إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / الإسلام / الحياة الإسلامية / الهدايا والرشاوى .. الهدية المحمودة والرشوة المنبوذة (د. كمال إبراهيم علاونه)
د. كمال علاونه - رئيس مجلس إدارة وتحرير شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
د. كمال علاونه - رئيس مجلس إدارة وتحرير شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

الهدايا والرشاوى .. الهدية المحمودة والرشوة المنبوذة (د. كمال إبراهيم علاونه)

الهدايا والرشاوى .. الهدية المحمودة والرشوة المنبوذة
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ..
قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ..
فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا
وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا.. لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي
لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي

د. كمال إبراهيم علاونه

أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ :
{ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)}( القرآن المجيد – سورة النمل ) .
وجاء في صحيح البخاري – (ج 22 / ص 100)عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسْدٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْأُتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سُفْيَانُ أَيْضًا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ :” مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا ” .
قَالَ سُفْيَانُ قَصَّهُ عَلَيْنَا الزُّهْرِيُّ وَزَادَ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعَ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنِي وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَإِنَّهُ سَمِعَهُ مَعِي وَلَمْ يَقُلْ الزُّهْرِيُّ سَمِعَ أُذُنِي { خُوَارٌ } صَوْتٌ وَالْجُؤَارُ مِنْ { تَجْأَرُونَ } كَصَوْتِ الْبَقَرَةِ .
كما جاء بمسند أحمد – (ج 18 / ص 425) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ ” .
وورد في سنن ابن ماجه – (ج 7 / ص 101) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي” . وفي رواية أخرى بمسند أحمد – (ج 45 / ص 380) لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ يَعْنِي الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا .
استهلال

الهدية ..
الهدية ، ما الهدية ؟ وما أدراك ما الهدية ؟؟ ثم ما أدراك ما الهدية ؟؟!

الهدية هي تبرع طوعي غير جبري ، أو هي عبارة عن هبة مالية أو عينية أو مشتركة ( مالية عينية ) محمودة ، وهي غير مستردة باي حال من الأحوال ، تساهم في تغذية أواصر الإخوة والقرابة والصداقة والتآلف والتكاتف والتكافل الاجتماعي والتكامل الاقتصادي والتعاون الفردي والجماعي ، وتعمل على تمتين علاقات المودة والمحبة بين فريقين ، او شخصين أو أسرتين أو عائلتين ، أو جماعتين ، ولا منفعة ترتجى من إهداء الهدية ، سوى صلة الأرحام ، والتقارب والتزاور الاجتماعي ومخالطة الأقرباء والأصدقاء ، الفقراء والأغنياء على حد سواء . وتعطى الهدية في العديد من المناسبات ، كالنجاح في الثانوية العامة أو التخرج الجامعي ، أو الخطبة أو الزواج ، أو زيارة المرضى ، أو زيارة أحد الأسرى بعد الافراج عنه ، أو الزيارات العادية ، أو غير ذلك .
والهدية سنة إسلامية محمودة ، تقوم على التعاون والمحبة والتجاذب والود ، وتهدف إلى مساهمة مادية أو عينية للمهدى إليه ، ولا تكون الهدية بطلب من الفريق الثاني ، باي حال من الأحوال ، وإلا اصبحت قرضا حسنا .

الرشوة ..
الرشوة ، ما الرشوة ؟ وما أدراك ما الرشوة ؟؟ ثم ما أدراك ما الرشوة ؟؟!
وأما الرشوة بأنواعها الثلاثة : المادي والعيني والمشترك بينهما ، فهي طلب من طرف ثان من طرف أول ، يتمثل بتقديم مبالغ مالية أو سلع أو مواد عينية ، مقابل خدمة أداها أو يؤديها طرف لآخر ، كختم أوراق رسمية أو حزبية أو ذات مصلحة عامة أو منفعة خاصة ، كترخيص الأبنية في البلدية أو تمرير معاملة بسرعة أو التغاضي عن أختام أو شروط محددة ، أو توظيف خريج جامعي ، أو إرساله في منحة أو بعثة دراسية أو الموافقة على تعويض مالي مجز في حالة حدوث حادث سير ، وتقاسم المردود المالي بين الفريقين .

الهدايا ، ما الهدايا ؟ وما أدراك ما الهدايا ؟؟ ثم ما أدراك ما الهدايا ؟؟!

