إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / الأرض المقدسة / الحركات الفلسطينية / الرؤية السياسية لـ د. سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني السابق وزعيم الطريق الثالث بالمجلس التشريعي الفلسطيني
د. سلام فياض رئيس الحكومة الفلسطيني السابق وزعيم الطريق الثالث
د. سلام فياض رئيس الحكومة الفلسطيني السابق وزعيم الطريق الثالث

الرؤية السياسية لـ د. سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني السابق وزعيم الطريق الثالث بالمجلس التشريعي الفلسطيني

رام الله – شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

قدم رئيس الوزراء الفلسطيني السابق، وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني ، عن قائمة الطريق الثالث د. سلام فياض ورقة عمل مقدمة في لقاء المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية – مسارات في رام الله وغزة، يوم الاثنين 11 تموز 2016 .

تعرض هذه الورقة رؤية يمكن أن تساهم في معالجة ما أعتبره أهم مكامن الضعف والقصور الذاتي في وجه التهديد الوجودي الحقيقي الذي تواجهه القضية الفلسطينية حالياً، ألا وهو المتمثل في تجذر واستعصاء حالة التشرذم والتشظي التي اعترت، ولا تزال، النظام السياسي الفلسطيني، وخاصة منذ عام 2007. ولذلك، قد يكون من المناسب تناول ما تتضمنه الورقة من أفكار ومقترحات كمدخل للإجابة على السؤال المطروح من قبل مركز مسارات بشأن جوهر وأولويات الجهد الوطني المطلوب للتعامل مع تحديات المرحلة الراهنة.

لقد سبق وكُتب الكثير، وقيل الكثير، في هذا المجال، وبما شمل ما بات موضع توافق عام على ضرورة العمل على بلورة مشروع وطني جديد يحظى بدرجة كافية من الإسناد الشعبي، وهو الأمر الذي لم يعد من الممكن، ومنذ زمن، الاستمرار في الادعاء بتوفره إزاء ما آل اليه برنامج منظمة التحرير الفلسطينية أو لصالح الرؤى والبرامج المعارضة له ليس فقط خارج اطار المنظمة وإنما ايضاً، وعلى نطاق متعاظم، داخل هذا الإطار، وبما انعكس بالتلويح مراراً بالتخلي عنه حتى على المستوى السياسي الرسمي، وفي مناسبات ومحافل عدة. ولكن، مع التسليم المطلق بأهمية بذل كل جهد ممكن، وبما يشمل إجراء حوار وطني شامل وجاد، بغية التوصل إلى توافق على برنامج وطني جديد يجسد وحدة حال الفلسطينيين في سعيهم لتقرير مصيرهم ونيل حقوقهم الوطنية المشروعة كافة، ينبغي الإقرار بأن الصعوبات والتعقيدات التي حالت دون نجاح هذا الجهد منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن ما زالت قائمة، إن لم تكن بالفعل قد ازدادت صعوبة وتعقيداً، على الاقل في بعض من جوانبها. ومن هذا المنطلق، ريثما يتسنى تذليل وتجاوز هذه الصعوبات والعقبات، قد يكون من المجدي النظر في إمكانية التوافق على برنامج عمل مرحلي يضمن الشراكة الكاملة والفعلية في صنع القرار وفي إدارة شؤون الشعب الفلسطيني، دون أن يتطلب اعتماده من قبل كافة مكونات النظام السياسي الفلسطيني تخلي أيٍّ منها، لا شكلاً ولا مضموناً، عن أيٍّمما هو قائم من برامج ورؤى. ولعل من شأن مثل هذا التوجه تمكين القيادة الفلسطينية من الشروع فوراً من معالجة ومواجهة العديد من القضايا والتحديات الأساسية التي تواجه شعبنا في هذه المرحلة الحرجة، لا كبديل للجهد المطلوب الاستمرار في بذله لتحقيق التوافق على مشروع وطني جديد، وإنما كرديف له ورافعة أساسية لتعزيز فرصه في النجاح.

هذا هو بالضبط جوهر ومضمون الرسالة المركزية التي تتمحور حولهاهذه الورقة، والتي يبدأ ما تبقى منها بلمحة سريعة عن جذور حالة الانقسام السياسي التي تكرست في اواسط عام 2007 وتجذرت منذئذ، بما يمهد للانتقال إلى عرض لكيفية توظيف محاولة انهائها في بلورة المكونات الاساسية لبرنامج العمل المرحلي المقترح قبل الاختتام بملخص تنفيذي لهذه المكونات.

معالجة الانقسام كمدخل للتوافق على برنامج عمل مرحلي

تعود حالة الانقسام السياسي وما تبعها من تشرذم واستعصاء في بداياتها إلى مطلع تسعينات القرن الماضي، حين تعددت الرؤى والاجتهادات بشان جوهر ومكونات ما اصطلح على تسميته منذ ذلك الحين بعملية السلام. وقد أتى ذلك بعد فترة من التوافق على الساحة السياسية الفلسطينية بدأتبإعلان الاستقلال وإطلاق مشروع السلام الفلسطيني إبان ذروة الانتفاضة الاولى في عام 1988. لا بل وربما مثلت لحظة إعلان الاستقلال محطة توافق فريدة من نوعها في تاريخ الشعب الفلسطيني، ليس فقط لأنها كانت حصيلة جهد استثنائي في بلورة الموقف الوطني في إطار مدعوم بقوة الشرعية الدولية، وإنما، وما هو أهم،لأنها لامست في الصميم وجدان الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، وعبرت عن الوعي الجمعي لهمبما مثل عصارة معاناتهم وتضحياتهم عبر مسيرتهم النضالية الطويلة ممزوجة بوعد قرب الخلاص.

يمكن القول ، إن التوافق الذي حظي به بيان إعلان الإستقلال، والذي دام لفترة غير وجيزة، كان له، وبقوة دفع روح الإستنهاض الشعبي والوحدوي للإنتفاضة الأولى، أن يعمِّر أكثر لولا جاء التوقيع على أوسلو في عام 1993 ليفرط عقد التوافق الفلسطيني على رؤية سياسية موحدة، الأمر الذيلا يزال قائماً ليومنا هذا، وفيما أفرز أطول حقبة من التباين الجوهري في المواقف منذ عشرينات القرن الماضي. ليس هذا فحسب، وإنما، وما هو أكثر خطورة، أن الشرخ الذي وقع في ذلك العام تعمق ولا يزال يتعمق بمرور الزمن مع تبدُد الامل في إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة على الأرض الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في حزيران 1967.

أمام هذا الواقع، والذي ازداد تعقيداً بشكل مضطرد على مدار العقد الفائت نتيجة لحالة الإنقسام والتشرذم التي ألمَّت بالنظام السياسي الفلسطيني وأضعفت أداء مختلف مكوناته، وأيضاً لتطورات إقليمية ودولية أقصت القضية الفلسطينية عن دائرة الإهتمام المباشر على هذين الصعيدين، لا يبدو من الممكن الآن بلورة رؤية سياسية تحظى كافة مكوناتها بتوافق وطني تام، لا لجهة أسس ومنطلقات هذه الرؤية ولا لجهة الآليات والأدوات اللازمة لتنفيذها. وعليه، وعوضاً عن حصر الجهد الوطني في الاستمرار في توخي السعي لتحقيق الأمثل، الأمر الذي، وللأسف، لم ينعكس لتاريخه سوى بالحديث عنه والتبشير بمزاياه، وبما أفضى إلى تدهور خطير في مكانة ومصداقية مختلف مكونات النظام السياسي الفلسطيني، قد يكون من الضرورة بمكان المبادرة لبلورةبرنامج سياسي يُعبَّر عنه ليس بلغة حمالة أوجه، كما حصل سابقاً وتكراراً، وإنما بدرجة عالية من الوضوح والتحديد في إطار جامع ومتفق عليه لبرنامج عمل مرحلي لا يتطلب الشروع في تنفيذه الالتزام بعدم التخلي عن أي من مكوناته بعد انقضاء مهلته، وبما يمكن أن يشكل تنفيذه رافعة هامة على درب الوصول إلى توافق على مشروع وطني جديد.

مرتكزات برنامج العمل المرحلي ومكوناته الأساسية

فيما يلي عرض لمرتكزات برنامج العمل المرحلي المقترح وملامحه الرئيسية.

أولاً: من منطلق الحرص على تبديد أي شك على الساحة الداخلية بشأن ما آل إليه موقف منظمة التحرير الفلسطينية فعلاً في ضوء مااعترىمرجعيات “عملية السلام” من تآكل خطير بعد ما يزيد عن عقدين من فشل جولات متكررة من المفاوضات مع إسرائيل، وبما انعكس في تشكيل حالة من التوجسإزاء ما شاع من توقعٍ بحتمية تقديم الفلسطينيين المزيد من التنازلات في إطار أية تسوية دائمة وفق إطار التفاوض القائم منذ عام 1993، يتم التأكيد من قبل المنظمة على التمسك التام بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني كما عرفتها الشرعية الدولية، وفي مقدمتها الحق في عودة اللاجئين إلى ديارهم، والحق في تقرير المصير وفي دولة كاملة السيادة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة في عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ويوفر مثل هذا التأكيد، ودون احجاف (كما هو مبين تالياً) بموقف الأطراف الفلسطينية المعارضة حالياً لمفهوم حل الدولتين، أداة لتحقيق هدف مزدوج، يتمثل الشق الأول منه في إرسال رسالة واضحة مفادها أن لا استمرار في التفاوض على أساس النهج القائم، وإنما، وبمايقتضيه مبدأ الندية في التعامل، على أساس الإعتراف بحقوقنا الوطنية كمدخل لا يمكن القفز عنه. فالمبدأ المذكور لا يجيز تغليب الرواية التاريخية لجانب على حساب الرواية التاريخية للجانب الآخر، كما حصل، للأسف، في تصميم حجر الأساس في اتفاقيات أوسلو،والمتمثل فيما يشار إليه جزافاً “بالإعتراف المتبادل” لكونه نص صراحة على اعتراف منظمة التحرير “بحق دولة إسرائيل في الوجود بأمن وسلام” مقابل اعتراف إسرائيلي فقط بتمثيل منظمة التحرير للفلسطينيين. وفي التباين الواضح في طبيعة هذين الإعترافين خلل جوهري لأن فيه تغليباً واضحاً للرواية التاريخية الإسرائيلية على حساب روايتنا التاريخية، وبالتالي انتقاصاً من حقوقنا الوطنية التي كفلتها الشرعية الدولية. هذا هو الأساس. ولكن، من جهة أخرى، فقد وضعت صيغة الإعتراف هذه الفلسطينيين منذ البداية، وحتى قبل الشروع في التفاوض على معايير الحل، في موقف المتلقيالذي يجب أن يكون ممتناً لأي فتات تلقيه إسرائيل تجاهه. ما هكذا يصنع السلام، وهذا ما يجب أن يفهمه العالم، وفي الأساس قادة إسرائيل.إذ كما دوَّن محمود درويش في “رسالة الشعب الفلسطيني” في الذكرى الثالثة والخمسين للنكبة: “لا سلام مع الاحتلال ولا سلام بين سادة وعبيد”. وفي هذا التوقيت بالذات، فإن لمثل هذه الرسالة قيمة إضافية تكمن في التأكيد على عدم تخلي الفلسطينيين عن مطلب السلام، وإنما عن رفضهم المطلق للاستكانة أو الاستسلام في وجه منطق القوة المتمثل في جبروت الإحتلال وطغيانه.

أما الشق الثاني للهدف من التأكيد على التمسك بحقوقنا الوطنية كافة، فيكمن في أنه يمثل مدخلاً هاماً للشروع الفوري في إنهاء حالة الإنقسام والتشظي في النظام السياسي الفلسطيني، والتي، على خلفية الفشل المتصل في إنهائهارغمالإدعاء المتكرر بضرورة ذلك،أضعفت القدرة الفلسطينية على السعي الفاعل لنيل الحقوق، وأفضت، في ظل التفشي المتعاظم للشعور ليس فقط بالعجز وإنما بعدم توفر النية لطي صفحةالإنقسام، إلى تدهور غير مسبوق في مكانة النظام السياسي القائم برمته.

ثانياً: بالرغم من الإنشغال الآني في مقتضيات التعامل مع الوضع الناشىئعن إنتفاضةالقدس، لا بل من أجل أن تكون منطلقات هذا الإنشغال إيجابية لجهة الحرص على البناء السريع على القدرة التوحيدية لهذه الإنتفاضة، يجب الشروع في اتخاذ إجراءات عاجلة كفيلة بوضع حد نهائي لحالة الإنقسام والتشظي في النظام السياسي الفلسطيني. ويتطلب هذا بالضرورة البدء من العنوان الأكثر أهمية في الوقت الحاضر، ألا وهوغزة،والتي كانت دوماً رافعة المشروع الوطني وحامية الهوية الجمعية للوطنية الفلسطينية.

هذا هو الخيار الصحيح لسببين، وهما الحاجة الملحّة للتعامل مع الأوضاع الإنسانية الكارثية في القطاع، وكذلك من منظور استراتيجي، نظراً للحاجة إلى إعادة إدماج قطاع غزة في النظام السياسي الفلسطيني كشرط أساسي على درب السعي لنيل حقوقنا الوطنية.

تتطلّب إعادة الإدماج هذه اتخاذ خطوات جادة نحو الشروع في إدارة التعددية الفلسطينية بطريقة ناجعة، فيما يتعلق بمتطلبات إدارة الشأن الداخلي الفلسطيني والعلاقات الدولية، على حد سواء. وهذا بدوره يتطلّب الدعوة لانعقاد وتفعيل الإطارالقياديالمؤقت،والذي يطلق عليه مسمى “لجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية”،على وجه السرعة، وضمان تَمكُّن حكومة ممثلة لكافة مكونات الطيف السياسي من ممارسة صلاحياتها كاملة، وكذلك إعادة انعقاد المجلس التشريعي.

عبر تكليف الإطار القيادي المؤقت باتخاذ قراراته بشأن المسائل المتصلة بالمصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني بصورة جماعية لتشكل أساساً للتعبير عنها من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، تضمن الفصائل من خارج منظمة التحرير، ودون القبول بالبرنامج السياسي للمنظمة، شراكة حقيقية في سعي الفلسطينيين لتحقيق طموحاتهم الوطنية.وفي ذات الوقت، تتمكن المنظمة من الحفاظ على برنامجها وتمثيلها لكل الفلسطينيين.وبطبيعته، فإن هذا التدبير يمثل وضعاً انتقالياً لحين إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني أو، إلى أن يتم ذلك، لحين التوصل إلى صيغة توافقية بشأن توسيع العضوية في منظمة التحرير وتعديل برنامجها.

يجب أن تُكلَّف الحكومة، المخولة بممارسة كامل الصلاحيات الممنوحة لها بموجب القانون الأساسي والمدعومة بمشاركة جميع الأطياف والقوى السياسية، بشكل أساسي بالمهمة المزدوجة،لجهة إنجاز إعمار غزة وإعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية والأطر القانونية في الضفة الغربية وغزة. ويجب أن يتم ذلك في ظل المساءلة الكاملة التي تتأتى بالانعقاد الفوري للمجلس التشريعي، والذي من شانه أيضاً أن يسهم بشكل مباشر كرافعة أساسية لمنظومة متكاملة من الحكم الرشيد والإدارة السليمة.

وأما بشأن أولويات العمل، فأرى أن تقتصر مداولات الإطار القياديالمؤقت في المراحل الأولى لانعقاده على الحاجة لإنجاز الاجندة الوطنية الداخلية، خاصة فيما يتعلقبتكثيف الجهد لتوفير مقومات صمود شعبنا، وخاصة في القدس،وإنجاز إعادة إعمار قطاع غزة وتوحيد المؤسسات والأطر القانونية والتنظيمية بعد تسع سنوات من الإنفصال. ولكن، من المنطقي أن يكون هنالك تزامن بين المهلة اللازمة لإنجاز هاتين المهمتين الرئيسيتين وبين مهلة ما يمكن التوافق فلسطينياً عليه بشأن موضوعالهدنة مع إسرائيل الذي تم التداول بشأنه من حين لآخر منذ العدوان الإسرائيليالأخير على قطاع غزة، وبما يمهدلاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يحدد سقفاً زمنياً مؤكداً لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بنهاية مدة الهدنة.

إذا أخذنا هذه الإجراءات ككل متكامل، إضافة إلى التزام قطعي بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة وتضم الجميع في أجل لا يتجاوز ستة أشهر قبل نهاية المدة المذكورة أعلاه، فإن من شأن ذلك أن يمثّل خطوة حاسمة في تحقيق التمكين الذاتي الفلسطيني. وهذه الخطوة يمكن أن تكتسب قدرة تحوّلية كافية في اتجاه البدء في  معالجةبعض مكامن الضعف الأساسية المتأصلة في النهج الذي تم اعتماده في التعامل مع إسرائيل في إطار اتفاقيات أوسلو، وخاصة فيما يتعلق بمسألة التمثيل الفلسطيني في ضوء تعاظم مكانة فصائل سياسية غير ممثلة بعد في منظمة التحرير. وبالإضافة لذلك، فإن من شأن الإلتزام الجاد بإجراء انتخابات عامة، وفي هذه المرحلة بالذات، ارسال رسالة هامة لشباب فلسطين بشأن الحرص على إشراكهم الفاعل في صنع القرار، وخاصة بعد انقضاء عقد من الزمن منذ إجراء انتخابات عامة وما نتج عن ذلك من تهميش لدور قطاع الشباب وربما أيضاً لتفشي شعور واسع بالإغتراب في أوساط هذا المكون الهام من مكونات مجتمعنا.

لكن حتى تتحقق تلك الإمكانية، يجب عدم الإلتفاتلاستمرار بعض مكونات المجتمع الدولي في الإصرار على التطبيق التاملما يسمىبمبادىءاللجنة الرباعية، وبما يشمل عدم التوقف إزاء حرفية ما ورد في بيان اللجنة الاخير حول هذه المبادئ، والمتمثلة أساساً في توقع التزام أية حكومة فلسطينية باتفاقيات أوسلو، علماًبأن المقابل المفهومي لهذه المبادئ في الجانب الإسرائيلي، أي قبول حق الفلسطينيين في قيام دولة مستقلة، لم يتمّ أبداً توقّعه رسمياً من قبل المجتمع الدولي من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ أوسلو. مرة أخرى، هنا ايضاً يجب الإحتكام لمبدأ الندية في التعامل.إذ لا يجوز القبول بواقع يقضي بالتزام كافة مكونات النظام السياسي الفلسطيني بأمر لا يوافق عليه حتى مجرد عضو واحد في الحكومة الإسرائيلية. ومن من قادة إسرائيل يدعي بخلاف ذلك، أو يزعم أنه موافق على مفهوم حل الدولتين، عليه أن يوضح، خاصة في ضوء ما هو معلوم جيداً عن جوهر الرؤية الإسرائيلية، أن ما يقصده بالفعل ليسدولةمسخ أو فتات.

بطبيعة الحال،لا يمكن تجاهل الحاجة للنقاش بعمق في موضوع البرنامج الحالي والمستقبلي لمنظمة التحرير، علماً بأن هنالك نقطة خلاف جوهرية تقع في صلب البرنامج الحالي، ألا وهي تلك التي تتمحور حول مفهوم حل الدولتين من أساسه، والتي اكتسبت أهمية بارزة بعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو، وعلى نحو متعاظم بسبب فشل الرهان على إمكانية اطار أوسلو انجاز دولة فلسطينية مستقلة بحلول نهاية الفترة الإنتقالية، والتضاؤل المضطرد منذئذ، تحت وطأة المشروع الإستعماريالإستيطانيوانتهاكات الإحتلالالأخرى، في الإعتقاد بإمكانية قيام هذه الدولة. وللتعامل مع هذه المسألة الجوهرية، ليس من المستحسن إطلاقاً اللجوء إلى صياغات مبهمة أو حمالة أوجه. بل يجب الإقرار بجوهرية ومشروعية الخلاف، ولكن أيضاً بصعوبة حسمه بالسرعة المطلوبة. وعليه، قد يكون من المناسب اعتماد نهج يقضي بإرجاء البت في هذه المسألة إلى أجل مسمى، وتحديداً إلىأجل مسقوف بنهاية مهلة الهدنة المشار إليها أعلاه، والمتزامنة أيضاً مع الموعد الأقصى لإنهاء الإحتلال. ومما يعزز القناعة بإمكانية التوافق على هذا النهج، ما سبق ذكره بشأن التأكيد على الإقرار بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، بما فيها الحق في دولة كاملة السيادة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كمدخل لأية عملية سياسية مستقبلية مع إسرائيل. فلم الخلاف اليوم،وبما يعيق المسيرة الوطنية، على أمر لن يكون خلافياً إن لم تلتزم إسرائيل بهذا المتطلب، أو يمكن البت فيه إن حصل والتزمت؟

ثالثاً: بالتوازي مع كل ما ذكر آنفاً، لا ينبغي التوقف، ولو للحظة، عن الإنخراط التام، وعلى كل المستويات الرسمية والأهلية والشعبية، في دحر الإحتلال وبسط واقع الدولة الفلسطينية على الأرض بالرغم من الإحتلال وعلى درب إنهائه. ويعني هذا بالضرورة تركيز الجهود على تعزيز القدرة على البقاء المقاوِم والتمكين الذاتي في وجه الإحتلال وممارساته، وخاصة في القدس والمناطق المسماة “ج”، بما فيها الأغوار. وبالإضافة للمنطق الذي لا يحتاج إلى الكثير من البيان بهذا الشأن لكونه ليس إلا ترجمة عملية لشعار الصمود الذي يتبناه الفلسطينيون كافة، فإن فيه أيضاً تنفيذاً لمطلب الإنعتاق من أوسلو التي قضت باستثناء القدس من النشاط الرسمي للسلطة الوطنية وبقيود مكبلة جداً تصل إلى منع نشاطها في حوالي 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، بما يشمل منطقة الأغوار.

وكذلك، فإن الإنخراط في بسط واقع الدولة وتجسيدها على الارض يمثل في جوهره، وكمكون أساسي لرؤية سياسية متكاملة، جهداً حقيقياًلإذكاء روح المشاركة الشعبية في استنهاض القدرات الذاتية وتسخيرها لدعم البقاء الفلسطيني المقاوم على أرض فلسطين وصولاً إلى دولة المؤسسات وسيادة القانون، دولة احترام الفكر والمعتقد، دولة ديموقراطية تزهو بتعدديتها ويسودها العدل وتكافؤ الفرص، دولة تحرص على كرامة مواطنيهاويصون دستورها الحريات و الحقوق الفردية والجماعية وتتكيف أنظمتها وقوانينها وفق المستجدات ومتطلبات الحداثة، دولة عصرية تطلق العنان لإعمال العقل والإبداع و التميُّز، وتوفر الرعاية والحماية لفئات المجتمع الأقل حظاً.

وأخيراً وليس آخراً، لابد، على درب بسط واقع الدولة وتجسيدها على الأرض، من الحرص على المثابرة، وبكل عزيمة وإصرار، على مراكمة الإنجازات والبناء عليها، وبما يشمل الإستفادة من رفع مكانة عضوية فلسطين في الأمم المتحدة ليس فقط على الصعيد الخارجي، على أهمية ذلك، وإنما أيضاً على أرض فلسطين نفسها بالتصرف بمنطق الدولة، من وحي القيم السامية المشار إليها، والتي يتوقع أن يساهم التأكيد عليها، وفي هذا الظرف بالذات، في إعادة قضية فلسطين إلى دائرة الاهتمام الدولي من منطلق اعتبار حلها العادل جزءاً من الرد الفاعل على”النزعةالرفضوية” الناجمةعن حالةالحرمان والتهميش واليأس التي طالما شكلت وريداً مغذياً للتطرف ف يالمنطقة.

 كما أن بسط واقع الدولة يملي السعي الحثيث لفرض وجود مؤسسات الدولة في كافة ارجاء الوطن ودونما اي اعتبار للتصنيفات المجحفة التي ولّى زمنها حتى قبل انقضاء حقبة اوسلو الإنتقالية. فهذا حق. وهو أيضاً واجب في كل الظروف، ولكنه بات ملحاً في مجال الأمن لتوفير الحماية اللازمة لمواطنينا في وجه همجية المستوطنين الإسرائيليين وإرهابهم،وبما يشمل بشكل رئيسي نشر قوات الأمن الفلسطينية في كافة التجمعات السكانية الفلسطينية بمعزل عن تصنيفات اوسلو. ولعل في مثل هذا الإجراء، في هذا التوقيت بالذات وعلى خلفية الشك والتشكيك بمصير كياننا الوطني ووحدة حالنا، أيضاً رسالة أخرى في منتهى الأهمية مفادها”إنا هنا باقون”.

ملخص تنفيذي

تأسيساًعلى ما سبق، ألخص تالياً العناصر الأساسية لمكونات برنامج إجماع وطني مرحلي يحقق الشراكة الكاملة في تحمل المسؤولية على صعيدي التمثيل الفلسطيني وإدارة الشأن الداخلي، وذلك من خلال السعي لتوظيف التعددية السياسية لا لتغييبها، وتحديداً من خلال المحافظة على ما نجحت منظمة التحرير الفلسطينية في تحقيقه لجهة حشد الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، من جهة،والاستفادة من عدم قبول الفصائل غير المنضوية تحت لواء المنظمة، وحتى من قبل بعض مكوناتها، بكافة عناصر برنامجهافي اتجاه معالجة ما اعترى مرجعيات “عملية السلام” من تآكل، من جهة أخرى.

1. إلى أن يصبح توسيع عضوية منظمة التحرير ممكناً، سواء من خلال الانتخابات أو أية آلية موضوعية أخرى يتم التوافق عليها، يبقى برنامج منظمة التحرير دون تغيير وتحتفظ المنظمة بمكانتها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.

2. دعوة الإطار القيادي الموحدللانعقاد بصورة عاجلة وتفعيل هذا الإطار، الذي يضم في عضويتهكافة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل غير المنضوية تحت لواء المنظمة، على نحو يجعل من قراراته الجماعية في كافة القضايا المتعلقة بالمصلحة الوطنية العليا جوهر ومضمون القرار الفلسطيني الموحد الذي تتولى منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولية التعبير عنه في كافة المحافل والاتصالات الدولية.

3. لا تتطلب عضوية الفصائل الفلسطينية من خارج منظمة التحرير في الإطار القيادي الموحد قبولها ببرنامج المنظمة. ولكن يجدر التنويه في هذا المجال أنه، ومن منظور فلسطيني محض، قد يكون من المناسب النظر في اعتماد الإطار القيادي الموحد بالإجماع التزام كافة الفصائل باللاعنف لمدة زمنية محددة (أي بهدنة) تأخذ بالاعتبار الوقت اللازم لإنجاز إعادة توحيد المؤسسات الرسمية والقوانين، بعد تسع سنوات من الانقسام، ولإعادة اعمار قطاع غزة.

4. تحقيق التزامن بين السقف الزمني للهدنة التي يمكن للفلسطينيين ان يتوافقواعلى عرضها وبين تاريخ محدد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، مع العمل على ترسيم مثل هذا التفاهم في قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي، على ان تلتزم إسرائيل طوال فترة الهدنة بالوقف التام للاستيطان بكافة اشكاله وتمتنع عن اتخاذ أية إجراءات من شأنها عرقلة سعي الفلسطينيين لبسط واقع دولتهم على الأرض، وبما يشمل رفع الحصار عن قطاع غزة وكافة أوجه الإعاقة القائمة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

5. تشكيل حكومة وحدة وطنية مكونة من قيادات الصف الأول في كافة الفصائل وتخويلها لأقصى درجة يتيحها القانون الأساسي بإعادة بناء وتوحيد المؤسسات والاضطلاع بكافة المسؤوليات المنوطة بها على النحو المنصوص عليه في القانون.

6. الالتزام بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة خلال فترة زمنية تسبق بستة أشهر على الاقل نهاية المرحلة الانتقالية المشار اليها أعلاه، وضمان أقصى درجة من المساءلة من خلال إعادة انعقاد المجلس التشريعي الحالي للقيام بدوره كاملاً، وبما يشمل التصويت على الثقة بالحكومة.

7. لا يتم الانخراط في أية عملية سياسية مع اسرائيل دون إقرارها المسبق بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني كافة، كما عرفتها الشرعية الدولية، وقبولها بمرجعيات “عملية السلام” المعتمدة دولياً، وفي مقدمتها مبادرة السلام العربية.

آمل أن يمثل جوهر ما طرحته أعلاه في مجمله إطاراً معقولاً وواقعياً للانتقال بالوضع الفلسطيني الداخلي من واقع الانقسام الى دائرة الأمل في إنهائه على درب تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، وذلك كشرط اساسي لتمكين الشعب العربي الفلسطيني من نيل حقوقه وتحقيق تطلعاته الوطنية، وعلى نحو  يعزز  من فرص نجاح مسعى اشقائنا العرب لمساعدتنا في تحقيق ذلك، الأمر الذي يعتمد بدوره أيضاً على ان يكون منطلق كافة مكونات العمل السياسي في فلسطين، وإن تعددت الرؤى، فلسطينياً خالصاً.

Print Friendly

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

راية حركة فتح

رام الله – تنظيم المؤتمر العام السابع لحركة فتح 29 تشرين الثاني 2016

رام الله – شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج ) Share This: