إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / الحرية والكرامة “20 – 27 ” / بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

الحرية والكرامة “20 – 27 ” / بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

إعلان حالة الطوارئ في السجون والمعتقلات الإسرائيلية

الحرية والكرامة “20”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الحادي والثلاثون للإضراب ….

أزفت الآزفة واقتربت الخاتمة، وأذنت ساعة الحقيقة وحان وقت المواجهة، وقد دقت ساعة الخطر وانطلقت صافرة الإنذار، وأدرك العدو أنه في مواجهةِ خيارٍ وحيدٍ لا ثاني له، ولا مفاصلة فيه ولا مفاضلة، ولا مفاوضاتٍ فيه ولا مساوماتٍ عليه، فقد طوى الأسرى والمعتقلون المضربون عن الطعام شهرهم الأول بالتمام والكمال، وهو الشهر الأصعب والأقسى، والأطول والأكثر ألماً، ولم يتراجع منهم أحدٌ، كما لم يضعف فيهم أسيرٌ، بل ازدادوا عدداً، وتميزوا تنوعاً، وأثبتوا لشعبهم أنهم صُدُقٌ في المواجهةِ، وصُبُرٌ عند اللقاء، وأن أحداً لن يثنيهم عن قرارهم، أو يجبرهم على التراجع عن إضرابهم، لا العنف والقوة، ولا الحيلة والخديعة، ولعلهم اليوم يرون تباشير النصر، ويتوقعون ساعة الفرج، فليس بينهم وبين الوصول إلى أهدافهم سوى خطوة واحدة، وقد عقدوا العزم على اجتيازها أياً كانت العقبات أمامها، أو الصعوبات في طريقها.

اشتدت المحنة وعظم الكرب، وبات الأسرى المضربون في حالٍ صعبٍ، وهم ليسوا واحداً أو اثنين بحيث يمكن السيطرة عليهم والتحكم فيهم، أو تحمل مسؤولية تردي أوضاعهم أو استشهادهم، إنهم نيفٌ عن ألفٍ وثماني مائة أسير، منهم الكهل والعجوز، والصبي والشيخ والمرأة والصحيح والعليل، وقد باتوا اليوم جميعهم مرضى وفي حالٍ صحيةٍ سيئة، ولم يعد يجدي نقل بعضهم إلى المستشفى للمتابعة أو تلقي العلاج، بل لم تعد مستشفيات السجون كلها تكفي لمتابعتهم، رغم إعلان حالة الطوارئ العامة، ومنع الإجازات بأنواعها، واستدعاء الأطباء العسكريين والاحتياط، والتعاقد مع أطباء أجانب، لمواجهة التطورات السريعة والمتلاحقة، ولكن كرة إضراب الأسرى تتدحرج بسرعةٍ وتكبر، وستتسارع في الساعات القليلة القادمة أكثر، وستكبر في الشارع والميدان، وفي فلسطين وخارجها، وستنفجر في وجه الاحتلال ثورةً وانتفاضةً، وسيكون لصوتها صدى ولفعلها أثر.

قد تكون هي الأيام صعبة وقاسية، وفيها انتظارٌ وترقبٌ، وحسابٌ للساعات وعدٌ للدقائق واللحظات، وهي صعبة على الأسرى وذويهم، وعلى المعتقلين وشعبهم، ولكنها أيامٌ معدودةٌ وساعاتٌ قليلة، فهي كساعات آخر الليل أشد ظلمةً، ولكنها ظلمةٌ تؤذن بطلوع الفجر وبزوغ النور وانقشاع الظلام، فما هي إلا أيام ونسمع أن إدارة السجون قد بدأت في التفاوض مع قادة الأسرى، وأنها تخلت عن تعليق الإضراب كشرطٍ مسبقٍ للخوض في المفاوضات، وستجد نفسها مرغمة على مفاوضة قادة الإضراب الذين اختارهم الأسرى وسموهم ناطقين باسمهم ومعبرين عن حالهم ومفاوضين نيابةً عنهم، ولعل سوابق الإضراب تعيد نفسها، ومعارك الأسرى تتكرر نتائجها، صمودٌ وانتصارٌ، وثباتٌ وإنجاز، ولكن بات علينا أن نوطن أنفسنا على كل خبرٍ ونبأ، فلا نصدم بما يسوؤنا، ولا نفاجئ بما يؤلمنا فهذه حربٌ ومواجهةٌ، ومعركةٌ وقتالٌ، قد يسقط فيها جرحى وقد يرتقي فيها شهداء، وقد يتأخر الأمل لكن لا ينحبس الفرج.

أسقط في أيدي سلطات الاحتلال ومصلحة السجون، وباتوا في حيرةٍ من أمرهم، متورطين في سياستهم، ومتخبطين في قراراتهم، تائهين في طريقهم، إذ كيف يواجهون الأسرى والمعتقلين الذي أشرفوا على الشهادة بالجملة، وعزموا على صناعة الكرامة بأرواحهم، ونسج حريتهم بحياتهم، وتحدي جور السجان بأمعائهم، والصمود أم سوط الجلاد بأجسادهم، وقد عجزت لإدارة السجون عن مواجهتهم رغم أنها نقلتهم وفرقتهم، واعتدت عليهم وعاقبتهم، وضربتهم وقمعتهم وبالغازات الخانقة والمدمعة هاجمتهم، وعزلت قادتهم وأبعدت رموزهم وحاولت خداعهم وشق صفهم وتفريق جمعهم، ولكنها باءت وجهودها بالفشل، ولم يعد عندها ولا بين أيديها ما تفعله أكثر، بل أدركت أن الثمن الذي ستدفعه اليوم أقل من الثمن الذي ينتظرها غداً إن هي كابرت وماطلت، أو حاولت التلاعب بالكلام أو الاستفادة من الوقت.

سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعرف يقيناً أنها اليوم أضعف ما تكون في مواجهة الأسرى بعد أن قطعوا هذا الشوط الطويل، وثبتوا على موقفهم العنيد، وتمكنوا بصبرهم من نقب جبل الغطرسة والعنجهية الإسرائيلي، ولي عنق الإدارة المتعجرفة، وإرغامها على النزول عن شجرتها التي ظنتها عالية، وأن النزول عنها بالنسبة لها أمرٌ صعبٌ أو مستحيلٌ، وهي المتسلحة بالسلطة والقوة، والقرار والأسوار، وعندها مفاتيح السجن وسوط الجلاد، ولكن الأسرى والمعتقلين المجردين من القوة المادية أجبروها على النزول، وسيجبرونها عما قليل على ما أكثر من النزول، وتعلم مصلحة السجون أنه آن لها أن تصغي السمع، وأن تبدي ليونةً في مواقفها، وتظهر للأسرى استعدادها لقبول طلباتهم وتحقيق شروطهم التي انطلقوا من أجلها.

إنها حالةٌ كان يجب على العدو الإسرائيلي أن يتوقعها ويتهيأ لها، وكان ينبغي لسلطاته الاحتلالية وأجهزته الأمنية والقمعية أن تتحسب لها، وأن تعد العدة لمواجهتها، فهي التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن بصلفها وكبريائها، وبعنجهيتها وغرورها، وبظلمها واعتداءاتها، ولو أنها استجابت إلى طلبات الأسرى والمعتقلين الإنسانية العادلة، المحقة المنصفة، التي لا تتجاوز القانون ولا تتناقض مع العهود والمواثيق والأنظمة والبرتوكولات العالمية، التي تنصف الأسرى والمعتقلين بصورةٍ عامةٍ، وتعترف بحقوقهم القانونية الأساسية والإنسانية، ولكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي كعادتها أعرضت صفحاً عن آهةِ الأسرى، وأصمت آذانها عن صرخاتهم المكبوتة، ومعاناتهم الدائمة، وآلامهم المبرحة، فكان عليها أن تتوقع هذه النتيجة المحتومة، وأن تدرك أن هذا الشعب الأبي يستطيع أن يحيك أثواب العزة وأن ينسج خيوط الفجر، وأن يصنع لنفسه غد الكرامة.

بيروت في 17/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

 

التضامن بين اليأس والإحباط والأمل والرجاء

الحرية والكرامة “21”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الثالث والثلاثون للإضراب …

بت أخجل مما أشاهده من مظاهر التضامن الخجولة، وأشكال التأييد الباهتة، وأصوات الغاضبين الخافتة، وعبارات التضامن الفاترة، وخيام الاعتصام الخاوية، فهل خبا التضامن العربي والدولي مع قضايا ومطالب الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين المضربين عن الطعام في السجون الإسرائيلية لليوم الثالث والثلاثين على التوالي، وضعف الإيمان بعدالة قضيتهم وأحقية مطالبهم، وخلت الشوارع والميادين من المؤيدين لهم والخائفين عليهم، إذ أن الحملات الشعبية قد تراجعت، والضغوط الدولية قد غابت، ومساعي المؤسسات الأممية قد تجمدت، وبات خبر الإضراب متأخراً، وتغطيته عابرة، وكأنه خبرٌ مكررٌ ممجوجٌ، وتفاصيلٌ معادة غير مهتمٍ بها، وقد لا يصغي المتابعون للخبر ولا يولونه اهتماماً، وكأنه لا يهمهم أو لا يعنيهم، ولا يصنف ضمن أولوياتهم أو في صدارة اهتماماتهم، فهناك ما يشغلهم ويهمهم أكثر منه.

أم أن المتضامنين قد ملوا وتعبوا، وأرهقوا واستنزفوا، وبذلوا أقصى جهودهم وغاية طاقتهم، ولم يعودوا قادرين على فعل المزيد وابتداع الجديد، أو الخروج إلى الشوارع والميادين، والاعتصام أمام المؤسسات الأممية والبعثات الدولية، فقد استغرق الحدث وقتهم واستهلك جهدهم، وشغلهم عما يهمهم محلياً وصرف أنظارهم عما يعنيهم دولياً، ولم يعد في مقدورهم عمل ما هو أكثر والقيام بما هو أفعل، فغاية جهدهم اعتصامٌ أو مسيرةٌ، ورفع رايةٍ أو تعميم شعارٍ، أو رسم صورةٍ وتعليق كلمة، أو المشاركة في برنامج أو الإعداد لمشروع، وغير ذلك مما التزم به المتضامنون في نهاية دوامهم أو في أوقات عطلتهم الرسمية، ومع ذلك فإن المشاركة محدودةٌ، والحضور بسيطٌ، والتغطية الإعلامية قليلة.

أو ربما أن المتضامنين قد يأسوا من الاستجابة الإسرائيلية، وأيقنوا أن الأبواب موصدة، والفرص قليلة والاستجابة معدومة، وسبل الحل مقطوعةٌ، وأن حكومة الاحتلال قد صمت آذانها عن كل نداءٍ أو اعتراض، فهي ماضية في صلفها، ومستمرة في سياستها، ومتعنتة في قراراتها، وأن أحداً لن يجبرها على التراجع أو يلزمها بتغيير سياستها والقبول بمطالب الأسرى وشروطهم، فهي في سياستها سيدة وفي قراراتها مستقلة، فهل شعر المتضامنون بعدم جدوى جهودهم، وعدم فعالية مشاركتهم، فآثروا الصمت والانكفاء، والتراجع والانزواء، بدلاً من أن تضيع جهودهم، وتحبط نفوسهم، وتنعكس النتائج التي خرجوا ينادون بها ويطالبون بتحقيقها.

في حين يرى آخرون أن جهودهم التي يبذلونها تضيع هدراً ولا تؤتي نفعاً، ولا تغير واقعاً ولا تبدل حالةً، فهي أشبه ما تكون بالصرخة في وادٍ، التي لا تعود بغير الصدى، فقد أصم المجتمع الدولي أذنيه وأبدى عجزه، وتغاضت عواصم الدول الكبرى عما ترى وأظهرت انحيازها، وآثرت الصمت وعدم التدخل أو الضغط على حكومة الاحتلال لتتراجع عن سياستها، أو تلين في مواقفها، وتستجيب لمطالب الأسرى المحقة والإنسانية، والتي لا تتعارض مع القوانين الدولية، وتستجيب لشرائع حقوق الإنسان واتفاقيات جنيف المختلفة، ما جعل المتضامنين يشعرون بيأسٍ يملأ قلوبهم، وإحباطٍ يسيطر على نفوسهم مما يرونه من مرض المجتمع الدولي وشذوذ قيمه واختلال معاييره واضطراب موازينه.

قد يكون الآخرون على حق عندما يبررون تراجع تأييدهم، وانكفاء جمهورهم، والإحباط الذي يسيطر على نفوسهم، بأن الفلسطينيين أصحاب القضية وأم الولد غير متفقين فيما بينهم، وغير متحدين في كلمتهم، ولا متعاونين في حملتهم، إذ لا تتكامل جهودهم، ولا تتناسق أعمالهم، بل تتعارض فعالياتهم، وتتناقض أنشطتهم، ويعمل بعضهم عكس الآخر بقصد الإفشال وإظهار الضعف، في حين أنهم كانوا أدعى إلى الوحدة والاتفاق، والتعاون والتنسيق، خاصةً أن الأسرى في سجونهم متحدين، وفي إضرابهم منسقين ومتجانسين، ولا خلافاتٍ بينهم، ولا منافساتٍ بغيضة تبرز فيهم، حيث أن قيادتهم واحدة، والمفاوضين باسمهم ونيابةً عنهم يعبرون عن الجميع بلا استثناء بلا محاباةٍ ولا مفاضلةٍ أو مزايدة.

للأسف إن الأسرى والمعتقلين لا يملكون عصا يجبرون بها الآخرين على التضامن معهم، والخروج في مسيراتٍ أو مظاهراتٍ تأييداً لهم، وقد لا يجدون ما يدفعون به أمتهم وشعوبهم للتضامن معهم والانتصار لهم سوى الإرادة الصادقة التي يملكونها، والعزم الشديد الذي يميزهم، والإيمان بعدالة قضيتهم الذي يسيرهم، وبشاعة الصور التي تنقلها وسائل الإعلام عنهم، وسوء المعاملة التي يتعرضون لها على أيدي أعدائهم، والحرمان الذي يقاسون منه نتيجة سياسة السجان وعدوانية الاحتلال، وغير ذلك مما دعاهم للثورة والغضب والإضراب والاحتجاج، وهو ما يصرون على التخلص منه وعدم السماح لسلطات السجون بالعودة إليه مهما بلغت التحديات وكثرت التضحيات وعظمت في طريق مقاومتهم الصعاب.

إنه شعورٌ محزنٌ حقاً وإحساسٌ مؤلمٌ صدقاً عندما يستجدي الأسرى والمعتقلون أمتهم لتغضب، وشعوبهم لتثور، وأحرار العالم ليقفوا معهم، ويؤيدوا مطالبهم، وهم الذين ضحوا نيابةً عن الأمة، وقدموا أرواحهم في سبيل قضيتهم وفداءً لشعوبهم، وفرطوا بشبابهم وسني أعمارهم الذهبية لتحيا أمتهم بعزةٍ وتعيش بكرامةٍ، فلا أقل من أن نكون معهم أوفياء ولهم سندٌ وعونٌ، خاصةً أن معركتهم مهما طالت بالنسبة لهم فهي بالنسبة لغير المضربين عن الطعام قصيرة، وما هي إلا أيام وتنقشع الغمة، وتزول الغمة وينتهي الإضراب ويحقق الأسرى مطالبهم ويصلون إلى مبتغاهم، وينالون مناهم، فلا نيأس لينتصروا، ولا لنضعف ليقووا، ولا نشعر بالإحباط ليبقى الأمل في نفوسهم قائماً وفي قلوبهم عامراً.

بيروت في 19/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

الفلسطينيون يطعنون أسراهم ويجهضون إضرابهم

الحرية والكرامة “22”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الرابع والثلاثون للإضراب …

قد يستنكر البعض مقالي، وقد لا يعجبه كلامي، وقد يستغرب العنوان ويستهجن المضمون ولا يرضى بما جاء فيه، وقد أجد بعض النقد والاستنكار، وربما التشكيك والاتهام، وقد أتلقى تعليقاتٍ قاسيةً أو ردوداً غاضبةً، وهو ما وطنت نفسي عليه منذ أن قررت خوض غمار الكتابة الإعلامية، فمهنة عرض العقل على الناس يلزمها الصبر على ردودهم وتقبل ردات فعلهم، والحكمة في الرد عليهم والتعامل معهم، وقد آليتُ على نفسي الصبر واتساع الصدر، وتحمل الرأي الآخر والقبول به، شرط أن يكون موضوعياً ومهنياً وبعيداً عن الشخصانية وفي ذات الموضوع، بأدبٍ وخلقٍ دون إسفافٍ أم مهانةٍ.

قد يقول البعض بأن الوقت غير مناسبٍ لتسليط الضوء على هذه القضية، وإثارتها أمام الرأي العام المحلي والدولي، في وقتٍ نحن في أمس الحاجة إليه، ليتضامن معنا ويقف إلى جانبنا، ويساندنا ويتبنى قضيتنا، إذ أن عرض السلبيات وتسليط الضوء على العيوب في هذا الوقت بالذات قد يفقد الآخرين الثقة فينا، وقد يفضهم من حولنا أو يتسبب في انقلابهم علينا، ويرون بدلاً من ذلك أن نسلط الضوء على قضايانا الآنية الملحة، وشؤوننا الوطنية العامة، وأن نستر على بعضنا، ونخفي عيوبنا، وأن نطمس مخازينا، ونتجاوز عن أخطائنا، وأن نزين صورتنا ونحسن هيئتنا ونجمل مظهرنا، لنبدو أمام الآخرين بأجمل صورةٍ وأحسن هيئةٍ، فنضمن وقوفهم معنا وتأييدهم لنا، وإلا فإننا سنفقدهم ونخسر، وسيذهبون بعيداً عنا ونضعف.

إلا أنني وجدت أن أكتب في هذا العنوان بموضوعيةٍ وصراحةٍ، ومهنيةٍ وعلميةٍ، وباعتدالٍ دون غلوٍ، وعدلٍ دون ظلمٍ، غضباً وغيرةً، وحزناً وألماً، وحرصاً وخوفاً، وحكمةً ووعياً، رغم أن الجرح في الكف، والعيب في الأهل، والنقيصة فينا، والشتيمة ترتد إلينا، إلا أن الصمت عن الخطأ خطأٌ أكبر، وهو تكريسٌ لما هو أكبرٌ، وتأسيسٌ لما هو أخطر، لهذا وجب أن يعلو الصوت، وأن يلمس الجرح، وأن نضغط على مواضع الألم ولو تأذينا وصرخنا، إذ بدون ذلك فإننا نضحك على أنفسنا ونخدع شعبنا، ونزيد من خطورة المرض ونعمق الجرح ونبتعد عن الشفاء، ونزرع اليأس أكثر ونؤسس له في قلوبنا أعمق، ولهذا لا بد من الحديث فيما يراه البعض أنه نشرٌ للغسيل الخاص على الحبال، وإذاعةٌ للأسرار الداخلية في المذياع وعبر مكبرات الصوت.

يجب علينا أن نعترف بأن قوانا الفلسطينية وتنظيماتنا السياسية وفصائلنا المقاومة لا تولي إضراب الأسرى والمعتقلين عن الطعام الاهتمام الكافي، ولا تصنفه ضمن أولى اهتماماتها، ذلك أنها منشغلة بهمومها الداخلية ومشاكلها الخاصة، ويهمها مراكمة الإنجازات وزيادة الأرصدة على حساب معاناة الشعب وضيق حال المواطنين، وهي لا تنسق فيما بينها، ولا تنظم فعالياتها، ولا تشارك بعضها، ولا تساهم في أنشطة غيرها، ويعنيها أن يكون نشاطها هو الأنجح وحضورها هو الأبرز، ولو كان ذلك على حساب صورة الأسرى الموحدة، وظاهرتهم النبيلة المشرفة.

ولعل السلطة الفلسطينية هي أكثر المتهمين قولاً وفعلاً، فقد شغلت الشارع الفلسطيني بانتخاباتٍ محلية، وخلقت أجواءً تنافسية محمومة، في الوقت الذي يخوض فيه الأسرى أعظم معاركهم النضالية، بينما رئيسها يطوف العالم، وينتقل من عاصمةٍ إلى أخرى، ولا يثير مع من يلتقيهم أزمة الأسرى وإضراب المعتقلين، ولا يطالب نظراءه بضرورة الضغط على حكومة الكيان الصهيوني، للاستجابة إلى مطالب الأسرى وتحسين شروط اعتقالهم وظروف حياتهم.

كما تتهم أجهزة أمن السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع المخابرات الإسرائيلية، لمحاولة الالتفاف على الإضراب، للسيطرة عليه والتحكم فيه، في ظل النوايا المسبقة بعدم الاستجابة إلى مطالبهم، أو القبول بشروطهم، وقد كان بإمكان السلطة الفلسطينية أن تستغل إضراب الأسرى والمعتقلين لتضغط على حكومة العدو، وتفرض عليها شروطها بشأنهم، وتحقق من خلالهم إنجازاً وطنياً يحسب لها، ولكنها أهملت وربما تآمرت، وقصرت وربما خانت، وقد تكشف الأيام القادمة عن بعض الأسرار المخزية التي لا نعلمها.

وبعض القوى تتراخى في فعالياتها وتقصر في جهودها لأنها ترى أن هوية المضربين الحزبية معروفة، وأن السواد الأعظم منهم من أبناء تنظيمٍ واحدٍ، وإن التحق بهم آخرون من مختلف القوى والتنظيمات الفلسطينية، التحاماً معهم أو مساندةً لهم، إلا أن هذا لا ينفي إحساس البعض بأن الإضراب يقوده تنظيمٌ واحدٌ، ويتحكم فيه فصيلٌ بعينه، وأن الهدف من الإضراب سياسيٌ وليس حياتي وإنساني، بل إنه لتعويم بعض الشخصيات الفلسطينية، وممارسة الضغط الدولي على حكومة الاحتلال للإفراج عنها وإطلاق سراحها، تمهيداً لأدوارٍ سياسية مرسومة لها، ومناصب قيادية موعودة بها، ومستقبلٍ منظورٍ قد أعدو له.

إن ما أراه من سلوكٍ فصائليٍ مريضٍ، وممارسةٍ سياسيةٍ عليلةٍ، وعقلياتٍ قيادية سقيمة، وسطحية فلسطينية رسمية ومزاجية تنظيمية غريبة، يجعلني أقف مشدوهاً أمام هذا الإهمال، ومصدوماً أمام هذه السياسة، ذلك أن هذا الوقت لا يجوز فيه الالتفات إلى المناكفات الشخصية والتنافسات الحزبية، والتناقضات المسلكية، والصراعات المصلحية، والمكتسبات النفعية، ولا لتسجيل المواقف الحزبية الضيقة، والانتصار إلى الذات  والتخلي عن الوطني العام.

فهذا وقتٌ يجب أن يخصص بكليته لصالح الأسرى والمعتقلين، وفيه يجب أن نغض الطرف عن كل اختلاف، وأن نتجاوز كل مشكلة، وألا نقف عند أي مكاسب وهمية ومنافع شكلية، في سبيل أن تبقى قضية الأسرى والمعتقلين في المقدمة، تتصدر الأحداث، وتجذب إليها كل القوى والفعاليات، وتؤيدها الشخصيات والحكومات، وإلا فإننا نتحمل كامل المسؤولية عن إزهاق أرواح أسرانا، وعذاب نفوسهم ووهن أجسادهم، ويأس نفوسهم وإحباط قلوبهم، وإجهاض إضرابهم وهزيمتهم في معركتهم، علماً أنهم يعولون على شعبهم ويركنون إلى أمتهم، ولا يأملون خيراً من المتنافسين على السراب، ومن المتصارعين على التراب، وإنما أملهم في أهلهم الذين أنجبوهم، وشعبهم الذي أنشأهم، وإخوانهم الذين انتصروا لهم وانتفضوا من أجلهم.

بيروت في 20/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

خاتمة الإضراب مفاوضاتٌ لجني الثمار وحصاد الصبر

الحرية والكرامة “23”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم السادس والثلاثون للإضراب …

ربما بدأت بعض الأصوات الإسرائيلية ترتفع عالياً، وتتحدث بصوتٍ مرتفعٍ ومسؤولٍ، عشية زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فلسطين المحتلة، تنادي بضرورة التفاوض مع الأسرى والمعتقلين لوقف إضرابهم، ودراسة مطالبهم، والاستجابة إلى ما يمكن منها، وهو ما تسرب فعلاً ونقله أكثر من مسؤولٍ فلسطيني وإسرائيلي، من أن رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو قد أمر رئيس استخباراته العسكرية والمعنيين بمصالح السجون والمعتقلات، بضرورة العمل على إنهاء الإضراب، والمباشرة في دراسة طلبات الأسرى وأوضاعهم، وهذا الأمر كان متوقعاً، ولو أنه تأخر قليلاً فقد كان سيكون لا محالة، وذلك بالاستناد إلى التجارب النضالية السابقة التي خاضها الأسرى والمعتقلون، الذين يقتحمون الموت بقرارهم ولا يتراجعون، وهذا ما يدركه العدو ويعرفه، ولهذا فإنه يخضع في النهاية ويستجيب، رغم مكابرته السابقة وعناده المتكرر.

ورغم أن بعض المصادر الإعلامية قد نفت الخبر وأكدت عدم صحته، إلا أن هذا النفي الإعلامي لا ينفي أصله ولا يقطع بعدم وجوده على الإطلاق، خاصةً في ظل تكراره أكثر من مرةٍ وبلسان أكثر من مسؤولٍ فلسطيني وإسرائيلي، بأن المفاوضات تتم فعلاً عبر قناتين منفصلتين، وأنهما قد قطعتا شوطاً عملياً، كما أن التجارب السابقة تشير إلى أن هذه التسريبات الإعلامية هي جزء من الحقيقة، وقد تكون هي الحقيقة كلها، فسلطات الاحتلال الإسرائيلي ماضية في قبول طلبات الأسرى، وستخضع في الأيام القادمة وستعلن موقفها الرسمي، وستباشر التفاوض مع ممثلي الحركة الأسيرة وقادة الإضراب الوطني الكبير، وهو الخبر الذي سيزفه الأسرى أنفسهم إلى شعبهم وأمتهم، وفيه سيعلنون انتصارهم ونتيجة إضرابهم.

إنها الحقيقة التي سيتم الإعلان عنها رسمياً ولو بعد حينٍ، فقد انطلقت شرارتها الأولى وسنرى وميضها بعد قليل، وسنلمس أثرها بالعين واليد بكل تأكيد، وستتوالى التصريحات والتسريبات التي تؤكدها وتتحدث عنها، فالمفاوضات تشكل المرحلة الأخيرة من مراحل المواجهة بين إدارة السجون والأسرى والمعتقلين، ولكن إدارة السجون تتباطئ وتتأخر حيناً، وتبدي عناداً ورفضاً في حين آخر، علها تتمكن من إنهاء الإضراب دون تقديم تنازلاتٍ أو أثمانٍ من جانبها، ولكن المفاوضات نتيجة حتمية نعلمها، وخطوة معلومةٌ لا بد منها.

أدركت مصلحة السجون ومعها حكومة الاحتلال أن الأمور قد وصلت مع الأسرى والمعتقلين إلى نقطة اللا عودة، وأنهم سيواصلون الإضراب مهما كلفتهم المواجهة من ثمن، وسيصمدون أمام كل عمليات الضغط والتهديد والترهيب والترغيب، وهم يزدادون عدداً ويتنوعون قوىً وفصائل وتنظيماتٍ، وأن محاولات شق صفهم وتفريق جمعهم وتمزيق كلمتهم قد باءت كلها بالفشل، فالأهداف واضحةٌ ومحددة، والقيادة موجودة ومعلومة، والسبيل معروفٌ ومحددٌ، والنتيجة مؤكدة ومضمونةٌ، وقد عم الإضراب كل السجون، فلم تعد تجدِ إجراءات النقل والترحيل لعزل المضربين عن غيرهم، فقد بات الإضراب في كل السجون والمعتقلات، والمضربون يتوزعون عليها جميعاً وينسقون فيما بينهم أينما كانت مواقعهم.

كما تعرف سلطات الاحتلال الإسرائيلي أن الأسرى والمعتقلين المضربين عن الطعام يزدادون قوةً وتصميماً وإرادة كلما مضى الزمن، وتوالت الأيام، وأنهم بعد تجاوزهم الشهر لا يفكرون أبداً في التراجع أو الانكفاء، ويشعرون كلما مرت الأيام ووهنت أجسادهم وضعفت قواهم، أنهم أقوى من ذي قبل، وأقرب الانتصار من أي وقتٍ مضى، ولأن سلطات الاحتلال تدرك أن ما قد كان ممكناً في الأيام الأولى أصبح عسيراً إن لم يكن مستحيلاً في هذه الأيام، فقد بات لزاماً عليها أن تخضع لشروطهم، وأن تفاوضهم على حقوقهم، وأن تعترف بما سحبت منهم، وتعيد إليهم كل ما كان لهم.

الأسرى والمعتقلون كانوا متأكدين من أن مرحلة المفاوضات قادمة لا محالة، لأنهم يعرفون أن تحديهم مع سلطات السجون هو على الزمن فقط، من يصبر أكثر ومن ينهار قبل الآخر، ولأنهم يعرفون هذه المعادلة، فها هو رهانهم يكسب وتحديهم ينتصر وإرادتهم تتفوق، وبعد أن يأس العدو من ضعفهم واستسلامهم، أرسل إليهم من يفاوضهم ويحاورهم، وإذا كانت مفاوضاته سرية فإنها عما قريب ستكشف وستفضح، وسيعرف الجميع من الذي تراجع وانكفأ، ومن الذي صبر وانتصر، وهم جاهزون تماماً لهذه المرحلة وقد استعدوا لها جيداً، وقد يكون من صالحهم المحافظة على سرية المفاوضات، وعدم الكشف عن تفاصيلها إلا عند تمامها واكتمالها، ولا نعيب عليهم فقد يكون ذلك في صالحهم.

لكن فريقهم المفاوض حاضرٌ وجاهزٌ، ولديه كل المطالب والشروط، ويملك إستراتيجية تفاوض مدروسة بعناية، ويعرف أين وكيف ومتى يتشدد، وأين ومتى يكون مرناً، ومتى يكون جاهزاً لتقديم بعض التنازلات التي تخدم قضيته وتحقق شروطه ومطالبه، علماً أنه يتم اختيار أعضائه بعناية كبيرة وفائقة، ممن لديهم خبرة كافية وسابق تجربه، ولديهم دراية جيدة في فنون التفاوض، وعندهم علم كافي بتلاعب الإدارة ومحاولاتها التفلت من شروط وطلبات المعتقلين، أو التخفيف منها وتقليل عددها، وقد تستمر المفاوضات فترة زمنية طويلة، لكن الأسرى لا يقعون في فخ تعليق الإضراب قبل إنجاز الاتفاق مع الإدارة.

هل سيستقبل الأسرى والمعتقلون في السجون والمعتقلات الإسرائيلية شهر رمضان المبارك بعد أن يطووا صفحة إضرابهم المفتوح عن الطعام، وينهوا احتجاجهم على سياسة الاحتلال، الذي يسجل اليوم في سجل ملحمته المعوية يومه السادس والثلاثين، ويكون هلال شهر رمضان الذي سنترقبه خلال الأيام القليلة القادمة هو هلال انتصارهم وعلامة فوزهم، وبداية إنهاء إضرابهم، وبذلك يبدأون معنا جميعاً صيام شهر رمضان الفضيل، ويحيون معنا لياليه المباركة بالقيام ونهاره بالصيام وقراءة القرآن الكريم، فقد حق لهؤلاء الرجال الأماجد والأبطال الكبار أن يكللوا إضرابهم بالنجاح، وأن ينهوا تضحياتهم بالفلاح، وأن يستريحوا من عناء الإضراب ومعاناة الجوع والحرمان، وأن يكون شهر رمضان عليهم شهر الخير والبركة، وشهر البر والإحسان.

بيروت في 22/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

إن للأسرى الفلسطينيين ربٌ يحميهم وشعبٌ يفتديهم

الحرية والكرامة “24”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الثامن والثلاثون للإضراب …

ما إن حطت قدما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أرض فلسطين حتى رأى صور الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية مرفوعة في أكثر من مكان، فقد تعمدت سلطات الاحتلال نشر صورهم، وتعميم أسمائهم، واستحضار عائلاتهم، وإبراز صور أسرهم، وإظهار الجوانب الإنسانية في حياتهم، وخصصت جزءاً من الحوار مع الضيف الأمريكي عنهم، محاولةً لفت نظره واستدرار عطفه، وحثه على المطالبة بهم، والضغط على مختلف الأطراف للإفراج عنهم إن كانوا أحياءً، أو إعادة جثتهم إن كانوا قتلى.

وقد أصغى الرئيس الأمريكي لمحدثيه جيداً، وأبدى اهتماماً لحاجتهم، فقد تحدث إليه صراحةً وبصوتٍ عالي كلٌ من رئيس الكيان الصهيوني رؤوفين رفلين ورئيس حكومته بنيامين نتنياهو، الذي يعاني من ضغط عائلاتهم، ويتعرض لتوبيخاتهم، ويعجز عن الإجابة على تساؤلاتهم، لكن الأول ألح على ضيفه، وأصر عليه أن يضع نهايةً لمعاناةِ عائلاتهم، وعذاب أسرهم، الذين لا يعلمون مصيرهم ولا يصلهم شئ عن حالتهم، وبدت قضيتهم عنده هي الأولى والأهم، فلا شئ عنده يسبقها ولا غيرها يطغى عليها.

الجنود الإسرائيليون الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية وجدوا من يسأل عنهم، ويتبنى قضيتهم، ويدفع للإفراج عنهم أو كشف مصيرهم، ولا شك أن الرئيس الأمريكي قد كلف أحد مساعديه للاهتمام بهذه القضية، والضغط على مختلف الأطراف التي تملك مفاتيحها، أو عندها معلومات عنها، ولم يخفِ الرئيس الأمريكي تعاطفه مع عائلاتهم، وتفهمه لقلقهم ومعاناتهم، فكان وعده القاطع لهم بالعمل على تحريرهم وإعادتهم إلى بيوتهم وأسرهم، ولعله كان صادقاً فيما وعد، وجاداً فيما قطع على نفسه، فهو مؤمنٌ بقضيتهم، وحريصٌ على مصلحتهم، ويهمه كثيراً أن يقدم خدمةً لشعب “إسرائيل” وحكومته، ولا يعنيه أنهم أسروا أثناء اعتدائهم على قطاع غزة، بينما كانوا في دباباتهم أو يطلقون النيران على الفلسطينيين من بنادقهم.

أما الأسرى الفلسطينيون فلا نعتقد أن زعيماً عربياً أو إسلامياً من القادة والزعماء الخمسة والخمسين الذين اجتمعوا في الرياض قد ذكر الضيف الأمريكي بقضيتهم، أو حضه للتخفيف من معاناتهم، ودفع الحكومة الإسرائيلية للاستجابة إلى مطالبهم، وتحسين شروط اعتقالهم، والعمل على إنهاء إضرابهم بتقديم بعض التنازلات لهم، رغم أنهم جميعاً يعلمون أن يخوضون إضراب الكرامة عن الطعام منذ أربعةٍ وثلاثين يوماً، وأن عددهم قد ناهز الألف وثمانمائة أسيراً، وأنهم جزء من أكثر من سبعة ألاف أسيرٍ فلسطيني وعربي يقبعون في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، وأن بعضهم محكومٌ بمئات السنوات وعشرات المؤبدات، والكثير منهم لا يرى أهله ولا يزوره أولاده، ولا يصافح أحداً من أفراد أسرته.

لا أحد قد نبه الضيف الأمريكي بمعاناة الأسرى الفلسطينيين، كما لم يتجرأ أحدٌ أن يرفع صورهم، أو يذكر بقضيتهم، أو يسر همساً بمعاناتهم، فلعلهم كانوا لا يريدون أن يفسدوا زيارة الضيف الكبير، أو أنهم كانوا يخشون من تعكير مزاجه أو غضبه، فالمقام ليس للفلسطينيين وقضيتهم، والأسرى الفلسطينيون وإن كانوا مضربين عن الطعام فهم في عرفه مجرمون ومخربون، مدانون ومخطئون، ويستحقون السجن والاعتقال، والعقاب الذي نزل بهم والحال التي وصلوا إليها، وهو غير مستعدٍ للوساطة لهم أو الحديث مع الحكومة الإسرائيلية بشأنهم، إذ لا يعنيه أمرهم ولا تهمه معاناتهم، ولا تقلقه حالتهم الصحية وتدهور أوضاعهم العامة، ولا يشغل باله بالموت البطيء الذي يحدق بهم ويقترب منهم، وإسرائيل في نظره دولةٌ ديمقراطية مظلومة، تتعرض للإرهاب وتعاني من الاعتداءات على مواطنيها وجنودها، ومن حقها أن تتخذ كل الإجراءات لضمان أمنها وسلامة مواطنيها.

يدرك الشعب الفلسطيني كله قبل زيارة دونالد ترامب وبعد مغادرته الأرض الفلسطينية، أن أحداً غير أنفسهم وأبنائهم وشعوب أمتهم الحرة الأبية يهتم بقضية أسراهم، ويحزن على أبنائهم، ويخاف على مستقبلهم، ويسعى لضمان حقوقهم وتحسين أحوالهم، أو يدعو المجتمع الدولي للضغط على حكومة الكيان لقبول طلباتهم والاستجابة إلى شروطهم، كونها شروطٌ إنسانية وحاجاتٌ مشروعة، لا تتناقض مع القانون ولا تخالف الأعراف والشرائع، ولعل الشعب الفلسطيني ما كان يراهن على الضيف القادم، ولا كان يتوقع منه خيراً أو ينتظر منه نصراً أو يلتمس على يديه فرجاً، فهم يعلمون أنه جزءٌ من الكيان الصهيوني وأحد أعمدته التي يقوم عليها، وهو الذي تعهد بحمايتها والدفاع عنها ما بقي رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية.

لكم الله أيها الأسرى الأبطال، وحسبكم المولى عز وجل، فهو جلَّ شأنه الذي يرعاكم ويكلأكم، وهو الذي يدافع عنكم ويحرسكم، وهو الذي يتولى أمركم ويتعهد بالإفراج عنكم، وهو ناصركم ومؤيدكم، وهو الذي يحفظكم بعينه ويتولاكم برحمته، فلن يخذلكم أبداً، ولن يتركم أعمالكم، ولن يتخلى عن نضالكم، ولن يحبط جهودكم، ولن يُذهب تضحياتكم، فاستعينوا به سبحانه وتوكلوا عليه وحده.

وهو جلَّ شأنه يعلم أنكم خيرة هذه الأمة، وصفوة هذا الشعب، وأنكم سوطه على عدوه، وخيله التي ركبت في سبيله، وأنكم قد انبريتم للدفاع عن أمته، والذود عن حياض شريعته، والحفاظ على قدسية أرضه، لاستعاده القدس وتحرير الأقصى وإعادة المسرى، فمن كانت هذه أهدافه فإن الله معه وهو مولاه، إنه نعم المولى ونعم النصير، ومن كان الله معه فلن يضيره أو يخيفه أحد، وكفى بالله سبحانه وتعالى حافظاً وولياً ونصيراً.

بيروت في 24/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

إرادة الأسرى أقوى ودبلوماسية العدو أوهى

الحرية والكرامة “25”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الأربعون للإضراب …

أثبت الأسرى والمعتقلون رغم أنهم معزولون ومنفيون في السجون والمعتقلات، بين جدران الزنازين وخلف الأسلاك الشائكة والأسوار العالية، وفي عمق الصحراء وبعيداً عن مناطق سكناهم، أنهم أكثر تأثيراً من دبلوماسية الكيان الصهيوني، وأعظم أثراً من وسائل إعلامهم المسمومة وأبواقهم الزائفة، وأقلامهم الملوثة، وأن صوتهم الخافت الذي لا يكاد يصدر من بين شفاههم التي يبسها الجوع والعطش، وأضناها الإضراب والعذاب، أعلى من كل أصواتهم، وأبلغ من كل خطبهم، وأقدر على الوصول إلى كل المنابر وجميع المنصات، وأن محاولاتهم المحمومة لمنعهم أو التأثير السلبي على إضرابهم قد باءت كلها بالفشل، ولم تجدِ في تبهيت قضيتهم، أو لفت الأنظار عن معاناتهم، أو حجب الأضواء عن إضرابهم، فلم يستمع إليهم إلا المنحازون لهم والمؤيدون لظلمهم، ممن يمدونه بالسلاح لقتلنا، ويدعمونه بالسياسة للفتك بنا.

فقد شهدت مختلف العواصم الغربية وكندا وأستراليا ومدن الولايات المتحدة الأمريكية، مسيراتٌ ومظاهراتٌ واعتصاماتٌ حاشدةٌ، شارك فيها مواطنوها الأصليون واللاجئون إليها، تؤيد الأسرى والمعتقلين، وتدعو إلى احترام حقوقهم وتحسين شروط اعتقالهم، وعدم المس بكرامتهم أو إيذاء إنسانيتهم، رغم أن الدبلوماسية الإسرائيلية قد نشطت في الخارج، على مستوى السفراء والمبعوثين الرسميين، وآخرين موفدين لهذه الغاية فقط، حيث عملوا على تشويه نضال الأسرى والمعتقلين، ونزع الصفة الإنسانية عن مطالبهم وإضفاء المسحة السياسية عليها، واتهامهم بأنهم يهدفون من وراء إضرابهم إلى فرض شروطٍ سياسية على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، بل إنهم يمعنون في الإساءة إلى الأسرى والمعتقلين عندما يصفون إضرابهم بأنه معركة فلسطينية داخلية، وأنه يأتي نكايةً بالسلطة الفلسطينية ورئيسها، ويدعون بأن قطاعاتٍ كبيرة من السلطة تعارض الإضراب ولا تؤيده، وتنسق معها لتطويقه والسيطرة عليه.

لكن إصرار الأسرى على مطالبهم، وثباتهم على موقفهم، وتمسكهم بحقوقهم، وانضمام العديد إليهم والتحاق جميع التنظيمات بهم، جعل دول العالم كلها تصغي إليهم وتتابع قضيتهم وتواكب إضرابهم وتستمع إلى مطالبهم، رغم أنهم بإضرابهم المفتوح عن الطعام يقتربون من الموت، ويعرضون حياتهم للخطر، ويزيدون من احتمالات إصابة أجهزتهم الداخلية بأعطابٍ وأعطالٍ وظيفيةٍ، ولهذا فقد أصبح لإضرابهم مصداقية كبيرة، ولمطالبهم تقديراً ولحقوقهم احتراماً، وهو ما دفع الكثير من الدول إلى الاهتمام بقضيتهم، ورفع الصوت دبلوماسياً وإعلامياً لحث حكومة الكيان على الاستجابة لهم وحمايتهم بموجب اتفاقيات جنيف الدولية.

لكأن السجون والمعتقلات باتت منبراً بكل اللغات، يبث منها الأسرى والمعتقلون معاناتهم على كل الموجات، فلا يصدهم أحد ولا تحجب القوانين تردداتهم ولا تقوى على منع بثهم الوجداني والإنساني والسياسي، وهو الأمر الذي بات يحرج الكيان الصهيوني وإن بدا أنه غير مكترثٍ أو معنيٍ بالضغوط الدولية، أو أنه لا يعاني أصلاً من أي ضغوطٍ أو طلباتٍ، إلا أن زيارة حليفهم الأكبر والمدافع الأول عنهم دونالد ترامب، قد كشفت عن أن بعض مساعديه قد طلبوا من حكومة نتنياهو دراسة طلبات الأسرى الفلسطينيين والاستجابة لها، ومن المؤكد أن هناك من فريقه من قال لهم أن هذه القضية باتت تحرجهم، وأن استمرار إضراب الأسرى يقلقهم ويحول دون قيامهم بتقديم مبادرتهم السياسية الموعودة.

استطاع الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون المضربون عن الطعام في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، أن يرفعوا علم فلسطين فوق المباني الدولية السيادية، وعلى أعلى المنصات العالمية، وأمام البلديات الكبرى، وفي الملاعب الرياضية وأثناء مباريات كرة القدم التي يشهدها عشرات آلاف المتابعين والمحبين لهذا النوع من الرياضة، كما استطاع المناصرون للقضية الفلسطينية أن يرفعوا صور الأسرى والمعتقلين أمام البرلمانات وعلى الطرق الرئيسة التي يرتادها المسؤولون الحكوميون، في الوقت الذي أعلنت فيه حكوماتٌ غربية وغيرها تأييدها لحق الشعب الفلسطيني في بناء دولته وتقرير مصيره.

أما جنيف عاصمة الاتفاقيات الدولية الراعية لحقوق الأسرى وحقوق الشعوب الخاضعة للاحتلال، فقد أفردت جلساتٍ عديدةٍ ضمن مجلس حقوق الإنسان، لمتحدثين فلسطينيين وعرباً وغيرهم، لبيان قضية الأسرى والمعتقلين، واستعراض معاناتهم، وكشف ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضدهم، وتعريتها أمام القانون الدولي الذي تنتهكه ولا تحترمه، وما زالت جلساتها مفتوحة، يتحدث فيها المعنيون بكل اللغات، ويخاطبون كل الشعوب والحكومات، وما كان لهم أن يعتلوا هذه المنصات الدولية، ويرفعوا من فوق منابرها الصوت عالياً، لولا عدالة قضية الأسرى والمعتقلين وقدسيتها، ولولا المظالم الحقيقية والاعتداءات الفادحة التي يتعرض لها الأسرى على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

وعلى الرغم من قيام نتنياهو بتكليف مساعديه في وزارة الخارجية، للقيام بأكبر حملة دبلوماسية لدى عواصم القرار الدولي، لتشويه إضراب الأسرى والمعتقلين والتعريض بهم، وإضعاف حجتهم وبيان عدم صدقهم، إلا أن هذه الحملة قد باءت بالفشل، وأعلن ديوان وزارة الخارجية الإسرائيلية أن دبلوماسييهم في السفارات الإسرائيلية في مختلف أنحاء العالم يعانون من عدم إصغاء المسؤولين لهم، أو عدم اقتناعهم بحجتهم، وأنهم يميلون إلى تصديق الرواية الفلسطينية وتكذيب الرواية الإسرائيلية، في الوقت الذي شكا السفراء الإسرائيليون المعتمدون والقائمون مقامهم، من استدعاءات وزارات خارجية البلدان التي يعملون فيها، حيث يبدون لهم انزعاجهم من ممارسة حكومة كيانهم لسياسة البطش والتنكيل بحق الأسرى والمعتقلين، ومن إهمال المسؤولين لمطالبهم وعدم الاستجابة إلى حقوقهم الأساسية التي تنص عليها القوانين وتصونها الاتفاقيات والمعاهدات.

لو أن قادتنا وحكامنا كانوا بصدق أسرانا وطهر معتقلينا ما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من تيهٍ وضياعٍ، وهزيمةٍ وانكسار، وذلٍ وهوانٍ، ولو أنهم عرفوا مذاق التضحية وطعم الفداء، وطريق المقاومة، كنا قد حققنا أمانينا وحررنا أراضينا، ورفعنا أعلامنا الوطنية فوق تلال وربى بلادنا، ولفتحت أمامنا العواصم أبوابها، وأصغى إلينا الملوك والرؤساء، ولكن قادتنا لا يعرفون التضحية، ولا يتقنون الفداء، ولا يحسنون غير الكذب والرياء، والخنوع والاستخذاء، ولا تعنيهم بلادهم إلا بقدر استفادتهم منها وغنيمتهم من خيراتها، ومكاسبهم من مدخراتها وكنوزها، ولهذا كان أسرانا أكثر عزةً منهم، ومعتقلونا أنبل نفساً وأطهر روحاً منهم.

بيروت في 26/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

استغاثةٌ من القلب ورجاءٌ قبل فوات الوقت

الحرية والكرامة “26”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الحادي والأربعون للإضراب …

في اليوم الأول من شهر رمضان الفضيل، يتجاوز إضراب الأسرى يومه الأربعين بيومٍ جديدٍ، وهم أشد ما يكونون عزماً ومضاءً رغم الوهن والتعب والإرهاق الذي أصابهم، والهزال وانحطاط القوى وزوغان الأبصار الذي حل بهم، إلا أنهم ماضون وعازمون، ويواصلون ولا يتراجعون، ويغذون الخطى ولا يترددون، فهي معركتهم الأصيلة التي لا يملكون خياراً غيرها، وهو سلاحهم الوحيد الذي به يقاتلون عدوهم، ويواجهون به جلادهم السادي وسجانهم اللعين، الذي يتمنى موتهم ويدعو الله أن يكون في إضرابهم حتفهم وزوالهم.

أربعون يوماً ويومٌ مضى على إضراب أبطالنا الأسرى في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، أربعون يوماً طويلة ثقيلة مضنية متعبة مؤلمة قاسية، مرت دقائقها كسنوات، وساعاتها كدهرٍ ولياليها كأنها العمر كله، وما زال إضرابهم مفتوحاً على مصراعيه، ومرشحاً للمزيد والغريب والجديد والعجيب، وهو اليوم مفتوحٌ على الألم والمعاناة، وعلى الجوع والمرض، وعلى السقم والهزال، وعلى النحول والدوار، ولا ندري ماذا تحمل لهم الأيام القادمة، وماذا سيكون جديدها، أهو نصرٌ وفرجٌ، ويسرٌ بعد عسرٍ، وفرحٌ بعد ترحٍ، أم المزيد من العناد والعنجهية الإسرائيلية، التي تعني المزيد من الخوف والقلق، والإمعان في الرفض والإنكار، والتعذيب والتجريد والإهانة، ما يعني حكماً تزايد نذر الخطر واحتمالات الاستشهاد.

هل بقي الكثير بعد الأربعين يوماً فنصبر، أم أن ما بقي هو القليل، وما نتوقعه بعد ذلك هو الخطير، ولهذا نرى ضرورة مضاعفة الجهود، ورفع الأصوات، والعمل ليل نهارٍ لتجنب ما هو أسوأ وتجاوز ما هو أخطر، إذ أننا سنخسر الكثير باستشهاد أيٍ من الأسرى المضربين عن الطعام، علماً أنه ليس من حقنا أن نراهن أكثر على صبر الأسرى وقدرتهم على التحمل، ولا يجوز لنا أن نقاتل بضعفهم، وأن نجابه بجوعهم، وأن نهدد بتمزيق أمعائهم، وإن كان من حق الأسرى أن يستخدموا هذا السلاح بأنفسهم وبقرارٍ منهم، فإنه ليس من حقنا أن نلجأهم إليه أو أن نعتمد عليه ونتخلى عن الأدوار الأخرى، ونعطل أشكال المقاومة والنضال الكثيرة المتاحة للمقاومين الأحرار دون غيرهم من الأسرى والمعتقلين.

أمهات الأسري وذووهم، وأطفالهم وعوائلهم، لا يستطيعون الصبر على جوع أولادهم، ولا على معاناة أبنائهم، ولعل قلوب الأمهات تتفطر على فلذات أكبادهن الأسرى وهن يرون أن شهر رمضان الكريم قد حل وأولادهن جوعى وعطشى، يكابدون آلام الإضراب عن الطعام، ويعانون من سوء الأوضاع في السجون والمعتقلات، ولا يبدو في الأفق أمامهم فرجاً أو بصيص أملٍ ينهي معاناتهم، ويعيد إليهم حقوقهم، ويفرج عن القليل من هموهم، ويحقق لهم بعض مطالبهم، ولهذا تعلو الصرخة ويتعاظم الرجاء، ويجأرون إلى الله سبحانه وتعالى بالاستغاثة والدعاء.

أما وقد بلغ السيل الزبى، واتسع الخرق على الراقع، وطالت أيام الإضراب وامتدت، فإننا نرفع الصوت عالياً ونصرخ، وننادي أصحاب الضمائر الحية وأحرار العالم، ونهز وجدان القادة والحكام، والملوك والرؤساء، العرب والمسلمين والمنتمين إلى بني الإنسان، ليأخذوا دورهم ويمارسوا سلطاتهم، ويضغطوا على الحكومة الإسرائيلية لتتعامل مع طلبات الأسرى والمعتقلين بمسؤوليةٍ وعقلانية، ولتعيَ وتفهم أن الذين تعتقلهم في سجونها إنما هم أسرى حرب، لهم حقوقٌ وامتيازاتٌ ينص عليها القانون وتحفظها المواثيق والمعاهدات، ولا يصح لدولة الاحتلال أن تخترقها أو تنتهكها.

لعل السلطة الفلسطينية برئيسها هي المسؤول الأول عن السعي بكل قوةٍ ومسؤوليةٍ لإجبار حكومة الكيان الصهيوني على القبول بشروط الأسرى والاستجابة إلى مطالبهم المشروعة، وهي قادرة على تهديده بما يوجعه، وتخويفه بما يؤلمه، ولعل ورقة التنسيق الأمني التي تملكها السلطة الفلسطينية معه هي الأقوى والأكثر فعلاً، وعليها أن تستخدمها اليوم في مكانها الصحيح ووقتها المطلوب، علماً أن هذه الدعوة لا تلغي وجوب إنهاء التنسيق الأمني مع العدو، ووقف كل أشكال التعاون الأمني التي تفيد العدو وتحمي أمنه، وتعود بالضرر على شعبنا ومقاومته، ولكننا نذكرها بواجبها تجاه شعبها، وبمسؤوليتها الكبرى تجاه الأسرى والمعتقلين، فهي مكلفة بالدفاع عنهم والحفاظ عليهم، وتحريرهم واستعادتهم وعودتهم إلى بيوتهم وأسرهم.

ويشارك السلطة الفلسطينية في القدرة والمسؤولية وإن كان بدرجةٍ أقلٍ، كلٌ من مصر والأردن، اللتان تستطيعان الضغط على حكومة العدو والتأثير عليه، وربما تملكان من أوراق القوة المختلفة ما يمكنهما من إرغامه على القبول، ودفعة للموافقة والإذعان، وعلى القيادة في البلدين أن تدركا أنهما مسؤولتان عن التقصير والإهمال، وأنهما تتحملان مسؤولية الأخطار التي قد يتعرض لها الأسرى، في الوقت الذي تستطيعان فيه بذل بعض الجهود لإرغام حكومة العدو على التنازل عن عنادها، والقبول بشروط وطلبات الأسرى، ولن يغفر الشعب الفلسطيني لهما ولا لغيرهما، في حال وقوع مكروهٍ لأحدٍ من الأسرى، علماً أن مثل هذا الأمر بات متوقعاً وممكناً مع توالي أيام الإضراب واستمرار العناد الإسرائيلي، وعليه فإن سرعة التحرك واجبةٌ، وقوة الضغط مطلوبة، والصدق في بذل الجهد والسعي نحول الحل لازمٌ.

ربما لا يعجب الأسرى والمعتقلين بياننا، ولا ترضيهم استغاثتنا، ولا يقبلون بصرختنا، ولا يوافقون على دعوتنا، إذ لا يأملون من غير الله نصراً وفرجاً، أو غوثاً وعوناً، فهو وحده الناصر المغيث، وهو سبحانه المعز المعين، ولا يرون أنهم في حاجةٍ إلى من يرى الظلم ويسكت، وإلى من يشاهد الجور ولا يعلو صوته مجاهراً بالحق وداعياً إليه، ولعل الأسرى يرون في هذه الاستغاثة ضعفاً، وفي هذا الرجاء عجزاً، في الوقت الذي يرون فيه أنفسهم أقوياء وأعزاء، وأقدر على المواجهة وأصبر على تحمل الأذى والصمود أمام أصناف التعذيب وألوانه، ويشعرون أن العدو أوهى من أن يواجههم، وأضيق نفساً من أن يجاريهم وينافسهم.

بيروت في 27/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

الأسرى وذووهم يشكرون والفلسطينيون جميعهم يمتنون

الحرية والكرامة “27”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اليوم أختم زاويتي اليومية مع انتهاء إضراب أبطالنا الأسرى والمعتقلين في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، معركتهم النضالية وملحمتهم البطولية، ومواجهتهم المعوية المؤلمة القاسية، التي دامت واحداً وأربعين يوماً متتالية، واستمرت على مدى الأيام بكامل حيويتها وكل قوتها ومتانة وحدتها، والتي تكللت بإعلان انتصارهم وتحقيق طلباتهم، ورضوخ العدو لهم ومفاوضته كبيرهم، الذي سموه بأنفسهم مفاوضاً عنهم وناطقاً باسمهم، في صبيحة أول أيام شهر رمضان الفضيل، ليلتحقوا به بزهوٍ وفرحٍ وإحساسٍ بالعزة والنصر، صائمين متعبدين، ومتبتلين شاكرين، وراضين بقضاء الله وحامدين عطاءه، ليواصلوا بعد استجمامهم من عناء الإضراب المضني معركتهم التاريخية ضد العدو بشكلٍ آخر وسيلةٍ مختلفة، إذ ما كان إضرابهم عن الطعام إلا شكلاً نضالياً وأداةً كفاحيةً، اضطرهم العدو إليها وألجأهم لاعتمادها والمضي بها.

 بهذا الانتصار العظيم بعد أيام الصبر المجيدة والترقب الصعب، أنهي سلسلة مقالاتي المنتظمة التي عنونتها مسلسلةً بـ “الحرية والكرامة”، وهو الشعار الذي رفعه الأسرى ونادوا به في إضرابهم، حتى تمكنوا من تحقيقه، وبذا أتوقف عن الكتابة في هذا الموضوع الذي تشرفت في تناوله يومياً، وشعرت بأنه واجبٌ شخصيٌ ملقىً على عاتقي، حيث تابعت فيها إضرابهم باهتمامٍ، وسجلت الكثير من يومياتهم بمسؤوليةٍ، وسلطت الضوء على العديد من جوانب معركتهم البطولية، وبينت فيها آليات الإضراب وأشكاله وأهدافه ومطالبه، وتناولت تضامن الآخرين معهم وإيمانهم بقضيتهم، ومواقف شعبهم ومعاناة أهلهم، ومؤازرة الأمة لهم، ودور الأحرار في مساندة قضيتهم ودعم صمودهم، وأثر ذلك كله على الأسرى والمعتقلين.

كما أبرزت المواقف الإسرائيلية والسياسات العدوانية، ونقلت آراء مستوطنين ومسؤولين إسرائيليين، وأمنياتهم للأسرى بالموت والهلاك، وطريقتهم في إنهاء إضرابهم وإعادة السيطرة عليهم، وحلمهم بإنهاك الأسرى والقضاء على حلمهم ومنع نجاحهم، والحيلولة دون تحقيق أهدافهم أو الوصول إلى غاياتهم، ووسائلهم الخبيثة المتبعة، وطرقهم المخادعة ووسائلهم الملتوية التي يعتمدون عليها في التعامل مع الأسرى، قبل أن أثبت قطعاً أنهم سيخضعون وسيركعون، وسيسلمون للأسرى بمطالبهم وسيستجيبون إلى شروطهم، وهو ما كان في النهاية، إذ أن الأسرى ما كانوا يعرفون نهايةً أخرى غير الانتصار أو الشهادة.

كنت أشعر بوجوب المساهمة في معركة الأسرى بالقدر الذي أستطيع، وبالوسيلة التي أتمكن بها، فسخرت قلمي لخدمتهم، وأخضعت معرفتي لمنفعتهم، وشغلت نفسي في متابعة قضيتهم وملاحقة أخبارهم وتفاصيل معركتهم، وهو ذات الواجب الذي قلتُ عنه أنه فرضُ عينٍ كل فلسطينيٍ وعربيٍ ومسلمٍ وحرٍ غيورٍ، إذ أن الكل كان مدعواً للمشاركة والمساهمة، فهي معركةٌ لا يعذر فيها أحد، ولا يصنف فيها عاجزٌ وقادر، بل إن الجميع قادرٌ على أن يساهم بالقدر الذي يستطيعه وبالطريقة التي تتيسر له، ولا يحق لأحدٍ أن يمن على الأسرى بجهده، أو يتعالى عليهم بعمله، أو يتفاخر بما قدم، إذ لا فضل يعلو فضلهم ويفوق قدرهم، ويوفيهم حقهم، ويعوضهم عما لحق بهم وأصابهم.

وقد كنت في كتابتي مدفوعاً بحبي لهم وحرصي عليهم، وغيرتي على قضيتهم، وإحساسي بالواجب تجاههم، ورغبتي في المشاركة معهم والمساهمة في معركتهم، فهذا شرفٌ لي أن أكون جندياً معهم ومحارباً بينهم، ولو كنت أقف في الصفوف الخلفية، ولا أعاني مثلهم جوعاً وقيداً، وحرماناً ومعاناةً، إلا أنني كنت أشعر أنني معهم أشاركهم معركتهم، وبينهم أتابع أخبارهم وأعيش تفاصيل حياتهم،  وقد أكرمني الله مراتٍ عديدةً أنني كنت أسيراً مثلهم، وعشت طويلاً بينهم، وعانيت معهم وناضلت في صفوفهم، وسكنت زنازينهم الضيقة ومعازلهم القاسية، وقضيت طويلاً في عنابرهم ومتنقلاً بين أقسامهم، فكانت سنوات اعتقالي صفحاتٌ ذهبية في سفر حياتي وسجل نضالي.

أشعر اليوم إلى جانب شعبي وأهلي وأمتي والأسرى أنفسهم، بالكثير من السعادة لانتصارهم، والفرح الكبير لانتهاء إضرابهم بعزةٍ وكرامةٍ، وبالنشوة والزهو بعد الصبر الطويل، وأشكر الله العلي القدير أنه وقف معهم وأيدهم في معركتهم، وكان سبحانه إلى جانبهم في معاناتهم، وأنزل عليهم سكينته ورحمته، وربما جنوداً لم نراها، ولولا فضل الله علينا ما تكللت جهودهم بالنجاح، ولا أثمر جوعهم نصراً، ولا صبر ضعيفهم ولا قاوم مريضهم، ولا خنع العدو لشروطهم قهراً، ولكن الله يَمُن علينا بنصره في شهره الفضيل، الذي اعتدنا عليه دوماً أنه شهر الانتصارات والفتوح، وشهر اليُمن والبركة والخير، به نستبشر وفيه نقاوم ونستبسل.

هنيئاً لمن شارك وساهم، وتعب وجهد، وعمل وسهر، وطوبى لمن قلق وحزن، وخاف وغضب، وثار وانتفض، فهذا أقل ما نقدمه بين يدي أبطالنا الأسرى، الذين نعتذر منهم في الوقت الذي نفخر بهم، ونرفع رؤوسنا عاليةً مباهاةً بهم، فهم الذين منحونا هذا النصر، وساقوا إلينا هذا الظفر، في هذا الأوقات العصيبة التي عزَّ فيها النصر، وضاقت الدنيا على قضيتنا، وتنمر العدو على شعبنا واستفرد بأهلنا، فالشكر لكم من عمق قلوبنا أيها الأسرى الأماجد والرجال الشجعان.

ورحمة الله على شهداء شعبنا الذين سقطوا في المظاهرات والمسيرات المؤيدة للأسرى والمساندة لهم، وللثائرين المنتفضين الذين حملوا سكاكينهم أو قادوا سياراتهم، وانطلقوا صوب جنود العدو ومستوطنيه يريدون الثأر لإخوانهم والانتقام لأسراهم.

أما المقصرون المهملون، المفرطون المتهاونون، والمتآمرون الساكتون، والصامتون العاجزون، واليائسون القانطون، فلن يرحمهم أحد، ولن يغفر التاريخ لهم، وسيأتي اليوم الذي تحاسبهم فيه أمتهم، ويثور عليهم شعبهم، فيعاقبهم على ما فعلوا، ويحاسبهم على ما قصروا.

يتقدم الأسرى والمعتقلون، صناع الانتصار وقادة المعركة، وأسرهم وذووهم، وشعبهم وأمتهم، لكل من كان له فضلٌ في إعلاء صوتهم، وعرض قضيتهم، وبيان معاناتهم، والتأكيد على حقوقهم، بالشكر والتقدير والعرفان، وهم في ظل انتصارهم الكبير، يتواضعون ولا يتكبرون، ولا يغمطون الآخرين جهودهم، ولا ينكرون فضلهم، ولا يقللون من حجم تضحياتهم، ولا يدعون أنهم انتصروا فقط بجهودهم، بل يعترفون بفضل الصغير والكبير، والقريب والبعيد، والفلسطيني والعربي، والمسلم والأممي، فكلهم كان له دورٌ يشكر عليه ويقدر.

بيروت في 28/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

 

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عملية القدس في ميزان الكسب والخسارة / بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

عملية القدس في ميزان الكسب والخسارة بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي Share This: