إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / انتفاضة الأسرى عنوان الوحدة وسبيل الوفاق – الحرية والكرامة ( 9 – 19 ) / بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

انتفاضة الأسرى عنوان الوحدة وسبيل الوفاق – الحرية والكرامة ( 9 – 19 ) / بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

انتفاضة الأسرى عنوان الوحدة وسبيل الوفاق

الحرية والكرامة “9”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الرابع عشر للإضراب ….

إيماناً بعدالة قضية الأسرى والمعتقلين، وإحساساً بمعاناتهم، وأملاً بحريتهم والإفراج عنهم، نجد أن قطاعات الشعب الفلسطيني المختلفة في الوطن المحتل والشتات، وجموعه المنظمة والعامة، وفصائله المتنافرة والمتنافسة، وقواه المنقسمة والمتخاصمة، وكتائبه العسكرية وتنظيماته السياسية، ومؤسساته الإعلامية وهيئاته الشعبية، تلتقي كلها اليوم على هذه القضية وتتحد، وتتناسى مشاكلها وتقفز على اختلافاتها وتتفق، وتنسق فيما بينها وتتعاون، وتتقاسم الأدوار وتتبادل، وتنوب عن بعضها وتتكامل، ذلك أن أسرانا البواسل في سجون العدو هم نقطة انطلاق وعلامة اتفاق ومحل وفاق، عليهم نلتقي وتحت ظلالهم نتحد، أياً كانت اتجاهاتنا السياسية وانتماءاتنا الحزبية.

وفي الوقت الذي يقف فيه أهلنا في النقب والجليل والمثلث وعموم فلسطين التاريخية، في حركةٍ تضامنيةٍ رائعة، والتفافٍ شعبيٍ عزَّ في غير هذه القضية نظيره، تلتقي فيها المساجد مع الكنائس، ويتداخل فيها الأذان مع أجراس الكنائس، بصوتٍ واحدٍ حرٍ واعدٍ صادقٍ، يؤيد الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية ويقف معهم وإلى جانبهم، وينادي بحقوقهم، ويستصرخ العالم الحر لينتصر لهم ويساندهم، ويتحدى سلطات الاحتلال التي تسجنهم وتجلدهم، وتعذبهم وتعاقبهم، يهب أهلنا في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، هبة رجلٍ واحدٍ ثائرٍ غاضبٍ ناقمٍ، لا يلوون على شئٍ غير حرية أسراهم وحقوق أبنائهم، فهم اليوم في سجون العدو يعذبون ويضطهدون، وهم الذين انبروا دفاعاً عن شعبهم، وثأراً لإخوانهم، وانتقاماً من عدوهم، نواباً عنهم ورواداً قبلهم، فاستحقوا بتضحياتهم من الشعب الوفاء، ومن الأمة التقدير والعرفان.

أما الأسرى والمعتقلون أنفسهم فقد كانوا رغم سجنهم واعتقالهم، سباقين إلى الوحدة، ورواداً في الاتفاق والوفاق، ورسموا لشعبهم المنقسم على ذاته والمتصارع مع نفسه، أروع الأمثلة في التلاحم والتنسيق والانسجام، ونسقوا فيما بينهم إضرابهم المفتوح عن الطعام فخرج قوياً متماسكاً، صاخباً مدوياً، منسجماً ومنسقاً، فلا تناقض بينهم ولا اختلاف، ولا أصوات معارضة ولا أخرى نشاز، بل شكلوا فريقاً واحداً وجسماً موحداً، فأعيوا العدو عن اختراقهم، وأعجزوه عن التأثير على بعضهم أو الوشاية والوقيعة بينهم.

وكأن الأسرى خلف القضبان، المحاصرين خلف الأسلاك الشائكة أو بين الجدران العالية، وداخل الزنانين الضيقة ذات الأبواب السميكة الصدئة، أعمق وعياً وأوسع فهماً، وأدرى بعدوهم وأعلم بمواجهته، فأرادوا أن يلقنوا شعبهم وقيادته درساً في أصول المواجهة وخوض المعارك، وفي إدارة الحروب وتحدي العدو، بأنه لا بد من الوحدة والاتفاق، والتنسيق والتكامل، فهذا هو سبيل النصر وطريق الفوز، وإلا فإن الاختلاف سيضعفنا، والانقسام سيشرذمنا، والتناقض سيهزمنا.

الأسرى الذين يخوضون الإضراب المفتوح عن الطعام وقد تجاوز عددهم في يومهم الرابع عشر الألف وستمائة أسيرٍ، ليسوا أبناء تنظيمٍ واحدٍ، أو ينتمون إلى حزبٍ أو فصيلٍ دون آخر، وإن كان يتقدمهم الأسيران مروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وأحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلا أنهم جميعاً يدٌ واحدةٌ وصفٌ واحدٌ، وإن كانوا لفيفاً من أبناء حركة فتح وهم الأكثرية، وإلى جانبهم أسرى حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية وغيرهم، في وشاحٍ وطنيٍ رائعٍ، وقلادةٍ منضودةٍ بأزهى الألوان، ترصع الحالة النضالية للحركة الوطنية الأسيرة وتزينها بثوبٍ وطنيٍ قشيبٍ جميلٍ، تغيظ العدو وتؤلمه.

وهم ليسوا نزلاء سجنٍ واحدٍ فقط، بل إنهم يمثلون السجون والمعتقلات الإسرائيلية كلها، بعيدها وقريبها، القاصي في النقب، والمعزول في نفحة، والقريب في عوفر، وهذا ما يغيظ السجان ويغضب سلطات الاحتلال، إذ أن شرارة الإضراب انتشرت وامتدت، وانتقلت من سجنٍ إلى آخر، حتى أصبح من الصعب عليهم تطويق الإضراب وحصاره، أو التحكم فيه وتسييره، وأسقط في أيديهم محاولاتهم عزل الأسرى المضربين وإقصاءهم، فعما قريب سيكون المضربون هم الأكثرية، وسيلتحق بهم كل الأسرى والمعتقلين، وسيسبقهم إليه المرضى والنساء، والأطفال وذوي الحالات الخاصة، فهذه معركةٌ لا يتخلى عنها أحد، ولا يغيب عنها قادر، ولا يتأخر عن خوضها مؤمنٌ بها ومعتقدٌ بأنها صانعة الكرامة وبوابة الحرية.

لا شئ يوحد الشعب الفلسطيني كالأسرى والمسرى، فعليهما يلتقي الشعب وتتظافر جهوده، ويتعاون أبناؤه، وتتحد فصائله، وتتكاثف جهوده، وتتركز أعماله، وفي سبيلهما يضحي الشعب وتهون دونهما الصعاب، وتتضاءل أمامهما التحديات، ويتسابق لاستنقاذهما الرجال والنساء، والشيوخ والصبيان، وينبري للدفاع عنهما الأب والأم، والأخ والأخت، والابن والابنة، والجار والقريب والنسيب، والغريب والنصير، والكل يهب إذا رفع شعارهما، ونودي من أجلهما، إذا أحدق الخطر بهما، أو حاول العدو المساس بهما والتآمر عليهما، ولا يبالي الفلسطينيون إذا سقط في معركة الدفاع عنهما شهداءٌ وجرحى، أو معتقلون وبالرصاص الحي مصابون، فهذه معركةٌ يرونها قدسية، طاهرة نقية، لا مراءاة فيها ولا مداهنة، عنوانها واضحٌ، وهدفها محددٌ، إنها لنصرة القدس وللدفاع عن جنود فلسطين والأقصى.

المعتقلون الفلسطينيون والعرب في السجون الإسرائيلية، والقدس ومسجدها الأقصى، هما عنوانان عظيمان وواجهتان شريفتان، ورايتان ناصعتان عاليتان تخفقان، إنهما أيقونتا الشعب الفلسطيني وقبلة الأمة العربية والإسلامية، بطهرهما يقسمون، وبقدسيتهما يفتخرون، وبنقائهما يعتزون، ومن أجلهما يضحون بكل غالٍ ونفيسٍ، وانتصاراً لهما يتظاهرون ويعتصمون، ويجتمعون ويحتفلون، ويهتفون ويغضبون، فلا نستغرب ما نراه اليوم من وحدة الأمة والتفافها حولهما، رغم الظلام البهيم، والفتن السود، والحروب العدمية المدمرة، إلا أن ما أحاق بالأمة العربية لم يشغل شعوبها وأبناءها عن نصرة الأسرى الفلسطينيين، وتخصيص أوقاتاً من أجلهم، يدافعون عنهم، ويبرزون قضيتهم، ويفضحون العدو الذي يستفرد بهما ويعتدي عليهما.

 

بيروت في 30/4/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

إضراب الأسرى والمعتقلين مشاهدٌ وصور

الحرية والكرامة “10”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اليوم الخامس عشر للإضراب ….

صورة إضراب الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين عن الطعام في مختلف السجون والمعتقلات الإسرائيلية ليست صورةً جامدة لا تتغير، وليست على حالٍ واحدةٍ لا تتبدل، وليست كئيبةً كما يُتَصورُ، ولا مملةً كما يتعمد العدو وصفها، والأسرى ليسوا حزنى ولا باكين، ولا هم منعزلين في زوايا غرفهم، ولا منفصلين عن الواقع حولهم، بل إن صورتهم تتميز بالحيوية الدائمة والحركة الدائبة والتطور المستمر، وتشهد في كل ساعةٍ أحداثاً جديدةً، تغير المشهد وتبدل الصورة، تعزز في قلوبهم الأمل وتقرب إليهم النصر.

المعتقلون خلايا نحلٍ نشطٍ يعملون في كل السجون والمعتقلات، يتبادلون الرسائل، ويتصلون بقياداتهم في الخارج، ينسقون معهم المواقف، ويخططون للمستقبل، ويصيغون البيانات المشتركة، ويعلنون السياسات العامة، ويوضحون مواقفهم مما يجري معهم وحولهم، وكأنهم في مركز عملياتٍ أو قيادة أركانٍ، إذ الكل منهمكٌ في عمله، ومشغولٌ في مهمته، يعملون بكدٍ ونشاطٍ وحيويةٍ وأملٍ، دونما استسلامٍ للأسوار المحيطة بهم، ولا للأبواب المغلقة عليهم، ولا للسجانين المتربصين بهم، ولا للعيون المفتوحة عليهم، ولا لوسائل التجسس المنصوبة حولهم، التي تصورهم وتسجل أصواتهم وترصد كل حركاتهم.

يخطئ من يظن أن بقية الأسرى والمعتقلين غير المنخرطين في الإضراب، يقفون متفرجين ولا يشاركون إخوانهم في معركتهم، ولا يقفون إلى جانبهم في مواجهتهم، بل إنهم على العكس من ذلك مسؤوليةً وانشغالاً، إذ يحملون المهام الصعاب، ويقومون بالتكاليف المجهدة، ويبادرون للقيام بكل صغيرةٍ وكبيرةٍ، كونهم أقدر على التحمل، وأصبر على الجهد، فتراهم ينوبون عن إخوانهم في كل ما يتعلق بمهام المعتقلين اليومية في غرفهم وزنازينهم، ويبادرون لإجراء الاتصالات وجمع المعلومات وتدوين الأحداث وصياغة المواقف، في محاولةٍ منهم للتخفيف عن الأسرى المضربين، وحمل بعض الأعباء الدورية نيابة عنهم، فضلاً عن أنهم يحرصون على عدم تناول الطعام أمامهم، ولو كانوا مرضى وفي حالٍ صحيةٍ تلزمهم بتناول الطعام.

هذه الصورة المفعمة بالحيوية والنشاط، والمليئة بالأمل واليقين، لا تقتصر مشاهدها المتجددة داخل أسوار السجون، وفي عتمة الزنازين وجوف الإكسات العميقة حيث العزل الإنفرادي والإقصاء المتعمد، رغم أنهم صناع الحدث، وأبطال الساحة ورجال الموقف، لكنها تتجاوز السجون إلى خارجها، وتخترق أسوارها إلى خارجه الذي يغلي كالمرجل ويمور كما البحار، وتجتاز حدودها الضيقة إلى العالم الرحب الفسيح، حيث تتردد أصداء إضرابهم في كل أنحاء الدنيا، ويسمع بهم من أراد العدو أن يبقيهم بعيداً عن جرائمه، وعمياً عن سوء أفعاله، فقد أجبر الأسرى بصمودهم وثباتهم وإصرارهم العالم كله على التضامن معهم أو الحديث عنهم، إذ نجحوا في فرض قضيتهم على كل نشرات الأخبار، التي باتت تفرد مساحاتٍ كبيرة من برامجها لتغطية تطورات قضيتهم، وتسليط الضوء على معاناتهم.

الصور والمشاهد الخارجية التي تواكب إضراب الأسرى والمعتقلين، ليست كلها واحدة أو متشابهة، بل هي مختلفةٌ ومتباينة، فهي في فلسطين وعموم الدول العربية والإسلامية مختلفة عن الصورة التي ترسمها حكومات دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فهي صورٌ بيضاء ناصعةٌ، وأخرى سوداء قاتمة، مؤيدة ومناصرة لهم، أو معارضة ومناوئة لتحركاتهم، الأولى يبديها الشعب الفلسطيني كله وترسمها الأمة العربية والإسلامية، والأخرى يحاول العدو فرضها وتضليل العالم بها، ويضغط على الدول والحكومات لتصديقها والقبول بها، ولكن الصورة الأولى أنضى وأنصع، وأبلغ وأصدق، بينما الثانية معتمةٌ مظلمةٌ فاسدةٌ مضللةٌ، يبدو فيها الظلم ويغيب عنها العدل، وتظهر عليها سمات الحقد والكراهية، والعنصرية والعدوانية.

فقد أعلن المئات من مناصري الشعب الفلسطيني ومن المناضلين الأمميين تضامنهم مع الأسرى والمعتقلين، وأيدوهم في إضرابهم المفتوح عن الطعام، وشرع الكثير منهم في الإضراب عن الطعام مثلهم، أو شرب الماء والملح تضامناً معهم، ومنهم المناضل اللبناني الشهير جورج عبد الله، المعتقل منذ قرابة العشرين عاماً في السجون الفرنسية، الذي أعلن إضراباً عن الطعام لمدة ثلاثة أيامٍ تضامناً مع الأسرى الفلسطينيين وذويهم، وغيره كثير من قدامى الأسرى والمحررين في الخارج، الذين انظم إليهم مئات الفنانين والسياسيين والإعلاميين والمثقفين، وعشرات النشطاء الدوليين في لجان كسر الحصار وغيرهم من المشاهير.

أما الشيخ رائد صلاح فقد ارتحل بكليته وحنجرته، ومن قبل بقلبه وعقله إلى بوابات السجون الإسرائيلية، التي كان فيها قبل أيامٍ قليلةٍ معتقلاً ومعزولاً، فوقف على بوابة سجن مجدو متضامناً مع إخوانه الأسرى خلف القضبان، ومخاطباً إياهم بشجاعةٍ ورباطة جأشٍ وقوة جنانٍ، أن الفجر آتٍ، وأن الصبح عما قريب سينبلج، وستعودون أحراراً رغم أنف العدو إلى بيوتكم حيث أسركم وأطفالكم.

في حين اعتصم تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات، وأعضاء مجالس الشعب والنواب، والصحفيون ورجال الإعلام، والنقابات العمالية ومؤسسات المجتمع المدني، الذين خصصوا جميعاً جزءاً كبيراً من أوقاتهم لاستعراض قضايا الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية وبيان معاناتهم وعرض مشاكلهم، وكان إلى جانبهم أبناء الأسرى وزوجاتهم وأمهاتهم، الذين شاركوهم الإضراب، واعتصموا تضامناً معهم وأملاً في الإفراج عنهم في خيامٍ كثيرٍ نصبت، ومقارٍ عديدةٍ فتحت لترفع صوتهم، وتسلط الضوء على قضيتهم.

مع بداية اليوم الخامس عشر تجاوز عدد الأسرى المشاركين في الإضراب عتبة ألـــ 1600 أسيراً، وما زالت سفينة الإضراب تمخر عباب التحديات والصعاب، تتحدى العدو وتقف في مواجهته، ولا تبالي بتهديده وعنجهيته، بل يزداد صبيحة كل يومٍ عددهم، وتتضاعف قوتهم، ويشتد تأثيرهم بإصرارٍ على تلبية طلباتهم، وضمان حقوقهم، وعدم القبول بأي سحبٍ أو تراجعٍ عما تم تحصيله سابقاً من الحقوق والامتيازات، فهذه المعركة الأليمة التي يخوضونها بأمعائهم، ويشقون طريقها بجوعهم، ليس لها من خاتمةٍ إلا النصر أو الشهادة.

بيروت في 1/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

عليقاتٌ إسرائيليةٌ على إضراب الأسرى والمعتقلين

الحرية والكرامة “11”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اليوم السادس عشر للإضراب….

باستهتارٍ شديدٍ ولا مبالاةٍ وقحةٍ، وقلة أدبٍ فجةٍ، وسوءُ خلقٍ أصيلٍ، وعدم مسؤوليةٍ عاقلةٍ، تتعاطى سلطات الاحتلال الإسرائيلي مع إضراب الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب في سجونها ومعتقلاتها، وتقابل معاناتهم بسخريةٍ شديدةٍ، وترد على مطالبهم بتهكمٍ مرٍ، وتلقي على مسامعهم كلماتٍ نابيةٍ، وتعلق على إضرابهم بردودٍ قاسيةٍ وغير مؤدبةٍ، وتتوعد قادة الإضراب فيهم بالعقاب وسوء المصير، وتقوم بعقابهم وعزلهم، وتصادر مقتنياتهم وأغراضهم، ولا تعير بقية الأسرى في ظروفهم الصعبة وواقعهم البئيس أي اهتمامٍ، بل تهددهم بالأسوأ، وتتوعدهم بالأخطر، ولا تبدي أسفها تجاه جوعهم، ولا ندمها على ما آلت إليه أوضاعهم، بل إنها تفرح لألمهم وتتمنى موتهم، ويدعو حاخاماتهم ورجال دينهم ربهم أن يعجل بموتهم، وأن ينهي حياتهم، وأن يخلص شعبه المختار من شرورهم.

ولعل وزير حربهم أفيغودور ليبرمان خير من يعبر عن هذه السياسة الرعناء، وأفضل من يبدي مشاعر الحقد والكراهية تجاه الفلسطينيين عموماً، فهو رجلٌ لا يخفي أفكاره، ولا يتردد في الإعلان عن مواقفه، التي اشتهر فيها بعدوانيته وعنصريته، وهو المعروف في الأوساط الإسرائيلية والدولية بفجاجته وصفاقته، وافتقاره إلى الحكمة والمسؤولية، وعدم تمتعه بأصول اللباقة واللياقة والدبلوماسية والأدب، فقد أبدى فرحه بإضراب الأسرى والمعتقلين وتمنى موتهم جميعاً، ودعا النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي إلى أن يضربوا مثلهم تضامناً معهم، وتمنى على الشيخ رائد صلاح أن يلحق بهم أيضاً، وكأنه يتمنى الموت لهم جميعاً.

واعتبر الوزير الإسرائيلي تساحي هنغبي، أن “الأسرى المضربين عن الطعام هم مجموعة من القتلة القساة المجرمين، ويحظر أن تستلم دولة إسرائيل لهؤلاء الوقحين”، ووصف مسؤولون رسميون إسرائيليون الأسرى الفلسطينيين بالإرهابيين، ودعوا حكومة كيانهم إلى عدم الاعتراف بشرعية احتجاجهم، بل طالبوا بإعدامهم وقتلهم، ورشهم بالغاز السام لضمان موتهم، أو فتح معسكرات إبادةٍ لهم للتخلص منهم.

أما المستوطنون فهم لا يختلفون عن أفيغودور ليبرمان تطرفاً وعنصريةً، وفجاجةً وقلة أدب، فقد أعلن كبارهم وصرح مسؤولوهم أنه لا علاقة لحكومتهم بهذا الإضراب ولا شأن لهم به، فالمعتقلون هم الذين قرروا بأنفسهم أن يموتوا جوعاً، وعلى الحكومة أن تلبي أمنيتهم، وأن تستجيب إلى رغبتهم، فلا تتدخل في قرارهم، ولا تدفعهم للتخلي عن إضرابهم، ولا تحرضهم لإنهاء احتجاجهم، ولا تحاول إدخال الطعام إليهم، فهم الذين أخرجوه من غرفهم عمداً، وامتنعوا عن تناوله قصداً، وحذروا حكومتهم من الخضوع لابتزازهم والاستجابة إلى مطالبهم ولو أدى الأمر إلى موتهم جميعاً.

لكن غيرهم من غلاة المستوطنين ودهاقنته المتطرفين، الذين يشبهون الشياطين في تفكيرهم، ولا يختلفون عن السفهاء في أفعالهم، فقد رأوا أن يغيظوا الأسرى والمعتقلين، وأن يستفزوا شهيتهم ويحركوا غريزتهم، فتداعوا من كل مكانٍ ليحيوا في محيط السجون والمعتقلات وحولها حفلاتِ شواءٍ صاخبة، حتى تصل رائحة شواء اللحم إلى الأسرى والمعتقلين، فتضعف عزيمتهم، وتؤثر في شهيتهم، وتوقع الخلافات بينهم، وتدفعهم للتفكير جدياً في كسر الإضراب والعودة إلى تناول الطعام.

وقد سمح جيش العدو وأجهزته الأمنية لهم بالاقتراب كثيراً من أسوار السجون، بينما يمنع أهالي المعتقلين والمتضامنين معهم من الاقتراب من السجون، والاعتصام أو التظاهر السلمي أمامها، حيث تطلق عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريقهم، أو تطلق الرصاص الحي عليهم، بينما تخصص فرقاً عسكرية لحماية المستوطنين والعمل على راحتهم، في الوقت الذي يقومون فيها باستفزاز المعتقلين وإلحاق الأذى بهم.

أما الكتاب والصحفيون والمراسلون الإعلاميون فإنهم يشككون في مطالب الأسرى والمعتقلين، وينفون عنها الصفة الإنسانية، ويدعون بأن أوضاعهم في السجون عادية، وأنهم لا يشكون من سوء معاملةٍ أو نقصٍ من حاجةٍ أو تقصيرٍ في عنايةٍ، وأنهم لا يتعرضون في سجونهم لشئٍ من التضييق أو الإهانة، ويتهمونهم بأنهم يطالبون بامتيازاتٍ سياسية، ويصفون إضرابهم عن الطعام بأنه سياسي، وأن له أهدافاً وغاياتٍ غير إنسانيةٍ، ولهذا فلا ينبغي التعاطف معهم أو الاستجابة إليهم، ويحاول الكتاب والإعلاميون التأثير على الرأي العام الإسرائيلي بوجوب إهمال المضربين عن الطعام حتى يعودوا بأنفسهم عنه ويتراجعوا عن المواصلة فيه، وإلا فإنهم سيبتزون مصلحة السجون، وسيتعودون على هذه الوسيلة.

أما سلطات الاحتلال الإسرائيلي العسكرية والأمنية فإنها لا تتوقف عن عمليات مداهمة التجمعات الفلسطينية، وفض الاعتصامات والاجتماعات، وتقويض الخيام وإزالة سرادقات التضامن، وتمنع أي محاولة شعبية للتضامن مع الأسرى والمعتقلين، وتجبر المواطنين على إزالة الصور وشطب الشعارات وإنزال الرايات، كما لا تتوقف عن عمليات الاعتقال والمداهمة، إذ لا تمضي ليلة واحدة دون قيام جيش الاحتلال ومخابراته العسكرية باعتقال العشرات من سكان القدس الشرقية والضفة الغربية، كما تعقد المحاكمات العسكرية، وتصدر بحق المعتقلين أحكاماً قاسية، وتحول أعداداً كبيرة منهم إلى الاعتقال الإداري، بينما تجدد لآخرين أحكامهم، في محاولاتٍ محمومةٍ منهم لوقف كرة الإضراب الآخذة في التدحرج والازدياد، وكأنها تقول للفلسطينيين أن إضراب أبنائكم عن الطعام سينقلب سوءاً عليهم، وسيعود بالضرر على الكثير منكم.

ينبغي على المجتمع الدولي وقادة العالم الحر أن يوقفوا سلطات الاحتلال عن غيها، وأن يضعوا حداً لاستهتارها، وأن يحملوها كامل المسؤولية عن حياة وصحة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجونها، وأن يدفعوها لتطبيق اتفاقيات جنيف والقوانين الدولية التي تحفظ حقوق الأسرى وتتعهد بحمايتهم، وإلا فإن المجتمع الدولي شريكٌ لسلطات الاحتلال الإسرائيلي في جريمته، ويتحمل كامل المسؤولية معه، ويرتكب جرماً كبيراً في الصمت عنه والسكوت عن سياسته.

 

بيروت في 2/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

ناقوس الخطر ونُذرُ الموت تدق أبواب المضربين

الحرية والكرامة “12”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اليوم السابع عشر للإضراب …

لعل استشهاد الأسير المحرر مازن المغربي في خيمة الاعتصام التي نصبها المتضامنون مع الأسرى المضربين عن الطعام في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، هو نذيرُ خطر وإشارة طوارئ، وعلامة افتراقٍ وانقلابٍ بأن مصير الأسرى المضربين عن الطعام بات في خطر، وأن مصير الكثير منهم قد لا يختلف كثيراً عن مصير مازن، وأن صحتهم الآخذة في التدهور، وأجسامهم الماضية في النحول، ومقاومتهم المهددة بالانهيار، توشك أن تضع حداً لمعاناتهم بالموت، وأن تنهي شكواهم بالصمت، وأنينهم إلى العدم، وأن تنقل مساكنهم من الزنازين إلى القبور، وتحولهم إلى أسماء نحفظها، ورموزٍ لا ننساها، في ظل الاستهتار الإسرائيلي واللا مبالاة الدولية، وعجز القوانين وتراخي المؤسسات الحقوقية والإنسانية.

فالشهيد مازن المغربي هو أحد ضحايا الإهمال والمعاملة القاسية في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، إذ كان معتقلاً لسنواتٍ وتحرر، ولكن بعد أن أنهكته الزنازين، ونالت منه الأدواء، وورثته أمراضاً مستعصية يصعب الشفاء منها بعد أن تأخر علاجه، وأهملت سلطات السجون رعايته، وقصرت في تشخيص حالته وتحديد مرضه، وبقي على حالته الصحية حتى أفرج عنه، ولكنه وهو بين أهله وفي ظل حريته ما نسي إخوانه الأسرى ولا تخلى عنهم، ولا جلس في بيته متفرجاً عليهم وغير مبالٍ بمعاناتهم، بل حمل همومهم وخرج، وتصدر للدفاع عنهم وانتفض، ونادى بحقوقهم واعتصم، ثم تضامن معهم وأضرب مثلهم عن الطعام، ولكن صحته خانته، وانتصر عليه مرضه فسقط شهيداً باسمهم، مدموغاً بقضيتهم، وموسوماً بنضالهم، ومؤرخاً بإضرابهم.

الخطر لا يكتنف الأسرى والمعتقلين المضربين عن الطعام في السجون الإسرائيلية فقط، وإنما يطال أسرهم وذويهم، وأصدقاءهم ومحبيهم والمتضامنين معهم، وقد باتت الأخبار تحمل إلينا كل يومٍ أنباءً غير سارةٍ وإن كانت متوقعة، كاستشهاد والداتِ أسرى أثناء إضرابهن عن الطعام تضامناً مع أولادهن المعتقلين، وقد تحمل الأيام القادمة أخباراً أخرى غير سارةٍ أيضاً عن متضامنين مسنين أو مرضى مزمنين قد يستشهدون، خاصةً أن من المتضامنين مع الأسرى إضراباً عن الطعام مثلهم من قد تجاوز الثمانين من عمره، مع ما يعنيه هذا السن المتقدم من وجود أمراضٍ كثيرةٍ، في ظل قدرة على المقاومة والممانعة محدودة، إلا أنهم يمتازون عن الشباب بعنادهم، وعن الأصحاء بصبرهم، ولديهم الرغبة في أن يكون لهم في هذه المعركة سهمٌ في المشاركة وشرف.

إنه اليوم السابع عشر للإضراب المفتوح عن الطعام، في ظل القمع والمداهمة، والضرب والركل والقيود القاسية، والنقل التعسفي والعزل الانفرادي، وفي مواجهة خراطيم الغاز الخانق والمسيل للدموع، وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة وبدايات أيام الشمس الحارقة، التي تحيل الزنازين وغرف المعتقلين إلى أفرانٍ لاهبةٍ تشتعل بحرارتها، وتلسع بلهيبها، نجد أن صحة المعتقلين تتدهور بسرعةٍ، وأوزانهم تنزل باضطرادٍ، وأجسامهم تذبل وتنحل باستمرار، مع ما يصاحب هذه الحالةِ من الهزال من مظاهر الارتخاء والكسل والميل إلى النوم والاستلقاء، والابتعاد عن الحركة والنشاط، مع حالاتٍ مؤذيةٍ من الدوخة وفقدان التوازن وزوغان العينيين وإحساسٍ بالضعف في البصر، وغيرها من المظاهر والأعراض التي يسببها الإضراب والامتناع طويلاً عن الطعام، حيث يفقد الجسم الكثير من مناعته وقدرته على البقاء والصمود أمام النقص الحاد في الغذاء.

لا شك أننا قد دخلنا مرحلةً خطرةً، وأننا على أبواب مفاجئاتٍ تترى، قد تربكنا وتضعفنا، وقد تحزننا وتؤلمنا، ولكنها ستربك العدو أكثر، وستجعله في موقفٍ أصعب منا، وإن كان هو السجان والجلاد، وحامل السوط وصاحب السلطة، إلا أنه الأضعف والأخوف، أما الأسرى والمعقلون فإنهم لا يملكون شيئاً يخافون عليه، وقد خرجوا في معركتهم لا يلوون على شئٍ غير كرامتهم وحقوقهم، ولهذا فإنهم لن يخسروا شيئاً لا يملكونه، فضلاً عن أنهم يعرفون أن هذه المعركة وإن كانوا يخوضونها بالأمعاء الخاوية والمعدات الفارغة، إلا أنهم يدركون أنها معركة أشد في وطيسها من الحروب الحقيقية، وأن فيها من الدماء والآلام أكثر مما تولده الأسلحة النارية عندما تنهال على الجسد وتفتك به، ولكنهم سيصبرون في هذه المعركة التي وطنوا أنفسهم عليها، بأنها معركة الكرامة، التي لا يرضون عن النصر فيها بديلاً.

إذا استمرت سلطات الاحتلال في تعنتها، وأصرت على إهمالها وتطنيشها، ورفضت الاستجابة إلى مطالب الأسرى وحقوقهم، ولم تصغِ لأصواتهم، ولم تخضع لأي ضغوطٍ عربيةٍ أو دوليةٍ، ولم تتراجع عن مواقفها التي تعلن عنها باستمرار، فإن الأسرى والمعتقلين سيقابلونهم بعنادٍ أكثر، وتصميمٍ أشد، وهو ما يعني إطالة أمد الإضراب، وزيادة معاناة الأسرى، وارتفاع نسبة تعرضهم إلى أخطارٍ حقيقية تمس حياتهم، وتعرض سلامة أجهزتهم الداخلية للضرر، وتوقف أنشطتهم الحيوية عن العمل، علماً أن سلطات مصلحة السجون تحاول أن تصادر الملح الموجود في غرف الأسرى والمعتقلين، وهو المادة الوحيدة التي يتناولها المضربون ولا تفسد إضرابهم، والذي من شأنه منع عفونة الأمعاء، والحفاظ على توازن الجسم وثبات نسبة الأملاح فيه.

إننا في فلسطين المحتلة في مواجهة عدوٍ عاتي ظالمٍ، مجرمٍ باغي، متغطرسٍ مغرورٍ، ماكرٍ خبيثٍ، كاذبٍ محتالٍ، لا يتردد في حربنا، ولا يتمنى غير موتنا، ولا يتطلع لغير هزيمتنا، ولا يأبه بحياتنا، ولا يقلق على مصيرنا، ولا يهتم لأحوالنا، ولا يهتز له جفنٌ إن مادت الأرض بنا أو اشتعلت النار من حولنا، ما يعني أنه ينبغي علينا أن نواجهه بالقوة، وأن نتحداه بالإرادة، وأن نقاتله بالرجاء من الله واليقين بنصره وقريب فرجه، وألا نبتئس إن أصابنا مكروهٌ أو نزلت بنا مصيبة، فإنها حربٌ بيننا وبين عدونا، ومعركةٌ سجالٌ معه، ينتصر فيها الصابرون، ويفوز بها الصادقون، وهنيئاً لشعبٍ فيه هؤلاء الرجال، وعنده مثل هؤلاء الأبطال، الذين يمزقون بأمعائهم السكين، ويطحنون بمعداتهم البارود، ويسحقون بصبرهم البغي، فقد حق لمثلهم أن ينتصروا، ولشعبهم أن يرفع الرأس بهم ويفاخر بالانتساب إليهم.

بيروت في 3/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

أوهلي كيدار منفى الأسرى ومستودع الثوار

الحرية والكرامة “13”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اليوم التاسع عشر للإضراب …

يتهيأ الأسرى المضربون عن الطعام في مختلف السجون والمعتقلات الإسرائيلية للانتقال سريعاً إلى سجن أوهلي كيدار في مدينة بئر السبع، وكأنهم على موعدٍ مسبقٍ معه، بعد أن قررت سلطات السجون الإسرائيلية نقل جميع الأسرى المضربين إليه، وعزلهم عن بقية الأسرى والمعتقلين، وحشرهم جميعاً في سجنٍ واحدٍ مجهزٍ ومعدٍ سلفاً لحالتهم، لئلا ينقلوا عدواهم إلى غيرهم فيصبحوا بين عشيةٍ وضحاها مثلهم، وحتى لا يكون لوجودهم أي تأثيرٍ على بقية الأسرى والمعتقلين، مخافة أن يكبر الإضراب ويتسع، وأن يمتد وينتشر، فتصعب السيطرة عليه والتحكم في قيادته، لهذا كان قرار مصلحة السجون بالتعجيل بنقل كل من يعلن إضرابه، وينخرط في المعركة الاحتجاجية المفتوحة على مصراعيها.

لكن ما هو سجن أوهلي كيدار الذي تعتقد سلطات الاحتلال أنه سيكون مقبرةً للمعتقلين، ونهايةً للإضراب، وخاتمةً سيئةً للمعركة المفتوحة التي أعلنها الأسرى والمعتقلون، ولماذا هو دون غيره من السجون والمعتقلات الكبيرة والبعيدة، والنائية والصحراوية، وهل تظن سلطات السجون أنها سترتاح فيه وستهنأ، وأنها ستطمئن إلى إجراءاتها وستسكن، ولن تشكو فيه من انفلات الأمور من بين أيديها، ولا من اتساع الخرق عليها، وأن الأمور فيه كلها ستخضع لإدارتها، وأنها فعلاً كانت صائبةً عندما خصصت هذا السجن للمارقين من الأسرى، والمكابرين من المعتقلين، ممن لا ينفع معهم التهديد ولا يجدي فيهم العقاب.

هل يجهل الأسرى والمعتقلون سجن أوهلي كيدار ولا يعرفونه من قبل، ولم يسبق لهم أن نزلوا فيه، وأن أحداً من الأسرى لم يكتب عنه وصفاً ولم يتحدث عما فيه فصلاً، أم أنهم يخافونه ويخشونه، ولا يتمنون نزوله أو الإقامة فيه، ويرونه فعلاً مقبرةً أو منفى، أو باستيلاً محصناً يصعب اختراقه أو العمل من خلاله، أو التنسيق منه مع بقية السجون والمعتقلات، فهو قديمٌ في رهبته، وحديثٌ في بنيته، وشديدٌ في حراسته، وقاسٍ في إدارته، فتراهم ينأون عنه ويبتعدون، ويستعيذون بالله من شره ويسألونه البعد عنه والنجاة منه.

معتقل أوهلي كيدار سجنٌ قديم أفتتح في العام 1970، ويقع في منطقةٍ صحراوية على بعد خمسة كيلومترات جنوبي مدينة بئر السبع على  الطريق إلى مدينة إيلات “أم الرشراش”، وهو محاطٌ بجدارٍ شائكٍ عالٍ وأبراجٍ عالية للمراقبة، ويقع بعيداً عن المناطق السكنية، وكان يعتبر جزءاً من سجن بئر السبع المركزي، قبل أن يتحول إلى سجنٍ مستقلٍ.

أعد سجن أوهلي كيدار ليكون للمعتقلين الأمنيين الفلسطينيين والعرب، والمدنيين الجنائيين الفلسطينيين والإسرائيليين على السواء، وهو عبارة عن مبنى من ثلاثة طوابق، كل طابق يشكل قسماً مستقلاً، ويضم كل قسم صنفاً من المعتقلين دون خلطٍ بينهم، ويتسع كل قسم في ظل الظروف العادية لقرابة 160 أسيراً، ولكن إدارته قد تزج فيه بأعدادٍ أكبر بقصد العقاب والتأديب.

وفيه أقسامٌ فرعية مخصصة للسجناء والمعتقلين ذوي المميزات الخاصة، مثل قسم المدمنين على المخدراتللمحكومين الجنائيين، وقسم غير المدمنين المخدرات للسجناء المدنيين الذين ينتظرون المحاكمة والعرض على القضاء، وقسم لليهود المتدينين، وآخر للجنائيين المحكومين، واشتهر عن هذا السجن لفترةٍ طويلة أنه سجن توقيفٍ للمعتقلين الأمنيين، حيث يحتجزون فيه على ذمة المحكمة، ثم ينقلون بعد صدور الأحكام بحقهم إلى سجونٍ ومعتقلاتٍ أخرى.

وتمتاز غرف سجن أوهلي كيدار بأنها غرفٌ ضيقة المساحة، وقليلة التهوية، وفي الظروف العادية لا يسمح للمعتقلين فيها بفتح النوافذ في فترة الصباح، حيث من الممكن أن يكون الهواء نقياً ومنعشاً أحياناً، فضلاً عن أن أشعة الشمس قد تكون ساطعة، فتبعث الدفء والحيوية في الغرف المغلقة، كما تتعمد إدارة السجن أن تعاقب الأسرى الأمنيين بحرمانهم من “الفورة”، وهي الفرصة الوحيدة المتاحة لهم للترويح عن أنفسهم، والالتقاء ببعضهم، وتحريك أجسامهم، وممارسة رياضة المشي وبعض التمارين الرياضية البسيطة.

وتتعامل مصلحة السجون مع السجن أحياناً على أنه مستشفى، حيث يتم نقل الحالات المرضية من مختلف السجون إليه، في الوقت الذي لا تقوم فيه بتقديم العلاج اللازم للأسرى المرضى، ولا يوجد فيه أطباءٌ مختصون، ولا تجهيزات طبية كافية أو مناسبة، إنه أبعد ما يكون وصفاً عن المستشفى، بل إن عيادته الخاصة لا تقدم للمرضى أكثر من علاجات عامة ومسكناتٍ متشابهة لكل الأمراض، ولولا وجود بعض السجناء المدنيين الإسرائيليين لما جعلت فيه إدارة السجن قسماً خاصاً للعلاج، ولكن يبدو أن وجودهم في السجن إلى جانب بعض المتدينين اليهود، قد أجبر الإدارة على تعيين بعض الأطباء والممرضين العسكريين للمتابعة والعلاج.

يعرف عن إدارة سجن أوهلي كيدار أنها متشددة وقاسية، ودقيقة ومنظمة، وأنها لا تتسامح مع الأخطاء، ولا تتجاوز عن المخالفات، وأنها تعتمد نظام العقوبات الجماعية في حال وقوع أخطاء فردية، وتلجأ إلى ممارسة العزل القاسي ضد بعض الأسرى، خاصة أولئك الذين يتم ترحيلهم إليه، إذ أنها تفهم أن ترحيلهم إليها يعني المباشرة في عقابهم والتضييق عليهم.

فهل ستتمكن إدارة سجن أوهلي كيدار من فرض هيبتها على الأسرى المضربين على الطعام، وستجعل منهم درساً وعبرةً وأمثولةً وحكايةً، وهل ستثبت أن سوطها يخيف، وزنزانتها تردع، ورتب ضباطها ترعب، وقوانينها لا تخترق، وستتمكن بتاريخها الأسود وسجلها الدموي من إخافتهم وترويعهم، ودفعهم لكسر إضرابهم والتخلي عن طلباتهم والعودة إلى حياتهم الطبيعية التي كانوا عليها في السجون والمعتقلات، أم أن الأسرى المضربين والمرحلين إليه سيثبتون أنهم أقوى من الجلاد، وأصلب من جدران الزنازين، وأمضى في مواقفهم مما أعدته سلطات الاحتلال لهم، وسينتصرون بمعداتهم حلى حد السيف، وبأمعائهم على سوط الجلاد.

 

بيروت في 5/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

الأسرى والمعتقلون مطالبٌ أساسيةٌ وحاجاتٌ إنسانيةٌ

الحرية والكرامة “14”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اليوم العشرون للإضراب …

ليس لإضراب الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية أية أهدافٍ أو غاياتٍ سياسية، فهم لا يفاوضون العدو على وطنهم، ولا يساومونه على حريتهم، ولا يتوقعون منه خيراً لصالحهم، ولا حريةً يمن بها عليهم، ويترفعون بأنفسهم أن يستخدمهم جسراً للوصول إلى أهدافه وتحقيق أغراضه، أو أن يستغلهم لتحسين صورته وتزيين سياسته، بل إنهم على العكس من ذلك، إذ يصبرون على الاضطهاد والتعذيب، والتضييق عليهم والمعاملة القاسية ضدهم، ولا يقبلون أن يستخدمهم العدو أداةً للضغط بها على المقاومة، أو التأثير على قرارها وجرها إلى ما يريد من مواقف وسياسات، إذ أنهم يعتبرون أنفسهم في السجون والمعتقلات جبهات مقاومة، وميادين قتالٍ متقدمة، ولا يقلون عن الأحرار غيرةً وفعلاً، ولا يترددون عن المواجهة قولاً وعملاً.

لا يتطلع الأسرى والمعتقلون في إضرابهم المفتوح عن الطعام لتحقيق أهدافٍ سياسيةٍ محددةٍ، أو الضغط على جهاتٍ فلسطينيةٍ متنفذةٍ، أو التأثير عليها وتشويه صورتها وتحريض الشعب عليها، لتتبنى مطالبهم وتدافع عنهم، أو تضغط للإفراج عن بعضهم، وتذليل العقبات أمامهم، ليكون لهم في المستقبل دورٌ وفي القيادة حضورٌ ومشاركة، فالإضراب عامٌ وشامل، وتشترك فيه جميع القوى والتنظيمات، وهو موجهٌ ضد العدو السجان، وسلطات الاحتلال الحاكمة، فلا احتجاج إلا عليه، ولا ثورة إلا في وجهه، ولا عصيان إلا لأمره، ولا تحدي إلا لسياساته، ولا نية في كسر أو هزيمة غيره.

كما لا يتطلع الأسرى أن ينالوا بإضرابهم المفتوح عن الطعام حريتهم، أو أن يفرج العدو عنهم، أو أن يخفف الأحكام الصادرة ضدهم، أو أن يتوقف عن اعتقالهم والزج بهم مجدداً في سجونه ومعتقلاته، فهم يعرفون أن الإضراب عن الطعام ليس بوابةً للحرية، التي يمكن الولوج إليها عنوةً بالتبادل أو من خلال الاتفاقيات السياسية، وهو ليس الطريق المناسب لمنع سلطات الاحتلال من اعتقال شبابهم وإنزال أقسى العقوبات بهم، إذ أن الاعتقال سيبقى ما بقي الاحتلال، وستبقى السجون مفتوحة للمقاومين والأبطال، لكن المقاومة ستستمر حتى تدحر الاحتلال، ولن تتوقف ما لم يستعد الشعب حقوقه في أرضه ووطنه، فهي السبيل الوحيد الذي يؤمن بها الشعب والأسرى طريقاً لحريتهم، وبوابةً للإفراج عنهم.

إن ما يتطلع إليه الأسرى والمعتقلون أبسط بكثيرٍ مما يتوقعه العالم، وأقل بكثيرٍ مما نصت عليه العهود والمواثيق الدولية، فهم يصرون على إنهاء سياسة العزل الانفرادي، وإعادة الأسرى المعزولين إلى العيش في الغرف والأقسام جنباً إلى جنبٍ مع إخوانهم رفاقهم، والامتناع عن إصدار أوامر اعتقالٍ إداريةٍ أو تجديدها، والتوقف عن سياسة الإهمال الطبي المتبعة منذ سنوات، والتي أدت إلى تفاقم أمراض الكثير من الأسرى، وتعرضهم لأمراضٍ أخطر بسبب تأخر العلاج أو الإهمال في الرعاية والمتابعة، ولهذا فإنهم يطالبون بإدخالِ الأدوية الضرورية والمناسبة، والمعدات والأجهزة الطبية اللازمة، وضرورة وجود أطباء مختصين بصورةٍ دائمةٍ أو دوريةٍ، على أن يتم عرض المرضى على أطباءٍ مختصين من غير التابعين لإدارة السجون.

ويطالبون باحترام إنسانيتهم والتوقف عن تعريضهم للتعذيب والإهانة والإذلال أثناء نقلهم من سجنٍ إلى آخر، أو في طريقهم إلى المحكمة أو المستشفى، وتحسين شروط الزيارة والسماح لهم بمعانقة أطفالهم ومصافحة ذويهم أثناء الزيارة، التي يطالبون أن تكون مدتها أطول، وأن تكون مرتين في الشهر ودون حاجزٍ زجاجي أو شبك معدني، وأن يسمحوا بزيادة عدد الزائرين دون قيودٍ عمرية أو جنسية، وأن يوسعوا الإطار ليشمل الأهل والأقارب من غير الدرجة الأولى فقط، وأن يسهلوا وصول الزائرين إليهم، وأن يوفروا لهم الخدمات الأساسية.

ومن مطالبهم التي توفرها كل السجون والمعتقلات في غير الكيان الصهيوني، تجهيز هواتف عمومية وتخصيص أوقات محددة ودورية لجميع الأسرى لإجراء مكالماتٍ عائلية، وتسهيل إدخال الكتب العامة، والسماح لهم بالتقدم لامتحانات الثانوية “التوجيهي” والانتساب إلى الجامعة العبرية المفتوحة، وزيادة عدد المحطات التلفزيونية المتاحة، وعدم التقيد بمحطاتٍ تقررها الإدارة وحدها وتدرجها بنفسها.

استعظمت سلطات السجون والمعتقلات مطالب الأسرى والمعتقلين وغضت الطرف عنها، ولم تصغِ لأيٍ منها، رغم أنها حقوقهم المشروعة وقد كانت لهم من قبل، إلا أنها رفضتها بقوةٍ وردت على الأسرى بشن حربٍ مضادةٍ، وفتح معارك جانبية ومباشرة، للحد من ثورتهم ومواجهة عصيانهم، وإبطال احتجاجهم، وإحباط الجماهير المتضامنة معهم، ودفعهم لليأس والقنوط، وعدم مواصلة الضغط والجهود، كون مساعيهم لا تأتي بخير، واحتجاجاتهم لا تؤدي إلى تحقيق ما يريدون، وهي تعتقد أنها بسياساتها العنيفة ستفسد إضرابهم، وستبطل انتفاضتهم، وستقضي على أحلامهم ولن تحقق لهم مطالبهم.

وأقدمت على سلسلة من الإجراءات القمعية والممارسات العنيفة، ظناً منها أنها ستنجح في إجهاض حركتهم وكسر أو تعليق إضرابهم، ومنها عزل الأسرى المضربين في زنازين انفرادية، أو نقلهم إلى سجون ومتعقلاتٍ متباعدة، بحيث تضمن تفريق جمعهم، وتمزيق وحدتهم، وإضعاف صوتهم، ومنعهم من التنسيق والتنظيم، ونقل الإضراب وتعميم مفاهيمه، والحيلولة دون تأثيرهم على الخارج، أو تحريضهم للشعب والجمهور، الذي نشط في حركته، وتفاعل في حملته، ووسع إطار تضامنه شرقاً وغرباً، وأصر على مواصلة فعالياته حتى يستجيب العدو لطلبات الأسرى والمعتقلين المحقة.

مطالب الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية عادلة ومحقة، وهي ليست مهولة أو مستحيلة، كما أنها ليست كماليات أو ترف، إنها حقوقٌ أساسية وحاجاتٌ ضروريةٌ قد كانت لهم يوماً حقاً، وقد استمتعوا بها حيناً، إلا أن مصلحة السجون انتزعتها منهم خبثاً، وحرمتهم مما كان لهم حقداً، وجردتهم مما حققوه في سنواتهم الماضية غصباً، واستبدلتهم بها تعذيباً وتضييقاً، وهم لا يتوقعون من سجانهم أن يرحمهم أو أن يرأف بهم، ولا يريدون منه أن يكون معهم رفيقاً ورقيقاً، أو لطيفاً وحنوناً، فهم يدركون أنه عدوهم، الذي اغتصب حقهم واحتل أرضهم وقتل شعبهم، لكنهم يطالبونه بحقوقهم كأسرى، وامتيازاتهم كمعتقلين لدى سلطاتٍ عسكريةٍ احتلت أرضهم، ويطالبونه بالالتزام بالاتفاقيات الدولية وشرائع حقوق الإنسان المختلفة، وإلا فإن عليه أن يتوقع المزيد وأن ينتظر الأسوأ.

بيروت في 6/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

الزوندة لقتل الأسرى والمعتقلين وإفشال إضرابهم

الحرية والكرامة “15”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الحادي والعشرون للإضراب …

لم تصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي مع إضراب الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجونها الذي دخل يومه الحادي والعشرين إلى مرحلة التغذية القسرية، والتي هي خيارها الأخير ووسيلتها الأقوى والأخطر، إلا أنها بدأت الاستعداد العملية لهذه المرحلة، ليقينها أن الإضرابَ مستمر، وأن إرادة الأسرى ماضية وعزمهم شديد ونيتهم معقودة، والمفاوضات معهم معدومة، فلا تراجع عندهم عن الإضراب حتى تستجيب إدارة السجون لمطالبهم، وتحقق شروطهم التي ينادون بها، ولأن إدارة السجون تعرف أن صحة المضربين باتت في خطرٍ، وأن مظاهر الإعياء الشديد بدأت تظهر عليهم، وقد تحدث لهم مضاعفاتٌ أخرى خطيرة، في ظل الدوخة وزوغان البصر والقيئ والنقص الحاد في الوزن، فقد بدأت التهديد باللجوء إلى التغذية القسرية.

وقد بدأت فعلاً في مخاطبة وزارة الصحة لتأمين أطباء مختصين يشرفون على تغذية الأسرى والمعتقلين المضربين عن الطعان قسرياً، كما شرعت في مراسلة واستدراج عددٍ من الأطباء الدوليين لمشاركتهم في هذه المهمة، ولضمان إشرافهم عليها ومراقبتهم لها، لعلمهم أنها عملية خطيرة وأسلوب غير مشروع، وأنها تتناقض من مبادئ حقوق الإنسان، وتنتهك كرامة الأسرى والمعتقلين، رغم أن قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية قد أجازوا اللجوء إليها، وسمحوا للسلطات المعنية بممارستها مع الأسرى عنوةً وكرهاً، رغم معرفتهم الأكيدة أنها قد تلحق بهم ضرراً، وقد تسبب الوفاة لبعضهم، وقد سبق أن استشهد عددٌ من الأسرى في إضراباتٍ سابقةٍ أثناء تغذيتهم قسرياً.  

قد تركب مصلحة السجون الإسرائيلية في الأيام القليلة القادمة الصعب، وتعمد إلى حرق آخر أوراقها القمعية، وتلجأ إلى تغذية المضربين قسراً عبر الأنبوب، وهي التغذية التي يطلق عليها المعتقلون اسم “الزوندة”، والتي تتم بواسطة أنبوب التغذية الصناعية المطاطي، الذي يستخدم في إدخال الغذاء السائل من حليب أو غيره إلى المعدة مباشرة ودون المرور بالفم، وذلك للحفاظ على حياة الأسرى والمعتقلين، ووقف حالة التدهور الصحية المتردية بسرعة، حيث تقوم إدارة السجون بإخضاع الأسرى الذين ترى أن حالتهم الصحية قد وصلت إلى مراحل سيئةٍ، ولم يعد بإمكانهم مواصلة الحياة دون غذاء، فتغذيهم بالقوة بواسطة الأنبوب المطاطي، إلا أن إدارة السجون تهدف أيضاً إلى جانب الحفاظ على حياتهم إلى إضعاف الروح المعنوية لدى الأسرى المضربين، وكسر إرادتهم، وإجبارهم على تعليق الإضراب، إذ توهمهم أنهم قد كسروا الإضراب فعلاً ولو من باب التغذية القسرية، وأنها لا تعد تعترف بإضرابهم بعد جلسات الزوندة.

يرفض الأسرى والمعتقلون عادةً اللجوء أو القبول بالزوندة خشية ضياع أو فقدان ما تمكنوا من إنجازه وتحقيقه خلال فترة الإضراب، علماً أن التغذية بهذه الطريقة لا تكسر الإضراب، ولا تعتبر إطعاماً بقدر ما هي تغذية مباشرة، فهي طريقة تعافها النفس ولا تقبل بها، فضلاً عن أنها مؤذية، وليس فيها شيء من المتعة أو الشهوة، وقد تؤدي إلى الإقياء، وعلى الرغم من أن الأسرى يعتقدون أنها آلية لا تفسد الإضراب ولا تكسره، إلا أن الكثير من المضربين يرفضون الانصياع إلى هذا الخيار، ويشعرون بأنه يخالف قواعد إضرابهم، لكن السلطات الإسرائيلية ترغمهم عليه قسراً، الأمر الذي يسبب ويلحق أضراراً صحية خطرة قد تهدد حياة المعتقلين، علماً أن هذه العملية قد أدت سابقاً إلى استشهاد عددٍ من المعتقلين.

تلجأ إدارة السجون الإسرائيلية إلى استخدام هذا الأسلوب بعد أن مضي أسابيع على إضراب المعتقلين، إلا أن هذا الأسلوب في التغذية يشكل خطورة كبيرة على حياة المعتقلين، واحتمال دخول الغذاء في مجرى التنفس، وهو ما يحذر منه الأطباء في العادة في ظل الظروف العادية، خاصةً أن الذين يقومون بعملية التغذية القسرية ممرضون عديمو الخبرة، أو أطباء لا تجربة عندهم، وأحياناً يشاركهم الجنود والحراس في تنفيذها.

تعتبر عملية التغذية القسرية للأسرى والمعتقلين غاية في الخطورة، كون الممرض أو الطبيب الذي يشرف على إدخال الأنبوب في معدة المعتقل، يتعامل بحقدٍ وكرهٍ، ويقوم بدوره بقسوةٍ وعنفٍ، ويتجاهل معاني الإنسانية والرحمة والأمانة في مهمته، ويتعمد عندما يخرج الأنبوب من جوف الأسير جرح المعدة وإيذاء الأسير، خاصة أن العملية تتم بينما الأسير يقاوم ويرفض لأنه مصر على الإضراب، وقد تسبب هذا الأمر في استشهاد عددٍ من الأسرى نتيجة دخول الغذاء في مجرى التنفس، الأمر الذي أدى إلى اختناقهم واستشهادهم، وقد أصبح هؤلاء الشهداء رموزاً للحركة الوطنية الأسيرة، يذكرون دوماً عند كل إضرابٍ يخوضه المعتقلون.

تنفذ سلطات الاحتلال التغذية القسرية بطريقةٍ مؤذيةٍ للجسد ومهينة للنفس، حيث يجلبون الأسرى من زنازينهم تباعاً، وتوضع كؤوس ماء وملح ولبن ورز بحليب أمامهم، ويُضربون ويعذبون ويركلون بالبساطير على الوجه والرأس والمناطق الحساسة لدفعهم للطعام، وبعد فشل ذلك وهو ما يحدث غالباً، يقوم السجانون بإدخال بربيش “الزوندة” في “فتحتي أنف المعتقلين، حتى يسيل الدم منهما، ويصبون فيه المواد الغذائية، وبعد ذلك يسحبون البربيش مع ما يصاحب ذلك من أذى وجرحٍ ونزفٍ، وأحياناً يتسرب الغذاء إلى الرئتين، فيدخل الأسير في نوبةٍ شديدةٍ من السعال وحالةٍ من الاختناق، مما يؤدي إلى استشهاد بعضهم. 

تعلم سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي شرعت التغذية القسرية أنها تخالف القانون الدولي، وتعتدي على حرمة الأسير الفلسطيني، وترغمه على أشياء تتنافى مع الأخلاق الطبية وتتعارض مع شرائع حقوق الإنسان الدولية، إلا أن محاكمهم التي تحكم على الفلسطينيين بعشرات المؤبدات ومئات السنين، لا تتورع عن إجازة التغذية القسرية التي هي في حقيقتها عذاباً وليست تغذية، وتقود إلى الموت ولا تعين على الحياة.

بيروت في 7/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

إضراب الأسرى مسؤولية دولية ورقابة أممية

الحرية والكرامة “16”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الثاني والعشرون للإضراب ….

لا تتحمل سلطات الاحتلال الإسرائيلي وحدها المسؤولية القانونية عن حقوق الأسرى والمعتقلين المضربين عن الطعام في سجونها ومعتقلاتها، وإن كانت تتحمل بصفتها دولة الاحتلال المسؤولية الأكبر، وهو ما نصت عليه اتفاقيات جنيف المتعلقة بالشعوب الخاضعة للاحتلال، ولكنها تضرب عرض الحائط بكل القوانين والأعراف، وتتنكر لكل القيم والشرائع، ولا تعترف إلا بما تنص عليه وتقره مؤسساتها، ولا تلتزم إلا بما ترى أنه يخدم مصالحها، ويصب في أهدافها، ويحقق الأمن لكيانها ومستوطنيها.

وتتحمل المؤسسات الدولية والحقوقية وفي المقدمة منها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المسؤولية الكبرى عن قضايا الأسرى والمعتقلين، فهي المسؤولة أخلاقياً عنهم، والمعنية بإثارة شؤونهم ودراسة همومهم وحل مشاكلهم والاطلاع على ظروفهم، والضغط على سلطات الاحتلال للاستجابة إلى شروطهم وتلبية مطالبهم وضمان وصيانة حقوقهم، والتعهد بتحسين شروط اعتقالهم، وعدم المساس بحياتهم وصحتهم وكرامتهم، فهي الوحيدة القادرة على زيارتهم واللقاء بهم والاستماع إلى شكواهم، والتعرف على معاناتهم، فلتقم بالدور الملقى على عاتقها، ولتؤدِ الأمانة الإنسانية التي تعهدت بها، ولا تكتفي بنقل الرسائل من الأسرى إلى ذويهم والعكس، ولا تخضع تقاريرها للعدو ولا تستجيب إلى تعليماته، ولا تقبل منه إملاءاته، ولتكن أمينةً في مهمتها، وجادةً في وظيفتها، ومهنيةً في تقاريرها.

إلا أن المجتمع الدولي يشاطرها المسؤولية، ويتحمل معها وزر ما آلت إليه أوضاع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجونها المخالفة للقوانين، التي ربما ساهم في إنشائها، وقدم المساعدات لتأمينها، ولهذا ينبغي أن يحاسب على تقصيره، وأن يسأل عن إهماله، وأن يعرف حجم الجريمة التي يشارك فيها، فهو قد صمت طويلاً عن الانتهاكات الإسرائيلية لهم، ووقف يتفرج على سلطات الاحتلال وهي تقمعهم وتصادر حقوقهم وتضيق عليهم، وكان بإمكان دوله وحكوماته وما زالت أن تضغط عليهم أو أن تعاقبهم، وأن تطلب منهم وتصر عليهم، إلا أنها تقبل بالمبررات الإسرائيلية، وتسكت عن خروقاتها اليومية.

وهي تسكت عن المظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها بلادهم تنديداً بالممارسات الإسرائيلية، وتعرف لماذا يخرج مواطنوهم إلى الشوارع ويعتصمون في الميادين، وما الشعارات التي يرفعون والمطالب التي يريدون، في الوقت الذي ترصد فيه وتراقب صفحات التواصل الاجتماعي وما يتداوله مواطنوهم واللاجئون إليهم، وما ينشرونه من صورٍ يومية وتعليقاتٍ قاسيةٍ ومعبرة عن أوضاع الأسرى ومعاناتهم في السجون والمعتقلات الإسرائيلية.

وإضافةً إلى ذلك فإنها تغض الطرف عن تقارير لجان حقوق الإنسان، وتقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي يعترف بها المجتمع الدولي كله، ويدعو لتسهيل عملها والاهتمام بتوصياتها والعمل باقتراحاتها، إذ أن أغلب العاملين فيها هم من مواطنيها، كما أنها تسكت عن تقارير لجانها الوطنية ومؤسساتها الحقوقية التي تشهد على حجم الاعتداءات الإسرائيلية السادية على الأسرى وأسرهم وذويهم، والانتهاكات الجسيمة التي تقترفها بحقهم يومياً، أفلا يكون المجتمع الدولي بعد ذلك شريكاً في هذه الجرائم النكراء، أم يظن أنه نفسه بريءٌ من هذه التهمة وغير مسؤولٍ أخلاقياً وقانونياً عنها.

تدرك دول العالم وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية أن الكيان الصهيوني في حاجةٍ لهم، وهو لا يستغني عن حمايتهم الدولية ولا عن مساعداتهم الدورية، ولا يستطيع أن يعيش طويلاً بعيداً عن مظلتهم الوارفة، التي شكلت له على مدى السنين الماضية حاضنةً لكيانه، وراعيةً لشؤونه، وهم الذين يحولون دون صدور قراراتٍ دولية تدينهم، أو توصياتٍ إقليمية بالضغط عليهم، ولهذا فإن المسؤولية عليها تتعاظم، والأمل في أن تبذل جهوداً أكبر يزداد، فربما أنها أقدر من غيرها على إلزام حكومة الكيان الصهيوني بحقوق الفلسطينيين الخاضعين لاحتلاله عموماً، وللأسرى والمعتقلين في سجونه بصورةٍ خاصةٍ.

يريد الفلسطينيون من المجتمع الدولي تدويل قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الفلسطينية، والتعامل معها على أنها قضية دولية وجريمة ضد الإنسانية، وأن يخرجها من إطارها الفلسطيني الضيق إلى الإطار الإنساني العام، ومن الدائرة الإقليمية المحدودة إلى الإطار الأممي الكبير، ليشعر الأسرى بالحماية الدولية، ويطمئن ذووهم على سلامتهم وصحتهم، ذلك أن جرائم الكيان الإسرائيلي بحقهم إنما هي جرائم موصوفة بحق البشرية جمعاء والإنسان عموماً.

ونريد مؤتمراً دولياً برعاية الأمم المتحدة، بصلاحياتٍ تنفيذيةٍ وقدراتٍ عالية، يكون قادراً على ملامسة قضايا الأسرى والمعتقلين والتغلغل إلى عمقها ومعرفة حقائق أوضاعهم وظروفهم، تنتج عنه محكمة دولية تقوم بملاحقة الضباط الأمنيين والمسؤولين الإداريين في مصلحة السجون الإسرائيلية، الذين يمارسون القمع والتنكيل ويعتدون على الأسرى، علماً أنهم معروفون لدى الشعب الفلسطيني، الذي يوثق كل جرائمهم، ويحفظ أسماءهم ويعرف عناوينهم، ويرصد جرائمهم وأفعالهم.

يرفض الفلسطينيون عبارات القلق والاستنكار، وبيانات الإدانة الشكلية والشجب الخجول، وكلمات التأييد الإعلامية والمساندة الشكلية، فهذه الردود لا تؤتي خيراً، ولا تفي مع العدو بالغرض، الذي لا يلقي لها بالاً ولا يعيرها اهتماماً، إن ما يريده الفلسطينيون من المجتمع الدولي إنما هو تحرك فاعل ومباشر وصريح ومؤثر، تفهم منه سلطات الاحتلال أن ما ترتكبه بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين إنما هو جريمة لا يقبل بها المجتمع الدولي، ولا يرضي عن سياسة الإهمال التي تمارسها إزاء مطالبهم، وعلى دول العالم الحر أن تلزم حكومة الكيان الإسرائيلي بوجوب احترام كافة الاتفاقيات والعهود الدولية، وفي المقدمة منها اتفاقيات جنيف المختلفة.

تستطيع هذه الحكومات أن ترسل مبعوثين من طرفها، ووفوداً تعبر عنها، لتطلع على أوضاع الأسرى والمعتقلين، وتتعرف على حقيقة ظروفهم وكيفية معاملتهم، ولتسمع منهم معاناتهم وشكواهم، وتدرس طلباتهم واحتياجاتهم، فهذا أقل جهدٍ يمكنها أن تقوم به، لتشعر حكومة الكيان بأنها غير حرةٍ فيما تتصرف، وأنها مسؤولة عما ترتكب، ومحاسبة عما تخطئ وتجرم، رغم أن ما ترتكبه سلطات الاحتلال بحق الأسرى واضحٌ وجليٌ، ولا يحتاج إلى دليلٍ ولا إلى بينةٍ، كما أن مطالب الأسرى والمعتقلين واضحة ومباشرة، وهي إنسانية ومحقة، وعادلة ومنصفة، يقر بها العاقل ولا يجحد بها ويرفضها إلى كارهٌ حاقدٌ.

بيروت في 8/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

مواقفُ صمودٍ وصفحاتُ شرفٍ في يوميات إضراب الأسرى

الحرية والكرامة “17”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الثالث والعشرون للإضراب …

جميع الأسرى والمعتقلين المضربين عن الطعام في السجون الإسرائيلية يساهمون في معركة الشرف، ويخوضون ملحمة الكرامة، ويرسمون بأمعائهم الخاوية ونفوسهم العالية صفحاتٍ ناصعةٍ من المقاومة، ويخطون بصمودهم مواقف بطولية نعتز بها ونفخر، ونتيه بها ونزهو، فهم في عيوننا أبطال، وبين شعبهم رجال، نحبهم جميعاً ونجلهم، ونقدر فعلهم ونعظم تضحيتهم، وهم جميعاً لدينا سواء، فلا صغير بين الأسرى، ولا حقير فيهم، فكلهم كبارٌ عظامٌ، وسادةٌ وقادةٌ، وكلٌ منهم يمسك بأمعائه الخاوية قلماً يخط به المستقبل، وريشةً يرسم بها الغد، وستثبت الأيام أن جوعهم أقوى من سوط الجلاد، وأن صبرهم أمضى من سلاح السجان، وسيجبرون العدو على التنازل، وسيرغمونه على التراجع، وماضي إخوانهم يشهد وسِفْرُ من سبقهم يؤكد، ولعل السطور التالية تظهر بعض صمودهم، وتبين بعضاً من مواقفهم البطولية الرائعة.

تحاول المخابرات الإسرائيلية أن تستفرد بالأسرى المضربين عن الطعام لتساومهم، وتضغط عليهم وتغريهم وتمنيهم، وتعرض عليهم تناول الطعام وكسر الإضراب مقابل امتيازاتٍ يمنحونها له، وتسهيلاتٍ يعطونها إليه، ويحضرون لهم أثناء المفاوضات معهم طعاماً شهياً مما تفوح رائحته، وفواكه طيبة مما تحبها العيون وتشتهيها الأنفس، ولكن الأسرى رغم حالتهم الصحية المتردية يرفضون، ورغم معاناتهم اليومية يعاندون، وعلى الرغم جوعهم يكابرون، وبقوةٍ وعزةٍ وكبرياءٍ يصدون العدو ويركلون ما أحضرته المخابرات لهم من طعامٍ بأقدامهم، ويرفضون كل إغراءاتهم، بل يهددونهم بالثبات ويعدونهم بالانتصار في معركتهم عليهم.

وفي أحيان كثيرة تدخل إدارة السجون إلى غرف المعتقلين وزنازينهم طعاماً وشراباً، وتقوم برصدهم ومتابعة تصرفاتهم، وقد تسجل وتصور ردات فعلهم، وتبدي لهم أنها لا تراقبهم، وأن أحداً من حراسها لا يراهم، وكأنها تحرضهم وتشجعهم على تناول الطعام، فهي تعرف أن الأسير المضرب عن الطعام إن وقع في حبالهم وأكل، أو ظن أنه إن شرب أو أكل فلن يراه أحد، فإنه يضعف ويتراجع، لهذا تقوم إدارة السجن بتصوير كل شئٍ، وتنتهز فرصة ضعف الأسير وتفاجئه بالصورة، لتدفعه لكسر إضرابه أو فضحه، ولكن الأسرى يدركون هذه اللعبة ويعرفونها، وهي مجربة سابقاً ومعروفة للكل، مما يجعل من فرص نجاح العدو في تمريرها ضعيفة.

أما المرضى وذوو الحاجات الخاصة فإنهم يرفضون الاعتراف بمرضهم، ويغضبون ممن يطالب باستثنائهم، ويصرون على مشاركة إخوانهم، بل يطالبون أن يكونوا في المقدمة، ليكونوا للآخرين قدوة، فيعجلون دوماً برد وجبات الطعام قبل غيرهم، وهو ما يغيظ العدو ويزعجه، إذ أنه يعتمد عليهم في كسر إضراب الأسرى، ويأمل أن يكونوا هم نقطة الضعف عندهم، فيتنازلون لأجلهم، ويتراجعون رحمةً بهم، ولكن الأسرى المرضى يرفضون أن يكونوا محل عطفٍ أو موضع شفقةٍ، ويصرون أنهم يستطيعون خوض الإضراب بعزائمهم، ومواصلة المعركة بإرادتهم، وبفعلهم الرائع هذا يشجعون الأسرى الأصحاء، ويدفعون البقية المتأخرة، وينشرون الحمية والرغبة بالمشاركة بين جموع الأسرى ومختلف فئاتهم وانتماءاتهم.

يتلقى بعض الأسرى المضربين عن الطعام نبأ استشهاد أحدٍ من أهلهم، أو وفاةِ والدِ أسيرٍ أو والدته، أو فقدِ بعضٍ من عائلته والأقربين، فلا يهز الموت جنانهم، ولا يفت في عضدهم، ولا يضعف إرادتهم، بل إن من الأسرى من بلغه نبأ وفاة أمه أثناء الإضراب عن الطعام تضامناً معه والأسرى، فما أخرجتهم المصيبة عن أطوارهم، ولا غيرت من طباعهم، ولا أضعفت عزائمهم، ولا أوهنت نفوسهم، ولا تسرب اليأس إلى قلوبهم، بل بقوا على مواقفهم صامدين وفي إضرابهم ماضين، وما أوهت المصائب ولو كانت موتاً جللاً قوتهم، ولا سمع إخوانهم منهم حديثاً عن فجيعتهم، أو ندماً عن مسيرتهم.

ولعل أسوأ ما يواجهه الأسرى المضربون عن الطعام عندما تنقلهم إدارة السجون إلى غرف العملاء والمتعاونين، أو إلى غرف السجناء المدنيين، التي تضم مجرمين ومدمنين وقتلة ومنحرفين، ممن لا يلتزمون بقانون، ولا يعترفون بقيمٍ وأعرافٍ، ولا يعرفون قدر الأسرى ومقامهم، ولا نبل قضاياهم وشرف نضالهم، إلا أن الأسرى الذين يعترفون بخبث هذا الإجراء وسوء نوايا إدارة السجون من هذا السلوك، إلا أنهم يصمدون في وجه هذه العصابات المنظمة، والوجوه الغريبة القبيحة، ولا يصطدمون معهم لكنهم لا يخافون منهم، ولا ينزلون عند رأيهم ولا يستجيبون إلى تهديداتهم، ويصرون على الحفاظ على إضرابهم والثبات على مواقفهم، ولهذا فإن مصلحة السجون غالباً ما تعجل في إخراجهم من هذه الغرف، وتبعدهم عن المجرمين خوفاً من أي تصعيدٍ غير محسوب، أو اعتداءٍ على الأسرى يكون خارج السيطرة أو أكبر من الممكن والمحتمل.

رغم أن الإضراب عن الطعام، والامتناع عن أقوى شهوةٍ في الإنسان والحيوان على السواء، التي تنشأ معه وتنمو بشراهةٍ منذ الولادة، هو قمة الصمود وأعظم الثبات، ومحط الفخر والثناء، وموطن الاعتزاز والإكبار، إذ لا يقوى عليه إلا قلة معدودة من الناس، ومجموعة صغيرة من البشر، من ذوي العزائم الشديدة والهمم العالية وأصحاب المعالي العظام، الذين يعيشون للمعاني النبيلة والقيم الشريفة والمبادئ السامية، والذين يضحون بالصغائر أمام الغايات الكبيرة، ويقدمون أنفسهم في سبيل أمتهم، وينسون حياتهم ليحيا شعبهم، ويحرصون على الانتصار بإرادتهم على عدوهم، ويرفضون الانحناء له أو التسليم به، فهذا صنفٌ من الناس نادرٌ، قَلَّ أن يجود الزمان بمثلهم، لكن الأيام تبدي فعلهم وتبرز سبقهم، وبذا يستحقون أن نفخر بهم.

بيروت في 9/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

 

التضامن مع الأسرى تضامنٌ مع فلسطين

الحرية والكرامة “18”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الخامس والعشرون للإضراب …

لم يعد الأمر يحتمل الهزل أو الاستخفاف، ولا التردد وعدم الحسم، ولا المشاهدة السلبية والمتابعة الباردة، ولا الاعتماد على المجتمع الدولي والضمير العالمي، فقد دخل إضراب الأسرى والمعتقلين المفتوح عن الطعام يومه الخامس والعشرين، وهم لا يزالون يتقدون قوةً، ويتفجرون حماسةً، ويلتهبون إرادةً، ويتقدمون رجولةً، ويتصدرون أبطالاً، ولا نية عندهم للتراجع أو الانكفاء، أو القبول بالخسارة والاعتراف بالهزيمة، رغم أن الإنهاك قي نال منهم، والإرهاق قد أثر فيهم، والامتناع عن الطعام قد انعكس على أجسادهم نحولاً، وعلى أصواتهم خفوتاً، وباتوا يعانون من ظواهر مؤلمة وقاسية، تنذر بما هو أسوأ، وتحذر مما هو أخطر، وقد بدوا أنهم يقتربون من مصيرٍ سيئٍ، بعد أن كثر القيئ وتشققت الشفاه وتيبست الحناجر، وكثرت حالات الدوخة وفقدان التوازن، واضطربت العيون في محاجرها وأصابها شئٌ من العجز أو الكلالة.

نخطئ كثيراً عندما نقاتل بأسرانا، ونهاجم بمعتقلينا، ونهدد بإضرابهم، ونتوعد بجوع أمعائهم، ونترقب النصر بخواء معداتهم، ثم نقف أمام معاناتهم متفرجين، صامتين ساكتين، أو شاكين وباكين، نصرخ ونولول، ونشق الجيوب ونلطم الخدود ونشكو العجز وقلة الحيلة، ونظهر الضعف أمام عدونا ونستجدي النصرة من غيرنا، ونستعرض صور الأسرى والمعتقلين لنستجلب العطف عليهم، ونستمطر الشفقة على مصيرهم، فهذه ليست رجولةً ولا هي أخلاق النبلاء ولا أفعال الشرفاء ومقاومة الشجعان، ولا هو السلوك المنتظر منها والمتوقع من شعبٍ يعاني أبناؤه، ويشكو أسراه من سوء أحوالهم، وقسوة ظروفهم، والظلم الواقع عليهم، بل ينبغي أن نسبقهم إلى الميدان، وأن نكون قبلهم على مختلف الجبهات، فنحن نمتلك خياراتٍ أكثر، وعندنا مجالاتٌ أوسع، وكل ساحات العالم مفتوحة لنا لتكون ميادين للمقاومة، وسوحاً للقتال، نتضامن فيها ونتظاهر، ونرفع الرايات ونردد الشعارات، ونطالب حكومات العالم بالوقوف معنا والانتصار لقضيتنا.

إنها فرصة الجميع لأن يساهم في هذه المعركة، وأن يقدم فيها شيئاً يرضى بها عن نفسه، ويبرأ إلى الله عز وجل من عجزه، ويقدم شيئاً لأهله، ويشارك ببعض جهده شعبه، حتى لا يأتي عليه يومٌ فيه يندم، وزمانٌ فيه يتهم بالتقصير أو بالجبن، وبالخيانة وترك الأمانة وعدم القيام بالواجب، فالتاريخ لن يرحم أحداً قصَّرَ، ولن يسكت عن أمينٍ خان، ولا عن مترددٍ ضيع الفرصة وفوت المناسبة، ولن يغفر لمن كان قادراً وتأخر أو يستطيع وما تقدم، فهذا مقامٌ لا عاجز فيه ولا غير قادر، ولا مكان فيه لمعتذرٍ أو خائفٍ، ولا لمترددٍ أو وَجِلٍ، ولا لبعيدٍ أو قاصٍ، ولا لغريبٍ أو قريبٍ، وهذا مقامٌ يستوي فيه الرجال والنساء، والشيوخ والشباب، والصبية والكهول، ولا فيه عذر لعجوزٍ ولا تهاون مع شابٍ.

إنها معركةٌ قد عقدت نواصيها، ورفعت راياتها، ودقت طبولها، وانبرى رجالها، وخرج للقتال أبطالها، فليس منا من لم يساهم فيها ويقاتل، ولا مكان بيننا لمن ادخر فيها طلقةً، أو حبس فيها كلمة، أو عطل مسيرةً، أو أفسد مهرجاناً أو اعتصاماً، أو امتنع عن تلبية النداء وتأخر عن أداء الواجب.

إنها أيام الله فينا التي سيحفظها لنا، وسيسطرها في كتابنا، وسيعرضها علينا في سجل أعمالنا، فأروا الله في أعمالكم، وامتازوا اليوم بجهودكم، وقدموا بين يدي أبنائكم ما تستطيعون، بل أغلى ما تملكون، إنها معركة الكرامة وحرب العزة والشرف، وهي ثورة الحرية والرفعة وانتفاضة النصر، فشاركوا فيها بما تستطيعون، وقاموا فيها بما تقدرون، ولا تعتذروا أبداً إذ لا مكان للمعتذرين بيننا اليوم، ولا حرمة للمتخلفين عن القتال في هذه المعركة غداً.

واعلموا أن هناك متسعاً للجميع بلا استثناء، ومكاناً لكل من أراد وعزم، إذ كلنا قادرٌ على الفعل والعطاء، والبذل والفداء، ويستطيع كل منا أن يقدم من موقعه، وأن يساهم من مكانه، وأن يشارك بالقدر الذي يستطيع في تعزيز إضرابهم، وتصليب ومواقفهم، وتحصين تحركهم، فانتصروا لإخوانكم في معركتهم، وشاركوا من أجلهم بالكلمة والصورة والرسم والشعار، والوصف والعرض والبيان، والمسيرة والمظاهرة والاعتصام والإضراب الرمزي، ارفعوا الصوت عالياً، واصرخوا في وجه الجلاد بقوة، وانتفضوا ضد العدو بكرامةٍ، وهبوا في مواجهته بصدق، فهذا يومٌ له ما بعده، ولن يغفر الشعب والتاريخ لمن قَصَّرَ فيه أو تأخر.

أيها الفلسطينيون في الوطن والشتات، حيثما كنتم وأينما سكنتم، وأيها العرب الغيارى والمسلمون الأحرار، عيشوا اللحظة النضالية مع إخوانكم وأبنائكم الأسرى والمعتقلين، ولا تتخلوا عنهم في معركتهم، ولا تتركوهم وحدهم في مواجهة عدوهم، وكونوا معهم جنداً وقفوا إلى جانبهم سداً، وانصروهم وساندوهم، وأيدوهم وساعدوهم، فهم في السجون بسببنا، وفي المعتقلات نيابة عنها، وفي الجبهة الأولى دفاعاً عنا وفداءً في سبيلنا، وتخيلوا أنكم معهم وإلى جانبهم في معركتهم النضالية المشرفة، ومواجهتهم البطولية الصعبة داخل السجون والمعتقلات، وتصوروا أنفسكم أنكم الآن مضربون مثلهم عن الطعام، وأنكم لم تتناولوا شيئاً منذ خمس وعشرين يوماً، ماذا لو كنتم بينهم وجزءاً منهم، هل كنتم ستصبرون على الجوع والألم، وعلى المعاناة والسقم، وعلى الضعف العام وخمول الجسد.

أعظم بكم أسرانا الأبطال، وأكرم بكم رجالنا الأماجد، صناع المجد رواد الكرامة أهل النبل والشرف والشهامة، نحن معكم أيها الرجال الأبطال، وإلى جانبكم وفي ظلالكم، نقتفي آثاركم وندعم صمودكم ونساندكم في نضالكم، نرفع الرأس بمقاومتكم، ونفخر بالانتماء إليكم والدفاع عنكم، وندعو الله أن ينصركم وأن يكون معكم، ويفرج عنكم ويحقق أمانيكم، ونسأله سبحانه ألا يتركم أعمالنا وألا يخيب رجاءكم، وألا يمكن العدو منكم، فأنتم خيرتنا وصفوتنا، قد ساقكم الله إلينا لتكونوا قادتنا وطليعة مقاومتنا.

 

بيروت في 11/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

الانشغال عن الأسرى خطيئة وإهمال قضيتهم جريمة

الحرية والكرامة “19”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

  • اليوم الثامن والعشرون للإضراب …

كنت قد آليتُ على نفسي أن أكتب يومياً عن إضراب الأسرى والمعتقلين الذي يدخل اليوم يومه الثامن والعشرين، في صيرورةٍ لا تعرف الانقطاع، وعنادٍ لا يعرف اليأس، وإصرارٍ لا يقبل التنازل، ووحدةٍ عصيةٍ على الانقسام، واتفاقٍ أقوى من الاختلاف، ويقينٍ لا يرضى بغير الانتصار خاتمةً أو الاستشهاد ثمناً، وعزمتُ صادقاً أن أواكب قضيتهم وأتابع مسيرتهم، وأصف أحوالهم وأميط اللثام عن معاناتهم، وأن أكتب ما أستطيع عن معركتهم، وأسلط الضوء على بعض جوانب قضيتهم، وقد خبرتُ أحوالهم وعرفتُ شجونهم، ووقفت على شؤونهم، ولي في الاعتقال سابقة، وفي خوض الإضراب تجربة، ورد وجبات الطعام معرفة، وأدرك إحساس المعتقلين وحالتهم، وأقدر عِظم صبرهم وكبير احتمالهم على الجوع والامتناع عن تناول طعامٍ بين أيديهم، وأكل ما تشتهي نفوسهم وتلذ أعينهم.

حزنت إذ لم أكتب عنهم لأيامٍ ثلاثةٍ انشغلت فيها عنهم في أعمال المؤتمر القومي الثامن والعشرين، الذي طغت على كلمات المشاركين فيه قضيتُهم، وسادت معركتُهم، فما كان لمتحدثٍ أن يتجاوز ذكرهم، أو أن يغط الطرف عن قضيتهم، أو أن ينشغل بموضوعٍ آخر عنهم، بل بالإضراب الكبير حديثهم يبدأون، وعن أبطاله الأسرى يتحدثون، وبهم يشيدون، ولهم يعملون، ولنضالهم يساندون ولمطالبهم يؤيدون، ولنصرتهم يدعون، ورغم أن المؤتمر قد استغرق بعض وقتي، فقد حرصت ألا أغيب عن القضية الأسرى والمعتقلين، وألا أقصر في الحديث عن إضرابهم واقتراح الأفكار لنصرتهم والتضامن معهم، ولهذا فأنا أشعر بالخجل منهم وبالتقصير معهم وبعدم الوفاء لقضيتهم.

لعلها بيروت المسكونة بالجراح والسابحة في الآلام، والمهمومة بمشاكلها الداخلية وقضاياها اليومية، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، قد أعادتني إليهم ووصلتني بهم، فهي لا تنشغل عن نضال الأسرى والمعتقلين، ولا تهمل إضرابهم، ولا تدعي أنها مشغولة بقضاياها عنهم، وإن كبُرت وعظُمت، وخطرت واستفحلت، فقد أفسحت المجال لاعتصاماتٍ من أجلهم، وخيامٍ نصبت تضامناً معهم، وسهلت رفع كتب وتسليم رسائل شعبية لمسؤولي المؤسسات الأممية في لبنان، وقد سعدتُ بمشاركة القوى الوطنية اللبنانية اعتصامهم، وقد كانوا ألواناً شتى ومشارب مختلفة وأحزاب متعددة، وتشرفتُ بدخول الخيمة التي أقاموها، وأيدتُ الشعارات التي رفعوها، وأعجبتُ بالكلمات التي ألقوها، وسعدتُ كثيراً بتضامنهم، وقدرتُ كثيراً مشاركتهم، وقد عرفت أن هذا هو لبنان شعباً وقوى، وأحزاباً ومؤسساتٍ، تسكنه فلسطين روحاً وقلباً، ويؤمن بقدره إذ ارتبط بها نضالاً ومن قبل جيرةً وجغرافيا، وتصاهر مع الكثير من أبنائها، وكون العديد من الأسر المختلطة من أهلها.

رغم أني شاركت هنا وهناك، وقدمت في أكثر من مكانٍ، وأعطيتُ ما أستطيعُ وما قصرتُ ولا نسيتُ، وكتبتُ الكثير وما زلتُ، إلا أنني لا أشعر بالرضا عن نفسي، ولا بالارتياح عما قدمت، ولا أعتقد أني أوفيت الأسرى حقهم، أو أديت الواجب الملقي على عاتقي تجاههم، فما يستحقونه أكثر، وما يتوجب علينا فعله تجاه قضيتهم أكثر مما نحده أو نعده، إذ أن معركتهم مفتوحة على الشهادة، وماضية بسرعة نحو التضحية بالروح والنفس، وهي غاية ما يملكون وآخر ما يحتفظون، فهل نبخل عليهم ببعض وقتنا، والقليل من جهدنا، ونحن نعلم أن معركتهم محدودة بزمن ومسقوفة بخاتمة، وهي ليست مفتوحة على الدوام، فما هي إلا أيام وينتهي إضرابهم وينقشع غبار معركتهم، ولهذا فإننا مهما تعبنا فسنرتاح، ومهما بذلنا من جهدٍ فهو مؤقت، ولكن فرحتنا بانتصار إرادة الأسرى وتحقيق طلباتهم ستكون كبيرة، وفخرنا بصمودهم سيكون عظيماً.

لا يدفعني تنظيمٌ ولا يحركني حزبٌ، ولا أستجيب لدعوات جهةٍ أو ألتزم ببرامج هيئةٍ، بل أنشط بمفردي وأتحرك وحدي، وأشعر أني صاحب القضية وشقيق الأسرى، وحامل قضيتهم ومتنبي مطالبهم، فلا أحتاج من يشجعني، ولا أقبل بمن يدفعني، ولا أنتظر من يحرضني، وأسعى لأن يشعر الجميع بأن هذه القضية تمس الكل، وتخص الأمة، وهي تسعى من أجل كرامتنا، وتتطلع نحو عزتنا، فلا نرضى بدور البعض، ولا نكتفي بجهد المقل، ولا نعتذر بقيام البعض بالواجب وتصدرهم للمهمة نيابةً عنَّا، فهذه معركةٌ يجب أن نخوضها جميعاً، وأن نقدم فيها أقصى ما نستطيع وغاية ما نملك، لأنها معركة موقوتة وحربٌ لأيامٍ معدودةٍ.  

فلا تستكثروا أيها المؤمنون بقضيتكم والمضحون في سبيلها جهودكم، ولا تستعظموا عطاءكم، ولا تغتروا بما قدمتم، ولا تستعجلوا نتائج تضامنكم وثمار رسائلكم، ولا تيأسوا من تأخر انتصارهم أو طول معركتهم، فإن ما يقدمه لنا الأسرى أعظم وأجل، وأنبل وأشرف، وأصدق وأبلغ، فهم يخوضون معركةً بسلاحٍ يمزق أحشاءهم، وتنزف بسببه أمعاؤهم، وتتقرح خلاله معداتهم، ويوهن صلف العدو وإهماله قواهم، إلا أنهم لا يبالون إذ يقاومون عدونا وعدوهم نيابةً عنا وبالأصالة عن أنفسهم وإخوانهم، وبذا فإنهم يستحقون منا أن نبتدع من أجلهم وتضامناً معهم في كل يومٍ وسيلةً جديدةً، ونبتكر طريقةً فريدةً، بها نفضح العدو ونحرجه، ونضيق عليه ونخنقه، ونحرض عليه وندعو المجتمع الدولي للانقلاب عليه والتخلي عنه.

بيروت في 14/5/2017

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عملية القدس في ميزان الكسب والخسارة / بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

عملية القدس في ميزان الكسب والخسارة بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي Share This: