د. كمال إبراهيم علاونه
26-07-2008, 07:53 AM
الإعلام الإسلامي في المجتمع
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية – فلسطين
يقول الله جل جلاله : { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) }( القرآن المجيد ، التوبة ) .
الأعلام الجماهيري في المجتمع ، كما هو معلوم ، ينقسم إلى عدة إشكال وأنواع عامة وخاصة من أبرزها :
أولا : الأعلام المطبوع أو المكتوب كالصحف والمجلات والكتب والنشرات وسواها .
ثانيا : الأعلام المسموع كالإذاعات والخطب والمحاضرات والندوات والمؤتمرات وغيرها .
ثالثا : الأعلام المرئي كالتلفاز الأرضي والفضائيات وشبكة الاتصال المعلوماتية العالمية( الانتر نت ) .
ولكل وسيلة إعلام ، من الوسائل السابقة ، ميزات وصفات تمتاز بها عن غيرها ، وتهدف هذه الوسائل إلى إيصال المعلومة إلى الإنسان خلال وقت قصير ، في اقرب فرصة ممكنة ، والسرعة مهمة في السبق الإعلامي ، فيما يعرف بالآنية ، كما إن المصداقية والموضوعية أيضا هامة . وتتمتع وسائل الاتصال الجماهيري المسموعة والمرئية بسرعة كبيرة في نقل المعلومات والأخبار الخفيفة والدسمة ، أكثر من غيرها ، ولها تأثير سحري على المستمع أو المشاهد في حين أن المطبوعات لها صفة الديمومة والاستمرارية أكثر في ذهن ويد الإنسان على السواء . ويمكن للإنسان أن يحتفظ بالمادة الإعلامية التي يود الاحتفاظ بها بشكل متميز بوساطة التسجيل الإذاعي أو التلفزيوني على أشرطة صغيرة الحجم أو الفيديو الاحتفاظ بالمطبوعة الدورية أو الكتاب ليعود لها وقت الحاجة ، كنوع من مواد الأرشيف .
وتعمل كافة وسائل الاتصال الجماهيري في المجتمع وفق رؤية ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية متعددة كمربع ذو أضلاع أربعة متراصة ومتنافسة في الآن ذاته ، تتشعب بدورها ليتكامل بنيانها لتحقيق الغايات والأهداف المنشودة من الرسالة الإعلامية .
ويمكن القول ، إن الإعلام المتخصص في المجالات الدينية الإسلامية قليل جدا في العصر الراهن مقارنة مع الأعلام المتخصص في القضايا الحياتية وفق المنظور الغربي ، من انفلات اجتماعي وأخلاقي وثقافي ومادي .. وان ما تخصصه وسائل الاتصال من مساحات مكانية وزمنية يبقى جزءا بسيطا من حيزها في الصوت والصورة والمطبوعة ، عبر الأثير كحيز زماني أو الحيز المكاني لتعالج قضايا إسلامية حيوية في هذه المناسبة أو تلك ، أو على مدار اليوم والليلة أو الأسبوع أو الشهر أو السنة . يقول الله العزيز الحكيم : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)}( القرآن المجيد ، النساء ) .
والوقت أو الحيز المحدد للقضايا الإسلامية في وسائل الأعلام العامة والخاصة يختلف باختلاف التوجهات الإعلامية المتشكلة حسب الظروف والخطط والبرامج المتعددة الأفكار والمتباينة الأهداف في الوقت عينه ، فالبعض يمدح الإسلام والبعض الآخر يتعرض له بطريقة أو بأخرى . وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن تعاليم الإسلام الحنيف شيء ، وتنفيذها على ارض الواقع لتلامس شؤون وشجون الحياة البشرية في زمن محدد أو بقعة جغرافية معينة شيء آخر ، ولهذا يجب التنبه إلى ضرورة عدم الحكم على مبدأ إسلامي من خلال تطبيق له هنا أو هناك ، من هذا الفرد أو تلك الجماعة ، لان هذا الحكم العفوي غير الموضوعي يمكن أن يشوه هذا المبدأ أحيانا ، فمصدر الإسلام الأول هو القرآن المجيد ، كلام الله رب العزة جلا وعلا ، ثم تأتي التعاليم النبوية الشريفة في المقام الثاني ، التي زودنا بها النبي الكريم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام في رسائل إعلامية شاملة متجذرة صالحة لشؤون الحياة الدينية والدنيوية سواء بسواء في أطرها المركزية العامة ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم رجل إعلام من الطراز الأول وما زال كذلك ، وكان له ناطقين إعلاميين كثير نقلوا عنه أقواله وأفعاله الإسلامية باعتباره قدوة للجميع . ولا بد من القول إن الشعراء والخطباء كانوا يلعبون دورا مهما في الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية العامة فمنهم الصالح ومنهم دون ذلك من الطالحين . يقول الله العزيز الحكيم : { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)}( القرآن المجيد ، الشعراء ) .
وعلى كل الأحوال ، فإن الإسلام هو مادة إعلامية دسمة يشتمل على جميع المسائل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية والسياسية وسواها الضرورية للنهوض بأوضاع المجتمع الإسلامي الحقيقي . وكما أسلفنا ، القرآن المجيد ، كلام الله المبين ، والسنة النبوية الشريفة - سنة النبي المصطفى محمد صلى الله علية وسلم – هي مصادر تشريعية وقضائية وتنفيذية شاملة ووافية لكل الجوانب اذ يستطيع الإسلام المطروح عبر وسائل الأعلام المتعددة أن يلعب دورا هاما وفعالا في شحذ الهمم والتمسك بالأخلاق والقيم الفاضلة ، والتخلص من الرذيلة ، وإتباع نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل آني ومستمر ، لتحرير الإنسان من العبودية للاستعمار المتشعب الذي تطور ليحتل العقول الإنسانية عبر الأعلام والثقافة الوافدة من هنا أو هناك إضافة إلى استعمار الأرض واستغلال الموارد والمقدرات الطبيعية والبشرية ، على كافة المستويات الفردية والجماعية والعالمية ، في نطاق محلي وإقليمي ودولي على السواء .
وقد دعا الإسلام العظيم المسلم ليقوم بدوره بتغيير المنكر باليد واللسان والقلب ، وهنا يقع ضمن سلطة التغيير العمل القولي والفعلي باللسان لحض الناس على فعل الخيرات لينالوا الجزاء الأوفي ، ويكون الإنسان الأتقي وليس الأشقى ، جاء بصحيح مسلم - (ج 1 / ص 167)
قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ " .
وهناك من ينحي باللوم على تقصير الأعلام الراهن في تخصيص مساحات أوسع لمبادئ وقيم الإسلام الحنيف ، إلا انه لا ينير شمعة في الطريق ، لكي يبقى هذا الدين في الأرض مشعلا نورانيا ينير درب السالكين ويهدي إلى سواء السبيل ، فيقع في " حيص بيص " ويبقى يدور حول نفسه ، دون أن يشارك في الدورة اليومية المتجددة في دولاب التداول بالحياة الإسلامية العامة المتكاملة .
ومن نافلة القول ، انه يجب إلا يقتصر الدور الإعلامي على المسجد فقط ، كإذاعة مسجدية محلية إسلامية تنطلق يوميا إلى عنان السماء ، نابضة بالحياة الفضلى ، عند أداء الصلوات اليومية الخمس أو خطب الجمعة أو عند الموت وأثناء تشييع الجنائز فقط وتأبين الموتى ، بل يجب أن يشمل الإسلام كافة شؤون الإنسان : في بيته ومدرسته وجامعته ومؤسسته ومصنعه وفي المركبة ، وفي الشارع وغير ذلك .
وعلى الصعيد ذاته ، ما أحوجنا أن نتناول المناسبات والذكريات والأعياد الإسلامية المجيدة ، بالتمحيص واستخلاص العبر والعظات ، نستذكر فيها الأمجاد التاريخية الإسلامية التليدة ، ونحاول الإقتداء بها ، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا . ونجدد العهد على العمل الفعلي لتطبيق النظام الإسلامي الحياتي المعاش ، في كل شاردة وواردة في حياتنا العامة بكافة صورها وأشكالها .
هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، فان الأمة الإسلامية ، امة القرآن المجيد لها الأنماط الحياتية المتميزة عن غيرها من الأمم ، متميزة ايجابيا عن سواها في التنشئة الاجتماعية والفكرية الشاملة والمتكاملة ، المركبة تركيبا أفقيا وعموديا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا : في البيت والمدرسة والشارع والمؤسسات عامة والمسجد خاصة ، كانت وما زالت وستبقى إن شاء الله ، ولكن الأمر بحاجة إلى إرادة حقيقية وهي مطالبة بالا تلتفت إلى السفاهات المنطلقة من هنا وهناك ، التي تحاول طمس وإذابة وإفشال الدور الإعلامي الإسلامي الحي في النفوس المؤمنة بالله العلي العظيم ، والتنكر إلى ينابيع الحضارة العربية الإسلامية التي احتلت قلوب وأفئدة الملايين عبر الأجيال الخالية والغابرة والحالية ، وانتشرت في كافة أرجاء الكرة الأرضية .
وللارتقاء بأوضاع المسلمين ، عباد الله في أرض الله ، فانه يجب أن يكون لوسائل الأعلام أو الاتصال الجماهيري المطبوعة والمسموعة والمرئية ، الدور المركزي الشامل والمتنوع ، كسلطة فاعلة على ارض الواقع تراقب وتتابع ما يجري من أحداث ، إضافة إلى أخواتها السلطات الثلاث : التنفيذية والتشريعية والقضائية ، وبذلك تنضم إلى الركب العام كسلطة رابعة وهي السلطة الإعلامية المراقبة للسلطات الثلاث المذكورة أنفا .
ولتحقيق الأهداف والغايات الإسلامية النبيلة السامية ، على كافة المستويات فانه لا بد لوسائل الأعلام الإسلامية ، أن تقوم بالأدوار والمهام التالية :
1- انتقاء المختصين والمهتمين في الشؤون الإسلامية ، في كافة التخصصات العلمية والإنسانية ، لنقل الرسالة الإسلامية العالمية السمحة للجميع وفق منظور حقيقي وعصري يتلاءم مع المبادئ والأسس العامة الصالحة لكل زمان ومكان في هذه المعمورة .
2- تخصيص أوقات إذاعية وتلفزيونية ومساحات مكانية في المطبوعات الدورية بشكل أوسع للقضايا الإسلامية العامة والخاصة ، التي تتعلق بالمجتمع والجماعة والفرد . ونذكر بهذا الصدد ، أن ما يخصص للإسلام في هذه الأيام ، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية ، من وقت وجهد فعال لا يصل إلى المستوى اللائق المطلوب ، رسميا وشعبيا .
ولهذا لا بد من إعادة النظر في رسم السياسة الاعلامية الإسلامية بصورة اشمل وأوضح وأجلى ، لنشر تعاليم الإسلام الحقيقية وترسيخها في المجتمع ، واستمرار مرابطة الإسلام في حمى الله ، في نفوس المؤمنين خاصة ومن حولهم عامة .
3- توفير الامكانات الاقتصادية والبشرية برصد الموازنات المالية السنوية المتزايدة ، وتوظيف الكفايات العلمية المناسبة .
4- تعزيز أواصر العلاقات بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة في كافة أنحاء العالم ، وذلك بمعالجة القضايا الإسلامية الملحة في مختلف قارات العالم ، بحكمة وموضوعية بعيدة عن القوالب التقليدية الجاهزة ، والرد على المستشرقين الحاقدين على الإسلام وأهله بالطريقة العلمية المدروسة وبعد تمعن وتمحص واستقصاء اجتماعي وإنساني . وعدم التمترس خلف القضايا الإسلامية البسيطة التي يمكن لأي قارئ أن يطلع عليها من بطون أمهات الكتب الإسلامية . ولا بد من التنويه إلى أن ثورة المعلومات المتقدمة يوميا يجب أن تراعي الدورة الخماسية في العملية الاتصالية الإدارية والاجتماعية المتكاملة وهي : المرسل والرسالة والوسيلة والمتلقي ورجع الصدى المرتدة من الشعب أو الأمة .
وأخيرا ، فإن الجميع يتطلع إلى إعلام إسلامي ناطق باسم الإسلام والمسلمين في كل زمان ليلي ونهاري من أيام الأمة الإسلامية ، بحلوها ومرها ، وفي كل مكان ، في السهل والجبل والوادي ، بكل ما تعنيه الكلمات من معان تمثيلية بصورة فعلية في مشارق الأرض ومغاربها للحفاظ على حقوق الإنسان المسلم والمقدسات الإسلامية أينما كانت وخاصة في فلسطين ، الأرض المقدسة ، لتشمل هذه الحقوق الإسلامية العامة ومن ضمنها الحقوق الأساسية المتمثلة في الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية التي تضم تحت ثناياها : الحق في الحياة ، وحق العقيدة والعبادة ، و حق العمل والعيش في حياة كريمة ، وحق التعبير عن الرأي ، وحق التعليم ، وحق الميراث ، وحق الحصول على المأوى والمأكل والمشرب وحق التنقل وغيرها .
وعملية الحصول على هذه الحقوق الإنسانية الشاملة بحاجة إلى صبر ومطالبة ومرابطة مستمرة في سبيل الله ، وجهد وتعاون وتكافل جماعي حثيث لا يعرف الكلل أو الملل .. بحاجة إلى مثابرة وعمل .. ليعيش المسلمون في نعيم الأرض .. وتقليل عذاباتهم ، التي تقض مضاجعهم . وكما يقول الله سبحانه وتعالى : في القرآن المجيد : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}( القرآن المجيد ، آل عمران ) .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية – فلسطين
يقول الله جل جلاله : { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) }( القرآن المجيد ، التوبة ) .
الأعلام الجماهيري في المجتمع ، كما هو معلوم ، ينقسم إلى عدة إشكال وأنواع عامة وخاصة من أبرزها :
أولا : الأعلام المطبوع أو المكتوب كالصحف والمجلات والكتب والنشرات وسواها .
ثانيا : الأعلام المسموع كالإذاعات والخطب والمحاضرات والندوات والمؤتمرات وغيرها .
ثالثا : الأعلام المرئي كالتلفاز الأرضي والفضائيات وشبكة الاتصال المعلوماتية العالمية( الانتر نت ) .
ولكل وسيلة إعلام ، من الوسائل السابقة ، ميزات وصفات تمتاز بها عن غيرها ، وتهدف هذه الوسائل إلى إيصال المعلومة إلى الإنسان خلال وقت قصير ، في اقرب فرصة ممكنة ، والسرعة مهمة في السبق الإعلامي ، فيما يعرف بالآنية ، كما إن المصداقية والموضوعية أيضا هامة . وتتمتع وسائل الاتصال الجماهيري المسموعة والمرئية بسرعة كبيرة في نقل المعلومات والأخبار الخفيفة والدسمة ، أكثر من غيرها ، ولها تأثير سحري على المستمع أو المشاهد في حين أن المطبوعات لها صفة الديمومة والاستمرارية أكثر في ذهن ويد الإنسان على السواء . ويمكن للإنسان أن يحتفظ بالمادة الإعلامية التي يود الاحتفاظ بها بشكل متميز بوساطة التسجيل الإذاعي أو التلفزيوني على أشرطة صغيرة الحجم أو الفيديو الاحتفاظ بالمطبوعة الدورية أو الكتاب ليعود لها وقت الحاجة ، كنوع من مواد الأرشيف .
وتعمل كافة وسائل الاتصال الجماهيري في المجتمع وفق رؤية ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية متعددة كمربع ذو أضلاع أربعة متراصة ومتنافسة في الآن ذاته ، تتشعب بدورها ليتكامل بنيانها لتحقيق الغايات والأهداف المنشودة من الرسالة الإعلامية .
ويمكن القول ، إن الإعلام المتخصص في المجالات الدينية الإسلامية قليل جدا في العصر الراهن مقارنة مع الأعلام المتخصص في القضايا الحياتية وفق المنظور الغربي ، من انفلات اجتماعي وأخلاقي وثقافي ومادي .. وان ما تخصصه وسائل الاتصال من مساحات مكانية وزمنية يبقى جزءا بسيطا من حيزها في الصوت والصورة والمطبوعة ، عبر الأثير كحيز زماني أو الحيز المكاني لتعالج قضايا إسلامية حيوية في هذه المناسبة أو تلك ، أو على مدار اليوم والليلة أو الأسبوع أو الشهر أو السنة . يقول الله العزيز الحكيم : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)}( القرآن المجيد ، النساء ) .
والوقت أو الحيز المحدد للقضايا الإسلامية في وسائل الأعلام العامة والخاصة يختلف باختلاف التوجهات الإعلامية المتشكلة حسب الظروف والخطط والبرامج المتعددة الأفكار والمتباينة الأهداف في الوقت عينه ، فالبعض يمدح الإسلام والبعض الآخر يتعرض له بطريقة أو بأخرى . وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن تعاليم الإسلام الحنيف شيء ، وتنفيذها على ارض الواقع لتلامس شؤون وشجون الحياة البشرية في زمن محدد أو بقعة جغرافية معينة شيء آخر ، ولهذا يجب التنبه إلى ضرورة عدم الحكم على مبدأ إسلامي من خلال تطبيق له هنا أو هناك ، من هذا الفرد أو تلك الجماعة ، لان هذا الحكم العفوي غير الموضوعي يمكن أن يشوه هذا المبدأ أحيانا ، فمصدر الإسلام الأول هو القرآن المجيد ، كلام الله رب العزة جلا وعلا ، ثم تأتي التعاليم النبوية الشريفة في المقام الثاني ، التي زودنا بها النبي الكريم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام في رسائل إعلامية شاملة متجذرة صالحة لشؤون الحياة الدينية والدنيوية سواء بسواء في أطرها المركزية العامة ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم رجل إعلام من الطراز الأول وما زال كذلك ، وكان له ناطقين إعلاميين كثير نقلوا عنه أقواله وأفعاله الإسلامية باعتباره قدوة للجميع . ولا بد من القول إن الشعراء والخطباء كانوا يلعبون دورا مهما في الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية العامة فمنهم الصالح ومنهم دون ذلك من الطالحين . يقول الله العزيز الحكيم : { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)}( القرآن المجيد ، الشعراء ) .
وعلى كل الأحوال ، فإن الإسلام هو مادة إعلامية دسمة يشتمل على جميع المسائل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية والسياسية وسواها الضرورية للنهوض بأوضاع المجتمع الإسلامي الحقيقي . وكما أسلفنا ، القرآن المجيد ، كلام الله المبين ، والسنة النبوية الشريفة - سنة النبي المصطفى محمد صلى الله علية وسلم – هي مصادر تشريعية وقضائية وتنفيذية شاملة ووافية لكل الجوانب اذ يستطيع الإسلام المطروح عبر وسائل الأعلام المتعددة أن يلعب دورا هاما وفعالا في شحذ الهمم والتمسك بالأخلاق والقيم الفاضلة ، والتخلص من الرذيلة ، وإتباع نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل آني ومستمر ، لتحرير الإنسان من العبودية للاستعمار المتشعب الذي تطور ليحتل العقول الإنسانية عبر الأعلام والثقافة الوافدة من هنا أو هناك إضافة إلى استعمار الأرض واستغلال الموارد والمقدرات الطبيعية والبشرية ، على كافة المستويات الفردية والجماعية والعالمية ، في نطاق محلي وإقليمي ودولي على السواء .
وقد دعا الإسلام العظيم المسلم ليقوم بدوره بتغيير المنكر باليد واللسان والقلب ، وهنا يقع ضمن سلطة التغيير العمل القولي والفعلي باللسان لحض الناس على فعل الخيرات لينالوا الجزاء الأوفي ، ويكون الإنسان الأتقي وليس الأشقى ، جاء بصحيح مسلم - (ج 1 / ص 167)
قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ " .
وهناك من ينحي باللوم على تقصير الأعلام الراهن في تخصيص مساحات أوسع لمبادئ وقيم الإسلام الحنيف ، إلا انه لا ينير شمعة في الطريق ، لكي يبقى هذا الدين في الأرض مشعلا نورانيا ينير درب السالكين ويهدي إلى سواء السبيل ، فيقع في " حيص بيص " ويبقى يدور حول نفسه ، دون أن يشارك في الدورة اليومية المتجددة في دولاب التداول بالحياة الإسلامية العامة المتكاملة .
ومن نافلة القول ، انه يجب إلا يقتصر الدور الإعلامي على المسجد فقط ، كإذاعة مسجدية محلية إسلامية تنطلق يوميا إلى عنان السماء ، نابضة بالحياة الفضلى ، عند أداء الصلوات اليومية الخمس أو خطب الجمعة أو عند الموت وأثناء تشييع الجنائز فقط وتأبين الموتى ، بل يجب أن يشمل الإسلام كافة شؤون الإنسان : في بيته ومدرسته وجامعته ومؤسسته ومصنعه وفي المركبة ، وفي الشارع وغير ذلك .
وعلى الصعيد ذاته ، ما أحوجنا أن نتناول المناسبات والذكريات والأعياد الإسلامية المجيدة ، بالتمحيص واستخلاص العبر والعظات ، نستذكر فيها الأمجاد التاريخية الإسلامية التليدة ، ونحاول الإقتداء بها ، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا . ونجدد العهد على العمل الفعلي لتطبيق النظام الإسلامي الحياتي المعاش ، في كل شاردة وواردة في حياتنا العامة بكافة صورها وأشكالها .
هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، فان الأمة الإسلامية ، امة القرآن المجيد لها الأنماط الحياتية المتميزة عن غيرها من الأمم ، متميزة ايجابيا عن سواها في التنشئة الاجتماعية والفكرية الشاملة والمتكاملة ، المركبة تركيبا أفقيا وعموديا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا : في البيت والمدرسة والشارع والمؤسسات عامة والمسجد خاصة ، كانت وما زالت وستبقى إن شاء الله ، ولكن الأمر بحاجة إلى إرادة حقيقية وهي مطالبة بالا تلتفت إلى السفاهات المنطلقة من هنا وهناك ، التي تحاول طمس وإذابة وإفشال الدور الإعلامي الإسلامي الحي في النفوس المؤمنة بالله العلي العظيم ، والتنكر إلى ينابيع الحضارة العربية الإسلامية التي احتلت قلوب وأفئدة الملايين عبر الأجيال الخالية والغابرة والحالية ، وانتشرت في كافة أرجاء الكرة الأرضية .
وللارتقاء بأوضاع المسلمين ، عباد الله في أرض الله ، فانه يجب أن يكون لوسائل الأعلام أو الاتصال الجماهيري المطبوعة والمسموعة والمرئية ، الدور المركزي الشامل والمتنوع ، كسلطة فاعلة على ارض الواقع تراقب وتتابع ما يجري من أحداث ، إضافة إلى أخواتها السلطات الثلاث : التنفيذية والتشريعية والقضائية ، وبذلك تنضم إلى الركب العام كسلطة رابعة وهي السلطة الإعلامية المراقبة للسلطات الثلاث المذكورة أنفا .
ولتحقيق الأهداف والغايات الإسلامية النبيلة السامية ، على كافة المستويات فانه لا بد لوسائل الأعلام الإسلامية ، أن تقوم بالأدوار والمهام التالية :
1- انتقاء المختصين والمهتمين في الشؤون الإسلامية ، في كافة التخصصات العلمية والإنسانية ، لنقل الرسالة الإسلامية العالمية السمحة للجميع وفق منظور حقيقي وعصري يتلاءم مع المبادئ والأسس العامة الصالحة لكل زمان ومكان في هذه المعمورة .
2- تخصيص أوقات إذاعية وتلفزيونية ومساحات مكانية في المطبوعات الدورية بشكل أوسع للقضايا الإسلامية العامة والخاصة ، التي تتعلق بالمجتمع والجماعة والفرد . ونذكر بهذا الصدد ، أن ما يخصص للإسلام في هذه الأيام ، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية ، من وقت وجهد فعال لا يصل إلى المستوى اللائق المطلوب ، رسميا وشعبيا .
ولهذا لا بد من إعادة النظر في رسم السياسة الاعلامية الإسلامية بصورة اشمل وأوضح وأجلى ، لنشر تعاليم الإسلام الحقيقية وترسيخها في المجتمع ، واستمرار مرابطة الإسلام في حمى الله ، في نفوس المؤمنين خاصة ومن حولهم عامة .
3- توفير الامكانات الاقتصادية والبشرية برصد الموازنات المالية السنوية المتزايدة ، وتوظيف الكفايات العلمية المناسبة .
4- تعزيز أواصر العلاقات بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة في كافة أنحاء العالم ، وذلك بمعالجة القضايا الإسلامية الملحة في مختلف قارات العالم ، بحكمة وموضوعية بعيدة عن القوالب التقليدية الجاهزة ، والرد على المستشرقين الحاقدين على الإسلام وأهله بالطريقة العلمية المدروسة وبعد تمعن وتمحص واستقصاء اجتماعي وإنساني . وعدم التمترس خلف القضايا الإسلامية البسيطة التي يمكن لأي قارئ أن يطلع عليها من بطون أمهات الكتب الإسلامية . ولا بد من التنويه إلى أن ثورة المعلومات المتقدمة يوميا يجب أن تراعي الدورة الخماسية في العملية الاتصالية الإدارية والاجتماعية المتكاملة وهي : المرسل والرسالة والوسيلة والمتلقي ورجع الصدى المرتدة من الشعب أو الأمة .
وأخيرا ، فإن الجميع يتطلع إلى إعلام إسلامي ناطق باسم الإسلام والمسلمين في كل زمان ليلي ونهاري من أيام الأمة الإسلامية ، بحلوها ومرها ، وفي كل مكان ، في السهل والجبل والوادي ، بكل ما تعنيه الكلمات من معان تمثيلية بصورة فعلية في مشارق الأرض ومغاربها للحفاظ على حقوق الإنسان المسلم والمقدسات الإسلامية أينما كانت وخاصة في فلسطين ، الأرض المقدسة ، لتشمل هذه الحقوق الإسلامية العامة ومن ضمنها الحقوق الأساسية المتمثلة في الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية التي تضم تحت ثناياها : الحق في الحياة ، وحق العقيدة والعبادة ، و حق العمل والعيش في حياة كريمة ، وحق التعبير عن الرأي ، وحق التعليم ، وحق الميراث ، وحق الحصول على المأوى والمأكل والمشرب وحق التنقل وغيرها .
وعملية الحصول على هذه الحقوق الإنسانية الشاملة بحاجة إلى صبر ومطالبة ومرابطة مستمرة في سبيل الله ، وجهد وتعاون وتكافل جماعي حثيث لا يعرف الكلل أو الملل .. بحاجة إلى مثابرة وعمل .. ليعيش المسلمون في نعيم الأرض .. وتقليل عذاباتهم ، التي تقض مضاجعهم . وكما يقول الله سبحانه وتعالى : في القرآن المجيد : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}( القرآن المجيد ، آل عمران ) .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .