المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطائفية الدينية في الهند ( د. كمال علاونه )


د. كمال إبراهيم علاونه
14-09-2008, 09:01 PM
الطائفية الدينية في الهند

د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

الهند : المساحة والسكان :
الهند بلاد واسعة المساحة ، تبلغ مساحتها 590ر287ر3 كم2 ، وبلغ عدد سكانها عام 1931 م مائة وتسعة وثلاثون مليون نسمة ، شكل الهندوسيون منهم نحو 68 % من مجمل عدد السكان ، و78 مليون مسلم شكلوا 22 % ، ونسبة 10 % من عدد السكان من جميع الديانات الاخرى ( 1) . والاسم الرسمي للهند هو " بهارات " ويعني " الاتحاد الهندي " . واللغتان الرسميتان في الهند هما : اللغة الهندية واللغة الانجليزية . والعملة المتداولة هي " روبية هندية " . في ايار عام 2000 ارتفع عدد السكان ليصل الى مليار ومليونين و585 الفا و775 نسمة ( 2) ، تالفوا من الآريين ( من اصول بحر قزوين ) والمغول . والديانة الرسمية والاساسية في الهند هي الهندوسية ، الى جانبهم نحو 10 % من المسلمين ، و5ر2 % من المسيحيين ، ومجموعات صغيرة من السيخ التي تبلغ نسبتهم نحو 2 % من اجمالي عدد السكان ، والبوذيين واليهود والزرداشتيين . وحسب الاحصاءات الهندية الرسمية فان عدد السكان في الهند يزداد بمعدل 30 شخصا في الدقيقة و1815 شخصا في الساعة ونحو 3 ر1 مليون شهريا ونحو 6ر15 مليونا سنويا . و بوذا العظيم واسمه الحقيقي " سيدارتا غوتاما " ( 563 ق . م – 483 ق . م ) هو الأمير والمفكر الهندي ، الذي يعتبر مؤسس الديانة البوذية في جنوب شرق آسيا . وتعني كلمة بوذا " الشخص المتنور " . نشأ بوذا مترفا في احد القصور الاميرية ، وعندما بلغ سن ال 29 عاما ، وجد نفسه : " مسحوقا بفكرة المعاناة الانسانية ، المرض والالم ، والكبر والموت ، فترك القصر وانطلق باحثا عن افضل طريقة للحياة من خلال التأمل والتعليم والصوم " ( 3 ) . وقد أسس الامير الهندي بوذا العظيم ( سيدارتا غوتاما ) " حركة التنوير : وهي : " الايمان بان الجنس البشري يستطيع عن طريق العقل الاهتداء الى المعرفة والفوز بالسعادة في آن واحد " ، وقد كرس بوذا حياته لتعليم الآخرين كيفية الوصول الى حركة التنوير . والمؤمنون بالبوذية لا يعبدون الله بل يحالون اتباع طريقة بوذا " ( 4 ) . وحسب الديانة البوذية : " كل انسان يولد بعد وفاته . وان نوعية حياته القادمة تعتمد على " الكرما " وهي مجموعة الاعمال الجيدة او السيئة للشخص في حياته الحالية " ( 5) .
على أي حال ، ان قضية التمييز العنصري او التفرقة الاجتماعية في الهند في قارة آسيا ، انبثقت كغيرها من اشكال التمييز في العالم على مدى العصور والازمان في الحضارات القديمة والحديثة على حد سواء ، من عدة منطلقات ودوافع فكرية ونفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية ، وخضعت لحالات من المد والجزر حسب الظروف والاوضاع المؤاتية ، وحول ما ترتأية الطائفة او الجماعة التي تطلق على نفسها الصفوة او الشعب او الجماعة المختارة التي من المفترض ان تتمتع بالامتيازات المتنوعة لعرقها او لدينها او للغتها او غير ذلك من المنطلقات التي تستند اليها في دعوتها . ونظام الطوائف في بلاد الهند هو اساس المجتمع الهندي القديم والمعاصر في الحياة الاجتماعية ، ويعود هذا النظام الطائفي العنصري الى ما قبل الفي عام ( 6 ) .
وفي شبه القارة الهندية ، لجأت الطبقة البرهمية ( Brahmanism ) المسيطرة الى اتباع طريقتين للتمييز : اولاهما : التمييز القائم على اساس عنصري او عرقي " النقاء " المستند الى " التلوين الجسدي " ، ويمكن ان يكون معيار لون الشعر " نماذج الشعر " كفاصل عنصري تمييزي ، مثل : شعر جيد ( مفضل ) وشعر ردئ ، او شعر مستقيم وشعر مجعد ، وفي هذه الحالة فان حاجز اللون يؤدي الى حاجز طبقي ، يمنع التزاوج او الاختلاط بين الطبقات . وثانيهما : القائم على اساس الانوثة او الجنس الانثوي ( 7) . ويمكن تقسيم الهنود الى اربعة عروق متباينة هي : " العرق الأسود والعرق الأصفر والعرق التوراني والعرق الآري ، ونجم عن توالد هذه العروق الاربعة الكبرى ، على نسب متفاوتة مع تفاوت البيئات ظهور عروق ثانوية اخرى " ، (8 ) . وتضم الهند طوائف وديانات متعددة ، وهي الهندوسية بمذاهبها المختلفة ، والاسلام ، والنصرانية واليهودية والمجوسية وغيرها . وبدايات ظهور الديانة الهندوسية ترجع الى نحو اربعة الاف عام عندما هاجم الرعاة ( اصحاب الماشية ) الرحل من " الآريين " القادمين من اواسط آسيا أهل البلاد ، اذ احضروا معهم مبادئ وتعاليم الديانة الهندوسية وافكارها ومعتقداتها : " ان الهندوسية هي اسلوب حياة اكثر من كونها دينا يصدر تعاليم صارمة . ويعتقد الهندوس بأن كل شخص يجب عليه البحث عن طريق للوصول الى الله . كما ويعتقدون بأن روح الانسان لن تموت وانما ستولد من جديد في شكل آخر ، ليس بالضرورة ان يكون هذا الشكل انسانا ، وان سلوك الانسان في حياته الاولى ستؤثر على نوعية حياته القادمة وهذا يسمى بتناسخ الارواح " ( 9 ) .
على أي حال ، ان لفظة هندوسي اخذت من الاسم التاريخي لنهر الهندوس الذي يمر عبر شبه القارة الهندية حيث يقارن الهندوس بين ديانتهم وبين نهر الهند الكبير ( الغانج ) الذي يتغذى بمياه نحو الف رافد نهري صغير . وكلمة الهندوسية : " تطلق على اتباع احدى الطوائف التي اوجدتها الديانة البرهمية ، فاعترف بها البدهيون ( بضم الباء ) فعلا إن لم يكن مبدءاً وكانت هذه الطوائف التي لا يحصى عددها الآن اربعا وهي : طائفة البراهمة ( الكهنة ) وطائفة الأكشترية ( المقاتلة ) وطائفة الويشية ( التجار ) وطائفة الشودرا – بضم الشين – ( الزراع ) ولا تدل هذه الطوائف على اقسام عرق بل تشير الى اصلها اشارة مفيدة ... فسنرى ان طبقة البراهمة آرية ، وان طبقة الاكشترية راجيوتية ، وان طبقة الويشية تورانية ، وان طبقة الشودرا ممزوجة من التورانيين وسكان البلاد الأصليين " ، ( 10 ) . والهندوس يعتقدون بعجلة القانون ( عجلة الحياة ) التي تتألف من عجلة ذات ثماني شعاعات ترمز الى دورة الولادة من جديد للذين لم يتمكنوا من الوصول الى حالة السلام ( النير فانا ) . ويسعى الهندوس كالبوذيين للوصول الى حالة السلام باتباع ثماني طرق هي : " الآراء الصحيحة ، والطموحات ، والكلام ، والسلوك ، والجهد ، والسعي ، والوعي والتركيز " ( 11 ) . وسكان الهند الأصليين هم من السود ( الشودرا ) اذ يمكن تصنيفهم الى صنفين ، منذ قرون وعصور قديمة ، وهما : " النيغريتو ، ذوو القامات القصيرة والشعور الصوفة ( كثيرة الصوف ) والتقاطيع المعصورة القاطنون في المناطق الشرقية والمناطق الوسطى . والزنوج ذوو المثال الاوسترالي القاطنون في المناطق الجنوبية والمناطق الغربية ، والذين هم اطول من اولئك واذكى منهم واملس شعرا من شعرهم ، وترى من هؤلاء اناسا في بعض اصقاع غوندوانا البائرة الجبلية ، وترى من هؤلاء اناسا في اودية نل غيرى ، وكان ذانك الفرعان الفطريان المتوحشان 000 يسكنون غابات الهند وشواطئها قبل التاريخ ، فدمروا يوم بعد يوم مع تقدم الحضارة فطفقوا ينقرضون بالتدريج " ، ( 12 ) .
وقد شهدت الهند نظاما دينيا ومدنيا ذو قسوة متميزة على الانسان الآخر ، حسب ما تعتقده السلالة الآرية في هذه البلاد ، امتهن كرامة الانسان الانسانية وحاول سحقها لجماعة اخرى تعيش في المنطقة عينها جنبا الى جنب مع السلالة الآرية ، وهي قبيلة آرية احتلت الهند وسيطرت عليها في القرن الخامس عشر قبل الميلاد وفرضت حضارتها وديانتها على الهنود وتعدت على الديانة الهندية القديمة الأصلية ، وكانت الآرية تعبد الإله " أغنى " وهو النور القوي الموجود في كل مكان ، وهو الذي يقدسه البرهمي ويخاف منه لأنه يسري في عروقه ) وهو ما يعرف ب " جبل النور ( كوهينور - Koh-I-noor ) ، ويتمثل النظام الذي استندت اليه السلالة الآرية الى قاعدة المحافظة على ذاتها المتميزة ، على اساس معيار : " التفاوت الطبقي الذي بدت طلائعه بتاثير الحرف والصنائع وتوارثها ، وبذلك التحمت العنصرية بالطبقية التحاما ، أذاب الفوارق الاصطلاحية بين النزعتين ، وجعل بينهما مزيجا واحدا ، طبع العنصرية في الهند بطابع خاص ، جعله لسلاله الآرية – بوصفها الطبقة الممتازة – حق السيادة المطلقة ، دينيا ومدنيا ، على سائر الطبقات الآخرى ، ووضع السلالات في الطبقة الدنيا ، بحيث يظلون دائما عبيدا أرقاء ، ونفي طبقة اخرى من البشر من البنية الاجتماعية أصلا ، وهي طبقة ( المنبوذين ) " ، ( 13 ) .
ويخالف الهندوسيون الذين ينادون بنظام الطبقات الاجتماعية حيث ان الانسان يولد في طبقة اجتماعية مميزة له ولا يمكنه الانتقال من هذه الطبقة او تغييرها طيلة حياته ، يخالفهم مذهب هندوسي يطلق عليه ( مذهب جائينيم ) الذي ظهر في القرن الساس قبل الميلاد ، اذ يرفض ( الجائيون ) نظام الطبقات الاجتماعية القائم على التحيز والتمييز لطائفة دون اخرى ، ويفضلون الاهتمام ب " مبدأ اللاعنف ونكران الذات " .
على العموم ، ان الآريين في الهند – ذوي الخيال الخصيب – كما اطلقوا على انفسهم ، طبعوا البلاد بطابعهم العنصري الخاص ، ففرضوا لغتهم وديانتهم وطرق حياتهم وعاداتهم وقيمهم وتقاليدهم ، على السكان الاصليين في هذه البلاد الواسعة المساحة : " والتورانيون اشد الغزاة تحويلا لعروق الهند من الناحية الجثمانية ، والآريون هم الذين تركوا اقوى الأثر في عروق الهند من الناحية المدنية ، فمن التورانيين اخذ سكان الهند نسب اجسامهم وتقاطيع وجوههم ، وعن الآريين اخذ سكان الهند لغتهم ودينهم " ، ( 14) .
وتشير بعض كتب التاريخ الهندية الى انه إثر احتلال الآريين لبلاد الهند ومهاجمتهم للدول التي كانت سائدة آنذاك ، عملوا على استعباد التورانيين في شمال الهند وكونوا منهم طبقة الويشية ( التجار ) التي تلي طبقتهم ، طبقة البراهمة ( الكهنة ) ، كما شكلوا طبقة الأكشترية ( المقاتلة ) لتسمو طبقة الشودرا ( الزراع ) المؤلفة من سكان الهند الاصليين من السود ( 15) .
التمييز في الهند .. وقانون منوشاستر
حسب هذا القانون الذي وضع وسن قبل ميلاد المسيح بن مريم عليه السلام بثلاثة قرون في الهند والذي عرف بقانون ( منوشاستر ) ، او قانون " منو " ويطلق عليه البعض احيانا قانون ( المانوية ) وهو مؤلف من انظمة مدنية وسياسية ومرجعية دينية في الآن ذاته ، تطابقت بموجبه العنصرية والطبقية حيث ذابت الفوارق بين الجناحين وجعلت منهما مزيجا خاصا ، حيث تم تقسيم الهنود الى خمس طبقات ( 16 ) ، هي :
1) طبقة البراهمة : وتشمل فئة الكهنة ورجال الدين ، إذ اعتبروا : " صفوة الله وملوك الناس وسادة الأرض " ، وهم من البيض ، واعتبر البرهمي الذي يبلغ العاشرة من عمرة يفوق على الشتري الذي بلغ المائة سنة من عمره ، مثلما يتفوق الأب على الأبن ، وحسب اعتقاد البراهمة فان البرهمي الذي يحفظ ( رك ويد ) وهو الكتاب المقدس هو رجل مغفور له ، حتى لو اباد العالم بسيئاته وذنوبه . ولا يجوز ان يجبى من البراهمة أي جباية او يأخذ منهم أي اتاوه . والبرهمي يتمتع بالامتيازات العنصرية غير الممنوحه لغيره من اهل الطبقات او الطوائف الاخرى ، لأن البراهما ( Brahma ) الذي يعني الذات العليا هو روح وجوهر الكون العليا حسب الفلسفة الهندوسية . ومما يدلل على ذلك ، ان البرهمي يمر باربعة مراحل حياتية من عمره ، يمارس خلالها اربع وظائف هي : وظيفة المرشح للرهبانية ووظيفة رب الاسرة ووظيفة الناسك ووظيفة القانت ، ولهذا : " ان حياة البرهمي كانت تقسم الى اربعة ادوار : دور المراهقة وفيه يتخرج البرهمي على اساتذة مخصوصين في دراسة الكتب المقدسة والاطلاع على اسرار الدين ، ودور الفتوة وفيه يتزوج البرهمي فيصبح أبا ورب اسرة ما كانت وظائفه وراثية وما كان واجبه الاول ان يكون ذا ولد ، ودور الكهولة وفيه يقضي البرهمي ايامه معتزلا متبتلا زاهدا ، ودور الشيبة وفيه يصبح البرهمي كاملا متصلا بالآلهة رأسا متأملا متأهبا للموت " ، ( 17) .
وقد اعتبرت طبقة البراهمة حسب شريعة منو ، الطبقة الاكثر تقدما وازدهارا القادرة على قيادة الطبقات الهندوسية الآخرى ، وتدعي هذه الشرائع ان هذه الطبقة هي الوصية على الجنس البشري كله مع طبقة الأكشترية ، اذ نصت احدى نصوص شرائع منو المتعلقة بذلك كما يلي : " فالحق ان رب المخلوقات فوض امر الحيوانات النافعة ، بعد خلقها ، الى طبقة الويشي ليقوم بتربيتها ، كما وضع الجنس البشري تحت وصاية البراهمة والأكشترية " ، ( 18 ) . وكان لطبقة السادة البرهمية شعارا ورمزا خاصا بها للتميز عن الطبقات الاخرى ويتمثل في : " الصليب المعقوف .. وكان هذا الشعار معروفا منذ الأزمنة القديمة ، ومثل في الهند السادة " ،( 19 ).
2) طبقة الشتري : وهم العسكريون من الضباط والجنود . ويطلق عليهم الكاتريا Katrihyas ويطلق عليهم كذلك طبقة الأكشترية، وهي اسمى طوائف الغوركها ، وقد نتجت هذه الطبقة من تزاوج الراجبوت بنساء قبيلة الفطرية المعروفة بكهوس ، ( 20 ) ، وهم من ذوي اللون الأحمر الداكن ( 21 ) .
3) طبقة ويش : ويطلق عليهم احيانا الفشيا Vaishyas ، وهم ذوو لون اصفر داكن ( 22) ويتألفون من التجار والمزارعين والصناع وغيرهم . أي ان هذه الطبقة تمثل " الطبقة الصناعية والتجارية " في الهند ، وحسب الشريعة المانوية : " يجب على الويشي ، بعد ان يتقلد الحبل المقدس ويتزوج بامراة من طبقته ، ان يقوم كادحا ، بمهنته وبتربية المواشي " ، (23 ) .
4) طبقة شودر ( شودرا او سودرا Sudra ) وهي الطبقة الدنيا ( الخدم ) وهم من ذوي اللون الأسود او بمعنى ادق هم سكان الهند الأصليين ، وشودرا تعني في اللغة السنسكريتية : المهمل او المتروك او المنبوذ . وحسب قانون " منو " يحرم على هذه الطبقة اقتناء المال او ادخار الكنوز دون موافقة ورضا سادتهم لتحاشي ايذاء البراهمة ، ويجب ان تسعد طبقة شودر بخدمتهم للبراهمة .
5) طبقة جندال : وهي الطبقة حسب المعتقدات والقانون الهندي الذي نتحدث عنه لا فرق بينها وبين الحيوانات .
وحسب ما ادعاه مؤلفو مجموعة شرائع منو ( مانوا – دهرما – شاسترا ) التي اصبحت دستور الهند المدني والسياسي ، ان هذه الشرائع هي التي تهتم بمعالجة الشؤون المدنية والدينية والسياسية والحضارية العامة للهنود وتفضيل طبقة البراهمة على غيرها من الطبقات الاربع الآخرى ، وتم تحديد سياسة العمل المخصص للطبقات ، إذ : " إن القادر المطلق ، قد خلق لمصلحة العالم ، البراهمة من فمه ، وشتري من سواعده ، وويش من افخاذه ، والشودر من أرجله ، ووزع لهم فرائض وواجبات لصلاح العالم . فعلى البراهمة تعليم ( ويد ) – الكتاب الديني المقدس لديهم – النذور للالهة ، وتعاطي الصدقات ، وعلى الشتري حراسة الناس ، والتصدق وتقديم النذور ، ودراسة ( ويد ) ، والعزوف عن الشهوات ، وعلى ويش رعي السائمة والقيام بخدمتها ، وتلاوة ( ويد ) ، والتجارة والزراعة ، وليس لشودر إلا خدمة هذه الطبقات الثلاث " ، ( 24) .
وحسب شريعة ( منو ) البرهمية فان لجميع الطوائف الهندوسية واجبات ومهام ينبغي ان تقوم بها على اكمل وجه ، باعتبار ان كل طائفة خرجت من جسم برهمة ، فالبراهمة مفضلون منذ ولادتهم وخلقهم ، ويجب ان تسند اليهم الاعمال الراقية الخاصة المناسبة ، وحددت هذه الشرائع كل طبقة من الطبقات او الطوائف الهندوسية مجالات عمل محددة لا تحيد عن الالتحاق بغيرها ، ففئة الاكشترية المقاتلة يجب ان تهتم بشؤون الحرب والقضايا العسكرية لحماية الهندوسيين ، وطبقة الويشي يجب ان تختص بتربية الحيوانات وتقوم بالاعمال التجارية وحراثة الأرض وزراعتها ، وهناك تمييز طبقي وعنصري في تحديد ظروف وشروط ونوعية الاعمال والوظائف المسندة لكل طبقة من الطبقات وكذلك الحال بالنسبة للحياة التعليمية الطبقية الطائفية .
وفيما يلي بعض نصوص أسفار شريعة ( منو ) البرهمي التي ندعها تتحدث عن عنصريتها القائمة على الدين والأصل الاجتماعي والعرقي بنفسها : " اراد الرب المولى تكاثر الجنس البشري فخلق من فمه وذراعه وفخذه ورجله : البراهمة ، والأكشترية والويشية والشودرا ، واراد دوام هذا الجنس فجعل لكل واحدة من هذه الطبقات اعمالا خاصة : فعهد الى البراهمة في درس اسفار الويدا وتعليمها وتقريب القربان وادارة ضحايا الآخرين والعطاء والأخذ . وفرض على الاكشترية حماية الشعب وممارسة الاحسان والتضحية وتلاوة الكتب المقدسة وعدم الانهماك في الشهوات . وخص الويشية بتربية المواشي وايتاء الزكاة ( الاموال ) والتضحية ودراسة الكتب المقدسة والتجارة والربا والحرث . واوجب على الشودرا عملا واحدا فقط ، وهو خدمة تلك الطبقات من غير ان يحطوا من قدرها ... لا فلاح للاكشترية بغير البراهمة ، ولا إرتقاء للبراهمة بغير الأكشترية ، فتانك الطائفتان إذا ما اتحدتا كتب لهما الفوز في الدارين ، يجب ان يعد البرهمي ابا للأكشترى ولو كان عمر البرهمي عشر سنوات وعمر الأكشترى مئة سنة ، ويجب ان يحترم الأكشترى البرهمي على هذا الأساس ... يجب على الويشي بعد أن يقلد الحبل المقدس ويتزوج امرأة من طائفته ان يعنى جادا بمهنته ويربي المواشي على الدوام . وليعلم جيدا كيف يبذر الحبوب ، وليفرق بين الارض الجيدة والارض الرديئة وليطلع على نظام الاوزان والمكاييل اطلاعا تاما . وليعرف اجر الخدم ولغات الناس وما تحفظ به السلع وكل ما يمت الى البيع والشراء بصلة ... يجب على الشودرى ان يمتثل امتثالا مطلقا اوامر البراهمة سادة الدار العارفين بالكتب المقدسة والمشتهرين بالفضائل ، فترجى له السعادة بعد موته ( ببعث أسنى ) . خدمة الشودرى للبراهمة هي افضل عمل يحمد عليه ، ولا اجر للشودرى على عمل آخر يقوم به . لا يجوز للشودرى ان يجمع ثروات زائدة ، ولو كان على ذلك من القادرين ، فالشودرى إذا جمع مالا آذى البراهمة بقحته . ويجب نفي ابن الطبقة الدنيا الذي تحدثه نفسه بان يساوى رجلا من طبقة اعلى من طبقته وان يوسم تحت الورك . وتقطع يده اذا علا من هو اعلى منه بيده او عصاه وتقطع رجله اذا رفسه برجله حين الغضب . واذا ما دعاه باسمه او باسم طائفته متشمتا أدخل الى فمه خنجر محمى مثلوث النصل طوله عشرة قراريط . ويأمر الملك بصب زيت حار في فمه وفي أذنيه إذا بلغ من الوقاحة ما يبدى به رأيا للبراهمة في امور وظائفهم . ومن يك ذا علاقات برجل منبوذ أسقط في نهاية سنه ، ولا يكون هذا السقوط فقط بأن يقرب معه او يقرأ معه الكتاب المقدس او يحالف مما يؤدي الى السقوط حالا ، بل ينجم ايضا عن الذهاب معه في مركبة واحدة او الجلوس معه على متكأ واحد او الأكل معه حول خوان واحد " ، ( 25 ) .
وفي اطار " شعائر التطهير البرهمي " نهت الشريعة الهندوسية عن اختلاط العرق الراقي او المتفوق بالاعراق الدنيا المنحطة ، اذ ورد عن المشرع الهندوسي القديم الحكيم ، مقرر دستور الهند الشرائعي " منو " قوله لمناهضة التمازج او الاختلاط العرقي لضمان بقاء الدم البرهمي نقيا بعيدا عن الطبقات السفلى : " لا تلبث كل بقعة ينشأ فيها أناس من عروق متوالدة ان يعمها الخراب وان يضمحل سكانها " ، ( 26) . ومن سمات نظام الطوائف العنصرية المعمول به في الهند ، تحريم الاختلاط في تناول الاطعمة والاشربة ، ومنع التزاوج بين افراد من طائفتين ، كما يقول غوستاف لوبون في كتابه ( حضارات الهند ) : " وهناك سمتان اساسيتان تتميز بهما كل واحدة من الطوائف ، ويختلف بهما افراد كل طائفة عن افراد الطائفة الأخرى ، فالاولى : هي أن أبناء الطائفة الواحدة لا يطاعمون غيرهم 0 والثانية : ان بعضهم لا يتزوج إلا ببعض " ، ( 27 ) . على أي حال ، حسب العادات والتقاليد الدينية الهندوسية فان وطن الهندوسي هو طائفته ، وفي الطوائف الهندية تتصارع وتتنازع عملية البقاء والاحتفاظ بعضوية الطائفة المعينة ، ومن الغريب ان هناك انظمة بموجبها ينفصل الفرد عن طائفته ، ولا يبقى ضمن اطارها : " وقد يخسر الهندوسي طائفته لاسباب كثيرة ... ومن اشدها ان يقبل طعاما او ماء من ابن طائفة اخرى ، ولا شيء اعظم ايلاما على الهندوسي من فقده لطائفته ، ففقد الهندوسي لطائفته يعني فقدا لأبويه واصدقائه وثروته ، فكل واحد يعرض عنه نائيا رافضا كل صلة به ، فيدخل إذ ذاك في زمرة المنبوذين الذين يقومون بأخس الأعمال " ، ( 28) . إلى ذلك ، فوفق شريعة ( منو ) حظر على البرهمي ان يتزوج من امراة من طائفة اخرى غير طائفته ، وتوعدته هذه الشريعة الهندوسية ، بالويل والثبور ، وقالت بان : " نار جهنم هي دار البرهمي الذي يتزوج امرأة من الشودرا ، لا من طبقته ، فاذا ولد له ولد منها طرد من طبقة البراهمة " ، ( 29) .
ومن الحقوق الاساسية لأفراد طائفة البراهمة دون غيرها في المجتمع الهندوسي ، منذ ولادتهم وحتى مماتهم ، والتمييز العنصري لصالحهم ضد الطبقات او الطوائف الأخرى ، بدرجات كبيرة جدا ، في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والدينية : " يؤجر الواهب مرة على هبة المال لغير البرهمي ، ويؤجر مرتين على هبته لرجل يزعم أنه برهمي ، ويؤجر مئة الف مرة على هبته لبرهمي متبحر في كتب الويدا ، ويؤجر اجرا لا حد له على هبته لبرهمي متبتل الى علم اللاهوت . إذا ولد البرهمي وضع في الصف الاول من صفوف هذه الدنيا ، والبرهمي إذ كان السيد الحاكم لكل مخلوق ، وجب عليه ان يحافظ على كنز الشرائع المدنية والدينية . والبرهمي محل لاحترام الجميع والآلهة بسبب نسبه وحده ، واحكامه حجة في العالم ، والكتاب المقدس هو الذي يمنحه هذا الامتياز . كل ما في العالم ملك البرهمي ، وللبرهمي حق في كل موجود بسبب البكرية والنسب . والبرهمي إذا ما افتقر حق له ان يمتلك مال الشودرى الذي هو عبد له من غير ان يجازيه الملك على ما فعل ، فالعبد وما يملك لسيده . ولن يدنس البرهمي صاحب ( الرغ ويدا) ولو قتل اهل العوالم الثلاثة وتناول طعاما من اسفل رجل . ولا ينبغي لملك ان يجبي خراجا من برهمي عالم بالكتاب المقدس ولو مات الملك محتاجا ، ولا يجوز له ان يصبر على جوع برهمي في ولاياته . وليجتنب الملك قتل برهمي ولو اقترف جميع الجرائم ، وليطرده ، إذا رأى ، من مملكته على ان يترك له جميع امواله وألا يصيبه بأذى . والبرهمي المحصن ( المتزوج ) إذا زنى قص شعر رأسه قصا شائنا ، على حين يقتل الزناة المحصنون من ابناء الطوائف الأخرى " ، ( 30) .
عقوبات المنبوذين في الهند

نص قانون ( منو شاستر ) او ما تعرف احيانا ب ( شرائع منو ) او ( المانوية ) على عقوبات شديدة قاسية على احد اعضاء طبقة المنبوذين في الهند الذين يرتكبون مخالفات ، تطال باي حال من الاحوال المادية او المعنوية أي برهمي ، واعتبر ان الرق هو صفة ملازمة لافراد الطبقات الدنيا ( من غير البراهمة ) ، وهذه الاوامر والنواهي تجاه الطبقات غير البرهمية الكهنوتية بمثابة احكام عرفية وطوارئ دائمة النفاذ لا تتغير بتغير الاجيال والازمان على السواء ، وعلى جميع الطبقات او الطوائف الهندوسية التقيد بتعاليمها بدقة . وفيما يلي نص العقوبات ، كما وردت في القانون المذكور : " إذا مد أحد من المنبوذين الى برهمي يدا او عصاً ليبطش به قطعت يده ، وإذا رفسه في غضب قطعت رجله ، وإذا هم أحد من المنبوذين أن يجالس برهميا كوي ظهره ، ونفي من البلاد ، وإذا مسه بيد او سبه يقتلع لسانه ، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتا فائرا ، وكفارةُ قتل الكلب والقطة والضفدعة والوز والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء " ... " انه إذا اشترى البرهمي رجلا من الشودر ، بل وإذا لم يشتره فانه يجوز له أن يجبره على خدمته ، بصفة كونه رقيقا ( دارا ) لأن مثل هذا الانسان ما خلقه واجب الوجود إلا ليخدم البراهمة ، ثم ان الشودر ، وان اطلق سيده سراحه ، لا تفارقه صفة الخدمة ، لأنه من ذا الذي يمكنه أن يزيل عنه حالة طبيعية مرتبطة به " ... " إذا وجه رجل من الطبقة الدنيا سبابا فاحشا الى احد الدويدياس ( اهل الطبقة العليا ) فجزاؤه سل لسانه ، لأنه ناتج من القسم الاول من برهمه ، وإذ انكر احدهم باسمه وبطبقته على هيئة يؤخذ منه الأزدراء ، فجزاؤه أن يوضع في فمه خنجر طوله عشرة أصابع بعد إحمائه بالنار إحماء شديدا ، فإذا ساقه عدم الحزم وقلة التبصر ، الى بذل النصائح والمواعظ للبراهمة ، فيما يتعلق بواجباتهم ، فعلى الملك أن يأمر بوضع الزيت المغلي في فيه وفي اذنه ، وإذا سرق البرهمي من الشودر ، عوقب بالغرامة ، أما إذا سرق الشودر من البرهمي فجزاؤه أن يحرق " ، ( 31 ) .
ومن جهة اخرى ، فان الشخص الذي يقتل برهميا فانه يعاقب ،عقابا شديدا يتحول بموجبه الى حيوان منحط القيمة له اربع قوائم او رجلين صغيرتين كالعصفور او مهانا غير معترف به كالهجين الاقل من الشودري ، حسب شريعة منو في مذهب تناسخ الارواح : " فيتقمص قاتل البرهمي ، بحسب اهمية جرمه ، جسم كلب وخنزير وحمار وجمل وثور وتيس وكبش ووحش وعصفور وجندالا – والجندال هو ابن الرجل الشريف والمرأة الشودرية ، وتأتي مرتبته دون الشودرا انفسهم " ، ( 32) . وحسب المعتقدات الاسطورية الآرية العنصرية المتمثلة بطبقة البراهمة ، المسطورة في القصائد الحماسية العظمى ( الراماينا والمهابهارتا ) ونبذها لسكان الهند الاصليين من ذوي اللون الاسود الذين سحقهم الآريون فيما بعد ، كما جاء في كتاب ( الراماينا ) وهي قصيدة اسطورية حماسية كبرى ، تعد إلياذة الهندوس ، نقتطف منها : " ان الآريين حاربوا الغيلان فاستعانوا بالقردة فقلبوا عروش عبدة الأفاعي ، ملوك الناغا ، الاقوياء الأشداء راسا على عقب ، فنرى اولئك الناغا هم الفاتحون التورانيون الاولون الذين شادوا في جنوب الهند دولا زاهرة فعبدوا هم ورعاياهم قدماء الدراويد ، الأفاعي وان اولئك القردة الذين اعانوا راما هم اهل البلاد السود " ، ( 33 ) .
وعلى هذا فان الهند هي وثنية في الغالب ، وتؤمن الغالبية العظمى من السكان بتعدد الديانات والآلهة ، وتحول بعض البشر وزوجاتهم والابطال الى آلهة ، الا انه ومن الناحية النظرية والعملية على حد سواء ، فان الديانة الرسمية السائدة في ولايات بلاد الهند الحديثة هي البرهمية الجديدة او الهندوسية التي تتألف من ديانات متعددة وصنفت تحت قسمين او ديانتين رئيسيتين هما : ديانة شيوا ، وديانة وشنو ، ويتكون الثالوث الهندوسي من هذين الإلهين الكبيرين مع برهما العظيم ، وبرهما هو اقوى واشد الالهة الثلاثة لدى الهنود ، حيث يعد ( برهما ) هو البارئ ( هذا الروح الكبرى التي تلمس فتهب الحياة لجميع الخلق ) ، في حين يعد الالهين الآخرين عند الهنود ( وشنو - بكسر الشين – فهو الحافظ ، واما شيوا فهو المبيد " إله الحياة والموت او الابادة او التحول " الذي يعتبر إله الهند الحقيقي ومبدع عبقرية عرقها ، ومتزوج من امرأة اسمها كالي ) حسب ما يؤمن به الهندوس في الهند ( 34 ) . وهي كما نرى ، وثنية تردد ان الاله متزوج من امرأة . وتقوم هذه الديانة الهندوسية على سياسة التمييز العنصري والتفرقة الاجتماعية بين مختلف الطوائف والطبقات الاجتماعية الموجودة في الهند في العصور الحديثة والتاريخ المعاصر كما كانت عليه الحال في الاحقاب والازمنة الهندية الغابرة . وفي كتاب ( حضارات الهند ) يقول غوستاف لوبون : " وقد اثرت الديانات الوثنية في البراهمة انفسهم ، ومن ذلك الشأن الكبير الذي نراه لعبادة الحيوانات في جميع ديانات الهند على الاطلاق ، والأفعى والبقرة ، اكثر هذه الحيوانات محلا للاحترام ، فلا تجد في الهند قوما لا يقدسون لها ، وذبح البقرة او قتل الحية من افظع الجرائم عند بدهيي ( بضم الباء ) نيبال ، وبراهمة الغنج ووحوش غوندوانا ، فترى صورة الأفعى بجانب تماثيل الآلهة في جميع المعابد ، وترى الثعبان والقرد خاصين بوشنو ، كما ان البقرة والثور خاصان بشيوا " ، ( 35) . ومن الامور العنصرية ايضا انه يحظر على الهندي الشودري بشكل مطلق ان يسئ الى البرهمي او أن يذبح البقرة ، عن ذلك يقول الاسقف إيبر : " يجب على الشودرىأن يجتنب الذنوب الآتية : ذبح بقرة ، وإساءة برهمي ، وترك إحدى الشعائر التافهة التي تستعطف بها الآلهة كما يفترض " ، (36) .
ومن الوجوة البارزة في عملية التمييز الطائفي العنصري والتعصب للبراهمة وتطهير افراد الطائفة البرهمية من نجاسات الطوائف الدنيئة الدونية ، وما يعد نقاء للطائفة البرهمية مسألة اداء الواجبات في الحياة الهندوسية العامة : " وهناك صنفان من الواجبات يسيطران على حياة الهندوسي وهما : الأوامر الدينية – أي العبادة والطهارات التي هي من الواجبات الدينية مع ان لها مصدرا آخر ، فاما الصنف الاول فقد نشأ عن ضرورة التودد إلى الآلهة الهائلة القادرة على إثارة الاعاصير واصابة الناس بضروب الجدب والاوبئة ، واما الصنف الثاني فمصدره ضرورة التطهر من أناس من الطوائف الدنيا ، وقع عرضا . فمن ذينك الصنفين الاساسيين – استعطاف الالهة بالعبادة وتوكيد نقاوة الطائفة – تتألف قواعد الآداب لدى الهندوس تقريبا ، وما في شرائع " منو " - بفتح الميم وضم النون – من القواعد فيرد الى ذينك الصنفين " ، ( 37) .

العقيدة البُدهية في الهند

ظهر مصلح هندي حاول انقاذ الهندوس من شريعة منو المتطرفة ، حيال نظام الطوائف والفصل والعزل الديني بين الطبقات المتعددة في المجتمع الهندي ، وقد ذكرت كتب التاريخ والاديان والحضارات الهندية المصلح المدعو ( بدهة ) المولود في ( كبيلا وستو ) جنوب نيبال ، والملقب ب ( غوتما ) او الحكيم " شاكيه موني " ، اساطير ( لليتار وشتار ) ، وتاريخه مقتبس من الاساطير الهندية القديمة ، ظهر في القرن الثالث قبل الميلاد ، ونادى بالمساواة والاحسان والزهد ( 38 ) . والبدهية لم تغير كثيرا من الناحية العملية من مبادئ الديانة الهندوسية او البرهمية : " فقد ابقت على البرهمية وعلى آلهتها وطوائفها ، مع القول ان الآلهة والعفاريت والبراهمة والشودرا ليست الا صورا مؤقتة متحولة بلا انقطاع الى ان تفنى فيه تعالى بعد ان تكون بدهة ، أي تصير صاحبة العقل المطلق فترى البصيرة سلسلة الموجودات السابقة وغاية الحياة وارتباط العلل والمعلولات ثم تدخل في سلام نروانا الأعلى الأبدي " ، ( 39 ) .
والبدهية اعتنت بالحياة الباطنية ، وفي سبيل الدعوة الى المساواة بين الجميع وعدم ارتكاب المعاصي وقتل الناس الآخرين ، وعدت كل انسان قاتلا اذا اراد سوءا بانسان آخر ، بعدم التسامح : " واكثر ما يبدو الفرق الاساسي بين البرهمية والبدهية هو فيما تقول به البدهية من روح المحبة القوية التي تحيي هذا الادب الجديد في تواضعها وحلمها ولطفها وتسامحها العام " ، ( 40) .

التمييز العنصري في الهند ضد المرأة

بالرغم من ان مسألة احترام المرأة ، بصورة عامة ، وردت كثيرا في نصوص شريعة منو الا ان هناك الكثير من الاوامر والنواهي التي يتوجب على المرأة الهندوسية ان تلتزم وتنصاع لها طيلة سني حياتها الزوجية لبعلها وإلا فانها ستتعرض الى الخزي والانحطاط المجتمعي والأسري على حد سواء ، وبعد بعثها من القبر فانها ستبعث في بطن حيوان او تصاب باحد الأمراض الفتاكة كالجذام والسل ، واعتبرت النصوص المانوية ان : " واجبات النساء هي ان يلدن ويربين اولادهن ويدبرن امور منازلهن . وتكون المرأة تحت رعاية ابيها في صباها وتحت رعاية زوجها في فتوتها وتحت رعاية ابنائها في شيبتها ، فلا ينبغي لها ان تسير كما تريد ... يجب على الازواج ، مهما بلغوا من خور العزيمة ، ان يراقبوا سلوك نسائهم ، وان يعدوا هذا الامر شريعة سائدة لجميع الطبقات . ويجب على المرأة الفاضلة ان تقدس لزوجها على الدوام كإله ، وان كان فاسد السيرة عاطلا من الصفات منهمكا في ضروب العشق والغرام . والمرأة اذا لم تكن وفيه لزوجها غدت عرضة للخزى في الدنيا ، وبعثت بعد موتها في بطن ابن آوى او اصيبت بعده بالجذام والسل " ، ( 41) . وشريعة منو ، وان احتوت على نصوص منصفة للمرأة الهندية في كثير من الاحيان ، الا ان الهندوسية تنظر الى المرأة نظرة غير سوية ، في حالة كون الفتاة عزباء او امرأة ارملة ، ففي هاتين الحالتين تعتبر من زمرة المنبوذين في المجتمع الهندوسي الطائفي : " وتعد المرأة العزباء والمرأة الأيم على الخصوص منبوذتين من المجتمع الهندوسي ، ومن الأيامى التي تفقد عروسها في اوائل عمرها . وفتق مثل هذا لا يمكن رتقه ، فتهبط المرأة المنبوذة الى ما دون سفلة القوم " . قال السيد ملباري : " موت الزوج الهندوسي قاصم لظهر زوجته ، فلا قيام لها بعده ، فالمرأة الهندوسية إذا آمت ( فقدت زوجها ) ظلت حادا ما دامت حية ، وعادت لا تعامل كانسان ، وعد نظرها مصدرا لكل شؤم ، وعدت مدنسة لكل ما تمسه ، فهي إذ تغدو بوفاة بعلها محتقرة منبوذة تبدو الحياة لها عبئا ثقيلا ، فلا يبقى امامها سوى سبيل الفسق او العيش بائسة منزوية ، والفتاة الأيم هي التي قصدتها بقولي ، وغير حالها ، حال المرأة التي لها قرة عين باولادها فهي لا تكون عرضة لسخافات طائفتها " ، ( 42 ) .
وبسبب هذه النظرة غير السوية تجاه المرأة الأرملة ، فان بعض النساء بعد وفاة ازواجهن يرمين انفسهن في محرقة الزوج المتوفى لتحترق معه . وتنفيذا " للانتحار الديني الهندوسي " وفق ما يدعيه الهندوس ان انتحار المرأة الارملة حسب طقوس " ساتي " وهي تعبير عن التضحية بالذات النسوية لضمان الحياة الابدية لزوجها ولنفسها ولجلب الحظ السعيد لابنائها والاجيال المقبلة ، فقد انتحرت حرقا ثماني حالات " ساتي " منذ عام 1930 ، حتى نهاية القرن العشرين الماضي . وفي اواخر العام 1999 انتحرت حسب العقيدة الهندوسية امرأة هندوسية تدعى ( تشاران شاه ) عمرها 55 عاما ، زوجة الهندوسي المتوفى ( مان شاه ) الذي عانى من مرض السل ثلاثين عاما ، في مقاطعة ( ساتبورا ) على بعد 300 كم من العاصمة الهندية نيودلهي ، في شهر تشرين الاول عام 1999 ، اذ : " قفزت تشاران شاه الى النيران التي كانت تلتهم جثة زوجها تلبية للتعاليم الهندوسية القديمة فقد ركعت عند قدمي الجثمان المحترق ووضعت جبهتها على الجذوع المشتعلة وظلت بلا حراك الى ان ماتت " ( 43 ) .
وعلى كل الاحوال ، فان الانتحار الديني الهندوسي المعروف ب ( ساتي ) حسب الاساطير الهندوسية جاء تقليدا ل ( ساتي ) زوجة الاله ( شيفا ) التي قتلت نفسها حرقا بعد شجار مع ابيها الغاضب الذي اهان زوجها ، ويعد هذا الانتحار الديني عند الهندوس وفاء للازواج بعد وفاتهم وكثيرا ما يقدسن بعد حرق انفسهن . وهو في نهاية المطاف يبين مدى الازدراء والتمييز السلبي الذي تلاقيه المرأة الهندوسية في المجتمع بعد وفاة زوجها مما يضطرها الى الانتحار عند اقدام جثة زوجها المتوفى ، وفي المقابل فانه لا يوجد في النصوص الهندية اشعار بضروروة ان ينتحر دينيا الرجل الذي تتوفى زوجته . ومهما يكن من امر فان القانون الهندي الحديث يمنع انتحار الزوجة بعد وفاة زوجها ويعتبر القانون حالة ساتي هو بمثابة جريمة يعاقب عليها القانون ويعاقب من يشاهد هذه الحالة الانتحارية ، وبالرغم من ذلك فان الهندوس بعد حادثة الانتحار الديني يحضرون الى موقع الانتحار ويقيمون صلواتهم الخاصة بهم وقد يقيمون معبدا وفاء لذكراها ( 44 ) .

العنصرية الهندوسية ضد المسلمين

ورغم ان البرهمية الجديدة ، في الهند الحديثة ، قد طورت من البرهمية القديمة بادخال البدهية الاكثر لطفا ، فقد ادت عملية التمييز العنصري والتفرقة الاجتماعية بين اتباع الدين الهندوسي في الهند الى نبذ دينهم الهندوسي من قبل عشرات الالاف من الهنود واعتناق الاسلام . عن ذلك يقول سيرتوماس . و . أرنولد : " من وقائع تحول الهندوس الى الاسلام ... في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بوجه خاص فأصبح عدد الذين كانوا يدخلون في الاسلام من الهنود سنويا ، يتفاوت بين عشرة آلاف ، وخمسين ألفاً ، ومئة الف ، وستمائة الف " ، ( 45) . ويضيف ارنولد عن تحول اعداد كبيرة من الهندوس الى الاسلام هربا من الذل والقهر والتجبر : " ... وإن الاهانات والاحتقار الذي انصب على الطبقات المنحطة من الهندوكيين على ايدي إخوانهم في الدين والعراقيل التي لا يمكن التغلب عليها والتي وضعت في سبيل أي فريق من هذه الطبقات يرغب في تحسين حالته ، ليوضح لنا في هذه المفارقة فوائد النظام الديني الذي لا يفرق بين منبوذ وغير منبوذ ، والذي يهيئ مجالا للتمتع باي مطمح " ، ( 46) .
ومن الامثلة على ازدراء معاملة الطبقات الدنيا من الهنود من قبل الطبقات العليا ما اورده تقرير البعثة الازهرية عام 1936 الى الهند للنظر في شأن المنبوذين الهنود واعتزامهم تغيير ديانتهم : " ان المنبوذين – ويزيد عددهم على 60 مليونا – حاولوا اللجوء مرات الى القوة لتحطيم القيود المفروضة عليهم ، واقتحام المعابد المحرم عليهم دخولها ، ولكن رجال الشرطة كانوا يطاردونهم ويحمون هذه المعابد من نجاستهم ، وكان ان عمد المنبوذون الى عقد اجتماع لهم في تشرين الاول ( اكتوبر ) 1935 م ، حضره عشرة آلاف منهم ، وقرروا ان الطريق الوحيد لعلاج النبذ ، هو الانسلاخ عن الهندوسية الى دين يضمن لهم الحرية والمساواة ، وتنافست في محاولة كسب المنبوذين ، جمعيات تبشيرية مسيحية ، واخرى من طائفة ( السيخ ) الهندية ، كما نشطت الحركة الاسلامية في نشر الاسلام بينهم " ، ( 47 ) .
وقد غذى الاحتلال البريطاني الذي حكم المنطقة التي تضم ( الهند وباكستان وبنغلادش ) واستمر استعماره المباشر لشبه القارة الهندية حتى عام 1947 ، النزعة الطائفية بين سكان شبه القارة الهندية ، بتأليب الطوائف على بعضها البعض ، بكل ما اوتي من قوة ، من خلال تشجيع الطائفية والتعصب ، واذكى نيران الغلبة الدينية الهندوسية ، من خلال كافة الوسائل المتاحة ، وابقى على العادات والتقاليد البالية : " ولكن الصحف التي كان يملك البريطانيون معظمها كانت تولي الاهتمام العظيم كل اضطراب طائفي وتعمد الى المبالغة في ابرازه ... ان التوتر الطائفي قد ازداد لدى جماهير المدن وكان ذلك بمساعي الزعماء الطائفيين "، ( 48)
كما ان الحالة العنصرية حيال ما يسمون بالمنبوذين في الهند ما زالت سارية المفعول لغاية الآن ، ولكن بوتيرة متفاوتة من منطقة لآخرى ، ففي منطقة ( تراونكور ) يمنع الناس من الطبقات السفلى من الاقتراب من البرهمي باكثر من 74 خطوة ، ويجب عليهم ان يصيحوا بصوت مثل " صوت الخنزير " للدلالة على قدومهم . هذه التصرفات العنصرية وغيرها من التصرفات التي تنم عن الاهانة والاذلال للطبقات الفقيرة ، حدت بكثير من اتباع الديانة الهندوسية ان يعلنوا اسلامهم وترك الظلم والاستعباد الذي تنص عليه ديانة الهندوس . فشردوا باجسامهم وافكارهم من جحيم الهندوسية الى نور الاسلام الذي يدعو الى العدالة والمساواة ونبذ التفرقة الإجتماعية والعنصرية بكافة اشكالها وصورها الفردية والجماعية والشعبية والاممية .
اما بشأن الكتب الدينية المقدسة لدى البراهمة فتتمثل في ( الرغ ، ويدا ) المكتوبة باللغة السنسكريتية ، حيث يقرؤها الهندوسي لينال الثواب العظيم ، ويحتقرون ابناء الديانات والطوائف الأخرى . عن ذلك يقول عبد المنعم النمر ، في عام 1959 : " على هذا الأساس الذي وضعته الكتب الدينية الهندوسية ، قامت الحياة الاجتماعية للهندوس ، وظلت كذلك عبر القرون ، تزداد كل يوم شدة وتمكينا ، وتزداد كل طبقة إيمانا بموقفها من غيرها ، حتى رأيت طبقة الشودرا ( المنبوذين ) وكأنهم أشد ايمانا بذلتهم من غيرهم ، فهم لا يسكنون مع بقية الأهالي ، ولكنهم يتخذون لهم مساكن في أطراف البلد ، في غاية الحقارة والضعة ، ولا يحاولون أن يرتفعوا عن وضعهم ، والجهل بينهم متمكن ، إلا بعد ان انتشر التعليم حيث استطاعت جماعة قليلة منهم التعلم ، ومن هنا بدأوا يشعرون بمكانهم المهين في المجتمع ، وأخذوا يفكرون في تغييره "،( 49) . وإمعانا في التمييز والتفرقة الاجتماعية ، والحفاظ على الوضع القائم في الولايات الهندية ، من الاضطهاد والاستعباد الديني والطبقي والاقتصادي والسياسي للفئات الفقيرة المعدمة ، وللاقليات الدينية كالمسلمين وغيرهم ، وللاستمرار في بقائها تحت الرق والخدمة ، وفق مبدأ " السادة والعبيد " ، فقد تنبهت بعض الولايات الهندية الى ترك بعض الهنود للهندوسية واعتناقهم الاسلام ، فاصدرت بعض القوانين التي تحول دوت تغيير الدين ، ومن امثلة ذلك ان : " الجمعية التشريعية في ولاية ( اورلسه ) الهندية ، أصدرت قانونا يحرم على المواطنين تغيير الديانة ، وهذا – كما هو واضح بكل جلاء – لمنع الهندوس ، وخصوصا المنبوذين من قبول الاسلام " ، ( 50 ) . ويشتعل لهيب نظام الطوائف ، وتبرز نزاعات طائفية ومذهبية احيانا تصل ذروتها باستخدام الاسلحة النارية والعصي والاسلحة البيضاء ( السكاكين والخناجر والسيوف ) بصورة جماعية ، فتتولد اجواء متوترة من الشحناء والبغضاء والحقد الاسود بين الديانات المتعددة ، وتكثر وتطفو على الساحة الهندية في كثير من الولايات النعرات القبلية والتعصب العنصري لهذه الطائفة او تلك ، ويحاول البراهمة الهندوس الذين ينادون بالسمو والتفوق البرهمي ( الآري ) اضطهاد الاقليات المتناثرة هنا وهناك في اجزاء النسيج الاجتماعي الهندي ، في ولايات الشمال والجنوب والوسط والغرب وفي كشمير وبقية البقاع الأخرى التي تتواجد بها الاقليات الاثنية على حد سواء .
ومن اشكال التمييز العنصري الذي يمارسه البراهمة ( الهندوس ) تجاه المسلمين ، الذين اعتنقوا الاسلام حديثا او ورثوا دينهم عن آبائهم واجدادهم ، ما يقومون به من استفزاز لمشاعر المسلمين عند مداخل المساجد الاسلامية ، فالمواكب الموسيقية الهندوسية تمر من امام المساجد اثناء تأدية المسلمين صلاتهم وخاصة في صلوات الليل كصلاة المغرب والعشاء ، كما كان الحال في العقود الزمنية الغابرة من اوائل واواسط واواخر القرن العشرين المنصرم ، ويصف ذلك السياسي الهندي جواهر لال نهرو ( 1889 – 1964 ) رئيس المؤتمر الوطني الهندي منذ عام 1929 ، اول رئيس وزراء للهند كدولة مستقلة منذ 1947 – 1964 ، المنحدر من اصول برهمية : " ولكننا اخذنا نشهد الآن نشوء اسباب جديدة للاحتكاك منها ما هو متوفر ودائم مثل قضية مرور المواكب الموسيقية الهندوسية امام المساجد الاسلامية بمناسبات الافراح او الاتراح ، فقد اخذ بعض المشاغبين يحرضون المسلمين على ممانعة مرور هذه المواكب امام المساجد لانها تعكر صفو المسلمين وهدوء المساجد وخاصة اثناء صلاة المغرب والعشاء .. وهو الوقت الذي تقرع فيه المعابد الهندوسية اجراسها وينفخ الكهنة في ابواقهم ... وقد ادى ذلك الى نزاعات اخذ نطاقها يزداد " ، ( 51 ) .
واحيانا تصطدم الاقلية المسلمة ( الشيعة ) بالطائفة الهندوسية الكبيرة العدد ، في احتفالات العاشر من شهر محرم العربي ( القمري ) اذا يحتفل الهندوس في هذا اليوم ويطلقون عليه ( عيد رام ليلا ) وتغمرهم مظاهر البهجة والسرور لانه يمثل ( انتصار إله الخير على إله الشر ) في حين يعتبره المسلمون ( الشيعة ) يوم حزن وأسى كبيرين لاستشهاد الحسين احد ابناء الامام علي ، الخليفة الاسلامي الراشدي الرابع ، كرم الله وجهه . وهنا يحصل التناقض وتبرز الصدامات ، وتظهر بوادر النزعة العنصرية من قبل الهندوس ذوي الاكثرية العددية تجاه الاقلية المسلمة من الطائفة الشيعية . كما ان الخلافات تدب بين المسلمين والهندوس البراهمة ، كون بعض العادات والتقاليد تتباين وتصل الى حد التصادم الديني فتصبح حربا في الآراء والعقائد ، فالمسلمون يحرمون تربية الخنزير واكل لحمه لانه حيوان غير نظيف ونجس ، بينما الهندوس وعلى الجانب الآخر يقدسون البقر ويهتمون بالخنزير ، وتظهر الحرب العقائدية خاصة عند قيام المسلمين بذبح بقرة او ثور كأضحية ، في عيد الاضحى المبارك عند المسلمين في العاشر من ذي الحجة حسب التقويم الهجري الاسلامي سنويا ، في حين ان الهندوس يقدسون البقرة ويعتبرونهم رمزا من رموزهم المقدسة . عن ذلك يقول نهرو :
" كل ما نعرفه سابقا ان ذبح المسلمين للبقرة وخاصة بمناسبة عيد الاضحى كان من مصادر النزاع وكان التوتر يسود الجو عندما تتصادف الاحتفالات الاسلامية مع الاحتفالات الهندوسية . فمثلا يصادف العاشر من محرم ايام الاحتفال بعيد ( رام ليلا ) الهندوسي .. والمعروف ان محرم لدى المسلمين وخاصة الشيعة يوم حزن واسى وبكاء وتفجع على الحسين ، اما عيد ( رام ليلا ) فهو عيد بهجة وسرور اذ يحتفل فيه الناس بانتصار إله الخير على إله الشر " ، (52 ) . والتمييز العنصري الهندوسي لا يقتصر على المسلمين بل يشمل طائفة السيخ ، التي تشكل نحو 2 % من عدد سكان البلاد ، كاقلية في البلاد ايضا ، حيث اخذت هذه الطائفة تتذمر وتتملل مطالبة بحقوقها المدنية والدينية والسياسية والاقتصادية : " ان طائفة السيخ وغيرها من الاقليات الدينية اخذت ترفع عقيرتها بمطالب طائفية جديدة ... كان المهاتما غاندي ... عند ابتداء صلة اللا تعاون قد طلع باقتراح شخصي لحل المشكلة الطائفية ، على اساس الود المتبادل وعلى اساس سخاء فريق الأكثرية في معاملة فريق الاقلية الدينية " ، ( 53 ) .
الا ان الدعوة الموجهة من المهاتما غاندي ذهبت ادراج الرياح ولم تطبق ، وبقيت حبرا على ورق ، لغياب آلية التطبيق الاجتماعي ، وفقدان الامكانات الاقتصادية والاصلاحية الاجتماعية المقبولة لدى السواد الاعظم من سكان الهند ، ويزعم الهندوس بمذاهبهم الدينية ولغاتهم المتعددة : " .. ان الوقت قد فات في الهند كيما يكون بالامكان حل اية مشكلة سياسية او طائفية او اقتصادية حلا مرضيا بالوسائل الاصلاحية فقد اخذت الحالة تتطلب تفكيرا ثوريا وحلولا ثورية لم يكن بين زعماء تلك الفترة من يستطيع ان يقدم مثل ذلك التفكير ومثل تلك الحلول " ، ( 54 ) . وتبقى عملية او ظاهرة التمييز او التفضيل او التحيز الطائفي او الطبقي في الهند قضية ظاهرة للعيان ، غير خفية ، إذ تتشرب الاجيال الهندوسية المتعاقبة التعاليم والاوامر والنواهي والافكار القديمة المتجددة ، من البيئة والتنشئة الاجتماعية التي تعيش وتنمو وتترعرع فيها ، من الاسرة والمدرسة والنادي والمعبد والحافلة وفي الشارع والملعب وفي كل مكان . فسياسة النبذ سياسة قديمة متجذرة في اوصال المجتمع الهندي عبر التاريخ ولا يمكن ان تمحى هذه السياسة او العادات والتقاليد بجرة قلم او بتطبيق سياسة رسمية او حكومية في فترة وجيزة ، وقد حاولت الحكومات الهندية المتعاقبة وضع حد لهذه السياسة الطائفية الطبقية التي تفوح منها رائحة العنصرية التي لا تسير على الطريق القويم دون جدوى حقيقية .
ورغم غزو العادات والتقاليد والقيم الغربية والاشتراكية للحياة الدينية وما سبقها من فتوحات اسلامية وتاثير الحركة الاسلامية الحالي كاقلية دينية ، الا ان تاثير هذه الافكار الغريبة على المجتمع الهندوسي بقي محدودا لم يشمل السواد الاعظم من السكان بل ان الهندوسيين اعتبروا تلك الافكار هي افكار دخيلة عليهم وقاموا بمقاومتها ما استطاعوا الى ذلك سبيلا ، ولا بد من القول ان الامتيازات التي تتمتع بها طبقة السادة او البرهمية تكرس وترسخ هذه السياسة التمييزية العنصرية في كافة المجالات والميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية العامة .

1) احمد عطية ، القاموس السياسي ( مصر : مكتبة النهضة المصرية ، 1941 ) ، ص 421 .
2) ا. ف . ب ، " عدد سكان الهند ارتفع مليونين ونصف الميلون خلال شهرين " ، القدس – فلسطين ، العدد 11094 ، 12 / 7 / 2000 ، ص 15 .
3) تاريخ العالم ، من هو ؟ بوذا العظيم ، قرص حاسوب ثابت ( سي دي ).
4) تاريخ العالم ، من هو ؟ بوذا العظيم ، سي دي .
5) تاريخ العالم ، البوذية ، سي دي .
6) غوستاف لوبون ، حضارات الهند ، ترجمة عادل زعيتر ( القاهرة : دار احياء الكتب العربية ، 1948 ) ، ص 650 .
7) سيمونز ، لون البشرة ، مرجع سابق ، ص 105 .
8) غوستاف لوبون ، حضارات الهند ، ص 100 .
9) تاريخ العالم ، الديانة الهندوسية ، سي دي .
10) غوستاف لوبون ، حضارات الهند ، ص 100 .
11) تاريخ العالم ، عجلة القانون ، سي دي .
12) غوستاف لوبون ، مرجع سابق ، ص 100 – 101 .
13) عمر الخطيب ، نظرات اسلامية في مشكلة التمييز العنصري ، ص 46 – 47 .
14) غوستاف لوبون ، ص 104 .
15) غوستاف لوبون ، ص 106 .
16) عمر الخطيب ، مرجع سابق ، ص 47 .
17) غوستاف لوبون ، مرجع سابق ، ص 298 .
18) غوستاف لوبون ، مرجع السابق ، ص 324 .
19) جواهر لال نهرو : لمحات من تاريخ العالم ، ترجمة : لجنة من الاساتذة الجامعيين ( بيروت : دار الافاق الجديدة ، 1983 ) ص 474 .
20) غوستاف لوبون ، ص 115 .
21) سيمونز ، لون البشرة ، مرجع سابق ، ص 105 .
22) سيمونز ، لون البشرة ، ص 105 .
23) غوستاف لوبون ، حضارات الهند ، ص 324 .
24) عمر الخطيب ، مرجع سابق ، 48 ز
25) غوستاف لوبون ، مرجع سابق ، 297 – 303 .
26) المرجع السابق ، ص 651 .
27) المرجع السابق ، ص 654 .
28) المرجع السابق ، ص 655 .
29) المرجع السابق ، ص 297 .
30) المرجع السابق ، ص 299 – 300 .
31) انظر : علي الندوي ، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ، ص 49 – 51 ، و( الرق في الاسلام ) ، اعاد نشره عمر الخطيب ، ص 49 – 50 .
32) غوستاف لوبون ، ص 336 .
33) المرجع السابق ، ص 106 – 107 .
34) المرجع السابق ، ص 600 – 601 .
35) المرجع السابق ، ص 615 .
36) المرجع السابق ، ص 631 .
37) المرجع السابق ، ص 630 – 631 .
38) المرجع السابق ، ص 343 – 345 .
39) المرجع السابق ، ص 355 .
40) المرجع السابق ، ص 356 .
41) المرجع السابق ، ص 326 .
42) المرجع السابق ، ص 646 .
43) اسوشيتدبرس ، " رغم الحظر الرسمي على طقوس ساتي منذ العام 1829 ، الهنديات اللواتي ينتحرن حرقا في جنازات ازواجهن يحصلن على " مرتبة الالوهية " ، جريدة القدس – فلسطين ، العدد 10889 ، 15 / 12 / 1999 ، ص 8 .
44) اسوشيتدبرس ، المرجع السابق ، ص 8 .
45) عمر الخطيب ، مرجع سابق ، ص 51- 52 .
46) المرجع سابق ، ص 52 .
47) انظر ( تاريخ الاسلام في الهند ) ، ص 35 – 36 ، اعاد نشرها عمر الخطيب ، ص 51 .
48) جواهر لال نهرو ، قصة حياتي ، ترجمة : مروان الجابري ، الطبعة الثانية ( بيروت : منشورات المكتب التجاري ، 1959 ) ، ص 181 .
49) انظر عبد المنعم النمر في كتابه ، تاريخ الاسلام في الهند ، اعاد نشره عمر الخطيب ، ص 50 .
50) ظفر الاسلام خان في تعليق له في كتاب ( الاسلام يتحدى ) وحيد خان ، ترجمة : ظفر الاسلام خان ، ص 247 ، اعاد نشره عمر الخطيب ، ص 53 .
51) جواهر لا نهرو ، قصة حياتي ، مرجع سابق ، ص 180 .
52) المرجع السابق ، ص 180 .
53) المرجع السابق ، ص 182 .
54) المرجع السابق ، ص 184 .