د. كمال إبراهيم علاونه
27-07-2008, 01:49 PM
الاستيطان الصهيوني في فلسطين
د. محمد عوده غلمي
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر
نابلس - فلسطين
عضو مجلس الشورى
شبكة الإسراء والمعراج - إسراج
يكثر الحديث الجدي حول معضلة الاستيطان في هذه الأيام ، مع بدء البحث والتفاوض حول قضايا الحل الدائم بين الجانب الإسرائيلي والجانب الفلسطيني ، ولا سيما أن الاستيطان من اعقد هذه القضايا المطروحة وذلك لتعلقه في ذات الوقت بعدة قضايا لا تقل عنه تعقيدا، وهي : الأرض والسيادة، المياه ، الحدود، اللاجئين، القدس، فكل هذه القضايا منفردة ومجتمعة تتعلق بشكل أو بآخر بموضوع الاستيطان.
من هنا يمكن اعتبار ان الاستيطان هو نقطة الحسم او التفجير لعملية السلام، او حتى يمكن اعتباره الذي يحدد مصير المفاوضات ، وقد شاهدنا بدء الجدل حول الاستيطان عندما اخذت الحكومة الاسرائيلية بفرض الامر الواقع – كعادتها، اذ ان قرارات توسع المستوطنات وبناء الشقق الاستيطانية في معاليه ادوميوم ، يعتبر بدء مبكر وعملي للتفاوض من طرف واحد وبالطريقة الاسرائلية بعد مؤتمر انابوليس،
فالاستيطان يعني اصطلاحا : الاستيلاء على الأرض والإحلال محل سكانها الأصليين واقتلاعهم من أرضهم ، إما بالتهجير ، أو بالطرد . وهذا النموذج وبشكله المتفرد والموجود في فلسطين لم يتكرر في التاريخ وبهذه الصورة الجذرية ، إذ استوطن الفرنسيون الجزائر واستوطن الأوروبيون أمريكا ، كل هذه النماذج اختلفت عن الاستيطان الإسرائيلي الأيدلوجي الذي يعني اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه والادعاء بالميراث الإلهي والحق الشرعي ، الذي يخصه دون غيره من الأمم والشعوب ، من هنا كانت المعضلة .
والدليل على هذا المعنى للاستيطان اليهودي ما تعنيه كلمة ( هتنحليوت ) بالعبرية ، حيث تعني ورث ، أو حاز أو اقتنى ، وبالاصطلاح اللغوي العبري تعني الميراث الشرعي . أما كلمة Settle باللغة الإنجليزية تعني ينزل من إنزال ، أو إحلال أو يوطن والتي يشتق منها كلمة Settlement التي تعني مستوطنة أو هبة شرعية .
إن مدلولات الكلمة باللغة العبرية والإنجليزية تفي بالغرض التي أقيمت من أجله المستوطنات في فلسطين وهذه المعاني تفيد المدلولات التاريخية والدينية للكلمة التي تعبر بوضوح عن أهداف الحركة الصهيونية وحركة الاستيطان .
أهداف ودوافع الاستيطان
عند بدء الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية، وضع مخططوه مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي يحقق من خلالها زرع أكبر عدد من المستوطنات داخل المناطق، مدفوعين بجملة من المبررات التي سوغها منظرو الاستيطان لأنفسهم وللقيادات الصهيونية، التي اتجهت لدعم مخططات الاستيطان ضمن رؤية سياسية وأمنية ذات غايات وأهداف مدروسة بعمق.
فقضية الأمن، أول ما يهم المفكر الإستراتيجي الصهيوني في تحديد أولوياته، نظراً لأن الهاجس الأمني كان الباعث الحقيقي للإستراتيجية الصهيونية، ولن يتركز الحديث هنا على أهمية الأمن بالنسبة للصهاينة أو لمستوطنيهم في المناطق الفلسطينية، وإنما عن تلك الإجراءات التي طبقتاها الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية لذا غرست المستوطنات داخل الأراضي الفلسطينية كثيفة السكان، بهدف تحقيق السيطرة العسكرية، ومحاصرتها ومراقبة نشاطات سكانها، من خلال الجهاز الأمني الخاص بالمستوطنين الذي تم تشكيله لهذه الغاية، وكذلك السيطرة المباشرة على التكاثر السكاني الفلسطيني، من هنا ارتبط العامل الديمغرافي مباشرة بالأمن، و برز كمبرر ثاني لإستراتيجية الاستيطان.
و جعل الصهاينة من التكاثر السكاني على الأرض الفلسطينية معضلة بالنسبة لهم، فمنذ اللحظة الأولى التي فكر فيها الصهاينة باحتلال الأرض الفلسطينية، كان الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض الهاجس الأخطر ، لذا وضعت الخطط والمشاريع للحد من التكاثر السكاني الفلسطيني، فكان الاستيطان وزرع مستوطنات يهودية ذات كثافة سكانية في قلب الوسط العربي الفلسطيني من أهم هذه الخطوات للحد من تأثير التفوق العددي الفلسطيني، ومن هنا برزت ضرورة توضيح أهمية الاستيطان كهدف لحل الإشكالية الديمغرافية، وبعبارة أخرى: كان الصراع السكاني أحد المبررات الحقيقية لوجود الاستيطان في المناطق الفلسطينية.ائيلية لجعل المستوطنات جداراً أمنيا، يحمي كيان دولة الصهاينة برمتها، جغرافيا، وسكانيا، وسياسيا، وكيف أن هذه المستوطنات كانت حجر الزاوية في التركيبة الأمنية الصهيونية.
من هذا المفهوم الذي ساد وسيطر على العقلية الصهيونية، ومن مخاوف (الخطر الديمغرافي)، برز الاستيطان وتكثيف المستوطنات وضخها بالأعداد البشرية ، وعُد َّمن أهم الخطوات الإستراتيجية لمعالجة (الزحف العربي) نحو الدولة (اليهودية)، للسيطرة على مقدرات الشعب الفلسطيني واقتصاده، وللتحكم حتى في منابع البنية التحتية للأراضي الفلسطينية، وهو ما سيحد من تطورهم المعيشي، وبالتالي سيحد من تكاثرهم واستقرارهم.
ولقد كانت المصادر المائية من أهم الأهداف التي حرص الصهاينة على التحكم بها والسيطرة عليها وهوما دفع الكيان الصهيوني للاستيطان في المناطق الفلسطينية، خصوصا وأن هذه المناطق غنية المصادر، وتمتلك ثروة مائية وافرة، وتعني السيطرة عليها التحكم بمجرى الحياة في هذه المناطق، والهيمنة المائية ليست بحاجة إلى تعريف، وإنما لإجابة على سؤال: كيف كان الماء أحد العوامل التي دعت المخطط الاستراتيجي الصهيوني الى جعل الاستيطان أحد أهدافه ؟
فلأجل تمرير سياسية السيطرة على المصادر المائية في المناطق الفلسطينية، وجعلها خاضعة بالكامل للقوانين الإسرائيلية، خدمة للهدف الاستراتيجي الإسرائيلي، وتحكماً بمصير الشعب الفلسطيني وموارده الهامة ، أصدر القائد العسكري الصهيوني الأمر رقم 92 في أغسطس 1967 والذي يمنح صلاحيات للحكم العسكري تتعلق بأنظمة المياه ، وقد تبعه عدة قوانين في هذا الإطار تهدف كلها إلى تغيير الأنظمة التي كان معمولاً بها قبيل حرب حزيران 1967، ومن ضمنها الأمر العسكري رقم 158 الذي فرض قيوداً على موارد المياه، تقضي عدم السماح بإقامة أو تجميع أو امتلاك أو تشغيل منشئات مائية دون الحصول على ترخيص من الحاكم العسكري الصهيوني، إذ ينبغي تقديم طلب للحصول على تراخيص استغلال المياه الجوفية عند تنفيذ أي مشروع ري، وللحاكم العسكري الصهيوني سلطة كاملة لمنح تراخيص، أو رفض الترخيص دون إبداء سبب، وبموجب هذا الأمر أعطي مستوطنون صهاينة تراخيص لحفر آبار ارتوازية عميقة في مناطق قريبة من الآبار الارتوازية العربية الضحلة، مما أدى إلى نضوب هذه الآبار.
فالمياه كانت من أهم الدوافع التي أدت إلى التخطيط لزرع الأراضي الفلسطينية بأعداد كبيرة من المستوطنات، وضخها بأعداد كبيرة من المستوطنين، تدفعهم المصالح الاقتصادية، مثلما يدفعهم التاريخ والايدولوجيا، ما يجعلهم أكثر تعصبا وتمسكا في "حق" مزعوم لهم في الأرض المحتلة.
لذا شكل التاريخ والتراث التوراتي أحد الدوافع الهامة للاستيطان في الأراضي الفلسطينية، إذ أن الأسطورة اليهودية القائلة بأن هذه "الأرض هي هبة من الله للشعب اليهودي"، كانت المحرك الأساسي لمفكري الحركة الصهيونية، الذين يعتقدون أن الأرض المحتلة "تم تحريرها"، في حرب عام 1967 من "الاحتلال الأردني" ، لذا فإن هذه الأراضي "المحررة" لا يمكن إعادتها على طبق من فضه للأردن أو لأي طرف كان، فمنذ أن وطأت قدم المحارب اليهودي أرض الضفة الغربية لحق به "محراث" (المستوطن)، بناء على تعليمات توراتية تفيد هذا المعنى، فالعودة إلى "أوراشليم" أمر الهي ، وكذلك "حبرون" و"شكيم"، كلها من " يهودا والشمرون" أرض الآباء والأجداد ، التي استطاع المحارب اليهودي تخليصها .
لقد كان للمكان الموقع الهام في العقلية الصهيونية، التي وضعت إستراتيجية الاستيطان، إذ جعلت من الأمكنة الفلسطينية مقدسات، تعتبر العودة إليها والاستيطان بها واجب مقدس يفرضه الرب، ويمليه الواجب الديني، الذي لا مهرب منه، والعودة عنه أو التخلي عنه يورث اللعنة، لذا لا بد من الإحاطة بكل موقع دبت فيه قدم يهودي قديما، أو مر في أرجائه جد من الأجداد، أو حتى درج فوق ثراه طفل يهودي، أو مر على بعد منه - وان لم يمت له بصله ، فكيف في المكان والموقع الذي "بناه اليهود القدماء" منذ آلاف السنين، فيحق لهم السيطرة عليه واغتصابه، بل وطرد أهله منه، وإن كان في حوزة أصحابه الفلسطينيين منذ آلاف السنين أيضاً، فاليهودي هو صاحب "الحق الأوحد فيها" حسب الذهنية اليهودية التي تقدس ثلاث مدن فلسطينية، وتحيطها بهالة، من التعظيم والتبرك، وتجعل من الاستيطان بها واجباً مقدساً "مدينة القدس ، ومدينة الخليل ، ومدينة نابلس"، نظرا لما تحويه من أهمية دينية وتاريخية، إذ تشكلت فيها الدولة اليهودية السابقة ، "يهودا" في القدس والخليل ، و"السامرة" في نابلس، ولا يعني ذلك أنه لا توجد مواقع أخرى ذات قدسية معينة في العقيدة اليهودية، بل هناك ما يقارب من ثلاثين موقعا في المناطق الفلسطينية، يعتبرها اليهود أماكن مقدسة توجب الاستيطان.
ارتبط احتلال باقي فلسطين في الايدولوجيا الصهيونية على اعتبار أنها "أرض محررة" لا بد من الاستيطان بها، وإعادة بناء دولة بني إسرائيل فيها، مع العلم أن المبرر التاريخي لم يكن كافيا لتوجيه العديد من المستوطنين نحو الأرض المحتلة ، وهو ما دعى إلى وضع جملة من المبررات الأخرى التي استند إليها الفكر الاستيطاني الصهيوني.
فسياسيا: يعتبر منظرو الاستيطان أن المبرر السياسي من أهم الأبعاد في حركة الاستيطان اليهودي في المناطق الفلسطينية، إذ أن الهدف الأسمى الذي تسعى إليه السلطات الصهيونية من وراء عمليات الاستيطان، هو تقوية المركز السياسي لإسرائيل، بسيطرتها الكاملة على الأرض ذات الأهمية الإستراتيجية، و توسيع الرقعة الجغرافية الإسرائيلية، من خلال إضفاء الشرعية على المستوطنات في المناطق الفلسطينية، وكما أن الاستيطان عامل مهم لمنع قيام أي كيان فلسطيني مستقل، إذ أن رسامي الإستراتيجية الإسرائيلية يعتبرون أن أي كيان فلسطيني مستقل هو في الواقع تهديد لإسرائيل، إضافة إلى استخدام الاستيطان كورقة مزايدة انتخابية بين الأحزاب السياسية الداعية إلى تكثيفه أو تجميده، إذ جعل الاستيطان مركزاً لجذب جمهور الناخبين الصهاينة، وورقة ضغط وأداة تأثير ومساومة في المفاوضات التي تدور بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ما يجعل المستوطنات عقبة أمام أي حكومة إسرائيلية تحاول العودة إلى حدود 1967، لأن إلغاء هذه الحدود نهائيا هي من أهم أهداف المستوطنين، كونها تفصل أجزاء من الأراضي التي تم "تحريرها بالقوة" ، بهدف الاستفادة من الأرض المحتلة إلى أقصى حد.
لقد شكل الاستيطان الصهيوني ، أحد الدعائم الهامة لاحتلال أرض فلسطين، منذ أن وطأت أول قدم صهيونية هذه الأرض ، فالاستيطان بالنسبة لهم يعني: السيطرة على الأرض، ونهب خيراتها، وتشريد أصحابها، وتحقيق الأحلام التوراتية، وتنفيذ الأهداف القومية الصهيونية.
وهذا ما حصل عند احتلال باقي فلسطين في عام 1967، إذ أصبح الاستيطان تطبيقاً عمليا لنظرية الأمن الاحتلالية، الهادفة إلى إخضاع باقي الأرضي الفلسطينية المحتلة، والقائمة على: الأمن، والحدود، والمياه، من أجل ذلك وضع ساسة واستراتيجيين الاحتلال، دعائم بنية تحيتة قوية لتنفيذه، تتمثل بخطط ومشاريع صهيونية، تصب في مصلحة تعزيزه، وإكمال سيطرته على الجزء الأكبر من الأراضي المحتلة ، وفق دعم حكومي منقطع النظير ، اشتركت فيه جميع الحكومات الصهيونية المتعاقبة ، بغض النظر عن سياسة كل حكومة أو أيديولوجية أي حزب، إذ اتفقت جميع المؤسسات الصهيونية، على ضرورة التوجه للأرض المحتلة بالاستيطان، فتم زرع كيانات "سرطانية" فوق الأرض الفلسطينية، قهرا واغتصابا، ضمن أشكال وهياكل استيطانية مختلفة، ضمن أنماط متعددة، ابتداء من الناحال، وانتهاء بالموشاف، ومرورا بمستوطنات المبيت، واضعين له هيكلية إدارية تعكس الرغبة في الاستمرار ضمن استيطان ثابت غير قابل للإزالة، وعدم التخلي عن الأرض المغتصبة، مع أي حل قادم، ضمن تعاليم ومدارس فكرية مخصصة لتعليم المستوطنين النشئ هذه المفاهيم داخل المستوطنات.
وتم تنفيذ ذلك عبر ثلاث مراحل زمنية، بدأت منذ عام 1967 وحتى نهاية البحث في عام 1994، والتي لم ينتهي الاستيطان عندها، مغتصبا بذلك 179 موقعا فلسطينيا ، أقيمت عليها هذه المستوطنات، سلبت 92,816 دونما من الأرض، استوطن فيها 295,565 صهيونيا، ليوقعوا الضرر الأكبر بالأرض الفلسطينية، والشعب الفلسطيني، لتصبح حياته كارثية: سياسيا، وأمنيا، واقتصاديا، واجتماعيا، هادفين من ذلك كله: إلغاء وجود الآخر، والإحلال مكانه، وإنهاء أي أمل للشعب الفلسطيني في إقامة أي كيان مستقل، وعزله ضمن معازل، مقطعة الأوصال، حيث أنهوا بذلك نظرية: أن الاستيطان زائل مع الاحتلال، ضمن مفهوم : أن الاحتلال يمكن أن ينتهى على الشعب! ولكن الأرض لها شأن آخر مع تكتلات استيطانية وتعديل حدود ، ضمن فروض الأمر الواقع الاستيطاني عمليا، ولكن ذلك لم يثني الشعب الفلسطيني عن رفض ذلك، وهذا لم يلغي وجوده بالحياة، وحقه بمقاومة هذه المخطاطات، مع الأمل الحتمي بتحقيق النصر، وإنهاء الاحتلال ومعه الاستيطان، فأسقط الشعب الفلسطيني نظرية الاحتلال، إذ قال: لا أمن مع الاحتلال، ولا سلام مع الاستيطان، ولا حدود بدون تحقيق الوجود.
د. محمد عوده غلمي
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر
نابلس - فلسطين
عضو مجلس الشورى
شبكة الإسراء والمعراج - إسراج
يكثر الحديث الجدي حول معضلة الاستيطان في هذه الأيام ، مع بدء البحث والتفاوض حول قضايا الحل الدائم بين الجانب الإسرائيلي والجانب الفلسطيني ، ولا سيما أن الاستيطان من اعقد هذه القضايا المطروحة وذلك لتعلقه في ذات الوقت بعدة قضايا لا تقل عنه تعقيدا، وهي : الأرض والسيادة، المياه ، الحدود، اللاجئين، القدس، فكل هذه القضايا منفردة ومجتمعة تتعلق بشكل أو بآخر بموضوع الاستيطان.
من هنا يمكن اعتبار ان الاستيطان هو نقطة الحسم او التفجير لعملية السلام، او حتى يمكن اعتباره الذي يحدد مصير المفاوضات ، وقد شاهدنا بدء الجدل حول الاستيطان عندما اخذت الحكومة الاسرائيلية بفرض الامر الواقع – كعادتها، اذ ان قرارات توسع المستوطنات وبناء الشقق الاستيطانية في معاليه ادوميوم ، يعتبر بدء مبكر وعملي للتفاوض من طرف واحد وبالطريقة الاسرائلية بعد مؤتمر انابوليس،
فالاستيطان يعني اصطلاحا : الاستيلاء على الأرض والإحلال محل سكانها الأصليين واقتلاعهم من أرضهم ، إما بالتهجير ، أو بالطرد . وهذا النموذج وبشكله المتفرد والموجود في فلسطين لم يتكرر في التاريخ وبهذه الصورة الجذرية ، إذ استوطن الفرنسيون الجزائر واستوطن الأوروبيون أمريكا ، كل هذه النماذج اختلفت عن الاستيطان الإسرائيلي الأيدلوجي الذي يعني اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه والادعاء بالميراث الإلهي والحق الشرعي ، الذي يخصه دون غيره من الأمم والشعوب ، من هنا كانت المعضلة .
والدليل على هذا المعنى للاستيطان اليهودي ما تعنيه كلمة ( هتنحليوت ) بالعبرية ، حيث تعني ورث ، أو حاز أو اقتنى ، وبالاصطلاح اللغوي العبري تعني الميراث الشرعي . أما كلمة Settle باللغة الإنجليزية تعني ينزل من إنزال ، أو إحلال أو يوطن والتي يشتق منها كلمة Settlement التي تعني مستوطنة أو هبة شرعية .
إن مدلولات الكلمة باللغة العبرية والإنجليزية تفي بالغرض التي أقيمت من أجله المستوطنات في فلسطين وهذه المعاني تفيد المدلولات التاريخية والدينية للكلمة التي تعبر بوضوح عن أهداف الحركة الصهيونية وحركة الاستيطان .
أهداف ودوافع الاستيطان
عند بدء الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية، وضع مخططوه مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي يحقق من خلالها زرع أكبر عدد من المستوطنات داخل المناطق، مدفوعين بجملة من المبررات التي سوغها منظرو الاستيطان لأنفسهم وللقيادات الصهيونية، التي اتجهت لدعم مخططات الاستيطان ضمن رؤية سياسية وأمنية ذات غايات وأهداف مدروسة بعمق.
فقضية الأمن، أول ما يهم المفكر الإستراتيجي الصهيوني في تحديد أولوياته، نظراً لأن الهاجس الأمني كان الباعث الحقيقي للإستراتيجية الصهيونية، ولن يتركز الحديث هنا على أهمية الأمن بالنسبة للصهاينة أو لمستوطنيهم في المناطق الفلسطينية، وإنما عن تلك الإجراءات التي طبقتاها الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية لذا غرست المستوطنات داخل الأراضي الفلسطينية كثيفة السكان، بهدف تحقيق السيطرة العسكرية، ومحاصرتها ومراقبة نشاطات سكانها، من خلال الجهاز الأمني الخاص بالمستوطنين الذي تم تشكيله لهذه الغاية، وكذلك السيطرة المباشرة على التكاثر السكاني الفلسطيني، من هنا ارتبط العامل الديمغرافي مباشرة بالأمن، و برز كمبرر ثاني لإستراتيجية الاستيطان.
و جعل الصهاينة من التكاثر السكاني على الأرض الفلسطينية معضلة بالنسبة لهم، فمنذ اللحظة الأولى التي فكر فيها الصهاينة باحتلال الأرض الفلسطينية، كان الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض الهاجس الأخطر ، لذا وضعت الخطط والمشاريع للحد من التكاثر السكاني الفلسطيني، فكان الاستيطان وزرع مستوطنات يهودية ذات كثافة سكانية في قلب الوسط العربي الفلسطيني من أهم هذه الخطوات للحد من تأثير التفوق العددي الفلسطيني، ومن هنا برزت ضرورة توضيح أهمية الاستيطان كهدف لحل الإشكالية الديمغرافية، وبعبارة أخرى: كان الصراع السكاني أحد المبررات الحقيقية لوجود الاستيطان في المناطق الفلسطينية.ائيلية لجعل المستوطنات جداراً أمنيا، يحمي كيان دولة الصهاينة برمتها، جغرافيا، وسكانيا، وسياسيا، وكيف أن هذه المستوطنات كانت حجر الزاوية في التركيبة الأمنية الصهيونية.
من هذا المفهوم الذي ساد وسيطر على العقلية الصهيونية، ومن مخاوف (الخطر الديمغرافي)، برز الاستيطان وتكثيف المستوطنات وضخها بالأعداد البشرية ، وعُد َّمن أهم الخطوات الإستراتيجية لمعالجة (الزحف العربي) نحو الدولة (اليهودية)، للسيطرة على مقدرات الشعب الفلسطيني واقتصاده، وللتحكم حتى في منابع البنية التحتية للأراضي الفلسطينية، وهو ما سيحد من تطورهم المعيشي، وبالتالي سيحد من تكاثرهم واستقرارهم.
ولقد كانت المصادر المائية من أهم الأهداف التي حرص الصهاينة على التحكم بها والسيطرة عليها وهوما دفع الكيان الصهيوني للاستيطان في المناطق الفلسطينية، خصوصا وأن هذه المناطق غنية المصادر، وتمتلك ثروة مائية وافرة، وتعني السيطرة عليها التحكم بمجرى الحياة في هذه المناطق، والهيمنة المائية ليست بحاجة إلى تعريف، وإنما لإجابة على سؤال: كيف كان الماء أحد العوامل التي دعت المخطط الاستراتيجي الصهيوني الى جعل الاستيطان أحد أهدافه ؟
فلأجل تمرير سياسية السيطرة على المصادر المائية في المناطق الفلسطينية، وجعلها خاضعة بالكامل للقوانين الإسرائيلية، خدمة للهدف الاستراتيجي الإسرائيلي، وتحكماً بمصير الشعب الفلسطيني وموارده الهامة ، أصدر القائد العسكري الصهيوني الأمر رقم 92 في أغسطس 1967 والذي يمنح صلاحيات للحكم العسكري تتعلق بأنظمة المياه ، وقد تبعه عدة قوانين في هذا الإطار تهدف كلها إلى تغيير الأنظمة التي كان معمولاً بها قبيل حرب حزيران 1967، ومن ضمنها الأمر العسكري رقم 158 الذي فرض قيوداً على موارد المياه، تقضي عدم السماح بإقامة أو تجميع أو امتلاك أو تشغيل منشئات مائية دون الحصول على ترخيص من الحاكم العسكري الصهيوني، إذ ينبغي تقديم طلب للحصول على تراخيص استغلال المياه الجوفية عند تنفيذ أي مشروع ري، وللحاكم العسكري الصهيوني سلطة كاملة لمنح تراخيص، أو رفض الترخيص دون إبداء سبب، وبموجب هذا الأمر أعطي مستوطنون صهاينة تراخيص لحفر آبار ارتوازية عميقة في مناطق قريبة من الآبار الارتوازية العربية الضحلة، مما أدى إلى نضوب هذه الآبار.
فالمياه كانت من أهم الدوافع التي أدت إلى التخطيط لزرع الأراضي الفلسطينية بأعداد كبيرة من المستوطنات، وضخها بأعداد كبيرة من المستوطنين، تدفعهم المصالح الاقتصادية، مثلما يدفعهم التاريخ والايدولوجيا، ما يجعلهم أكثر تعصبا وتمسكا في "حق" مزعوم لهم في الأرض المحتلة.
لذا شكل التاريخ والتراث التوراتي أحد الدوافع الهامة للاستيطان في الأراضي الفلسطينية، إذ أن الأسطورة اليهودية القائلة بأن هذه "الأرض هي هبة من الله للشعب اليهودي"، كانت المحرك الأساسي لمفكري الحركة الصهيونية، الذين يعتقدون أن الأرض المحتلة "تم تحريرها"، في حرب عام 1967 من "الاحتلال الأردني" ، لذا فإن هذه الأراضي "المحررة" لا يمكن إعادتها على طبق من فضه للأردن أو لأي طرف كان، فمنذ أن وطأت قدم المحارب اليهودي أرض الضفة الغربية لحق به "محراث" (المستوطن)، بناء على تعليمات توراتية تفيد هذا المعنى، فالعودة إلى "أوراشليم" أمر الهي ، وكذلك "حبرون" و"شكيم"، كلها من " يهودا والشمرون" أرض الآباء والأجداد ، التي استطاع المحارب اليهودي تخليصها .
لقد كان للمكان الموقع الهام في العقلية الصهيونية، التي وضعت إستراتيجية الاستيطان، إذ جعلت من الأمكنة الفلسطينية مقدسات، تعتبر العودة إليها والاستيطان بها واجب مقدس يفرضه الرب، ويمليه الواجب الديني، الذي لا مهرب منه، والعودة عنه أو التخلي عنه يورث اللعنة، لذا لا بد من الإحاطة بكل موقع دبت فيه قدم يهودي قديما، أو مر في أرجائه جد من الأجداد، أو حتى درج فوق ثراه طفل يهودي، أو مر على بعد منه - وان لم يمت له بصله ، فكيف في المكان والموقع الذي "بناه اليهود القدماء" منذ آلاف السنين، فيحق لهم السيطرة عليه واغتصابه، بل وطرد أهله منه، وإن كان في حوزة أصحابه الفلسطينيين منذ آلاف السنين أيضاً، فاليهودي هو صاحب "الحق الأوحد فيها" حسب الذهنية اليهودية التي تقدس ثلاث مدن فلسطينية، وتحيطها بهالة، من التعظيم والتبرك، وتجعل من الاستيطان بها واجباً مقدساً "مدينة القدس ، ومدينة الخليل ، ومدينة نابلس"، نظرا لما تحويه من أهمية دينية وتاريخية، إذ تشكلت فيها الدولة اليهودية السابقة ، "يهودا" في القدس والخليل ، و"السامرة" في نابلس، ولا يعني ذلك أنه لا توجد مواقع أخرى ذات قدسية معينة في العقيدة اليهودية، بل هناك ما يقارب من ثلاثين موقعا في المناطق الفلسطينية، يعتبرها اليهود أماكن مقدسة توجب الاستيطان.
ارتبط احتلال باقي فلسطين في الايدولوجيا الصهيونية على اعتبار أنها "أرض محررة" لا بد من الاستيطان بها، وإعادة بناء دولة بني إسرائيل فيها، مع العلم أن المبرر التاريخي لم يكن كافيا لتوجيه العديد من المستوطنين نحو الأرض المحتلة ، وهو ما دعى إلى وضع جملة من المبررات الأخرى التي استند إليها الفكر الاستيطاني الصهيوني.
فسياسيا: يعتبر منظرو الاستيطان أن المبرر السياسي من أهم الأبعاد في حركة الاستيطان اليهودي في المناطق الفلسطينية، إذ أن الهدف الأسمى الذي تسعى إليه السلطات الصهيونية من وراء عمليات الاستيطان، هو تقوية المركز السياسي لإسرائيل، بسيطرتها الكاملة على الأرض ذات الأهمية الإستراتيجية، و توسيع الرقعة الجغرافية الإسرائيلية، من خلال إضفاء الشرعية على المستوطنات في المناطق الفلسطينية، وكما أن الاستيطان عامل مهم لمنع قيام أي كيان فلسطيني مستقل، إذ أن رسامي الإستراتيجية الإسرائيلية يعتبرون أن أي كيان فلسطيني مستقل هو في الواقع تهديد لإسرائيل، إضافة إلى استخدام الاستيطان كورقة مزايدة انتخابية بين الأحزاب السياسية الداعية إلى تكثيفه أو تجميده، إذ جعل الاستيطان مركزاً لجذب جمهور الناخبين الصهاينة، وورقة ضغط وأداة تأثير ومساومة في المفاوضات التي تدور بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ما يجعل المستوطنات عقبة أمام أي حكومة إسرائيلية تحاول العودة إلى حدود 1967، لأن إلغاء هذه الحدود نهائيا هي من أهم أهداف المستوطنين، كونها تفصل أجزاء من الأراضي التي تم "تحريرها بالقوة" ، بهدف الاستفادة من الأرض المحتلة إلى أقصى حد.
لقد شكل الاستيطان الصهيوني ، أحد الدعائم الهامة لاحتلال أرض فلسطين، منذ أن وطأت أول قدم صهيونية هذه الأرض ، فالاستيطان بالنسبة لهم يعني: السيطرة على الأرض، ونهب خيراتها، وتشريد أصحابها، وتحقيق الأحلام التوراتية، وتنفيذ الأهداف القومية الصهيونية.
وهذا ما حصل عند احتلال باقي فلسطين في عام 1967، إذ أصبح الاستيطان تطبيقاً عمليا لنظرية الأمن الاحتلالية، الهادفة إلى إخضاع باقي الأرضي الفلسطينية المحتلة، والقائمة على: الأمن، والحدود، والمياه، من أجل ذلك وضع ساسة واستراتيجيين الاحتلال، دعائم بنية تحيتة قوية لتنفيذه، تتمثل بخطط ومشاريع صهيونية، تصب في مصلحة تعزيزه، وإكمال سيطرته على الجزء الأكبر من الأراضي المحتلة ، وفق دعم حكومي منقطع النظير ، اشتركت فيه جميع الحكومات الصهيونية المتعاقبة ، بغض النظر عن سياسة كل حكومة أو أيديولوجية أي حزب، إذ اتفقت جميع المؤسسات الصهيونية، على ضرورة التوجه للأرض المحتلة بالاستيطان، فتم زرع كيانات "سرطانية" فوق الأرض الفلسطينية، قهرا واغتصابا، ضمن أشكال وهياكل استيطانية مختلفة، ضمن أنماط متعددة، ابتداء من الناحال، وانتهاء بالموشاف، ومرورا بمستوطنات المبيت، واضعين له هيكلية إدارية تعكس الرغبة في الاستمرار ضمن استيطان ثابت غير قابل للإزالة، وعدم التخلي عن الأرض المغتصبة، مع أي حل قادم، ضمن تعاليم ومدارس فكرية مخصصة لتعليم المستوطنين النشئ هذه المفاهيم داخل المستوطنات.
وتم تنفيذ ذلك عبر ثلاث مراحل زمنية، بدأت منذ عام 1967 وحتى نهاية البحث في عام 1994، والتي لم ينتهي الاستيطان عندها، مغتصبا بذلك 179 موقعا فلسطينيا ، أقيمت عليها هذه المستوطنات، سلبت 92,816 دونما من الأرض، استوطن فيها 295,565 صهيونيا، ليوقعوا الضرر الأكبر بالأرض الفلسطينية، والشعب الفلسطيني، لتصبح حياته كارثية: سياسيا، وأمنيا، واقتصاديا، واجتماعيا، هادفين من ذلك كله: إلغاء وجود الآخر، والإحلال مكانه، وإنهاء أي أمل للشعب الفلسطيني في إقامة أي كيان مستقل، وعزله ضمن معازل، مقطعة الأوصال، حيث أنهوا بذلك نظرية: أن الاستيطان زائل مع الاحتلال، ضمن مفهوم : أن الاحتلال يمكن أن ينتهى على الشعب! ولكن الأرض لها شأن آخر مع تكتلات استيطانية وتعديل حدود ، ضمن فروض الأمر الواقع الاستيطاني عمليا، ولكن ذلك لم يثني الشعب الفلسطيني عن رفض ذلك، وهذا لم يلغي وجوده بالحياة، وحقه بمقاومة هذه المخطاطات، مع الأمل الحتمي بتحقيق النصر، وإنهاء الاحتلال ومعه الاستيطان، فأسقط الشعب الفلسطيني نظرية الاحتلال، إذ قال: لا أمن مع الاحتلال، ولا سلام مع الاستيطان، ولا حدود بدون تحقيق الوجود.