المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأنفاق السفلية السرية .. بين قطاع غزة هاشم ومصر ( د. كمال علاونه )


د. كمال إبراهيم علاونه
15-08-2008, 10:33 AM
الأنفاق السفلية السرية ..
بين قطاع غزة هاشم ومصر



د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة

يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84)}( القرآن المجيد ، الإسراء )

لماذا الاستعانة بالأنفاق ؟

ظاهرة حفر الأنفاق أو الممرات الأرضية السرية كانت معروفة منذ أمد بعيد ، ولكنها كانت مقتصرة على الآمرين الناهين في المجتمع ، بغض النظر عن الأمر بالمعروف أو النهي عنه أو النهي عن المنكر أو الأمر به ، وتم استخدم الانفاق في الفعاليات العسكرية بين الجيوش ، فكانت الخنادق والأنفاق إحدى سبل انتصار المتحاربين على بعضهم البعض . فكان يتم الحفر تحت قلاع الأعداء للنيل منهم وكشف أسرارهم رويدا رويدا وبالتالي الإعداد المسبق لهزيمتهم من داخل حصونهم وفتح أبواب المدن أو دولة المدينة كما كانت تسمى سابقا ، فكانت القلاع الآمنة التي تخترق الصخور والهضاب هي الملجأ الآمن للطواغيت في الحقب الزمنية الغابرة ، ولم يكن من سبيل لهزيمة هؤلاء الطواغيت سوى بحفر الأنفاق والعبور المسلح مباغتة واستخدام السيوف والنبل والنشاب والرماح لمقارعتهم والاستيلاء على ممتلكاتهم .
وفي فلسطين المعاصرة ، تعتبر الممرات الأرضية بين غزة هاشم ومصر الكنانة ، هي الملاذ شبه الوحيد لمئات المواطنين الفلسطينيين القابعين خلف الحصار الصهيوني الذي يحيط بجميع أنحاء قطاع غزة من الجهات الأربع شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ، بمعنى تشديد محاصرة قوات الاحتلال اليهودي للجهات الأربع التي تضع قطاع غزة بين أنياب الغول الصهيوني بلا رحمة لينقض على الأرض والإنسان متى يشاء ووقتما يريد تشمل الجهات البرية الثلاث : الشمالية والشرقية التي تربط بريا بشكل نظري وبانقطاع فعلي عملي بين محافظات قطاع غزة الفلسطينية بمناطق فلسطين التي تحيط بها من الجهات المذكورة ، وكذلك فإن الجهة الجنوبية لقطاع غزة وهي المدخل للولوج والخروج من وإلى مدينة رفح الفلسطينية جنوبا باتجاه مصر الكنانة فهي موصدة الأبواب والثنايا . وأما الجهة الغربية فهي الجهة البحرية التي ترابط فيها قوات الاحتلال الصهيوني في المياه الإقليمية لجنوب فلسطين الغربي وهو ما بات يعرف منذ عام 1967 بقطاع غزة ، وبهذا فإن الحصار المضروب على نحو مليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في بقعة جغرافية لا تتجاوز 363 كم2 ، هي مساحة قطاع غزة تجعل الإنسان الفلسطيني مخنوقا وممسوكا لا مفر له من التفتيش عن مداخل ومخارج جديدة سواء بالاتجاه البري أو البحري عبر البحر الأبيض المتوسط .
فجاءت فكرة الإنفاق أو الممرات الأرضية أو السراديب لتحل جزءا من المشكلة التي يعاني أهل قطاع غزة الأبرار ليبحثوا عن فرج قريب ربما يلوح في الأفق قريبا إن شاء الله تبارك وتعالى .
والممرات الأرضية هذه التي نتحدث عنها ليست أنفاقا واسعة مفتوحة للجميع بل هي مفتوحة لمئات من الناس يذهبون ويرحلون ويدخلون ويخرجون من رحمها ليخرجوا منهكي وخائري القوى بعد مشي طويل أو عرق غزي أو رطوبة قاتلة ذات رائحة نتنة ، ربما لعدة مئات من الأمتار أو حتى لمسافة تتراوح ما بين 1 – 3 كم . وهذا إرهاق ما بعده إرهاق .

من يمتلك الأنفاق الأرضية ؟

غني عن القول ، إن هناك أنفاقا أو ممرات أرضية عائلية أو حزبية أو ممرات خاصة بعصابات أو ممرات رسمية أو شبه رسمية ، أو غير ذلك من الأسماء والمسميات والهدف منها جميعا الخروج من عنق الزجاجة الرفيع لا العريض . ولا بد من القول ، إن الولوج والخروج عبر هذه الأنفاق الأرضية بين قطاع غزة ومصر تحتاج لموافقة من ذوي الشأن المشرفين عليها ، وبالتالي هناك فيزا دخول وخروج ، ورسوم مالية باهظة . ولا يستطيع الجميع أن يلج أو يخرج منها لأسباب سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية ، أو نفسية أو اجتماعية أو ثقافية أو سواها وذلك لعدة أسباب :
أولا : الدخول والخروج سر من أسرار القائمين على المعابر الأرضية . وبالتالي فالدخول والخروج الآمن يحتاج لمراقبة أرضية سفلية وعلوية على السواء .
ثانيا : الرسوم المالية التي تجبى من الداخلين والخارجين تختلف باختلاف سعة وحجم المعبر الأرضي أو النفق السفلي . وطبعا هناك من يدفع أموالا طائلة لحفر النفق أو الأنفاق بالمفرد أو بالجملة عبر استخدام مختصين في الحفر الأرضي يدويا أو باستخدام آلا حفر كهربائية على مولدات كهربائية خاصة ، ما مع يسببه ذلك من دموع ودماء وعرق ، ولكنها سوائل غالية على الإنسان ، وطبيعته البشرية ، فيبدو الأمر ويفيض من كيل موازين تعب ومشقة وإرهاق لا يوصف واستعمال مراقبات أمنية آمنة أو قريبة من الأمان النفسي والجسدي . وبالآخر فإن المواطن أو التاجر أو الطالب هو من يدفع الثمن الباهظ للعبور عبر هذه المعابر الأرضية الفلسطينية السرية البديلة عن المعابر الأرضية العلوية .
وبالنسبة لغايات الممرات الأرضية فتتلخص في التجارة والأسلحة والسياحة والمخدرات ، وتختلف الأهداف المعلنة والسرية بالنسبة للداخلين والخارجين ، باختلاف صفاتهم وأوصافهم وطموحاتهم ، فمن يريد الخروج للتجارة أو جميع وجلب الأسلحة للدفاع عن النفس الفردية أو الجماعية ، أو جلب الموبقات من الخمور والدخان والمخدرات ، يختلف عمن يريد الخروج للنزهة والاستطلاع في صحراء سيناء المصرية المغلقة أمام أهل قطاع غزة بثنائية عربية مصرية – صهيونية مقيتة ونتنة كونها تحبس عشرات الآلاف ممن يريدون قضاء مصالحهم في مصر العربية المسلمة .
ثالثا : الدخول والخروج التجاري : تنعدم الأخلاقيات الفاضلة في كثير من الممرات الأرضية أو الأنفاق السفلية فهناك من يستعمل هذه الأنفاق لنشر الموبقات والرذيلة عبر استيراد الخمور والمخدرات على اختلاف أشكالها وأنواعها وبالتالي يساهم في تدمير المجتمع عن سبق الإصرار والترصد فأغوته بعض شواكل أو دولارات أو جنيها بخسة لا تسمن ولا تغن يمن جوع . وهناك من هرب سياسيا عبر هذه الأنفاق بعد اكتشاف تورطه مع أجهزة الاحتلال اللئيمة ، أو ممن هرب من وضع سياسي حزبي غير مأسوف عليه ، فخاف من جحيم العقوبات التي تنتظره كونه مطاردا من هنا أو هناك عشائريا أو حزبيا أو كليهما .
وهناك من يستخدم المعبر الأرضي البديل – إن جاء لنا التعبير – لاستيراد الدخان أو بعض السلع المصرية الرخيصة الثمن ليبسط بها وسط شوارع قطاع غزة يطلب فيها رزقه من الخبز وبعض الأساسيات التي غابت عن المطبخ الفلسطيني الغزي في جناح فلسطين الجنوبي الغربي في وضع مأساوي لا يحسد عليه من العدو والصديق على السواء ، سواء بسواء .
ومن المعلوم أن بعض هذه الإنفاق أو المعابر الأرضية السرية استخدمت لجلب سلاح للمقاومة الفلسطينية وخاصة الأسلحة الصغيرة الحجم مثل الكلاشينكوف والبنادق والرشاشات والمسدسات وذخائر الرصاص والقنابل وغيرها .
وهناك من يستخدم الأنفاق الأرضية لاستيراد الملابس أو الأطعمة والأغذية والأحذية وبيعها في أسواق محافظات غزة ليربح من ورائها قوته وقوت عياله في ظل وضع إقتصادي بائس وبئيس في الوقت ذاته .

معابر أرضية سفلية تحت المعابر العلوية

عند اللجوء لحفر نفق أو أنفاق أرضية يتم الاستفادة من تجارب الآخرين في هذا المجال ، سواء من ناحية الطبيعة الجغرافية للأرض أو القرب والبعد عن التجمع السكاني الفلسطيني ، أو إمكانية الاستفادة من النفق لأطول فترة زمنية ممكنة دون اكتشافها من الأصدقاء والأعداء ، لئلا تردم مستقبلا ويضيع ( شقاء عمر الذين أعدوها ) هباء منثورا ، دون الاستفادة منها .
وفي الفترة السابقة كانت الأنفاق تحفر بين تجمعين فلسطيني ومصري تحت الأرض ، كأنفاق شبه آمنة لفترة طويلة . وكانت مدينة رفح هي المرشحة دائما للأنفاق الآمنة كونها مدينة بجناحين فلسطيني ومصري ، ولا يفصل بينهما سوى شبك حديدي سميك لا يزوى من خلفه بالاتجاهين فيردموه للتواصل العائلي أو التجاري بين الشقين ، فكانت مدينة رفح عبارة عن رفحين ، ومدينة عدت مدينتين ولكن أصلها واحد وفرعها أرضي ينطلق لعنان السماء .

الأنفاق والقبور الجماعية

تجدر الإشارة إلى أن حافري الأنفاق أو مستخدميها من الناس العاديين عرضة في أي وقت للموت البطيء أو السريع خاصة لا فرق في ذلك ، إذا لم تكن عملية الحفر والإعداد والمتابعة متقنة بشكل آمن للحفاظ على حياة البشر . وبالفعل فقد توفي أو قتل فيها عن قصد أو بصورة طبيعية عشرات المنتفعين من الممرات الأرضية السرية منذ رواجها قبل أكثر من عامين اثنين . فيموت المنتفع من النفق الأرضي وأحيانا يعلن عن وفاته ، وهو في النفق وأحيانا يلقى بجسده في النفق بعد قتله والتخلص منه بطريقة أو بأخرى ، وخاصة في الأنفاق الأرضية التي تشرف عليها عصابات المافيا من مروجي المخدرات كالأفيون والحشيش وغيرها .
ولم تتوان قوات الاحتلال الصهيوني عن ملاحقة مستخدمي الأنفاق سرا وعلنا ، فقصفت بعض الأنفاق بعد اكتشافها أو الشك بوجودها داخل البيوت الآمنة أو خارجها بالطيران الحربي من طائران إف 15 أو إف 16 ، أوف لهما أوف وتوف أيضا ، أو مدافع الدبابات الحديثة الطراز . فاستشهد العشرات بهذه الطريقة النفقية ، ونفق الكثير من الناس في الأنفاق بطرق شتى كصعوبة التنفس أو إنهيار مفاجئ لجزء من النفق أمام أو خلف أو حتى على الإنسان نفسه ، ولم تفلح الإضاءة المكهربة من المصابيح المتنقلة أو الصغيرة أو إنارة ضوء الهواتف النقالة ، في إنارة طريق المستخدمين من ضل الطريق وسط معمعة الانهيار الترابي أو الرملي ليلقى المستخدم النفق حتفه . ويمكننا القول ، هناك أنفاق أرضية سفلية سرية بين جناحي رفح الفلسطينية ورفح المصرية في حدود فلسطين الجنوبية نفقت قبل أن ينفق أصحابها أو ينفقون عليها المال الوفير ، فكانت مأساة تضاف لمآسي قطاع غزة .

ما هي الحالات التي لا تستخدم الأنفاق ؟

يقوم باستعمال الأنفاق على اختلاف أسمائها ومسمياتها والمشرفين أو القائمين عليها ، جماعات أنفقت عليها نفقات هائلة من الأموال ، ورغم ذلك فإن الجميع لا يمكنه استخدامها لأسباب صحية أو أمنية أو اقتصادية أو نفسية . فالمرضى لا يمكنهم اللجوء للمشي في دهاليز هذه الأنفاق الأرضية لنقص كميات الأوكسجين ، أو صعوبة المشي والتنقل فيها بحرية لمرض عضوي طارئ أو مزمن أو حساسية من الرطوبة وقلة الهواء النقي وتناثر الغبار . وكذلك فإن الطلبة الذين يودون الالتحاق بجامعاتهم في خارج البلاد لا يمكنهم ارتياد هذه المصاقع الأرضية كونها ليس بها معابر تختم الجوازات تشير لزمان ومكان الدخول والخروج . وبالتالي فإن المنتفعين من هذه الأنفاق السفلية الأرضية قلائل في أعدادهم وكثر في استغلالهم للناس واحتكارهم لنوعيات معينة من البضائع التي تفتقد لها السوق المركزية في قطاع غزة .
على العموم ، إن أكثر المنتفعين من التسريب البشري أو التجاري عبر الأنفاق الغزية الجنوبية هم من القطط السمان الذين سمنوا على حساب الإغلاق العسكري والاقتصادي والاجتماعي والنفسي الرهيب التي تفرضه سلطات الإرهاب الصهيوني على الغلابى من أبناء شعب فلسطين في زاوية فلسطين الجنوبية وهؤلاء هم الذين يتصيدون التجار والمواطنين لبيعهم البضائع والسلع بأسعار غالية ، لا يتحمل غلاءها المواطن في مختلف محافظات غزة من رفح وخانيونس ودير البلح وغزة وجباليا ، ومخيمات وقرى قطاع غزة .
ومما يزد الطين بلة ، أن هناك جهتين تمارسان عملية الإغلاق المحكم باستثناء المعابر الأرضية السفلية هما الاحتلال الصهيوني والقوات المصرية المسخرة بمراقبة حدود مصر الوهمية مع جزء من الوطن العربي أو المصري البري المتمثل بقطاع غزة هاشم . فالحصار مزدوج للأسف صهيوني ومصري في الآن ذاته ، ولكن الأسماء والمسميات والمبررات والحجج متباينة أو متطابقة أو متشابهة أحيانا ، فلكل واحد من هاتين الجهتين دواعيه . فمن كان يستطيع السير عبر النفق من الجانب الفلسطيني كان يواجه صعوبة بالغة من نهاية النفق على الجانب المصري حيث من كان له بالمرصاد ليعتقله أو يضربه أو يلاحقه في صحراء سيناء . وقد لعب بعض القبائل البدوية المصرية دورا مهما في الجانب الآخر من النفق للمراقبة وإعداد البضائع والسلع المطلوبة ، وأصبح التواصل بين هذه الجهات ومستخدمي النفق الأرضي عبر الهواتف الجوالة أو الرسل الميدانيين .
وكلمة لا بد منها ، وهي أن قطاع غزة تفتقر لأنفاق آمنة تفتحها الحكومة لتجد نفسها تستخدم أقنعة نفقية شعبية صغيرة لا تفي بالحاجة المتوخاة من الأنفاق العالمية .

العبور الكبير بين رفحين الفلسطينية والمصرية

ولا بد من التذكير ، إن أبناء الشعب العربي الفلسطيني المسلم في قطاع غزة ، بعد الإغلاق المميت لأرضهم ومنعهم من التواصل مع مصر العربية المسلمة في 23 كانون الثاني 2008 ، اتخذوا قرار بالعبور إلى الرئة الكبرى لقطاع غزة ، وهي أرض مصر الواسعة الفسيحة إلا على أهل غزة هاشم ، فكان العبور العظيم ، تمثل بانتفاضة فلسطينية ثالثة من نوع وشكل وطعم ومذاق آخر ، لقد عبرت الجموع الغزية الفلسطينية الأبية الحدود بين فلسطين الجنوبية وجمهورية مصر العربية إذ اقتحم الفلسطينيون المحاصرون معبر رفح ومزقوه إربا إربا ، بالقنابل والجرافات والأيدي ووصل عدد المهاجمين المدافعين عن حياتهم الطبيعية ولقمة عيشهم نحو 750 ألف مهاجم مدني ، دون سلاح ، عبروا في أيام متتالية ، فكان بارقة أمل بتمزيق الحدود بين العرب وطريقة مثلى يحتذى بها لإزالة الحدود الوهمية بين البلدان العربية الشقيقة ، في قارتي آسيا وأفريقيا . ولكم في العبور منافع شتى ، يا أهل فلسطين ، ولكن العبور الأرضي البري العلني أجدى من العبور السري وأفضل سبيلا .
يقول الله جل شأنه : { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49)}( القرآن المجيد ، سبأ ) . نعم لقد ، استخدم الفلسطينيون حق الخروج والتنقل كحق طبيعي لهم فكان حقا من الحقوق الآنية الصغيرة البسيطة على وجه البسيطة ، فجاء الحق في العيش والدفاع عن النفس والحياة وتوفير لقمة الخبز ليتصدى للباطل الصهيوني الذي جفت فيه الأخلاق الحميدة وآلت فيه إلى واد سحيق فلا يخرج إلا مقتا وكيدا ومؤامرات على شعب أعزل إلا من إرادته في الحياة والعيش بحده الأدنى .
على أي حال ، إن مكر الماكرين ، الذين حاصروا أو يحاصرون قطاع غزة سواء من الاحتلال الصهيوني أو من بني جلدتنا من حكام القاهرة الذين ينفذون سياسة الإغلاق الفردي أو الثنائي بالتنسيق الأمني مع الصهاينة هم خاطئون وخاطئون وخاطئون ، وليست أخطاء بسيطة بل أخطاء وخطايا مضاعفة ومزدوجة التكوين والتسييس والتبخيس ولن تبقى سياسة الأنجاس والتنجيس إلى أبد الآبدين . فالشعب الفلسطيني لن يقبل الذل والهوان ، فقد تعود على المجاهدة والمجابهة للأعداء ، وسيدافع عن حقه الطبيعي في الحياة الطبيعية الآمنة ، ولن يبقى يستخدم السراديب السرية البسيطة التي لا تسمن ولا تغني من جوع مهما كلف الأمر . وستكسر الزجاجة الهشة التي تحاصر الشعب الفلسطيني عن عاجلا أو آجلا ، وهذه حتمية لا بد منها ، فقد تكون خيرا لا بد منه أو شرا لا بد من اللجوء إليه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بلايا وهموم وغموم وقعت ظلما وعدوانا على أهل فلسطين الأصليين .
ونقول إن جميع أبناء شعب فلسطين محاصرون ولكن بطرق وسبل شتى ، تختلف باختلاف الأزمة والأمكنة ، واختلال موازين القوى ، ولكنها ستذوى وتزول بقدرة رب العالمين بعد الأخذ بالأسباب والإعداد والاستعداد الحقيقي لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه .
وختاما ، نقول لا بد من فتح الحدود بصورة دائمة بين قطاع غزة ومصر العربية المسلمة ، والاستجابة الواعية والتداعي لشكاوى أهل غزة المجاهدين والصابرين على الظلم والمدافعين عن أبسط حقوق الإنسان في الحياة والنقل والتنقل والعمل والتعلم والتعليم . فالإغلاق والنفاق العربي لا بد من وضع حد له ، وينبغي أن يشعر المصريون مع أهلهم وبني جلدتهم في قطاع غزة ، ولا يعقل أن يبقى 5 ر 1 مليون فلسطيني تحت الحصار القاتل والمؤلم للأطفال والنساء والكبار في السن والجرحى والمرضى يئنون تحت وطأة المرض والظلم المضاعف . فتحية للشعب المصري العظيم الذي قدم الكثير الكثير من الغالي والنفيس من أفراده وماله وقوته لأهل غزة الصابرين على مر الزمن في أوقات الحرب والسلم وانتفض مرات ومرات في مظاهرات مليونية دفاعا عن الحق ومقارعة للباطل في ارض الكنانة ضد أعداء الأمة العربية الإسلامية من الاحتلال والمحتلين وخاصة من بني صهيون . وسيزول الظلم ويبزغ فجر الحرية والاستقلال مهما طال الزمن ، وما يبدئ الباطل وما يعيد ، فانتظروا إنا منتظرون وإنا لصادقون ، إن شاء الله العلي العظيم . يقول الله تبارك وتعالى : { يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) }( القرآن المجيد ، الأنفال ) .

والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .