تمسك الحكومة التركية بالمشاركة في عملية إخراج تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من الموصل شمالي العراق رغم الرفض العراقي، يطرح علامات استفهام بشأن الأهداف الحقيقية لأنقرة، التي سمح لها ظهور المتشددين في دول الجوار بالتمدد إلى أبعد من حدودها الجنوبية.

والأهداف التركية المعلنة تتلخص في أن لأنقرة الحق في المشاركة الفعالة في القضاء على داعش في الموصل وغيرها من المدن العراقية، بالإضافة إلى المناطق السورية، لاسيما أنها عضو بالتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ أكثر من سنتين ضد التنظيم.

كما تؤكد الحكومة التركية أن أحد أسباب إصرارها على دور مباشر أو حتى غير مباشر في “معركة الموصل” يرمي إلى منع أي انتهاكات محتملة لميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران، من شأنها تغيير ديمغرافية المدينة، التي تقطنها أغلبية من السنة.

وقبل سقوطها بقبضة داعش في يونيو 2014، كان يقطن المدينة، التي تعد ثاني أكبر مدن العراق سكانا بعد بغداد، نحو 3 ملايين شخص، أغلبهم من العرب السنة، بالإضافة إلى أقلية من المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين والشبك والأكراد والتركمان.

وتخشى تركيا أن يؤدي اجتياح الحشد الشعبي للمدينة إلى فرار جماعي للمكون الأساسي، مما يهدد بإحداث تغيير ديمغرافي للموصل التي كانت جزءا من الامبراطورية العثمانية قبل انهيارها عقب الحرب العالمية الأولى، وتخلي تركيا عنها بموجب معاهدة أنقرة عام 1926.

وهذه الاتفاقية التي عقدت بين تركيا وبريطانيا بصفتها الدولة المنتدبة على العراق، سمحت لأنقرة بالحصول على 10 في المئة من عائدات الموصل النفطية لمدة 25 عاما، بالإضافة إلى حق التدخل لحماية الأقلية التركمانية في حال تعرضت أي خطر.

ولطالما اعتبرت تركيا أن للمدينة أهمية رمزية، وهذا ما عبر عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السبت، حين قال “بعض الجهلة يأتون ويقولون “ما هي الصلة التي يمكن أن تكون لنا بالعراق؟ هذه الجغرافيا التي نتحدث عنها الآن جزء من روحنا…”.

وبالإضافة إلى خشية أنقرة من مشاركة الحشد الشعبي، فإن رئيس الحكومة، بن علي يلدريم، ساق سببا آخر لإصرار بلاده على التدخل في العراق، وخاصة بمعركة الموصل، هو إمكانية مشاركة قوات كردية تعتبرها تركيا “جماعات إرهابية”.

فقد قال إن تركيا مستعدة “لاتخاذ إجراءات” في العراق لأنها لم تقتنع بتعهدات واشنطن وبغداد بأن قوات “حزب العمال الكردستاني والفصائل الشيعية لن تشارك في القتال الدائر حاليا”، مؤكدا أن أنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه الوضع في العراق.

وأنقرة لا تعارض مشاركة الأكراد بشكل عام في المعركة، فهي على تنسيق تام مع قوات البشمركة التابعة لإقليم كردستان العراقي، الذي لم يمانع بشأن عملية دخول قوات تركية إلى معسكر بعشيقة قرب الموصل، حيث درّبت أنقرة آلاف الأفراد من أبناء العشائر تحت مسمى “الحشد الوطني”.

وكان المتحدث باسم حكومة إقليم كوردستان قال إن “القوات التركية المتواجدة في دوبردان وبعشيقة في مركزين للتدريب بالقرب من مدينة الموصل، جاءت بعد موافقة وزير الدفاع والحكومة العراقية في بغداد، لتدريب الشرطة والمتطوعين من محافظة نينوى..”.

وأضاف، في تصريحات نقلها موقع “رووداو” الكردي في 10 أكتوبر، أن حكومة إقليم كردستان “قدمت التسهيلات اللازمة لإنجاح هذه العملية” التي بدأت عام 2015، مشيرا إلى أن “وزير الدفاع العراقي زار هذه المراكز المخصصة للتدريب” و”القوات التركية”.

إلا أن الحكومة المركزية في بغداد نفت علمها المسبق بالانتشار وأصرت على سحب القوات التركية من أراضيها، ما وتر العلاقات بين أنقرة وبغداد دون أن يصل الأمر إلى قطيعة، فقبل أيام تبادل مسؤولون من البلدين الزيارات لبحث هذه القضية ومعركة الموصل.

ويبدو أن إدارة “ملف بعشيقة ومعركة الموصل” تتعدى بغداد وتصل لطهران التي عملت إلى ضرب مؤسسات الدولة لتثبيت نفوذها في العراق، عبر إطلاق ميليشيات الحشد الشعبي عقب الانهيار المشبوه للجيش والقوات الحكومية أمام داعش بعهد حليفها نوري المالكي.

والموصل ليست إلا جزءا من عملية النزاع الناعم بين أنقرة وطهران على تقاسم النفوذ في سوريا والعراق، حيث بات واضحا أن المستفيد الأول من الظهور المفاجئ والغامض لداعش قوى دولية وإقليمية غير عربية، استخدمت خطر التنظيم شماعة للتدخل أكثر وأكثر في البلدين والمنطقة.

وفي العراق تبدو إيران أكثر حدة في مواجهة أي نفوذ تركي محتمل، في حين تغاضت، بل حتى باركت، تدخل تركيا في شمال سوريا، حيث توغلت قوة تركية في أغسطس الماضي لمحاربة داعش على حدودها الجنوبية ووقف تمدد القوات الكردية التي تعتبرها أنقرة إرهابية.

ويعود السبب إلى أن طهران باتت تعتبر العراق أرض نفوذ خاصة بها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، بينما تدرك أن السيطرة الكاملة على سوريا أمر مستحيل، ولا تمانع أن تتقاسم النفوذ مع تركيا وروسيا وغيرها من قوى إقليمية ودولية.