إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / لماذ أخفى الله ذاته عن خلقه؟ بقلم : معتز الخليفي
نون والقلم وما يسطرون
نون والقلم وما يسطرون

لماذ أخفى الله ذاته عن خلقه؟ بقلم : معتز الخليفي

لماذ أخفى الله ذاته عن خلقه؟

بقلم : معتز الخليفي

أنا على يقين تام، أن هذا السؤال قد تبادر إلى ذهن أحد منا في يومٍ ما،بقصد أو غير قصد، مسلمًا كان أم على ديانة أخرى. وهو السؤال الذي يسأله من يريد أن يتعمق في دين الإسلام، أو من يريد الدخول فيه.

فعندما يدعو الداعية إلى الله، وإلى الدخول في الإسلام بالإقناع والحجج والبراهين، يسأله الكافر أو الملحد بقوله: «إن كنت تدّعي أن هنالك إلهًا واحدًا في الكون، فلماذا لا نراه، ولا ننظر إليه صباح مساء، ولماذا أخفى ذاته عنا؟ ألم يكن من الأفضل والأكمل أن يرينا ذاته حتى نعبده حق عبادته ولا نعصيه، وأن نستشعر عظمته حينما نراه يومًا بعد يوم، وبالتالي لن نستطيع أن ننتهك أوامره التي فرضها علينا؟».

كل تلك الأسئلة مشروعة في نظري، والأهم فيها الإجابة عليها بشرح وافٍ يعطي الحجج والبراهين لمن سأل عنها في يومٍ من الأيام، أو لعله يشفي قلبًا حيرانًا، قد توهج عليه حمم ملتهبة ينتظر الماء الذي يطفئها ويبردها.

الذات العلية

حينما عُرج بالنبي محمد -عليه الصلاة والسلام- إلى سدرة المنتهى فوق السماوات السبع، وهي أعلى منطقة قد يصل إليها مخلوق، حتى أن سيد الملائكة جبريل بجلالة قدره، لم يستطع أن يتخطاها ولو بخطوة واحدة، سمع وقتها النبي محمد صريف الأقلام التي تخط وتكتب مقادير الكون والمخلوقات. وكلمه ربه بدون ترجمان أو حجاب، أي بدون واسطة، ونحن لا نعلم ماهية المحادثة التي جرت بينهما، أو كيفية الحديث وطريقته، أو أي شيء يدل على ذلك. بينما النقطة التي نرتكز عليها في هذا الجانب، هي عندما سألته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «هل رأيت ربك؟»، عندها أجاب: «هو نور أنى أراه». أي هو نور كيف لي أن أراه أو أميزه. وهنا يتوافق قول النبي محمد مع القرآن حينما أشار إلى ذلك «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير».

وفي الحادثة الأخرى حينما ذاب موسى -عليه السلام- شوقًا لرؤية الله بعدما سمع كلامه مباشرة بدون حجاب أو واسطة، تلك الأذن حينما اعتادت على سماع ذلك الكلام المليء بالهيبة والعظمة والجلال، أرادت نظيرتها ورفيقتها في الحياة، ألا وهي العين، أن تشق طريقها هي الأخرى لاستكشاف الكينونة والذات الإلهية، الذات التي طالما سمعتها الأذن واستحسنتها، لكن العين لم يكن لها نصيبٌ في ذلك.

قال موسى حينها «رب أرني أنظر إليك»، ولم يقل إلهي أو خالقي أو سيدي، هنا يتكلم موسى عن الربوبية والتربية الكبرى له من ربه، بعد أن تربى في بيت فرعون التربية الصغرى. التربية التي يربيها الرب لعبده منذ أن يُخلق وهو يكفله ويرزقه ويحفظه ويرشده ويدله عليه. ثم قال«أرني» أي اكشف لي ولو شيئًا قليلًا منك لأنظر إليه، لأن الشوق أذابه وتمكن منه. لكن الردّ أتاه بالنفي، وفي الحقيقة نفيٌ رحيمٌ مثله، قال له «لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني» هنا أراد الربُّ جل جلاله، أن يضرب لموسى وهو المخلوق البشري الذي يسعى ويحب الأشياء الملموسة بين يديه، شيئًا قريبًا منه يراه ويشاهده، ليفهِّمه ويعلمه ويربيه عن نفس الموضوع الذين نحن بصدد الشرح فيه. وعندما كشف الرب العظيم شيئًا من حجابه، «وحجابه النور»، دُكّ الجبل دكًّا، ولك أن تتصور عزيزي القارئ ذلك الجبل العظيم الكبير جبل الطور، بحجارته الصماء الكبيرة، يُدَك عن بكرة أبيه أمام موسى، ومعنى الدك: أي كأنك قصفته بصاروخ من أعلاه فدمرته وأبقيته ترابًا مستويًا، بعكس النسف الذي لا يكون إلا من الأسفل.

ولم يكد يرى ذلك البشر المادي تلك المصيبة والصدمة التي حدثت بين ناظريه حتى صُعق وأغمي عليه، ولا نعلم حقيقة هل صعق بفعل كشف الحجاب عن الذات الإلهية، وأصابه نور الله الذي أصاب أيضًا الجبل، فكل منهما صُعق؟ أم أن موسى صُعق بفعل الصدمة والمشهد الذي حدث أمامه.

وعندما أفاق موسى، علم أنه ليس باستطاعة النفس البشرية المادية الضعيفة أن ترى نورًا يسيرًا في الكون، فكيف لها أن ترى من خلق ذلك النور؟

طبيعة البشر المادية

مما سبق، يمكن لنا أن نستنتج أن النفس البشرية لا ترضى إلا بما تراه، ولا تصدق إلا بما تشعر وتحس به،فعندما تحدثها عن الجنة والنار والحساب والصراط والقيامة، لو لم تكن مؤمنة وواثقة بربها وخالقها، لن تصدق ذلك لأنه شيء غيبي في المخيلات، ولم تعرفه ولم تتطلع على تفاصيله.

وهنا ضرب الله في كتابه مثلًا ببني إسرائيل، وهم كسائر البشر أناس ماديون يحبون الدنيا ويركنون إليها، وقتها واعد الله موسى -عليه السلام- في الميقات ليكلمه، وحدد له موعدًا، فعاجل موسى وأتى قبل الميعاد شوقًا ولهفةً إلى الحديث والأنس مع ربه، عندها أصاب موسى شؤم تلك العجلة، وهي أن ابتلاه الله بعبادة قومه للعجل، الذي أوهمهم السامري وصنعه من الذهب والحلي، وقال لهم إن هذا ربكم ورب موسى الذي نسي أن يخبركم به. وهنا تستكمل الصورة والمعاني، اختار لهم عجلًا، جسد له صوت ملموس محسوس، والعِجل من العاجلة أي الدنيا، فأصبحوا يعبدونه ويقدسونه، ويلمسونه بين أيديهم، ويسمعون صوته، أليس لهم بأفضل من الغائب، الرب الذي لا يُرى ولايُسمع ولا يُخاطب؟

ومن أراد أن يفهم مراد الله له، فليتدبر قَصص بني إسرائيل لأنهم أئمة العالمين، وكل ما فعلوه سيفعله أناس من هذه الأمة، حتى من كان يزني بأمه في بني إسرائيل، سيأتي من يزني بأمه في هذا الأمة. ولذا، مصيبة وابتلاء الأمة كانت وستكون في العجل، ليس العجل الذي يؤكل، وإنما عجل الدنيا العاجلة القريبة من الهوى والنفس، وحب التشبث بها، وكراهية الحياة الأخروية غير الواقعية والمحسوسة التي لا يُعرف عنها إلا الأحاديث والأخبار والروايات.

أليس الشيء القريب العاجل، أفضل من البعيد الذي لا يرى؟

السر الخفي في الإخفاء

في هذا الجزء سنحاول أن نعرج بعد أن استعرضنا جزءًا يسيرًا من طبيعة النفس البشرية، عن سر الإخفاء الذي أراد الله أن يكون في خلقه، ولماذا لم يكشف عن ذاته العلية البهية العظيمة؛ لكي نعبده ونوحده دون سواه.

الله جلت قدرته وتبارك اسمه المجيد، عندما ابتلى آدم بالأكل من الشجرة وأنزله إلى أرضه ليستعمره فيها، ويحيا فيها حياته المقدرة له إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لم يخلقه عبثًا ولم يتركه سدى، ابتلى عباده بالتفاوت في الأعمال والنوايا والأحوال لينظر أيهم أحسن عملًا وأجود صناعة وقربانًا له.

فعندما يقول لهم أنا إلهكم وربكم وخالقكم، ويرسل لهم رسله، ويهيئ لهم السماوات والأرض، فهو يعطيهم دلالات وبراهين وإشارات على وجوده وحضوره، وأنه حيٌّ حياةً أبدية لا موت فيها.

ومن يجادل في أحقية رؤية الله الآن، فوالله إن كل ذرة في الوجود تدل عليه، شمسه حين تشرق وحينما تغرب، قمره حينما يعود كالعرجون القديم، سماؤه حينما تملأ عينك بها هيبة من صنعتها.

أراه في قطرات الندى على أوراق الشجر وقت الفجر، أنا أنظر إليه نظرًا مبينًا في انتفاخ بطن الحُبلى بجنينها. أتطلع إليه وهو يعطيني ألذ ما طاب من الأطعمة والأشربة التي بين يدي. إني أراه في رموش العينين التي أبدع في رسمها، أراه في رحمته التي تسبق غضبه على خلقه. أنظر إليه حينما تنقطع بي كل السبل وأنا وحيد بين الأمواج في البحار وبين الظلمات، ولا أرى أي إله سواه. أراه في القلب الذي ينبض بسرعة ضاخًا كميات من الدماء في أنحاء الجسد. أنظر إليه في كل زمان ومكان نظرًا حقيقيًّا بصرًا وبصيرةً، وأشتاق إليه. وفي الحياة الأخروية أكمل ما قد بدأت به هنا عندما تَصدُقُ تلك الإيمانيات التي كنت آمنت بها في الحياة الدنيا وأرها عين اليقين، أراها أمامي رأي العين من غير حُجُب.

ولذا اختار الله إخفاء ذاته عن مخلوقاته ليكون لهم ابتلاءً واختبارًا واصطفاءً، وتفاوتًا بينهم ليرى من هو الصادق ومن هو الكاذب، من الذي يستطيع رؤيته في الدنيا بصيرة لكي يراه في الآخرة بصرًا وحقيقةً،وهذا لهو من أشد الابتلاءات التي قد تجدها.

كيف لك أن تؤمن بإله غير حاضر أمامك، لا تلمسه ولا تخاطبه ولا تسمعه؟

وهنا أقول: إني أخاطبه حينما أرفع كفي مرددًا: الله أكبر! يخاطبني حينما يقول لي: «فإني قريب»، أسمعه في الابتلاءات والمصائب التي تحدث لي حينما يهمس في أذني وماذا يريد أن يقول لي. أشعر به حينما أستنشق هواءه وأخرجه من أنفي، وحينما أكتب هذه الحروف عنه. فهل بعد ذلك، من شك أنه موجود، وأنه سوف يُرى ويُسمع ويُخاطب مباشرة من غير حُجُب. لكن الخوف كل الخوف أن يُحجب عنك في الدنيا بذاته، وأن تكون في الأخرى ممن حُجب عنه، ذلك هو الخسران المبين. «كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون».

ردد: النظر النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك.

Print Friendly

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

د. مصطفى يوسف اللداوي

الدولفين الألمانية إلى الكيان الصهيوني من جديد .. بقلم: د. مصطفى يوسف اللداوي

الدولفين الألمانية إلى الكيان الصهيوني من جديد بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي Share This: