوية على معيار الأجناس أو الأعراق البشرية : " ذلك أن خلو الدين ( الإسلامي ) من تفضيل جنس على جنس ، وتسويته المطلقة بين من اعتنقوه كافة ، سمح للفرس والروم والترك وسائر الموالي أن يزاحموا العرب بالمناكب في ميادين النشاط العلمي والأدبي والفني ، وأن ينتزعوا القيادة منهم في هذه الآفاق الحرة " [15] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn15) .
قال النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يؤكد على المساواة بين الناس : " الناس كأسنان المشط " [16] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn16) . وأكد النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع في مكة المكرمة في السنة العاشرة للهجرة النبوية الشريفة ، على مبادئ الإنصاف والعدالة دون محاباة عصبية أو تفاخر بالأصل الاجتماعي أو العرقي أو الأنساب بين الجميع ، بقوله : " أيها الناس ، إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم ، وآدم من تراب ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ، وليس لعربي على عجمي فضل الا بالتقوى ، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! قالوا : نعم . قال : فليبلغ الشاهد منكم الغائب " [17] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn17) . وفي حديث نبوي آخر ، قال الرسول الأعظم محمد ، صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من غضب لعصبية " [18] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn18) . وما حادثة المؤاخاة الإسلامية التاريخية بين المهاجرين والأنصار المسلمين في التاريخ الإنساني الا أكبر شاهد تاريخي على المساواة الإسلامية المميزة بين الناس بصرف النظر عن أصولهم الاجتماعية والاقتصادية واللونية . فقد آخى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين الأغنياء والفقراء ، الأسياد السابقين والعبيد السابقين ، على السواء ، من أبناء مكة المكرمة والمدينة المنورة فاصبحوا اخوة في العقيدة والدين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، بل كانوا يتوارثون بعضهم البعض حتى نزلت آيات المواريث . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين ، في قضية المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، على اختلاف أصولهم وأجناسهم العربية والحبشية والفارسية والرومية : " تآخوا في الله أخوين أخوين " [19] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn19) . ولم تقتصر الاخوة الإسلامية على المهاجرين والأنصار الأوائل ، وإنما هي حالة عامة بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، كانت وستبقى إلى الأبد ، إلى قيام الساعة ، يقول الله سبحانه :
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [20] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn20). والإسلام بعدله وكرمه ودعوته الحقة نبذ التخاصم البشري واللجوء إلى العصبيات القبلية أو الشعوبية أو الأممية ، في العالم منذ بدء الخليقة وحتى نهايتها . يقول العلامة المسلم محمد الغزالي عن العصبية العنصرية والتفوق الجنسي لبعض الأمم أو الشعوب على الأخرى بأنها مجرد هراء لا أساس له من الصحة ، وينفي وجود العصبيات المتزمتة في الدين الإسلامي الحنيف ، قائلا :
عصبيات للأسر ، عصبيات للأوطان ، عصبيات للأجناس ، أما الحقائق الكبرى التي تعلو هذه النزعات الطائشة – وتحكمها بحزم - فان العالم في جاهليته القديمة أو الحديثة لا يلقي باله إليها .. لأنها تعكر عليه نعيم الأمجاد الزائفة التي ينتجها في ظلال هذه العصبيات … إن هذه العصبيات – برغم ما يساندها من قوانين وتقاليد هي في نظر الدين ( الإسلامي ) حماقة كبرى ، والاعتراف بها هدم للأركان الأولى من الرسالات التي أنزل الله هداية للعالمين [21] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn21) .
روي أن أبي ذر الغفاري ، رضي الله عنه ، قال : كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية ، فنلت منها ، فذكرني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : " أساببت فلانا ؟ قلت : نعم ، قال " أفنلت من أمه ؟ قلت : نعم ، قال : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ " [22] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn22) . في أعقاب هذا التأنيب النبوي لأبي ذر الغفاري ، تاب توبة نصوحا ، وطلب من الذي سبه في أمه ( وكان قال له يا ابن السوداء ) – كما جاء في بعض الروايات – أن يطأ بقدمه على وجهه ، فرفض الرجل . وروى الحافظ ابن عساكر ، أن رسول الله محمد بن عبد الله ، عليه الصلاة والسلام ، قال : " يا أيها الناس ، إن الرب واحد ، والأب واحد ، وإن الدين واحد ، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنما هي اللسان ، فمن تكلم بالعربية فهو عربي " [23] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn23). وقد جاء هذا الحديث النبوي الشريف في خطبة ودعوة للصلاة جامعة ، في رد على رجل يدعى قيس بن مطاطية حيث جاء إلى حلقة علم فيها : سلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ، وبلال الحبشي - وكانوا زمن الجاهلية ممن بيعوا كعبيد - وحاول الحط من كرامة صحابة رسول الله هؤلاء الثلاثة .
على أي حال ، إن بلال بن رباح الحبشي ، هذا العبد ذي اللون الأسود الذي اعتقه الإسلام أصبح له مكانة طيبة بين المسلمين ، واصبح له اسم خالد في تاريخ الدعوة الإسلامية على مدى الأجيال الإسلامية المتعاقبة ، نال سمعة عالمية وشهرة دولية ، في الحياة الإسلامية ، من جيل إلى جيل ، ومن قرن إلى آخر ، حتى أيامنا هذه . كان يقول عن نفسه : إنما أنا عبد حبشي .. كنت بالأمس عبدا . فقد كان عبدا لدى قبيلة ( بني جمح ) وبعد بزوغ فجر الدعوة الإسلامية سرا في مكة المكرمة في الديار الحجازية ، أعلن إسلامه ، فوصل الخبر إلى سيده ، الذي حاول منعه من الإسلام واللحاق بدعوة الإسلام الحنيف ، فعرض عليه أن يتخلى عن إسلامه ، فرفض بلال فاخذ جلاده يعذبه ويسومه سوء العذاب يوميا في لهيب الصحراء عند الظهيرة . وكان بلال يردد ( أحد .. أحد ) ، يعني أن الله أحد لا شريك له . بعد تعرضه للتعذيب الشديد اعتقه أبو بكر الصديق ، أحد صحابة النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وقال للجلادين الذين يعذبون بلالا المسلم ، مدافعا ومكافحا عن حريته في اعتناق ما يشاء من الدين " أتقتلون رجلا يقول ربي الله " ، فاصبح بلال حرا ، بعد دفع مبلغ من المال فدية له . وفي معركة بدر الكبرى بين المسلمين والكفار من قريش جعلت الكلمات التي رددها بلال الحبشي أيام تعذيبه من قبل سيده الذي جلده في الجاهلية ( أمية ابن خلف ) " أحد .. أحد " رمزا وشعارا للمعركة الأولى الفاصلة بين الجانبين ، كناية عن الاحترام لهذا الشعار الإسلامي الذي اتخذه بلال بين رباح ، غير العربي ، فهو من عرق أفريقي حبشي ، لم يتنازل عنه تحت كافة أنواع العذاب النفسي والجسدي اليومي المتواصل . وقد صار بلال الحبشي المؤذن للصلاة زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعند فتح مكة المكرمة ، بعد أن رجع مع المسلمين وعددهم عشرة آلاف مسلم ، من المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية السياسية والإدارية إلى مكة المكرمة ، بقيادة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم بعد انتصار المسلمين الفاتحين صعد بلال بن رباح على مبنى الكعبة المشرفة في المسجد الحرام ، وهو اقدس بقعة في العالم عند الأمة الإسلامية ، ليصدع بالأذان الإسلامي مناديا للصلاة ( الله اكبر ، الله اكبر ) . لقد وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، قائد الأمة الإسلامية ، بلال بن رباح قائلا عنه إنه : رجل من أهل الجنة . إنه تكريم ما بعده تكريم لهذا المسلم الذي جاء من منبت الرقيق ، فانطلق الرجل ( الحبشي الأسود ) من الرق إلى أفق الحرية الواسع الرحب في ظل الإسلام حتى وفاته في زمن الخليفة عمر بن الخطاب ، ودفن جثمانه في دمشق [24] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn24) .
وسلمان الفارسي ، في الإسلام ، الذي بيع كعبد لبعض اليهود في يثرب قبل مقدم الإسلام ، مثال آخر ، على إعلاء الإسلام لحرية العبيد وتحريرهم من الرق ، وعدم إيلاء العرقية أو العنصرية أية أهمية ، حيث إنه في السنة الخامسة للهجرة النبوية الشريفة ، تجمع المشركون لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والأمة الإسلامية في المدينة المنورة ، فحشدت الجموع الكافرة من قريش واليهود في المدينة لملاحقة المسلمين في عقر دار الهجرة . وبعد المشاورة بين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، لردع المهاجمين الظالمين ، اقترح سلمان الفارسي ، على المسلمين أن يحفروا خندقا لصد هجمات الأعداء عنهم والدفاع عن حمى الإسلام والمسلمين . تم تنفيذ اقتراح الرجل المسلم سلمان الفارسي ، العبد السابق من قرية ( جي ) من أهل اصبهان الفارسية ، غير العربي . فحفر المسلمون الخندق ، ولعظيم امتنان المسلمين لسلمان الفارسي لهذه الخطة الحربية المحكمة ، في ذلك الوقت ، كان الأنصار في يوم الخندق ينادون " سلمان منا " ، ونادى المهاجرون " سلمان منا " ، أما النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فقال : " سلمان منا آل البيت " . أما علي ابن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فكان يلقب سلمان الفارسي ب " لقمان الحكيم " وهي عبارات طيبة كناية عن الاحترام والتبجيل لهذا الإنسان المسلم الذي كان اصله من بلاد فارس ( إيران اليوم ) . ولم يتمكن نحو أربعة وعشرين ألف مقاتل من الأحزاب من المشركين واليهود من احتلال المدينة ، ومكثوا خلف الخندق شهرا كاملا حيث هزمهم المسلمون بإذن الله ، فاضطرت قريش أن تعود خائبة من حيت أتت . وفيما بعد تولى سلمان الفارسي منصب أمير إمارة المدائن ، بتكليف من الخليفة المسلم ، وكان يقول عن الإمارة : حلاوة رضاعها ، ومرارة فطامها . ورفض نعيم الحياة الفانية مؤثرا نعيم الحياة الآخرة ، حيث كان يرفض العطايا ، ويعمل في صناعة ( الخوص ) أي السكاكين . هذا المثال نموذج من الأمثلة الإسلامية في رفع مقام غير المسلمين ، بعيدا عن التعصب والعنصرية العرقية أو الاجتماعية أو الاقتصادية لم تظهر في أي دين أو مذهب في أي عصر من العصور [25] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn25) .
وها هو صهيب الرومي ( صهيب بن سنان ) الذي سباه الروم وهو غلام من بلده ( الأبلة ) عندما كان والده واليا عليها لكسرى الفرس ، وبيع عبدا لشخص يدعى ( عبد الله بن جدعان ) بضم الجيم ، الذي أعتقه وحرره من ربقة العبودية وهيئ له مهنة التجارة للعمل بها معه ، فاصبح صهيب تاجرا ثريا ، في كنف الإسلام . وعند اعتزام النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، الهجرة من مكة إلى يثرب ( المدينة المنورة ) كان من المفترض أن يسافر صهيب بصحبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) الا أنه تأخر بسبب إعاقة أهل قريش له . فأراد صهيب أن يلحق بالمسلمين ، فلحقه بعض قناصة قريش ، فتفاوض معهم على أن يدعوه وشأنه مقابل ماله الذي خبأه في مكة فوافقوا وتركوه وقفلوا راجعين من حيث أتوا . فقال النبي لصهيب عن ذلك : ربح البيع أبا يحيى . تحدث صهيب ذات مره عن نفسه ، يروي المعاملة الحسنة التي لاقاها من إمام وقائد الأمة الإسلامية الأول ، فقال :
لم يشهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مشهدا قط ، إلا كنت حاضره … ولم يبايع بيعه قط إلا كنت حاضرها ، ولم يسر سرية قط … ولا غزا غزوة قط ، أول الزمان وآخره ، إلا كنت فيها عن يمينه أو شمال … وما خاف – المسلمون – أمامهم قط إلا كنت أمامهم … ولا خافوا ورائهم إلا كنت ورائهم … وما جعلت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بيني وبين العدو أبدا حتى لقي ربه [26] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn26) .
وعندما اعتدي على الخليفة عمر بن الخطاب في محراب المسجد في صلاة الفجر قال عمر في وصيته : ليصل بالناس صهيب ، فهل هناك ، في هذا المجال ، اعظم من تكريم الإنسان المسلم في حمى الإسلام ، مهما كان اصله الاجتماعي أو الاقتصادي أو العرقي .
ولا بد من القول ، إن الله سبحانه وتعالى كرم بني آدم في الخلق ، كلهم أجمعين ، لا فرق بينهم ولم يحدد جنس أو جماعة منهم وحدها ، لحسبها ونسبها ولغتها ولونها وشكلها ، بل شملت عملية التكريم كافة بني البشر من ناحية التكريم الإلهي ، قال الله تعالى في القرآن المجيد : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [27] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn27) . وقال الله سبحانه وتعالى في سورة أخرى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } [28] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftn28) .
[1] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref1) القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، آية 103 .
[2] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref2) القرآن الكريم ، سورة البقرة ، آية 30 .
[3] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref3) القرآن الكريم ، سورة الأنبياء ، آية 107 .
[4] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref4) القرآن الكريم ، سورة سبأ ، آية 27 .
[5] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref5) القرآن الكريم ، سورة الحجرات ، الآيات 11 – 13 .
[6] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref6) القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، آية 110 .
[7] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref7) القرآن الكريم ، سورة النساء ، آية 1 .
[8] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref8) القرآن الكريم ، سورة الروم ، آية 22 .
[9] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref9) القرآن الكريم ، سورة فاطر ، آية 11 .
[10] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref10) القرآن الكريم ، آل عمران ، آية 185 .
[11] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref11) القرآن الكريم ، سورة المائدة ، آية 8 .
[12] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref12) ذكره ابن عطيه .
[13] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref13) القرآن الكريم ، سورة لقمان ، الآيات 12 – 19 .
[14] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref14) محمد الغزالي ، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام ( القاهرة : دار الكتب العربية ، دون تاريخ نشر ) ، ص 137 .
[15] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref15) المرجع السابق ، ص 138 .
[16] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref16) حديث نبوي ، في مسند الشهاب القضاعي ، الجزء 1 ، ص 310 .
[17] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref17) سيرة ابن هشام ، الجزء الرابع ، ص 1022 – 1024 .
[18] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref18) رواه أبو داود .
[19] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref19) عبد السلام هارون ، تهذيب سيرة ابن هشام ( القاهرة : مكتبة السنة ، 1989 ) ، ص 115 .
[20] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref20) القرآن الكريم ، سورة الحجرات ، آية 10 .
[21] (http://www.maktoobblog.com/FCKeditor/editor/fckeditor.html?InstanceName=Body&Toolbar=Basic#_ftnref21) محمد الغزالي ، مرجع سابق ، ص 10 – 11 .
[22] [1] عبد السلام هارون ، تهذيب سيرة ابن هشام ( القاهرة : مكتبة السنة ، 1989 ) ، ص 115 .
[ 23 ] القرآن الكريم ، سورة الحجرات ، آية 10 .
[ 24] محمد الغزالي ، مرجع سابق ، ص 10 – 11 .
[25] رواه البخاري ومسلم .
[ 26] رواه ابن عساكر .
[ 27] خالد محمد خالد ، رجال حول الرسول ( بيروت : دار الفكر ، دون تاريخ نشر ) ، ص 80 – 92 .
[ 28] المرجع السابق ، ص 44 – 57 .
ملاحظة هامة : يتبع .. ( 2 - 2 )