هناك العديد من الطرق لاستجلاب واستقطاب الهدايا ، ماهي أهمها ، وأغنمها ، وأجداها وأنفعها وأسمنها ؟؟ ..
الهدية حالة طوعية يقوم بها فرد أو أسرة تجاه طرف ثاني كفرد أو اسرة ، يتم فيها تقديم بعض الأموال بغض النظر عن قيمتها أو حجمها أو شكلها ، وبالتالي هي هبة مالية غير ملزمة للهادي أو المهدى إليه ، تحت اي ظرف من الظروف .
ويمكننا القول ، إن الكثير من حالات الهدايا في حالة كثرتها من العديد من الأطراف بصورة غير مشروطة لا تبعات لاحقة عليها ، فإنها تساهم بتقديم مساعدات ضرورية للفرد والأسرة في المجتمع المحلي ، في حالات ومناسبات اجتماعية شتى ، كحالات النقوط المالي أو العيني للأعراس الشعبية ، أو تقديم الأطعمة لأهل الموتى . وكذلك بالنسبة لحالات التخرج من الثانوية العامة حيث تساهم هذه الأموال المهداة في دفع الرسوم والأقساط الجامعية للطلبة الجامعيين المستجدين .
وفي أيامنا هذه ، برزت في بعض المجتمعات العربية والإسلامية وغيرها ، مسألة توجيه الدعوات ( رسائل العزومة ) الالكترونية والطباعية لأناس محددين للمباركة بالأعراس قبلها أو أثناءها أو بعدها ، ويصطحب المدعون الهدايا المالية والعينية للداعين لتنظيم هذه الحفلات ، وهي أمور طبيعية ، للتعاون والتكافل والتكامل بين الأفراد والعائلات في المجتمع ، لترسيخ الود والتعاون والتفاهم والمشاركة الايجابية ، ولكن يجب أن تكون غير مشروطة ، فالبعض ليس له القدرة المالية ، وخاصة في المناسبات الكثيرة في مواسم معينة كالأعياد والصيف ومواسم التخرج المدرسي والجامعي ، فلتقتصر الهدايا على أناس تربطهم علاقات مميزة ، لتحاشي الإحراج النفسي والاجتماعي ، والإرهاق المادي ، والإزهاق الاجتماعي ، والتعب النفسي والبدني والصحي .
فأهم الهدايا الاجتماعية أقلها ، وأغناها أفيدها ، وأجداها ما كانت سخية نقية تقية ، ضرورية وحيوية لمعاونة الآخرين ، وأنفعها ما كان نقديا أو عينيا في حالات الأفراح والأتراح ، وأسمنها ما كان يغني صاحبها من المتلقين عن سؤال الناس وطلب القرض أو الدين منهم .

حسنات ومحاسن ومزايا الهدايا

للهدايا الفردية والجماعية والأسرية والمؤسسية ، العديد من المنافع والامتيازات والمزايا ، التي تنعكس على الفرد والمجتمع المحلي الإنساني ، لعل من ابرزها :
أولا : نيل الرضا الرباني في تسهيل شؤون البشر ، بالإنفاق في سبيل الله .
ثانيا : زيادة التعاون والتكافل الاجتماعي بين الناس .
ثالثا : تعميق التكامل الاقتصادي ، بين الواهبين والموهوبين ماديا وعينيا .
رابعا : تعزيز إنسانية المجتمع الإنساني .
خامسا : تكريس مسألة التزاور والتهادي والود والمحبة .
سادسا : التخفيف عن كاهل الناس المحتاجين والمعوزين .
سابعا : بناء العلاقات الطيبة بين المتهادين .
ثامنا : تفعيل زيارات المرضى في المشافي والعيادات الطبية .
تاسعا : تكريم المتضررين من سياسات الظلم والقمع كالهدايا المقدمة لأسر الشهداء والجرحى والأسرى في المجتمع .
عاشرا : زيادة الترابط العائلي والصداقة بين أفراد وعائلات المجتمع الإنساني .
وبناء عليه ، يمكننا القول ، إن تقديم الهدية بصورة فردية أو الهدايا بصورة جماعية ، تكرس الحياة الاجتماعية الطيبة ، والحياة التكاملية الاقتصادية بين أفراد المجتمع الواحد ، وزيادة التقارب والمحبة والمودة والائتلاف بين خيوط النسيج الاجتماعي في الوطن الواحد عامة ، وبين أبناء القرية الواحدة والمدينة الواحدة والمخيم الواحد .
الرشوة ، ما الرشوة ؟ وما أدراك ما الرشوة ؟؟ ثم ما أدراك ما الرشوة ؟؟!
الرشوة هي مال نقدي أو عيني أو مشترك بينهما ، تقدم لطرف آخر ، لإنجاز أو تحقيق منفعة أو خدمة معينة ، صغيرة أم كبيرة . والرشوة قد تكون تطوعية من طرف لآخر ، أو إجبارية من طرف لثان ، بغية الموافقة على أمر أو مسألة معينة بسرعة أو بلا ممانعة عليها لأسباب شتى . وتنتشر الرشوة في المجتمع الفاسد ، والأفراد الفاسدين ، والجماعات الفاسدة ، والأنظمة الفاسدة في العالم ، بغض النظر عن طبيعتها ، وكنيتها ، وصلاحيتها ، ودستوريتها أو قانونيتها . فالمال المقدم على الحدود لتسريع مرور الأشخاص أو السلع هو رشوة مباشرة ، سواء كان نقدا أو سلعة . والمال المقدم للموافقة على ترخيص بناء دون الشروط القانونية هو رشوة ، والمال المقدم للقائمين على الأمر ، لتحقيق القبول في المنح والبعثات الجامعية هو رشوة صغرت أم كبرت . والمال المأخوذ للتمكين من التعيين أو التوظيف في القطاعين العام أو الخاص هو رشوة .
وتتخذ بعض الهدايا ( السرية أو العلنية ) شكل الرشاوى ، كونها تهدف لتحقيق هدف معين عاجل أو آجل .

أضرار ومفاسد وسيئات الرشوة

للرشوة العديد من المفاسد والمضار الشاملة العامة والطامة ، إذ تولد الرشوة المادية أو العينية ، أو المشتركة ، السيئات والخطايا والآثام والذنوب ، الكثيرة في المجتمع الإنساني ، لأنها تساهم في تعزيز قوة الفاسدين ، وترهق الناس المحتاجين لخدمة أو خدمات معينة . فمن أهم أضرار ومساوئ الرشاوى ما يلي :
أولا : الغضب الرباني على الراشي والمرتشي والساعي للتوفيق بينهما ( الرائش ) .
ثانيا : تساهم الرشوة في إثراء المرتشي دون وجه حق بلا تعب أو جهد عقلي أو بدني .
ثالثا : تكبد الرشوة الجهد والإرهاق النفسي والمادي والمعنوي للراشي الذي يدفع الأموال عن مضض .
رابعا : تنفر الناس من بعضهم البعض ، فيكون المجتمع تحت رماد الفتن والشحناء والبغضاء والحسد والكره .
خامسا : تربص الراشي والمرتشي ببعضهما البعض ، في أقرب فرصة سانحة ، للثأر والانتقام والمواجهة السرية أو العلنية لاحقا .
سادسا : انتشار ظواهر الغمز واللمز بين الناس ، واستفحال الفساد والمفسدين .
سابعا : تقديم مصالح أناس على أناس أكثر حاجة للخدمة أو الخدمات المقدمة .
ثامنا : حرمان الناس من المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص في التأهيل الاجتماعي ، والتشغيل الاقتصادي والبناء المجتمعي السليم .
تاسعا : إبراز طائفة تستقوي على الآخرين ، وتكريس الهيمنة الجبرية على السواد الأعظم من المجتمع .
عاشرا : تغييب المعاملة الحسنة الطيبة بين الناس ، فالرشوة تتطلب الدفع المادي مسبقا أو لاحقا .
وأسوأ الرشاوى ما كان ثمنه باهظا ، يتوجب دفع أموال نقدية أو عينية ضخمة ، لأناس يستغلون مناصبهم العمومية والخصوصية في المواقع العليا المتقدمة على الناس . ومن أمثلة ذلك ، الرشاوى المقدمة لتسجيل العقارات من المباني والأراضي في دوائر تسجيل الأراضي والمباني ( الطابو ) التابعة للاحتلال الأجنبي . والرشاوى المدفوعة لإحراز ترخيص الأبنية أو تسجيل الشركات العامة أو الخاصة كالشركات والمصانع والمؤسسات التجارية ، أو ما يسمى حسن السيرة والسلوك أو إصدار التراخيص الخاصة لدى السلطات المعنية .
ويمكننا القول ، إن الرشوة تعتبر نوعا من أنواع السرقة المرفوضة بالشرائع السماوية والقوانين الوضعية الأرضية ، بلا جهد أو مشقة ، من أموال الناس ، بوسائل الترغيب والترهيب ، ومعظمها بحالات الإكراه ، للتخلص من متاعب رسمية معينة ، وتجنب الأعطال اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية لإنجاز معاملة من المعاملات الضرورية للإنسان العادي في المجتمع المحلي .

ما الفرق بين الهدايا والرشاوى ؟ وكيف السبيل لصدهما باللين والغلظة ؟؟

والهدية والرشوة ، تتشابهان وتختلفان ، وكلنهما تتناقضان بصورة قطعية ، ولا إلتقاء إنساني أو حضاري بينهما ، فالتباين واضح وجلي في المبادئ والأهداف والغايات المنشودة من كليهما . فالهدية من الأمور المستحبة بين الناس في المجتمع ، ولكن الرشوة من الأمور المنبوذة التي تنبذها النفس العفيفة المستقيمة الشريفة ، ولا تقبل بها أو تطلبها إلا النفس الخاطئة غير السوية ، لتكثير الأموال النقدية أو العينية أو كليهما . والرشوة شكل من أشكال وصور الفساد التي تضر بالمجتمع الإنساني وتلحق به الأذى المادي والمعنوي ، وتجعله يقوم على الأفعال القبيحة ، وتيسير وتسهيل المسائل الملتوية غير المستقيمة ، المنافية للسلوك الصحيح القويم .
وهناك طريقة واحدة لصد الهدايا ، وعدم استخدامها بصورة مباشرة أو غير مباشرة لإحراز خدمة أو مواقف معينة ، تتمثل في رفض قبول الهدايا المشروطة ، حيث تصبح رشوة من الرشاوى الضارة بالمجتمع جماعيا ، وبالفرد بصورة فردية ، وتدمر الأسر في حالة كثرتها ، لما تشكله من إرهاق مادي للأسرة . وإذا كان لا بد من هدية تهدى ، فهي هدية رمزية غير مكلفة ، لتفادي الوقوع في الديون والمتاعب المالية المرهقة للفرد وأسرته . وفعليا على أرض الواقع ، فلا هدايا متوازنة أو متماثلة ، في المناسبات المتعددة بين الأفراد والأسر والعائلات والجماعات .
وكلمة لا بد منها ، إنه في حال قيام شخص بتقديم هدية مادية أو عينية ، لشخص أو طرف آخر ، فليس من الضروري أن يقوم الشخص المهدى إليه برد قيمة أو نوعية الهدية للشخص الذي أهدى الهدية بالمرة الأولى . وفي هذه الحالة تكون الهدية حالة مكلفة ماديا ، ومقلقة نفسيا ، لا داعي لها . وخير الهدايا ، الهدايا الرمزية غير المكلفة ، بغض النظر عن طبيعتها أو قيمتها ، فالقيمة الأساسية للهدية هي القيمة المعنوية وليس المالية بأي حال من الأحوال .
وتحدث بعض الإشكاليات في تقديم الهدايا وخاصة في حالات الأفراح والأتراح ( نقوط العروسين ) أو تقديم المآدب والمأكولات والأطعمة والأشربة في حالات بيت الأجر أو العزاء لأهل الميت . ففي العصر الراهن ، وفي الكثير من الحالات يتم تصوير المتبرعين ماليا للعرس ، عبر الفيديو ، لمعرفة كمية الأموال الموهوبة أو نوعيتها ، أو أطباق الطعام ( المناسف والحلويات وغيرها ) لبيت العزاء . وربما يتقبل البعض هذا الأمر كذكرى تاريخية ، ولكن يمكن أن تحمل مضامين مادية واجتماعية لرد الهدايا أو الهبات أو التبرعات بمثيلاتها لاحقا في أقرب مناسبة معينة .
على أي حال ، إن الأصل في الهدايا ، النوع وليس الكم ، والقلة المتوسطة المقبولة وليست الكثرة المفرطة ، لئلا يقع مستقبلو الهدايا تحت طائلة المتابعة الحثيثة من بعض الناس ، والابتعاد عن الغيرة والتقليد والأحقاد والكرة .

الرشاوى ، ما الرشاوى ؟ وما أدراك ما الرشاوى ؟؟ ثم ما أدراك ما الرشاوى ؟؟!
ما هي أبرز السبل لاستلام وتسليم الرشاوى ؟ المالية والعينية والخدمية ؟؟؟

يبرز الفرق بين الصدقات والتبرعات والهبات المادية والعينية من جهة ، وبين الرشاوى الباطلة ، من جهة ثانية ، فالفرق شاسع بينهما ، وهما يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان بتاتا ، وأهدافهما متباينة ، وغاياتهما متناقضة ، وشتان بين الحق والباطل ، بين الصدقة والرشوة .
على العموم ، هناك العديد من الطرق الدستورية والقانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لملاحقة الرشاوى والمرتشين والرائشين بينهما ، من سماسرة المال والأعمال ، كصورة من صور الفساد المنتشر في المجتمع ، من الذين يعيثون في الأرض فسادا وإفسادا ، عن حسن أو سوء نية . وهناك علاقة طردية بين الرشوة والانتقاص من كرامة الإنسان ، وابتزاز الآخرين ، بطرق إلزامية ملتوية ، وفق مبدأ تقليدي عقيم ( خدمة مقابل خدمة ) . ويمكن أن لا تتساوى الخدمتين ماديا ومعنويا بين الراشي والمرتشي .
فالرشوة شكل من أشكال الفساد المستشري في المجتمعات الإنسانية ، وهو ماحق يمحق العلاقات الإنسانية ، فتهبط إلى أسفل سافلين . فالأصل في العمل الإنساني الوظيفي العام أو الخاص هو تقديم الخدمات للناس بأسرع الطرق الممكنة وأقصرها واقلها كلفة ، مقابل رسوم مالية مقرة رسميا ، يدفعها المستفيد من الخدمة العمومية أو الخاصة ، بوصل مالي رسمي يذهب لصندوق الخزينة العامة أو للشركة المعنية وليس للشخص المرتشي ، الذي ينهش المجتمع ماديا ومعنويا ، ويجب أن يحاسب عليه ، أمام القضاء العادل وأمام مؤسسات أو أجهزة مكافحة الفساد في المجتمع .

كلمة أخيرة ..
ورد في موطأ مالك – (ج 5 / ص 397) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ ” .
تهادوا تحابوا .. فتنالوا رضى الله الرحمن الرحيم الودود الحميد المجيد .. تهادوا توادوا .. تهادوا تتعاونوا .. تهادوا تتكاملوا .. تهادوا تتطايبوا .. تهادوا تتراحموا .. تهادوا تنياسروا فيما بينكم ..
ولا تراشوا ماليا وعينيا ، فيما بينكم ، فتفسدوا أنفسكم وتفسدوا غيركم .. وتتعاسروا فيما بينكم .. ولا تقدموا الرشاوى فتطاحنوا .. وتتقاتلوا ، وتتخاصموا ، وتتنازعوا ، وتتشاحنوا ، وتتباغضوا ، فتغضبوا الله الواحد القهار عليكم .. فالرشاوى محرمة ومحظورة في الإسلام العظيم بصورة قطعية باتة بتاتا مطلقا .
وهدايا موفقة من الجميع ، وللجميع ، ومن أجل الجميع .
واجتنبوا الرشاوى ما ظهر منها وما بطن ، لأنها مهلكة للنفس الفردية والجماعية والمجتمع الإنساني بجميع الحالات والأشكال والصور .
عليكم بتقديم الهدايا لبعضكم البعض .. وإياكم وتبرير الرشاوى فيما بينكم .
وحياة آمنة ومستقرة نفسيا واجتماعيا واقتصاديا لنا ولكم جميعا ، إن شاء الله تبارك وتعالى .
والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم .
يوم الجمعة 24 شوال 1437 هـ / 29 تموز 2016 م .

Print Friendly

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

الحرائق الضخمة بمنطقة حيفا ومستوطنات القدس ونابلس .. وحالة الطوارئ القصوى بالكيان الصهيوني (د. كمال إبراهيم علاونه)

الحرائق الضخمة بمنطقة حيفا ومستوطنات القدس ونابلس .. وحالة الطوارئ القصوى بالكيان الصهيوني د. كمال إبراهيم علاونه Share This: