إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / الانتفاضة الثالثة – انتفاضة الكرامة (87 – 95 ) >> بقلم : د. مصطفى يوسف اللداوي
elladodi[1]

الانتفاضة الثالثة – انتفاضة الكرامة (87 – 95 ) >> بقلم : د. مصطفى يوسف اللداوي

الانتفاضة الثالثة – انتفاضة الكرامة (87),

عميرام بن اورليئال الوالد الإنسان

بقلم : د. مصطفى يوسف اللداوي

بكل بجاحةٍ ووقاحةٍ وقلة أدب، وسفاهةٍ وبلادةٍ وقلة ذوق، ينشر الإسرائيليون صور المجرم عميرام بن اورليئال الذي حرق عائلة دوابشة وقتلهم، وهو يحمل ابنه بين يديه، يدلله ويداعبه، ويلاطفه ويهدهده، ويضحك له ويناغيه، كأنهم يقولون أنه لا يمكن لهذا الأب الحنون الرؤوم أن يكون قاتلاً، ولا يعقل أن يكون هذا الإنسان الذي يملك قلب والدٍ عطوفٍ أن يكون مجرماً، وكأن التهمة الموجهة إليه باطلة، وأنه برئٌ من جريمة حرق عائلة الدوابشة، وأن الفلسطينيين قد ظلموه وأخطأوا في حقه، بدلاً من البحث عن أسباب هذه الجريمة ودوافعها، فقد تكون هناك ملابساتٌ خفيةٌ تبرر ما قام به، وتجيز ما ارتكبه هذا الأب الشفوق الرفيق الرقيق، ربما هناك من استفزه وأغضبه، وتطاول عليه فأخرجه عن حلمه، ودفعه إلى فعلٍ ما كان يرتضيه أو يقبل به.

كنا نسمع قديماً عن حكم قراقوش وكنا نستغربه وأحياناً نكذبه، إذ كيف لحاكمٍ أن يعاقب بريئاً بتهمة آخر، ويعفو عن المجرم وينزل عند رأيه ويأخذ بنصحه فيستدعى آخر من بيته ويعاقبه نيابةً عن المجرم، ولكن العدو الإسرائيلي جعلنا نؤمن بقراقوش ونصدقه، ونعترف بأن منهجهما واحد وكتابهما مشترك، وكأنهما يغرفان من مستنقعٍ واحد، ويشتركان في أصلٍ قديمٍ آسنٍ يجمعهما.

يدافع الإسرائيليون عن المجرم عميرام بن أورليئال بأنه أبٌ لطفلٍ صغير يحنو عليه ويحبه، ويحرص عليه ويعيش من أجله، وأنه ما زال بعد شاباً صغيراً لا يعي من الحياة الكثير، ولم يذق من نعيمها شيئاً، فهو لم يتم بعد عامة الحادي والعشرين، ولم يستقل في حياته إلا قليلاً، وهو يتطلع إلى حياةٍ آمنة ومطمئنة، ونفت المحكمة عنه أي ميول عدوانية أو أفكار عنصرية، إذ لا تنسجم هذه الأفكار المقيتة والتهم الغريبة مع شابٍ مقبلٍ على الحياة، مفعمٍ بالحيوية، ويملأ قلبه الأمل بتربية ولده وتنشئته، وتعليمه والاهتمام بمستقبله، فهو إن لم يحرص على حياته فإنه يخاف عليها من أجل ابنه الصغير الذي يحتاج إليه.

أما شريكه في الاعتداء وصاحبه في الجريمة، والذي أشعل معه البيت وأحرق الأب والأم والأولاد، وإن غاب عن مسرح الجريمة وقت التنفيذ فإنه كان مخططاً لها، فقد وصفته المحكمة بأنه قاصر، وأن الأحكام لا تجري عليه، ولا يجوز معاقبته أو محاسبته وهو في هذا السن القاصر غير المسؤول، حرصاً على نفسيته ومراعاةٍ لطفولته، في الوقت الذي تحاكم فيه الأطفال الفلسطينيين وهم دون العاشرة، وتصنف من هم فوق الرابعة عشر من عمرهم بأنهم بالغون وراشدون ومسؤولون عن أعمالهم ومحاسبون على أفعالهم.

جريمة العصابة الإسرائيلية العنصرية المتطرفة ليست أداةً حادةً كانوا يحملونها، أو سكين مطبخٍ كانوا يخفونه، أو مسطرةً مدببة كانوا يحتفظون بها في حقائبهم، أو صورةً علقوا عليها إعجاباً واستحساناً، كما أنها ليست نيةً كانوا يتسترون عليها في صدورهم، أو تفكيراً كان يرواد مخيلتهم، أو دعاءً كان يتردد على ألسنتهم، ولم تكن جريمتهم أن سحنتهم سمراء وشكلهم عربي، ولسانهم يلحن باللغة العبرية، ولا أنهم ركنوا سيارتهم على الطريق، أو أسرعوا بها على الطريق السريع، وغير ذلك مما يتهمون به الفلسطينيين ويقتلونهم أو يحاكمونهم عليها.

إن جريمة هذه العصابة أنها هاجمت منازل عربية فلسطينية آمنة مطمئنة، وكتبوا على جدرانها عباراتٍ عنصرية معادية للعرب، ثم أضرموا النار في واحدٍ منها، فأسفر الحريق عن مقتل طفلٍ رضيع ووالديه بعد ذلك، وإصابة شقيقه بجراحٍ بالغةٍ لا يزال يتلقى العلاج على أثرها، ولم تكن جريمتهم أنهم خدشوهم بسكين لا تجرح، أو أنهم ضربوهم بحجرٍ لا يؤذي، بل كانت جريمتهم القتل البشع الغريب المستنكر، ثم جاؤوا بصورة القاتل يحمل طفله الصغير، ويبدو عليه الحنو عليه والحب له، ليقولوا عنه أنه بريءٌ مما نسب إليه من جريمة، وأن الحادثة تحتاج إلى توصيفٍ آخر يناسب الظرف ولا يظلم المتهم، كما أن المتهم في حاجةٍ إلى فترة راحةٍ بعيداً عن ضغوط الشرطة وقسوة الاتهامات الموجهة إليه، وتناسوا عديد الجرائم الأخرى التي ارتكبتها مع مجموعته.

بل إن من الإسرائيليين من حمل على الفلسطينيين واتهمهم بتهويل الحادثة، وتحميلها أكثر مما تحتمل، وأنها لم تكن سبباً في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، بل إن عمليات التحريض والتعبئة التي قامت بها أطرافٌ فلسطينية ووسائل إعلامها، هي التي كانت السبب في تفجر أعمال العنف في المناطق كلها، ولو أن الفلسطينيين تعاطوا مع الحادثة التي “دانتها الحكومة وشجبتها” بهدوء وعقلانية، لما تطورت الأوضاع إلى ما هي عليه الآن من سوءٍ وخطورة، بل إن رد الفعل الفلسطيني العنيف والمتطرف هو السبب فيما عم المناطق من فوضى واضطراب.

الحقيقة أن عميرام بن أورليئال قد بيت النية بالقتل، واستعد لهذا اليوم، وخرج من بيته وهو يعلم أنه أبٌ لطفلةٍ صغيرة، وكان في نيته أن يقتل أسراً فلسطينيةً بأكملها، ولم يكن في نيته أن يستثني الأطفال أو النساء، بل ألقى بقنبلته الحارقة التي حملها معه إلى البيت المأهول، وانتظر حتى اشتعلت فيه النيران، ومن قبل كان قد كتب على الجدران عباراتٍ عنصرية قد حفظها وأعدها مع علب الطلاء التي أحضرها معه ليكتب بها.

الإسرائيليون يهزأون بها ويتهكمون علينا، يحاكمون الطفل الصغير فينا ولو كان عمره عشرة سنوات، ويتهمونه بمحاولة القتل أو الطعن، ويقتلوننا على اللون والسحنة، واللسان واللهجة، ويطلقون النار علينا إن توقفنا في الشارع، أو أبطئنا سرعة سياراتنا، أو زدنا في سرعتها وتجاوزنا الشوارع بسرعةٍ كبيرةٍ، ويقتلوننا إن اقتربنا منهم ويطلقون النار علينا إذا كنا بعيدين عنهم، ويعتدون علينا في بيوتنا وسط عائلاتنا وبين أطفالنا، يقتلون الأب أمام عيون أولاده، ويقتلون المرأة الحامل والمرضع والحاضن لطفلها، ويقتلون الولد أمام أبيه وأمه، ويرتكبون كل الموبقات بحق الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، ثم يتهموننا بأننا نحن الإرهابيين، ونحن المعتدين الغاصبين، ونحن من يجب قتلهم وحرمانهم من الحق  في الحياة.

بيروت في 2/2/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (88)

إنهاء الانتفاضة بين الاحتواء المرن والحسم الخشن

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

تمخر الانتفاضة الفلسطينية عباب شهرها الخامس وهي على حالها من القوة والعنفوان، والحيوية والنشاط، لا يعتريها الضعف، ولا يسيطر عليها اليأس، ولا تعيش الإحباط، بل يسكنها الأمل، ويحركها اليقين، وتثبتها الثقة في الله على الطريق، فتمضي قدماً ولا تتعثر، وتسير ولا تتأخر، وتُبتلى فلا تسقط، وتُمتحن فلا تفشل، وتقدم الشهداء ولا تحزن، وتضحي بزهرة شبابها ولا تبخل، فغايتها عظيمة، وآمالها كبيرة، وتطلعاتها عالية، وأهدافها عزيزة، وهي تريد أن تحقق بانتفاضتها إنجازاً، تنتزعه بالقوة، وترغم العدو عليه عنوةً، فما أقدم الفلسطينيون على انتفاضتهم إلا ليعودوا منها بكسب، ويخرجوا منها بنصرٍ، وهذا الذي كان في الأولى والثانية، وهو ما يجب أن يكون في الثالثة، وإن تغيرت الظروف وتبدلت، فهي علينا وعلى العدو تتبدل، ولكنها دوماً تتغير لصالح هذه الأمة ومستقبل الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه.

يشعر العدو الإسرائيلي بهذا اليقين ويلمس هذه الثقة، ولا يستطيع أن ينكر وجودها أو ينفي مفاعيلها، بل إنه يعاني منها، ويعترف بها ولا يستخف بأثرها، إذ يرى أن الفلسطينيين يسكنهم الأمل، ويعمر قلوبهم اليقين، وأنهم مع كل يومٍ جديدٍ يكونون فيه أكثر عزماً وأشد قوة، وأنه لن يتمكن منهم رغم عنفه الكبير وبطشه الشديد وسياسته العسكرية القاسية.

 بل إن أقطاباً إسرائيلية كبيرة، وقادةً عسكريين كثر يرون عقم سياسة القوة وفشلها، وعجز القبضة الحديدية وضعفها، وأنها تؤدي إلى نتائج عكسية، وتتسبب في رداتِ فعلٍ قاسية، فهي تزيد في عنف الانتفاضة، وكأنها تزود النار المشتعلة بحطبٍ جديدٍ ووقودٍ آخر، يذكي نيرانها، ويزيد في أوارها، ويجعل ألسنة لهبها تحرق الإسرائيليين وتخرب اقتصادهم، وتتلف إنتاجهم، وتعرضهم لمستقبلٍ غامضٍ كانوا في غنىً عنه.

يتسابق الإسرائيليون فيما بينهم في البحث عن السبيل المؤدي إلى خلاصهم، والمنقذ لهم من أزمتهم، فكان العسكريون أسرعهم تفكيراً وتصرفاً، عندما انتهجوا العنف واستخدموا السلاح والقوة المفرطة في التعامل مع جيل الانتفاضة الشاب المتقد حماسة والملتهب عنفواناً، والذي لا يعرف معنىً للخوف أو الرهبة، ولا يجزعه السجن ولا يحد من عزمه ما فيه من أهوال، وما يتخلله من تعذيب وتنكيل، ومع ذلك فقد سادت على مدى الأشهر الماضية النظرية العسكرية، أو مفهوم القوة، في التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية في سبيل إنهائها ووضع حدٍ لها، لكن المهمة فشلت، والجهود خابت، والانتفاضة استمرت وقويت، واشتدت وانتشرت، وتوسعت وامتدت، وزادت خسائر العدو المادية والبشرية، وتضررت سمعتهم واهتزت ثقتهم بأنفسهم.

أما الآخرون الناعمون الماكرون، الذين يتلطفون في كلامهم، ويحسنون انتقاء مفرداتهم، ويحرصون على استخدام مفردات التعايش والتفاهم، فإنهم أصحاب مدرسةٍ أرسى قواعدها ثعلبهم الأول شيمعون بيرس، الذين يرون أن القوة ليس الوسيلة المثلى لإنهاء الانتفاضة، وليست السبيل المجدي لإقناع الفلسطينيين بالتخلي عنها، بل إنها أفضل وصفةٍ لزيادة مستوى العنف بين الطرفين، ورفع درجة التحريض والتعبئة بينهما، فهذه القوة التي سبقت إليها الحكومة والجيش برأيهم، هي التي تسعر الانتفاضة وتعطيها عمراً أطول ومدىً أوسع.

فقد صرح الجنرال الإسرائيلي أيال بن رؤوبين منتقداً السياسة العسكرية التي يمارسها يعلون ورئيس حكومته نتنياهو “لا يوجد حل عسكري لانتفاضة السكاكين، ويصعب مواجهة هذه الانتفاضة، والحل هو سياسي فقط”، ولهذا فإن فريقاً من هذه المدرسة التي تضم عسكريين وسياسيين، وإعلاميين وباحثين، يرون وجوب انتهاج سياسة أخرى، واعتماد سبيلاً آخر، يطلقون عليه اسم سياسة الاحتواء، ولا تكون القوة أساساً فيه، ولا طاغيةً عليه، وإن كانت ضرورية ولازمة في كثيرٍ من المواقف، لكنها يجب أن تكون تالية لجهودٍ أخرى.

يرى هذا الفريق ضرورة الاستعانة بالسلطة الفلسطينية والتعاون معها، فهي أقدر على التعامل مع شعبها منهم، وهي لا تلقى ردات الفعل العنيفة التي يتعرض لها الجيش والمستوطنون، ولكن التعاون مع السلطة يلزمه مرونة سياسية، ومكاسب تحصل عليها من الجانب الإسرائيلي، الذي ينبغي عليه أن يقدم تنازلاً مما استعاده منهم، مما كان لها وتحت سيطرتها بموجب مختلف الاتفاقيات التي وقعها معها.

كما يدعو هذا الفريق إلى ضرورة التعاون مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، إذ أنهما يستطيعان من خلال المساعدات والمنح التي يقدمونها، وكذلك من خلال المشاريع الاقتصادية والإنسانية التي يقترحونها، إشغال الفلسطينيين بها، ولفت أنظارهم عن الانتفاضة، أو على الأقل عزل نشطائها، ومحاصرة فعالياتها، والتضييق عليهم، ولكن هذا الأمر لا يتحقق دون تسهيلاتٍ حقيقيةٍ تقدمها الحكومة إلى السلطة الفلسطينية وإلى الدول الراغبة في تقديم المساعدة، ذلك أن الشروط والعقبات التي تضعها الحكومة أمام تنفيذ هذه المشاريع، من شأنها أن يمنع دول الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، وهم محل ثقة الفلسطينيين وأملهم، من القيام بمشاريع اقتصادية وحيوية حقيقية، تشغل الفلسطينيين وتصرفهم عن انتفاضتهم.

إنه حلمٌ يراود العدو الإسرائيلي، حكومةً وأمناً وجيشاً، ويتمنون أن يتحقق بسرعة، وألا يطول أكثر مخافة أن يتحول إلى كابوسٍ مزعج، وهو أن تنتهي الانتفاضة، وأن تتوقف فعالياتها وتتعطل أنشطتها، وأن يعود الهدوء إلى المناطق الفلسطينية، وأن تتوقف أعمال الطعن والدهس والقنص وغيرها، وأن تعود الثقة إلى المستوطنين الإسرائيليين، كي يشعروا بالأمان إذا خرجوا من بيوتهم، أو كانوا في مراكز عملهم، فلا يجدون أنفسهم مضطرين إلى البقاء في بيوتهم، أو مغادرة مناطقهم هرباً إلى أماكن أخرى يظنونها آمنة وبعيدة عن متناول النشطاء الفلسطينيين، فقد فقدوا الثقة في حكومة كيانهم وجيشه، وباتوا يرون أنفسهم في مواجهة كوابيس الموت ذبحاً أو دهساً، وهو قتلٌ بشعٌ ومخيفٌ، ويثير في النفس رهبةً، وفي القلب رعباً يصعب نسيانه مع الأيام أو تجاوزه مع مرور الزمن، ولو كان حلماً أو خيالاً، فضلاً عن أن يصبح حقيقةً لا احتمالاً.

بيروت في 6/2/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (89)

العدو يختار الضحايا وينتقي الشهداء

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

كشف إعلام العدو الإسرائيلي في تقاريره التي قامت ببثها في الأيام القليلة الماضية وسائلُ إعلامه المختلفة، أن مصورين عسكريين مزودين بكاميراتٍ خاصةٍ جداً، يقومون بمواكبة الجنود ومتابعة أنشطتهم العسكرية، حيث يكونون معهم في ميادين المواجهة وساحات الاشتباك، ويتحركون معهم جنباً إلى جنب وهم يطلقون النار، أو يحاولون الفرار من قاذفي الحجارة وملقي القنابل الحارقة، وخلال ذلك يقومون بتصوير كل شئ، ومتابعة تفاصيل الاشتباكات بكل دقةٍ، حيث يقوم بالتصوير أكثر من جندي، ويتم التصوير من أكثر من زاويةٍ، الأمر الذي يجعل الصورة كاملة وغير منقوصة، وذلك عند تجميع صور الكاميرات المختلفة وإجراء مونتاجٍ فني لها، فتظهر صورة المشاهد كاملةً كما كانت على أرض الواقع، وتظهر التفاصيل كأشد ما تكون وضوحاً ودقة، وتتميز الوجوه والشخصيات، وتعرف الأسماء والهويات.

تخضع الصور المسجلة من قبل الجنود ووسائل الإعلام الإسرائيلية المختصة، والصور الأخرى التي يتم رصدها وجمعها عبر مختلف وسائل الإعلام الأخرى، وعبر شبكة الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي، إلى عملية دراسةٍ دقيقة ومتأنية، تقوم بها أكثر من جهةٍ أمنيةٍ ولجانٍ مختصةٍ، يتم فرزها حسب مناطق الاشتباك والتوتر، بحيث يشارك في دراستها ضباطٌ وعناصرٌ من المخابرات الإسرائيلية، ممن يعرفون الوجوه ويحفظون الأسماء ويميزون بين الشخصيات، وقد يستفيد العدو في دراسته بالعملاء والمتعاونين الفلسطينيين، الذين يتميزون بقدرةٍ أكبر على معرفة أصحاب الصور ومناطق سكنهم وأماكن وقوع الأحداث.

يركز العدو الإسرائيلي في دراسته للصور والوثائق على أكثر من جانبٍ، إذ بالإضافة إلى معرفة هويات المشاركين وعناوينهم، وتمييز السكان المحليين عن المشاركين الوافدين من مناطق أخرى، إذ تبين لهم وجود نشطاء مختلطين من مناطق مختلفة، يغادرون مناطقهم التي يعرفون فيها إلى أخرى بعيدة عنهم، ينشطون فيها ويشاركون في الأحداث، وقد ينفذون فيها عملياتٍ خاصة.

إلى جانب ذلك فإنهم يبحثون عن الشخصيات القيادية المركزية، التي تصدر الأوامر وتقود الاشتباكات وتوجه الجمهور، وتبدو من خلال الصور أنها شخصياتٌ محورية، عليها يرتكز العمل، وحولها يلتف المشاركون، الذين يسمعون لهم ويلتزمون بتعليماتهم وأوامرهم، ويتم التركيز على الملثمين منهم، ممن يخفون وجوههم ويتقدمون أكثر من غيرهم، خاصةً حملة المقاليع وقاذفي القنابل الحارقة، الذين يحرصون على تغطية وجوههم، إذ أنهم أكثر المشاركين توغلاً، وأقربهم مسافةً إلى جنود وعربات الاحتلال.

كما يبحثون عن الشخصيات التي يتكرر وجودها في أكثر من مكانٍ، والتي تحرص على المشاركة في كل الفعاليات، ولا تغيب عن المناسبات الوطنية والاشتباكات اليومية، وخلال ذلك يركزون في بحثهم عن أكثر المشاركين عنفاً وقوةً، وأكثرهم حضوراً وتميزاً، ممن تشكل مشاركتهم خطورة على حياة جنودهم ومستوطنيهم، خاصة أولئك الذين يصنفون بأنهم خطرين، وتعرفهم المخابرات الإسرائيلية ممن يقتحمون بقوة ولا يترددون في استخدام ما بأيديهم من أدواتٍ وأسلحة، ويكون التركيز أكثر على الذين تظهر الصور أنهم يحملون أسلحة نارية أو قنابل حارقة، سواء كانوا ملثمي الوجوه أو حاسري الرأس.

لا يعتمد العدو الصهيوني في دراسته للصور والمشاهد، ومحاولته معرفة هويات المشاركين وتصنيفهم حسب مشاركتهم ودرجة خطورتهم، على القدرات البشرية فقط، مهما كانت قدرة العناصر الأمنية والمخابرات والمتعاونين الفلسطينيين، بل يعتمد على التقنية العلمية العالية، وذلك من خلال إجراء عمليات مسح إلكتروني شامل للوجوه والعيون، ومن خلالها فإنه يستطيع معرفة مختلف الأماكن التي شارك فيها كل شخص، كما يتمكنون من خلال هذه التقنية الحديثة، من معرفة الأماكن التي وجد فيها سابقاً هذا الشخص وتم تصويره، وهذه التقنية تتيح لهم معرفة الأشخاص المرافقين له، والأماكن التي اعتاد أن يذهب إليها، ومن خلاله يستطيعون العودة إلى هاتفه النقال إن كان يملك والحصول على ما يجدونه في هاتفه محفوظاً.

تزود المخابرات الإسرائيلية قيادة أركان جيش العدو بما لديها من معلوماتٍ حسب مناطق نشاط جيش الاحتلال، وتحدد لهم صور النشطاء والفاعلين، ليتم التركيز عليهم والبحث عنهم بين جموع المشاركين بقصد قتلهم، حيث يتعمدون إصابتهم في الجزء العلوي من الجسد لضمان قتلهم، وقد سربت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية محادثاتٍ هاتفية بين الجنود المصورين الذين يقومون بعملية الرصد، أو المطابقة بين الصور التي لديهم والأشخاص المشاركين، وعندما يتأكدون من هدفهم فإنهم يزودون الجنود بأماكنهم ليتم استهدافهم، وقد سمعت أصوات بعض المصورين وهم يوجهون الجنود، ويؤكدون لهم أن الإصابة دقيقة وقد أصابت الشخص المطلوب، وإذ وقع خطأ فإنهم يعلمونهم بأن الإصابة لم تكن دقيقة، وينبغي المحاولة من جديدٍ.

لا ينتقي العدو الشهداء فقط، ولا يختار من بين الفلسطينيين من يرغب في قتلهم، ويصمم على إعدامهم في الميدان أو غيلةً بعيداً عنه، بل إنه ينتقي أيضاً من ينوي اعتقالهم والتنكيل بهم، ويختار من سيعاقبهم ويحاسبهم، ولهذا بات ينصب كاميراته، ويفرغ جنوده لمهام التصوير المركز، فمن أفلت من القتل، واستعصى عليهم الوصول إليه، فإنهم يعممون صوره على الحواجز ونقاط التفتيش، فضلاً عن أسمائهم إن توفرت، ويبدأ جنود الحواجز في التدقيق في الوجوه والسحنات بحثاً عن وجوهٍ تتشابه مع الصور المعلقة لديهم، والتي سبق تعميمها عليهم، فمن تشابهت صورته أو انطبقت فإنه يعتقل ويسجن، ولكن قبل أن ينتقل إلى مراكز الاعتقال والتحقيق، فإنه يضرب ويعذب، وينكل به ويساء إليه، وهذا يتم بالاتفاق مع القيادات العسكرية العليا، التي تعطي بنفسها الأوامر للجنود بحرية التصرف، وتغطي أفعالهم وجرائمهم إن تسببت في إلحاق ضررٍ بالمعتقل، أو أدت إلى استشهاده بسبب أعمال التعذيب والتنكيل.

يسخر العدو الصهيوني كل التقنيات الحديثة، ووسائل التجسس والمتابعة والمراقبة، وينسق مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا وغيرها، الذين يزودونه بما يحتاج إليه من تقنيةٍ عاليةٍ، ومع العديد من الدول العربية التي تتعاون معه بما يريد، في الوقت الذي يستخدم ضد الشعب الفلسطيني مختلف أنواع الأسلحة، فيقصفه بالطيران الحربي على اختلافه، ويستهدفه بالصواريخ والدبابات ومدافع الميدان، ويراقبه بالطيران والمناطيد وعمليات التنصت التي لا تتوقف.

ورغم ذلك كله فإنه يقف عاجزاً أمام الشعب الأعزل إلا من عقيدته وإيمانه، وثباته ويقينه، وشبابه وشيبه، ورجاله ونسائه، ويشعر أنه أمام انتفاضتهم ضعيف، وأمام دمهم المهراق مهزوم، وفي مواجهة زحفهم مصدومٌ ومكسور، فلن يقوَ على هزيمتهم مهما استخدم من سلاحٍ وتقانة، ولن يتمكن من قهرهم مهما قتل شبابهم واعتقل رجالهم، وسيبقى صوت الفلسطيني في مواجهته سيفاً، وجسده سداً، ودمه سوطاً، وروحه عليهم إلى يوم القيامة لعنةً أبداً.

بيروت في 8/2/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

القدس مدينة المكعبات الإسمنتية

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (90)

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

باتت مدينة القدس التي يتبجح الإسرائيليون أنها مدينتهم القديمة، وأنها أورشاليم اليهودية، وأنها عاصمة مملكتهم القديمة، وعاصمة كيانهم الأبدية الموحدة، وأنها مقر برلمانهم، وفيها أهم مؤسساتهم، ومكتب رئيس كيانهم وديوان رئيس حكومتهم، وغيرها من المقار الحكومية والرمزية، مدينةً تغص بالمكعبات الإسمنتية، والحواجز الأمنية، والأسلاك الشائكة، والمعابر والبوابات الإليكترونية، وغدا المسير فيها متعذراً، والحركة فيها صعبة، والالتزام بالمواعيد داخلها مستحيلاً لكثرة الوقوف والتوقف على الحواجز الأمنية، وبطئ وازدحام حركة السير بسببها، بسبب أعمال التفتيش والمراقبة، التي تخلق ازدحاماتٍ مروريةً في كل مكان.

الكتل الإسمنتية والمكعبات الخرسانية والقضبان المعدنية المتصالبة تنتشر في كل مكان، وتتوزع على كل المناطق، فهي في مداخل المدينة وعلى بوابات القدس القديمة، وهي على مداخل المخيمات والبلدات الفلسطينية المقدسية، تسد شوارعهم، وتغلق أزقتهم، وتضيق العيش عليهم، وهي على الطرق الرئيسية والشوارع الداخلية، وأمام المحلات التجارية، وعلى مداخل المؤسسات الحكومية والمقرات الرسمية، وهي في المحطات المركزية وعند مواقف حافلات الركاب وعلى الأرصفة، وحول بيوت المسؤولين والعامة، إنها على مد البصر، وفي كل مكانٍ تقع عليه عين، ويمر فيه ماشي أو راكب، ولا يستطيع أن ينكر حقيقتها زائرٌ أو مقيم، فقد باتت جزءاً من المدينة، وجانباً من هيكلها أو تنظيمها المعماري.

انتبه الإسرائيليون إلى هذه الظاهرة التي صبغت مدينة القدس ولونت شوارعها بلونٍ أمني مخيفٍ، فرفعوا الصوت عالياً محذرين حكومتهم من مغبة المضي في هذا المخطط، والانجرار وراء ما يوصف لها، ونصحوها بعدم الاستمرار فيه ولو كان في أساسه نصيحةً أمنية، أو وصفةً وقائية تجنبهم التعرض إلى حوادث أمنية مميتة أو مخيفة، فهم وإن كانوا يدركون خطورة الانتفاضة عليهم، واتساع إطارها الذي بات يشملهم جميعاً، وازدياد المنتسبين إليها والعاملين الفاعلين فيها، فإنهم يرون في هذه الإجراءات الأمنية تمهيداً معقولاً للتقسيم، وتأسيساً منطقياً لعاصمتين أو مدينتين مستقلتين عربية ويهودية، وهو ما يقوض أحلام اليهود، ويهدد وحدتهم في عاصمةٍ واحدةٍ موحدةٍ لشعبهم، الذي عاش على هذا الأمل وضحى من أجل تحقيق هذا الحلم.

يرد هذا الفريق من دعاة الأمن وضباط جيش الاحتلال، والمنظرين للنظرية الأمنية، والداعين إلى ضرورة القبول بهذه الإجراءات كونها مؤقتة وغير دائمة، وأنها نتيجة لقرار حكومتهم وقيادة جيشهم، وليست مفروضة عليهم من طرفٍ، أو مملاةً عليهم من جهة، وأنها لا تمس سيادتهم على المدينة ولا تنقص منها شيئاً، كما أن الفلسطينيين لم يفرضوها بأنفسهم، ولم ينصبوها بقوتهم، وليست لديهم القدرة على وضعها أو إزالتها، وهم أكثر ضرراً منها، فهي تضيق عليهم وتزعجهم أكثر مما تزعج وتضيق على الوسط اليهودي، وهي تحبط الكثير من العمليات وتفسد مخططات الفلسطينيين، وبسببها تم تعطيل الكثير من العمليات التي كان ينوي نشطاءٌ فلسطينيون القيام بها.

لكن الفريق الآخر يضعف مرافعة الأمنيين ويبطل حجتهم، بأن هذه الحواجز التي قسمت مدينة القدس إلى شطرين عربي ويهودي، لم تخفف من عمليات المقاومة، ولم تضع حداً للانتفاضة، ولم تستطع أن تجلب الأمن للمواطنين الإسرائيليين، بدليل أن مدينة القدس شهدت أغلب عمليات الطعن والدهس، وأن الكثير من هذه العمليات قد نفذت بأيدي فلسطينيين من مناطق أخرى من الضفة الغربية، بمعنى أن منفذيها قد نجحوا في الوصول إلى القدس، وتخطوا حواجزها الأمنية ومكعباتها الإسمنتية ونفذوا ما خططوا له وما جاؤوا من أجله، أما قتلهم فلم يكن نتيجة الحواجز والمكعبات، وإنما هو نتيجة لمشاركة الجمهور في التصدي لهم وإحباط عملياتهم.

كما يرفض هذا الفريق حجة الأمنيين والعسكريين الذين يقولون أنهم حولوا البلدات الفلسطينية وحواري القدس القديمة إلى سجونٍ كبيرةٍ للفلسطينيين، يصعب عليهم الخروج منها، أو الانطلاق منها نحو تنفيذ عملياتٍ أمنية، بل يرون أن هذا ليس إنجازاً أمنياً أو سياسياً بقدر ما هو تنازل عن حق، وتفريط في ممتلكٍ خاص، فالقدس من وجهة نظرهم يجب أن تبقى مدينةً واحدةً موحدةً خالصةً لليهود، وإن كان هناك ثمة إجراءاتٍ لحمايتها وضمان الأمن فيها، فهذا لا يتحقق بزراعتها بالمكعبات الاسمنتية وتقسيمها، وإغلاق شوارعها وسد طرقاتها وتحويل مساراتها، إنما يتم بطرد الفلسطينيين منها، ومنعهم من حق الإقامة فيها، وتطبيق القانون اليهودي على سكانها، وهذا يشمل عمليات الطرد وسحب الهويات ومنع الإقامة وهدم البيوت والاستيلاء على العقارات.

هذا جانبٌ من التفكير الإسرائيلي الداخلي، وصورة عن اختلافاتهم حول سبل مواجهة الانتفاضة، وهو بعض ما تكشفه حواراتهم ونقاشاتهم البينية، لكننا لا نريد أن ننجر وراء المناظرات الإسرائيلية أو اليهودية، الأمنية أو العقائدية، فكلاهما يضر بنا ولا ينفعنا، وكلاهما يسعى للسيطرة على قدسنا وكل فلسطين، ويظنان أن هذا الوطن لهم وحدهم، وأن الفلسطينيين فيه طارئين وعابرين، وأن عليهم الرحيل من تلقاء أنفسهم أو بالقوة رغماً عنهم، وكلاهما يعتمد القوة في سياسته، ولكن أحدهما يريدها للصد والمنع والترهيب، والآخر يريدها للخلع والطرد والترحيل.

صحيحٌ أن هذه الإجراءات الأمنية والعوائق والحواجز والبوابات والمعابر ومكعبات الإسمنت والسواتر والقضبان الحديدية، قد أضرت بالفلسطينيين المقدسيين، وحولت بلداتهم إلى باستوناتٍ أمنيةٍ وغيتواتٍ سكانيةٍ مغلقة، والحديث يدور عن صور باهر وجبل المكبر والعيسوية، وعن الشيخ سعد والشيخ جراح والصوانة ووادي الجوز، والمصرارة وباب العامود وكل بلدات وحارات القدس القديمة، التي يسكنها قرابة ثلاثمائة ألف فلسطيني، يصرون على البقاء، ويتحملون كل الأذى والمعاناة من أجل أن تبقى مدينتهم القدس، مدينةً عربيةً إسلاميةً، إلا أنها جعلت من القدس وبلداتها وحاراتها القديمة الأكثر اشتعالاً والأشد لهيباً، والأكثر ثورةً، وهي بإذن الله التي ستجعل العسر يسراً، والمعاناة نصراً، والألم عزاً وفخراً.

بيروت في 10/2/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

سوق السلاح الفردي يزدهر في الكيان الصهيوني

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (91)

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

الإسرائيليون لا يريدون الانتفاضة ولا يحبونها، ويحلمون في اليوم الذي فيه تنتهي وتتوقف فعالياتها، ويتبدد الكابوس الذي باغتهم وجثم على صدورهم، وأخافهم وأقلقهم، وهدد مصالحهم وعرض حياتهم للخطر، وأن يعود الفلسطينيون إلى بيوتهم وبلداتهم، وينسوا شهداءهم وجرحاهم، ويكفوا عن أعمال الطعن والدهس والقنص، وأن يعودوا إلى حياتهم العادية، التي كانوا عليها قبل الانتفاضة التي كوتهم بنارها، وألهبت ظهورهم بأسواطها، وأجبرتهم على تغيير طباعهم وتبديل عاداتهم، والتفكير في السلامة قبل كل شئ، وعدم المغامرة بالخروج أياً كانت الأسباب.

لكن على قاعدة مصائب قومٍ عن قومٍ فوائدُ، فإن جماعاتٍ إسرائيلية أخرى استفادت من الأوضاع، وانتفعت من الظروف، وهي تريد من الانتفاضة أن تستمر، ولهذه الأجواء الأمنية المحتقنة أن تتواصل، ولحالة الرعب أن تبقى، وربما لا يحزنها القتلى الإسرائيليون، ولا الذين يصابون بجراحٍ جراء عمليات الطعن، ويحبون أن تشيع أجواء الخوف والرعب، أولئك هم تجار السلاح الفردي في الأسواق الإسرائيلية، أصحاب المحلات الصغيرة والموزعون الكبار، فهم فرحون بالانتفاضة سعداء بها، ويتمنون أن تستمر، وأن تطول فترتها وتشمل فعالياتها كل المدن والبلدات، فلا تخلو منها مدينة، ولا يأمن منها مستوطن.

ليس في هذا مبالغة، ولا محاولة لتصوير مشهدٍ على غير حقيقته، أو تشويه صورة المجتمع الإسرائيلي المشوه أصلاً، بل هذه هي حال تجار الأسلحة الإسرائيلية، المهمومين بأرباحهم، والمشغولين في حساباتهم، والراقصين على جراح بعضهم، حيث تشهد متاجر الأسلحة الفردية نشاطاً ملحوظاً في مختلف المدن الإسرائيلية، فقد ذكرت تقارير صحفية إسرائيلية أن طوابير طويلة من المستوطنين تقف يومياً أمامها، كما تتلقى المتاجر طلباتٍ يومية بأسلحة ذات مواصفاتٍ معينةٍ، بالإضافة إلى طلبات الشركات الأمنية الخاصة ووكلائهم، الذين لا يتوقفون عن الترويج لأسلحتهم والإعلان عنها لبيع أكثر وتحقيق المزيد من الأرباح.

 وذكرت التقارير أن لوازم الدفاع عن النفس المختلفة، هي الأكثر مبيعاً في أسواق الأسلحة الفردية المشروعة والمرخصة في الكيان الصهيوني، لكن المسدسات على أنواعها وتعدد الشركات المنتجة لها، هي أكثر ما يطلبه المستوطنون الإسرائيليون، حيث يقبل على شرائه الرجال والنساء على السواء، رغم أن غالبية المشترين هم من المستوطنين الرجال والشبان، وأكثرهم من طلبة المدارس الدينية، علماً أن محال بيع الأسلحة لا تطلب من المشترين إبراز تراخيص السلاح كشرطٍ مسبقٍ لبيعهم.

وكان مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي المصغر “الكابينت” قد أصدر تعليماته إلى الجهات المختصة بتسهيل إجراءات ترخيص الأسلحة الفردية، وتسهيل حصول المواطنين على الرخص الشرعية وفق القوانين الجديدة، التي تيسر الإجراءات على من يرغب في حمل السلاح بغية الدفاع عن نفسه، وكان ذلك منذ الأيام الأولى للانتفاضة، وقد ارتفع منسوبهم بعد ذلك، ولكن هذا لا يعني أن الإسرائيليين كانوا لا يحملون أسلحةً فردية قبل اندلاع الانتفاضة، بل كانوا يملكون الكثير منها، ويقومون باستخدامها دون أي عقباتٍ تذكر يفرضها عليهم القانون الإسرائيلي، ولم يرد أن الشرطة الإسرائيلية قد حاسبت مستوطناً من الذين استخدموا مسدساتهم غير المرخصة في إطلاق النار على مواطنين فلسطينيين وتسببوا في قتلهم، بل إنها على العكس من ذلكفهي تحرضهم على استخدام أسلحتهم للدفاع عن أنفسهم.

وكان نائب وزير حرب العدو الإسرائيلي الحاخام بن دهان قد دعا كل من يملك سلاحاً من المستوطنين الإسرائيليين إلى وجوب حمل سلاحهم الشخصي عند خروجهم من منازلهم، وألا يتوانوا أو يترددوا في استخدامها حال تعرضهم إلى أي خطر، كما دعا من لا يملكون سلاحاً فردياً إلى أن يعجلوا في اقتنائه، لكنه دعا جميع المواطنين الذين يملكون أسلحة أو ينوون امتلاكها إلى ضرورة ترخيصها بموجب القوانين الإسرائيلية، التي يسرت كثيراً من شروطها في ظل الأحداث التي تشهدها المناطق.

وإثر تصريحات نائب وزير الحرب الإسرائيلي التي نقلتها إذاعة العدو، قام العديد من قادة شرطة المدن والبلدات الإسرائيلية، بدعوة مواطنيهم ممن يحملون تصاريح سلاح فردي إلى حمل أسلحتهم عند خروجهم من بيوتهم مخافة تعرضهم إلى حوادث أمنية، وذلك في ظل التردي العام في الحالة الأمنية، وعجز الجيش والمخابرات عن حماية المستوطنين، الذين رفعوا أصواتهم ضد حكومتهم قائلين، لسناً أبقاراً في مزرعة يدخلها الفلسطينيون بسكاكينهم فيذبحون بها من شاؤوا منا، ثم يعودون ويذبحون آخرين، ولا يخافون من فعلتهم، كما لا يترددون في تنفيذها، ولا يردعهم عن تكرارها أحد.

وفي خطوةٍ رمزيةٍ قصد بها تشجيع المستوطنين على حمل السلاح الفردي معهم خلال تجوالهم، فقد قام رئيس بلدية القدس المتطرف نير بركات بالتجول في شوارع القدس وهو يحمل سلاحاً رشاشاً، ويتعمد إبرازه وتصويره ليراه المستوطنون ويقتدون به، علماً أنه وغيره كثير من رؤساء البلديات الإسرائيلية، خاصة تلك التي نشهد اشتباكاتٍ مع الفلسطينيين، أو سكان المستوطنات القريبة من قطاع غزة، والمستوطنون في مدينة الخليل، فإنهم اعتادوا جميعاً على التجوال بأسلحتهم، وتسجل عدسات وسائل الإعلام المختلفة صورهم وهم يحملون الأسلحة، ويتبجحون بها.

يعتقد الإسرائيليون أنهم بهذه الطريقة يخيفون الفلسطينيين ويرعبونهم، ويجبرونهم على التفكير طويلاً قبل الإقدام على أي عمل، أو أن هؤلاء المستوطنين وغيرهم من حملة السلاح يستطيعون أن يطفئوا لهيب الانتفاضة وأن يضعوا حداً لها، وأنهم سيتمكنون من جلب الأمن لأنفسهم، وصد الاعتداءات عنهم، ونسوا أن دولةً عجز جيشها ومؤسساته الأمنية وكل قدراته العسكرية عن ضمان الأمن لهم، وحمايتهم من عمليات المقاومة، فلن تتمكن شرذمةٌ قليلةٌ وإن حملت سلاحاً، أن تحقق ما عجز عنه الجيش، وأن تصد الفلسطينيين وتمنعهم، أو تهزمهم وتقهرهم.

بيروت في 12/2/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

احذروا زوهر هدروم

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (92)

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

زوهر هدروم هو الاسم العبري الذي أطلقه جيش العدو ومخابراته على عملية مكافحة أنفاق المقاومة في قطاع غزة، وهو بالعربية يعني “توهج الجنوب”، حيث يقصد به حماية مستوطنات جنوب فلسطين، التي تسمى عادةً بمستوطنات الغلاف، وهي المستوطنات التي علا صوتها، وزادت شكواها، وشهد كثيرٌ من سكانها أنهم يسمعون دبيباً تحت أقدامهم، وحركةً تحت بيوتهم، تشبه أصوات آليات الحفر ومعدات البناء، وقد حذروا حكومتهم من أنهم يسمعون هذه الأصوات يقيناً وليس خيالاً، وهي واقعٌ وليست وهماً، ووصلت بهم حالة الوهم والقلق إلى متابعة مكان بلاطة منزوعة من مكانها من أحد أرصفة المستوطنات، وقد سيج الأمن مكانها، ووفد إلى مكانها ضباطٌ كبارٌ ومسؤولون أمنيون وخبراء هندسيون كبار لمعاينة المكان ومعرفة سبب عدم وجود البلاطة في مكانها، وما إذا كانت قد انتزعت من فوق الأرض أم من تحتها.

العدو الإسرائيلي أحسن استغلال “زوبعة” الأنفاق التي أثار مستوطنوه مخاوفهم منها، وأشعروا حكومتهم بالتقصير فيها تجاههم، وأنهم يهملون شكواهم، ويستخفون بالخطر المحدق بهم، ولا يهتمون بمحاربة الأنفاق بما يكفي، وأنهم سكتوا طويلاً عنها حتى وصلت إلى بيوتهم، وتكاد تخترق أرض غرف نومهم، الأمر الذي يجعل من قدرة رجال المقاومة على الوصول إليهم كبيرة وسريعة.

استغلت مجموعاتٌ صهيونية عديدة التهديدات التي أطلقتها المقاومة، والتصريحات التي أدلى بها بعض مسؤوليها، والتي أكدوا فيها عن أن أنفاق المقاومة قد نجحت في الوصول إلى عمق الأرض المحتلة، وأنها قادرة على الوصول إلى المستوطنات الإسرائيلية، وأنهم سيفاجئون في أي حربٍ قادمةٍ بما يصدمهم، وغير ذلك من التصريحات التي استفزت الإسرائيليين ودعتهم إلى التعامل مع موضوع الأنفاق بجديةٍ ومسؤولية، وعدم الاستخفاف بها والانتظار دونما فعلٍ جادٍ ريثما تقع الحرب وتستخدمها المقاومة، ويزداد عددها، ويتحسن إعدادها ويتفاقم خطرها، وما انهيار بعضها إلا حافزاً على إعادة ترميمها وتحصينها بأقوى مما كانت عليه.

كان من نتيجة هذه الشكاوى أن قررت حكومة العدو تخصيص مبالغ كبيرة لحماية مستوطنات الغلاف، وتكليف وحداتٍ فنية مدربة من سلاح الهندسة في جيش العدو للبحث عن الأنفاق وتدميرها، في الوقت الذي قامت فيه الإدارة الأمريكية بتخصيص مبلغ مائتي مليون دولار لإجراء أبحاثٍ علميةٍ ودراسات ميدانيةٍ لمكافحة ظاهرة الأنفاق، والعمل على تدميرها، ووضع آلية علمية سرية للتنبؤ بها واستكشافها مبكراً.

بلغت الميزانية التقديرية التي أعدتها قيادة أركان جيش العدو لمحاربة الأنفاق ثلاثة مليارات دولار، وهي ميزانية مقررة من قبل الحكومة الإسرائيلية، وقد تعهدت جهاتٌ عدة بتغطيتها منها الإدارة الأمريكية ودولٌ أوروبية عدة أبدت استعدادها لتقديم خدماتٍ لوجستية إلى جانب المساهمات المالية، خاصةً أن هذا المشروع يلزمه أبحاثٌ ودراساتٌ ونظريات وتجارب ومعدات وآليات، وهو ما قد يكون متوفراً لدى الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن أنه متاحٌ في الجيوش وفي القطاعات الهندسية العسكرية والمدنية، التي تستطيع أن تقدم من خلال علوم الجيولوجيا والطبوغرافيا والتصوير الفضائي الكثير من الخدمات.

كما أعلنت منظمات صهيونية عالمية المباشرة في جمع التبرعات والمساعدات للمباشرة في تنفيذ هذا المشروع، الذي يرون أنه ينقذ شعبهم من خطرٍ حقيقي داهمٌ، ويرون أن التهديد الذي تشكله الأنفاقُ تهديدٌ حقيقي لأمنهم وسلامة مستوطنيهم، وقد أعلنت قيادة أركان جيش العدو أن الميزانية المقترحة ليست نهائية، بل هي قابلة للزيادة، نظراً لأن عالم الأنفاق مجهولٌ بالنسبة لهم، وقد تجد معطياتٌ تفرض عليهم التعامل معها، خاصةً أن قوى المقاومة الفلسطينية قد أسست الأنفاق لتكون ذراعها الاستراتيجية الطولى في مواجهة القدرات العسكرية الضخمة للجيش الإسرائيلي.

لا يتطلع العدو الإسرائيلي من خلال هذا المشروع إلى هدم الأنفاق أو تفجيرها، أو الاكتفاء بمعرفتها ومراقبتها، أو إغلاقها ومنع استخدامها فقط، فهذه هي الخطة الظاهرة من مشروعه الكبير، ولكن مخططاته في هذا المشروع أكبر من مكافحة الأنفاق فقط، بل إن الخطة تنص على تحصين ملاجئ المستوطنين وتوسيعها، وربطها بطرقٍ جديدة تحت الأرض، تستطيع أن تقلهم بسرعة كبيرةٍ  وبسريةٍ تامةٍ عن مناطق الخطر، وتوصلهم إلى مناطق آمنة نسبياً، فضلاً عن تحصين المستوطنات نفسها، بزيادة أعداد الحامية العسكرية لها، ومرافقة الحافلات وسيارات المدارس والجامعات، وتزويدهم بمهابط طائرات، وغير ذلك من وسائل الحماية والتحصين والنقل الآمن السريع، وهو ما يفسر ارتفاع الميزانية المخصصة لهذا المشروع.

كما أن المشروع في الجانب الاستخباري يقوم على جمع المعلومات والبيانات، ومعرفة عدد الأنفاق واتجاهاتها ومساراتها ومهامها، وعدد العاملين فيها أو المقيمين داخلها، وما تتميز به من تحصينات وتتمتع به من مزايا ومواصفات، وغيرها من المعلومات الهامة، الذي تكلف بها جهاز المخابرات الإسرائيلي، الذي يحاول استعادة نشاطه في قطاع غزة، بعد الحملات الأمنية الناجحة التي نفذها أمن المقاومة ضد العملاء الفلسطينيين والمتعاونين مع العدو الإسرائيلي بعلمٍ أو بجهالةٍ وقلة وعي، حيث أن العدو يسلك طرقاً عديدة للحصول على المعلومات التي يريدها، وليس بالضرورة أن يعتمد كلياً على العملاء والمتعاونين، بل يقوم إلى جانب جهودهم التي لا يستغني عنها، باستراق السمع والتنصت، والتصوير والمراقبة، وتحليل التصريحات ومتابعة الأخبار، وتفقد الغائبين وتحديد فترات غيابهم واتجاهات عملهم.

في المقابل وهو ما نحذر منه ونخشى، فإنه يوجد أصواتٌ هامسةٌ وفي الخفاء، بعيداً عن الإعلام وضجيجه، تطمئن المستوطنين، وتؤكد لهم أن الأنفاق تحت السيطرة، وأنه لا يوجد منها خطرٌ حقيقي، فهي في أغلبها باتت معروفة للجيش ومخابرات العدو، كما أن عيون بعضها معروفة ومرصودة، ولكن ليس من الحكمة الإعلان عن اكتشافها حالياً، أو تدميرها فور اكتشافها، فهذه الطريقة لن تمنع الفلسطينيين من المحاولة من جديد، والحفر في مناطق أخرى بعيداً عن مناطق الاشتباه، والأجدى من ذلك إفشالها وإحباط أي هجومٍ عبرها خلال أي مواجهاتٍ عسكرية، واستخدامها نفسها في مواجهة المقاومة الفلسطينية، واستغلال استخدامهم لها وعدم حذرهم منها في تفخيخها أو تسريب الغازات السامة إليها، أو تفجيرها وهم فيها، وعليه ينبغي الحذر والحيطة فهذا عدوٌ ماكرٌ محتال، وعلينا أن نتوقع منه كل شئ.

بيروت في 14/2/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

مواعظ الحاخامات وتوصيات قيادة الأركان

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (93)

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

كأنه لا يكفي الشعب الفلسطيني ما يواجهه في ظل انتفاضته المباركة، من جيش الاحتلال الإسرائيلي وقادته وجنوده، ومخابراته وسجونه ومعتقلاته، وقطعان المستوطنين والمتطرفين، الذين لا يتوانون لحظةً عن قتل الفلسطينيين، ولا يتأخرون عن الاعتداء عليهم وتعمد قتلهم، فهم يتسابقون في القتل، ويتبارون في أشكال الاعتداء ووسائل القهر والإساءة، ويدعون أنهم يدافعون عن أنفسهم، ويردون الخطر عن مواطنيهم، ويصدون الشبان الذين يخططون لطعنهم أو دهسهم، ويبادرونهم بإطلاق النار عليهم ليحبطوا مخططاتهم، ويفشلوا محاولاتهم، وإلا فإن حوادث القتل ستكثر، وستتضاعف أعداد ضحاياهم.

التحق بعصابة القتلة وتنظيم الإرهاب المنظم جماعات اليهود المتدينين، وحاخاماتهم المتشددين، ورجال دينهم العنصريين، الذين انظموا جميعاً إلى عمليات القتل والإبادة، والإعدام والتصفية، وبدأوا في التحريض العلني والتشجيع السافر على قتل الفلسطينيين، لوأد انتفاضتهم، وقتل شبابهم، وكسر شوكتهم، وإضعاف إرادتهم، وردهم عن غايتهم التي انطلقوا من أجلها واستعدوا لها، وأبدوا إصراراً شديداً على المضي في سبيلها، ولو كلفهم ذلك حياتهم وأرواحهم، وحريتهم وبيوتهم وممتلكاتهم، وقد تسلح رجال دينهم بنصوصٍ وتعليماتٍ، وتوجيهاتٍ وإرشاداتٍ، مدعين أنها توصيات الرب وتعاليم التوراة.

وقد التحق بالحاخامات اليهود الذين يعيشون في فلسطين ويغتصبون أرضها، رجالُ دينٍ يهودٍ آخرون، يعيشون في الولايات المتحدة، ولكنهم لا يقلون عن رجال الدين المغتصبين تطرفاً وعنصرية، بل إنهم يزودون رجال الدين الإسرائيليين بنصوصٍ واجتهاداتٍ كثيرة، توراتية وتلمودية وأخرى من نسج خيالهم ووحي جنونهم، تحذر من خطورة ترك الفلسطينيين يخططون وينفذون، وتنبههم إلى ضرورة مواجهتهم قبل أن يتفاقم خطرهم، ويزداد عددهم، ويصبحوا هم الأكثرية في أرضٍ قد كتبها الله لليهود، وجعلها لهم أرضاً مقدسة، ولبنيهم من بعدهم أرضاً موعودة، فلا ينبغي أن يشاركهم فيها أحد، سكناً أو حكماً، وعبادةً أو ملكاً.

وقد أيدهم في دعواتهم العنصرية الرامية إلى قتل الفلسطينيين واستخدام العنف المفرط ضدهم، بعض التيارات المسيحية اليمينية، التي توالي اليهود، وتؤمن بروايتهم، وتنتظر معركتهم، وتقاتل من أجلهم، وتحشد اليهود وأبناء دينهم ليكونوا ضمن جنود معركة هرمجدون ، التي يعتقدون أنها لصالحهم، وأنها المعركة التي بشروا بها قديماً، ووعدوا في آخر الزمان بالنصر فيها، ويرون أن دولة اليهود يجب أن تسود، وهذا لا يكون بغير القوة والشدة، والإمعان في القتل والإثخان في العدو.

جيش الاحتلال الإسرائيلي يدرك قوة هذه التعاليم، ويلمس نتائجها العميقة ومفاعيلها الكبيرة، ويدرك أثر نصائح وتوجيهات رجال الدين، الذين يتدخلون بحماسٍ، ويدافعون بغيرةٍ وغضبٍ، ويؤصلون الصراع بعقيدةٍ وتاريخ، كما يعرف تأثير الحاخامات على الجنود والعاملين لأجل مستقبل وأمن وسلامة الكيان، لهذا فهو يصغي إليهم ويستمع إلى نصحهم، ويبرر بفتواهم جرائمه، ويعترف بأن النتائج المرجوة من تدخلهم كبيرة ومرضية، وتؤدي إلى وحدة الشعب والتفافه حول جيشه وحكومة كيانه، فضلاً عن أنهم يبعثون الحمية في صفوف الجنود، ويضفون على تضحياتهم قداسة، وعلى خدمتهم صفة العبادة.

لهذا ألزمت قيادة أركان جيش العدوان الإسرائيلي الجنود جميعاً بحضور مواعظ الحاخامات ورجال الدين اليهود، الذين ينتدبون لوعظ الجنود وتعليمهم أمور دينهم في ظل حالة العسكرتاريا التي يعيشونها، سواء في ظل الانتفاضة الفلسطينية التي حولت الأرض الفلسطينية كلها إلى ميدان حرب وساحة قتال، أو في معسكرات التدريب وثكنات الجيش المنتشرة في كل مكان، وأكدت قيادة أركان جيش العدو على وجوب حضور الضباط مع جنودهم، وعدم تغيب أيٍ منهم عن البرامج الدينية ومحاضرات الحاخامات المنتدبين.

يدعو رجال الدين اليهود الجنود في جيش كيانهم إلى قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وعدم التورع عن قتل المرضى والمصابين والمسنين، وألا يصدقوا أنهم مدنيين عزل، أو مواطنين أبرياء، فجميعهم في دينهم يستحقون القتل، وهم الأغيار وفق موروثاتهم الدينية، ولهذا فإنهم يحرضونهم على عدم رحمة أحدٍ، إذ لا أحد منهم يستحق الرحمة أو الرأفة، بل إن منهم من يعتقد بجرم من يعفو عن الفلسطينيين، كما يجيزون العقاب الجماعي للشعب، والقتل الشامل للجمهور، بحجة أنهم جميعاً أعداء، ومع الأعداء لا مكان للعدالة إلا في المساواة في  القتل، وفي تعميم العقاب وشموله، وبشرى لأمٍ يهودية جاءها ولدها ودم مسلمٍ على سيفه، وهنيئاً لشابٍ عاد إلى بيته مزهواً بمن قتل، وعارٌ على جنديٍ أغمد سيفه رحمةً، ولم يجرده في وجه عدوه ضعفاً، ولم يروِ نصله ضعفاً بدماءٍ يعيش عليها عمره، ويتوق شعبه للمزيد منها.

وردت هذه التوجيهات الدينية وغيرها في المذكرات الإرشادية التي توزعها حاخمية جيش الاحتلال على جنودهم، بالإضافة إلى المحاضرات التي تشتمل على تعاليم دينية ونصائح مختلفة، تقوم كلها على قتل الفلسطينيين، وعدم الإحساس بالشبع من القتل، ولو بلغ عدد قتلى العدو مليوناً، ولعل القادة والضباط ومسؤولو الفرق والألوية والكتائب، هم أكثر من الجنود إيماناً والتزاماً بهذه التعليمات، ولهذا فإنهم يحرصون على الاستماع إلى توجيهات الحاخامات، بالقدر الذي يحرصون فيه على تنفيذ تعليماتهم، وإصدار الأوامر إلى من يلونهم من الجنود لاتباعهم وتنفيذ أوامرهم بالقتل.

مخطئٌ من يظن أن اليهود يحفظون عهداً، أو يحملون وداً، أو يحبون خيراً، أو أنهم يسعون لصالح الإنسانية ويراعون حقوق البشر، وأنهم يدعون إلى الأمن والسلام، فهم يعادون الخير ويتحالفون مع الشر، ولو كانوا رجال دينٍ يدعون أنهم يحملون رسالةً سماويةً، جاءت بتعاليم لرفعة الإنسان، والحفاظ على حياته وممتلكاته، وصون وجوده ورعاية حقوقه، بل هم قتلةٌ بطباعهم، ومجرمون في تاريخهم، وعنصريون في تعاملهم، قتلوا الأنبياء، وذبحوا الأطفال، وادعوا أن البشر خلقوا ليكونوا لهم عبيداً يخدمونهم، أو حميراً يركبونهم.

بيروت في 16/2/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

مكافأة القتلة وترقية الجناة

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (94)

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اقتل وارتقِ، ابطش وترقى، وكن مجرماً وتدرج، ومارس الجريمة تكون نبيلاً، واسفك الدم تسمو، واقتل النفس تسعد، وكن عنيفاً تتقدم، ومتطرفاً تصعد، وبالغ في استخدام القوة تحمد، ولا ترحم فتقوى، ولا تتردد فتكسب، واروِ بالدم سيفك يبقى حاداً، ولا تبقه في غمده طويلاً فيستعصي، وبادر تكسب، وكن الأول فتذكر، وقلد تلحق، واستدرك تصل، واقتل لتخضب بالدم يديك، وتشتم أمك منك رائحة المعركة.

هذه هي مدارج الخدمة لدى شعب “إسرائيل”، من سلكها التحق بالأولين، وتشابه مع السابقين، وكان مع ملوك “إسرائيل” قريناً، ومعهم في المهمة النبيلة شريكاً، الذين قالوا قديماً أننا على أنصال السيوف نحيا وبالدم نروى، وبالأسوار نأمن ولا نخاف، وبالرعب نحكم فلا يجار علينا، وبالقتل نتمكن فلا يعتدى علينا، وبالقوة يتبعنا الآخرون ويلهث خلفنا الضعفاء والفقراء، وكل ما عدا شعب “إسرائيل” عبدٌ أو حمار، نركبه ونمتطيه، ونستعبده كما نريد، ونستخدمه لما نريد، أو نقتله وقت نشاء.

لا تستغربوا الخبر ولا تكذبوه، ولا تستهجنوه ولا تستعظموه، ولا تظنوا أننا نهول ونبالغ أو نضخم الأمور ونقول عنهم ما ليس فيهم ولا منهم، أو أننا نفتري على مرتكبيه وندعي على منفذيه، وأنهم براءٌ من هذه التهمة النكراء، وأطهارٌ من هذا الرجس الكبير والعار الشنيع الذي يراد إلصاقه بهم أو نسبته إليهم، وأن هذه تشويهاتٌ مقصودةٌ، وادعاءاتٌ مغلوطةٌ، ومحاولات آثمة مقصودة، وأنهم عدولٌ ثقاتٌ، وأصحاب ذمةٍ وضميرٍ، يحكمون بالعدل ويكيلون بالقسطاس، فلا يخسرون الميزان ولا يظلمون الناس، ويعدلون ويصدقون ولا يستوفون إذا لأنفسهم كالوا.

إنه خبرٌ صادقٌ موثقٌ، لا ينكره صانعوه، ولا يخجل منه منفذوه، وهو فعلٌ قديمٌ يتكرر كل يومٍ، ولكن لكم إن شئتم أن تستنكروه وترفضوه، وأن تشجبوه وتعارضوه، لكنها الحقيقة التي لا نستطيع أن ننكرها نحن ولا أصحاب الشأن منهم، فهم يحبون القتل ويكافئون عليه، ويستعذبون الموت ويحرصون عليه، ويبالغون في الإساءة ويدعون إليها، ويكرمون كل متقدم، ويعتبون على كل مقصر، بل ويعاقبون كل من خالف ورحم، وامتنع أو جبن، ويعيبون على من يفكر في المعايير الإنسانية، ويحسب حساباً للقيم الأخلاقية، ويفكر في الردود الدولية، وفي صورة كيانهم وشعبهم في الوسائل الإعلامية والمنتديات العالمية، فهذا شأنٌ لا يعنيهم، وأمرٌ لا يهمهم، إذ أنهم يؤمنون أن الحق هو مع القوة، وأن الضعيف لا حق له ولا منتصر لديه.

فهذا نائب وزير حرب الكيان الصهيوني الحاخام إيلي دهان يرقي ضابطاً صهيونياً بعد قتله لفلسطيني، وهذا رئيس بلدية مستوطنه يكرم مستوطناً ويحتفي بمجموعة الشبان التي رشقت السيارات الفلسطينية بالحجارة، وهذا هو الجمهور الإسرائيلي يحتفي بحرق آل دوابشة، ويدعو إلى حرق المزيد منهم، وقتل الرضع فيهم، وقد حملوا دميةً لرضيعٍ فلسطيني أوجعوه طعناً وقد تعاوروا في طعنه قصاً وابتهاجاً.

القتلة الإسرائيليون، الذين يجرمون في حق الشعب الفلسطيني ويتنافسون في قتلة، ويسعون بكل حيلةٍ ووسيلةٍ للفوز بلقب القاتل الأكبر، ليسوا جنود جيش الاحتلال وعناصر وضباط المخابرات الإسرائيلية فقط، بل إن مجال التنافس رحبٌ، والمشاركون في السباق كثيرٌ، وسب الإبداع كثيرة، وهم مزيجٌ من الرجال والنساء، والصغار والكبار، ومن المستوطنين في فلسطين واليهود الوافدين إليها زيارةً، ومن المؤمنين بمشروعهم والمقاتلين معهم من غير أبناء دينهم.

المستوطنون القتلة يتصدرون المشهد، ويتقدمون على الجميع، ويحظون أكثر من غيرهم برصيدٍ كبيرٍ من الجرائم والاعتداءات، فلا يقوى أحدٌ على منافستهم، ولا يتمكن فريق من كسر الأرقام القياسية التي يحققونها في سوق الجريمة، فهم أكثر الإسرائيليين حملاً للسلاح واستخدامه، وأسرعهم إشهاراً له وأجرأهم على إطلاق النار منه، فضلاً عن أنهم يقومون بأعمال الدهس والصدم ورشق الحجارة ورمي الصخور الكبيرة على السيارات العابرة، ويشتهرون بحرق البيوت وقلع الأشجار، وإغلاق المنازل أو إشعال النار فيها، والكتابة العنصرية على الجدران، والتهديد المتكرر للسكان، خاصةً المارين بسياراتهم، أو العابرين قرب مستوطناتهم، والسكان القريبين من الشوارع العامة والطرقات السريعة التي يسلكها المستوطنون.

بعد كل جريمةٍ يرتكبها المستوطنون، والتي يحرصون أنفسهم على تصويرها وتوثيقها، يحيون الاحتفالات فرحاً، ويعقدون الاجتماعات زهواً، ويتبادلون التهاني فيما بينهم، ويوجهون الشكر لمن انبرى منهم لهذه الأفعال، وكان أكثرهم جرأةً واندفاعاً في تنفيذ المخططات والتعبير عن الأماني والطموحات، وفي احتفالاتهم التي يكرمون فيها المجرمين والقتلة، يشربون كؤوس الخمر فرحاً، ويحرصون على التقاط الصور مع المجرمين فخراً وشرفاً.

أما الأطباء والعاملون في المستشفيات الإسرائيلية على اختلاف مسمياتهم الوظيفية، حتى الحراس منهم وعمال النظافة والعاملين في المكاتب الإدارية، فإنهم يساهمون في القتل، ويشاركون في الجريمة، ويعملون كل ما في وسعهم لضمان عدم شفاء الجرحى، أو خروج المصابين من المستشفيات بصحةٍ وسلامة، وخلال عملهم يقومون بالمراقبة والمتابعة، ويعدون التقارير ويقدمون المعلومات، ثم ينسقون فيما بينهم أيهم يقوم بهذا العمل، وأيٌ منهم يتقدم للقيام بهذه المهمة الجريمة، رغم أن العاملين في المستشفيات من الأطباء وغيرهم، تحكمهم المعايير الإنسانية والقيم الخلقية، التي تنبعث من إنسانية الوظيفة، التي يجللها قسم أبقراط الشهير، ولكن العدو الإسرائيلي في معركته مع الفلسطينيين لا يرى مكاناً للأخلاق أو القيم، بل هي غريزة القتل وحب الشر للغير.

أما الكتاب والصحفيون ورجال الإعلام فإنهم يتغنون بالقتلة، ويشيدون بالمجرمين، ويسخرون ألسنتهم وأقلامهم للدفاع عن جرائم المستوطنين واعتداءات جيش الاحتلال وتجاوزات أجهزته الأمنية وقادته، ويعمدون عبر وسائل الإعلام المختلفة إلى تصوير القتلة على أنهم يقومون بمهامٍ إنسانية، والمجرمين بأنهم يدافعون عن القيم السامية ومفاهيم الخير المشتركة، ويحرصون على أن تكون صور القتلة جميلة ومنسقة، وزاهية وبهية، كي يقتدى بهم الآخرون، ويعمل مثلهم باقي أبناء شعبهم، وفي الوقت نفسه حتى يلق القتلة من مجتمعهم ومن أبناء شعبهم كل تقديرٍ واحترامٍ، وإشادةٍ ومدحٍ وتكريم، الأمر الذي من شأنه أن يجعل كتابهم وحملة الأقلام منهم ورجال الإعلام شركاء في الجريمة، وأحد أهم أركانها التي تزين وتحرض، وتكافئ وتقدر.

كل هذه الصور البشعة التي تعبر عن حقيقة العدو الصهيوني ظهرت بجلاءٍ قاتمٍ ووضوحٍ أسودٍ حاقدٍ خلال الانتفاضة الفلسطينية، التي اختصرت صورة العدو الصهيوني الحاقد الغادر، القاتل المجرم، الذي يظن أن النصر بأفعاله حليفه، وأن المستقبل بجرائمه له، وأن الشعب الفلسطيني سيخضع له وسيستنيخ، وسيقبل بفتاته، وسيرضى بحسناته، ولن يرفع العصا في وجه ثورةً، ولن يستل خنجره انتفاضةً، ولن يدوس بعجلات سيارته وأقدامه أجسادهم ثأراً وانتقاماً.

بيروت في 18/2/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

موشيه كاتس ينصح غادي آيزنكوت

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (95)

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

كأن وزير دفاع جيش الاحتلال موشيه يعالون ورئيس أركانه غادي آيزنكوت مقصران في عملهما، ومهملان في واجبهما، ولا يؤديان المهمة الملقاة على عاتقهما، ولا ينفذان السياسة المقرة من قِبل حكومتهما، ولا يقومان بما يرضي ضميرهما، ويسعد رئيس حكومتهما، ولا بما يجلب الأمن والأمان لمناطقهما، ولا يأتيان بأعمالٍ من شأنها أن تتفق ورتبتهما العسكرية وسجلهما الإجرامي في جيش كيانهما، وكأنهما لم يقوما بما هو مطلوبٌ منهما وأكثر، ولم يؤديا الدور المنوط بهما كمسؤولين بما يبقيهما في السلطة والقيادة فترةً أطول، وبما يجعلهما مرشحين في السنوات القادمة لمناصب أرفع وأكبر وأهم، وبما يحول بينهما وبين التحقيق والإحالة إلى القضاء، وربما الإدانة والسجن والحرمان من المستقبل السياسي والعسكري.

رأفةً بهما وحرصاً على مستقبلهما، وتعويضاً عن النقص الذي اعترى عملهما، والخلل الذي بدا في مهمتها، فقد طلع المتطرف الصهيوني موشيه كاتس وزير النقل والمواصلات الإسرائيلي ناصحاً وموجهاً لهما، بأن يكونا والجيش أكثر شدةً، وأشد حزماً، وأكثر قوةً وعنفاً في مواجهة الانتفاضة، وألا تأخذهم بالفلسطينيين رأفة ولا رحمة، وألا يضيقوا على الجنود والضباط بالضوابط والقوانين، التي تمنعهم من إطلاق النار دائماً والقتل أبداً كلما تعرضوا والمواطنين إلى الخطر، إذ أن هذه السياسة هي التي تتسبب في زيادة الضحايا الإسرائيليين، وفي الوقت نفسه تشجع المزيد من الفلسطينيين على القيام بعملياتٍ مشابهةٍ.

ينصح موشيه كاتس زميله في الحكومة موشيه يعالون ورئيس أركان جيشه غادي آيزنكوت بإطلاق أيدي الجنود المغلولة بالقوانين، والمطوقة بالأخلاق، وأن يصدر إليهم الأوامر الصريحة والواضحة بإطلاق النار الفوري بقصد القتل حتى الموت، على كل فلسطيني يبدو أنه يهدد أمنهم ويحاول طعنهم، وأن يستمروا في إطلاق النار عليه ولو تبين لهم أنه قتل، وأن المزيد من الأعيرة النارية لن تزيد القتل قتلاً، ولن تضيف إلى الموت موتاً، اللهم إلا التشفي والانتقام، وتوجيه رسائل قاسية بالدم والرصاص إلى الشعب الفلسطيني عله يخاف أو يرتدع.

يبدو أن غادي آيزنكوت وقيادة أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد أخذوا فعلياً بنصيحة موشيه كاتس، القاضية بإطلاق النار بغزارةٍ حتى الموت على كل فلسطيني يحاول طعن إسرائيليين، جنوداً أو مستوطنين، وبالفعل قام جنود الاحتلال يوم أمس بإطلاق وابلٍ من الرصاص على الفلسطيني محمد خلف، الذي قام بطعن جنديين إسرائيليين في منطقة باب العامود على مقربةٍ من المسجد الأقصى المبارك، وعلى الرغم من أن الشهيد محمد قد قتل من الرصاصات الأولى، إلا أن إطلاق النار عليه من مكانٍ قريبٍ جداً لم يتوقف، وبدا أن الجنود المتواجدين في المكان قد تعاوروا على إطلاق النار عليه، وساهموا جميعاً في جريمة القتل الوحشية، وقد قامت وسائل إعلامٍ عديدة بتوثيق الجريمة الوحشية بالصوت والصورة.

قد يظن البعض أن جيش الاحتلال الإسرائيلي وقيادة أركانه كانوا يتبعون قبل عملية إعدام الشهيد محمد خلف  قواعد الاشتباك القانونية، ويلتزمون القيم العسكرية التي تمنع الإجهاز على الجريح، والامتناع عن تقديم المساعدة والإسعاف للمصاب، ولا يقدمون على قتل الأطفال ولا النساء، وأنهم نتيجة لنصيحة كاتس قد غيروا من تصرفاتهم الأخلاقية القديمة، وبدلوا آلية تعاملهم مع الفلسطينيين.

الحقيقة هي عكس ذلك تماماً، ذلك أنهم كانوا يتبعون نفس السياسة، ويتعمدون الإفراط في استخدام القوة، ولعل قراءة متأنية ودراسة بيانية لشهداء الانتفاضة، تبين بوضوح وتكشف بجلاء الطريقة التي يتعامل بها جيش الاحتلال مع الفلسطينيين، فهم قد قتلوا العشرات ممن لم يكونوا يشكلوا عليهم خطراً، وقتلوا نساءً وفتياتٍ فقط بقصد القتل، ولكن نصيحة كاتس الأخيرة ربما جاءت لتؤكد المؤكد وتثبت المثبت، ولتذكرنا والعالم أن هذه هي السياسة الإسرائيلية المتبعة في التعامل مع الشعب الفلسطيني.

هذه السياسة الإسرائيلية القديمة الجديدة لا تدل على القوة، ولا ترتكز إلى قاعدة من الاستقرار وحالة من الطمأنينة، وهي لا تستطيع أن تبعث الثقة والطمأنينة في قلوب المستوطنين، كما لا تتمكن من إعادة ثقة الجمهور الإسرائيلي بجيش كيانه، بل إنها سياسة تكشف عن حجم القلق والقلق والخوف الذي يعيشه العدو، وهي ترعب المستوطنين أكثر، وتشعرهم بأن الانتقام منهم سيكون أقوى وأشد، وأسرع وأقرب مما يتخيلون، ذلك أنها تعبئ الفلسطينيين أكثر، وتشحذ هممهم، وتمنحهم المزيد من المبررات والدوافع المشروعة للثأر والانتقام، والقيام بعملياتٍ جديدة، خاصة من قبل الأخوة والأشقاء والأقارب والأصدقاء، الذين يستشيطون غضباً لهول ما يرون، ويسكن الحزن قلوبهم لعظم ما لقي أحبابهم.

الشهيد محمد خلف وكل الشهداء الذين ارتقوا إلى العلا بطلقاتٍ عديدة، وأطلق عليهم جنود العدو المزيد من الطلقات بعد التأكد من مقتلهم، يذكرنا بصحابيٍ جليلٍ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن أحد العشرة المبشرين من الجنة، وأول مولودٍ للإسلام في دار الهجرة، ذلك هو عبد الله بن الزبير، ابن أسماء ذات النطاقين بنت الصديق أبي بكر، الذي قالت له أمه وهي تودعه، وكأنها تستشرف أن خصومه سيمثلون بجثته “وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها”، فما ضير الشهيد من طلقاتٍ أخرى كثيرة، وقد ارتقى عند الله شهيداً مع أول طلقةٍ أصابت جسده.

هنيئاً للشهداء، نرفع بهم الرأس ونفاخر، ونتشرف بهم ونباهي، وتعساً ليعلون وآيزنكوت وكاتس وجيش الكيان وكل جنوده القتلة المجرمين، خيب الله مخططاتهم، وأفشل محاولاتهم، ورد كيدهم إلى نحرهم، وأظهرنا عليهم، ومكننا منهم، وأذاقهم بأيدينا لباس الذل والهوان، ونفخ بروحه في انتفاضتنا المباركة لتكون ثورةً تؤتي أكلها الذي نحب ونتمنى بإذن الله ربها وربنا، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

بيروت في 20/2/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

Print Friendly

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

د. مصطفى يوسف اللداوي

الدولفين الألمانية إلى الكيان الصهيوني من جديد .. بقلم: د. مصطفى يوسف اللداوي

الدولفين الألمانية إلى الكيان الصهيوني من جديد بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي Share This: