إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / الانتفاضة الثالثة – انتفاضة الكرامة (73 – 75) >>> بقلم : د. مصطفى يوسف اللداوي

الانتفاضة الثالثة – انتفاضة الكرامة (73 – 75) >>> بقلم : د. مصطفى يوسف اللداوي

الانتفاضة الثالثة – انتفاضة الكرامة (73)

المرافق الإسرائيلية في القدس تنهار وتجارها يشكون

بقلم : د. مصطفى يوسف اللداوي

لا يخفى على أحدٍ أن مدينة القدس، بشطريها الشرقي والغربي، كانت أكثر المدن تأثراً وتضرراً من الانتفاضة الفلسطينية، وما زالت هي المرشحة لأن تكون الأولى والأكثر سخونةً والأشد غلياناً، فهي عنوان الصراع وأساس الانتفاضة وبسببها تفجرت واندلعت، وهبت واشتعلت، ومن أجلها يتنافس الشهداء وتهون في سبيلها التضحيات، فهي الانتفاضة الشابة الفتية التي أفقدت المستوطنين الإسرائيليين أمنهم، وأقلقتهم على حياتهم، وألحقت بهم خسائر حقيقية، وأجبرتهم على الرحيل منها وعدم البقاء فيها، رغم ادعاءاتهم أنها العاصمة الأبدية لكيانهم، والحلم التاريخي والوعد الإلهي لشعبهم.

فقد تخلى جزءٌ كبيرٌ منهم عن مشاريعهم الدائمة بالدخول إلى باحات المسجد الأقصى والصلاة فيه، وإقامة شعائرهم الدينية ومناسكهم التعبدية وطقوسهم اللاهوتية، وتوقفت المجموعات الدينية والمتطرفة التي كانت تتشكل دوماً لاقتحام الحرم والصلاة فيه، وكانت تعلن عن نيتها بالاقتحام قبل أيام، وتجهز لخطتها وتعد لها عدتها اللازمة من الحشد والتعبئة والإعلان، وتصطحب معها حاميةً إسرائيليةً من الجنود العسكريين ورجال الشرطة، الذين كانوا يؤمنون لهم الطريق، ويقفون في وجه المصلين الفلسطينيين، ويحولون دون قيام المرابطين بصدهم ومنعهم من الدخول إلى ساحات المسجد وبهوه الداخلي.

كما قامت مجموعاتٌ يهوديةٌ متدينة، توصف بأنها معارضة ومخالفة للتيار الديني اليهودي المتطرف، بعد عمليات الطعن والدهس المتوالية التي شهدتها المدينة، بتوجيه رسالةٍ إلى الشعب الفلسطيني، وكأنها تعلن فيها براءتها مما يرتكبه أبناء دينها من جرائم وموبقات في حق الشعب الفلسطيني، وتبين له فيها أنها ليست شريكةً لهم فيما يفعلون، ولا موافقةً عما يرتكبون، وتخبره فيها أنها لا تدخل المسجد الأقصى ولا تزوره، وأنها لا تعترف به جبل الهيكل ولا مكاناً مقدساً لليهود، وتعارض الاعتداء عليه، وترفض دعاوى هدمه وبناء الهيكل مكانه، وكأنها برسالتها هذه تطلب الأمان من النشطاء الفلسطينيين، وتتمنى عليهم عدم مس أيٍ من المنتسبين إليهم أو المؤيدين لفكرهم، وعدم تعريض مصالحهم للخطر ولا مرافقهم للضرر.

استهدف المقاومون الفلسطينيون مناطق هامة وشوارع مشهورة ومحطاتٍ معروفة في مدينة القدس، وتركوا آثارهم في أكثر من مكانٍ فيها، فقد استهدفوا بعملياتهم شارع يافا أكثر من مرة، وشارع الملك داوود وشارع روتشيلد والتلة الفرنسية ومحطة الحافلات المركزية، وشبكة قطار المدينة ومراكز التسوق الكبيرة، إلى جانب باب العامود وبوابات المسجد الأقصى، فضلاً عن الأحياء العربية، والحواجز العسكرية المنصوبة على مداخلها، والتي تم استهداف أغلبها، وفيها تم طعن العديد من الجنود والمستوطنين.

وكانت مجلة “غلويس” الاقتصادية الإسرائيلية قد كشفت عن أن العمليات التي ينفذها الشبان الفلسطينيون في القدس والضفة الغربية والداخل المحتل عام 1948 منذ عدة أشهر، قد أضرت بالحياة العامة في البلاد، ولكنها بدقةٍ أكبر قد دفعت رجال أعمالٍ إسرائيليين إلى إغلاق محالهم التجارية في مدينة القدس، لأنها المدينة الأكثر اشتعالاً والأقل أمناً، مما سبب للمدينة المقدسة تدهوراً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً، وأضافت المجلة في تقريرٍ لها نشر يوم الأحد الموافق 27 ديسمبر 2015، “أن جولةً ميدانية في القدس تظهر حجم الضائقة التي تعاني منها بفعل عمليات الطعن والدهس ضد الإسرائيليين”، وترفض المجلة أي محاولة للنفي وعدم الاعتراف بهذا الواقع المرير الذي تشهده المدينة.

وكان نحمان شاي عضو لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي قد شكا من الأوضاع الاقتصادية المزرية التي تشهدها مدينة القدس، وتحدث عن معاناة سكانها ورجال الأعمال فيها فقال “إن القدس تمثل الصورة المصغرة لواقع الصراع العربي الإسرائيلي، وتمثل المكان الأكثر احتكاكاً بين الجانبين، وقد شهدت المدينة وضواحيها جزءاً كبيراً من العمليات الفلسطينية”.

وعزا موقع ويلا الإخباري الإسرائيلي “أن إغلاق المحال التجارية بالقدس، سببه تزايد الديون على أصحابها وانعدام الخيارات أمامهم، نظراً لتراجع العائدات بسبب تردي الأوضاع الأمنية فيها”، وبعلق بعض التجار الإسرائيليين الذين اضطروا إلى إغلاق محالهم التجارية، أنهم قد غرقوا في الديون التي تزداد وتتراكم عليهم، وأنه لا يوجد حركة بيع ولا شراء في المدينة، والحياة شبه جامدة، إذ لا سياح من الداخل أو الخارج، وهم عماد الحركة الاقتصادية اليومية في المدينة، ولا يستطيع السكان الخروج بحريةٍ للتسوق، إلا أن مستحقات البلدية ورسوم الدولة لا تعترف بصعوبة الأوضاع، ولا بتردي الأحوال، ونقص المداخيل على الجميع، بل تصر البلدية على تحصيل حقوقها من التجار، الأمر الذي لم يجعل أمامهم خياراً آخر يلجأون إليه غير إغلاق محالهم.

ويرى تجارٌ إسرائيليون آخرون في مدينة القدس، أن الأوضاع الأمنية المتردية في المدينة لا تبشر بخير، ولا يبدو عليها أمارات الانتهاء، بل إن نذر التفاقم والتوتر أعلى بكثير، ويصفون الحال الأمني الذي يعانون منه، أنه ككرة الثلج تكبر وتتدحرج، وهي تلقي بظلالها السلبية على كل مناحي الحياة العامة في المدينة، التي هجرها سكانها خوفاً، ومن بقي فيها فإنه لا يخرج من بيته، ولا يغادر أماكنه التي يعتقد أنه آمنٌ فيها، مخافة أن يلقَ منيته طعناً أو دهساً على أيدي الثائرين الفلسطينيين.

ونقل الموقع نفسه عن إيلي ليفي رئيس لجنة التجار الإسرائيليين في مدينة القدس قوله “إن الوضع الأمني في المدينة يمثل ضربةً جديدةً في الصدر، ومؤشراً إضافياً على حالة الضعف والتراخي التي تمر بها المدينة في ظل هذا الوضع الأمني، ونتيجة وقوعها تحت ضربات الهجمات الفلسطينية المستمرة”.

الإسرائيليون في مدينة القدس يعترفون سراً وعلانيةً، فيما بينهم وأمام العامة قبل الخاصة، أن الانتفاضة الفلسطينية أكثر من عصفت بمصالحهم في المدينة، وعطلت مرافقهم، وأضرت اقتصادهم، وتسببت في تراجع الدخل وتوقف القطاع السياحي الديني والتاريخي، وانعكس ذلك على قطاع خدمات الفنادق والمطاعم وأماكن التسلية واللهو والسهر، وهي التي كانت تفخر وتباهي بنجاح السياحة الدينية إليها، وأنها تدر عليهم سنوياً مئات ملايين الدولارات، تتوزع على قطاعاتٍ كثيرة ومرافق مختلفة من هيكل الاقتصاد المقدسي الإسرائيلي، الذي يعتاش منه ويعمل فيه قطاعٌ كبيرٌ من مستوطنيهم، ويقولون بأن القادم من الأيام سيكون أخطر وأشد ضرراً إن بقيت الأحداث على حالها، واستمرت الانتفاضة تغذ سيرها وتواصل خطواتها، وتتواصل عملياتها، ويتدافع أهلها، ويتنافس شبانها.

بيروت في 31/12/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (74)

للخليل ألف تحيةٍ وتحية

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

الخليل المدينة الفلسطينية المقاومة، الشامخة العتيدة، القديمة العتيقة، العوان في الحرب، والثفال في القتال، والسارية في الخطوب، والكنانة في الرجال، تعاند وتجابه، وتتصدى وتواجه، وتقاتل وتجالد، وتصبر وتحتمل، وتعض على الجرح وتحتسب، لا تبال بالخطوب، ولا تخشى النوائب، تنسج من الألم خيوط النصر، ومن الوجع تجدل حبال الحرية، ومن الجبال تقد الصخر ثباتاً، وتشق في الأرض لها جذوراً، وتنغرس في جوفها أصولاً، ولهذا فإنها لم تعد كأي مدينة وإن كانوا لها أخوات، ولم تعد تشبه غيرها وإن كانوا مثلها في الصفات، إنها نسيج وحدها، سقفها السماء، وكيزانها النجوم، إذ لا يدانيها أحد، ولا تقوى مدينةٌ على اللحاق بها، أو السباق في مضمارها، فميدانها فسيح، ومسارها طويل، ومنحنياته كثيرة، والعقبات فيه صعبةٌ وكبيرة، ولكنها تعرف كيف تخوض الصعب، وتتحدى العقبات، وتنتصر على التحديات، لأنها مدينة تريد أن تنتصر.

لا تستطيع عقولنا أن تتفتق عن شكرٍ يليق بها، ولا أن تبدع أقلامنا في مدح عملياتها، ولا تعرف ألسنتنا كيف تلهج حمداً على دورها، ولا نستطيع بحالٍ أن نقدر تضحياتها، ولا أن تجود مخيلاتنا بما يوازي ما تقدم، أو يساوي ما تعطي، إذ ما كان لمحدود أن يدرك مطلقاً، وعقولنا عن تضحياتها قاصرة، ونحن أمام سيل عطائها وجود سخائها حيرى، ولكن عزاءنا أن من يتغنى بالقمر ليس مثله، ولكنه به يتغنى، ومن يشيد بالكرم يتمنى أن يكون من أهله، ومن يذكر الشيم يسعى أن يتصف بها، أو أن يتحلى ببعضها، وكذا نحن بالخليل نتغنى، وبأمجادها نشيد، نغبطها ونشكرها، ونفخر بها ونزهو، ونتمنى أن تكون كل فلسطين مثلها، نكيد بها العدو ونؤلمه، ونبكيه ونحزنه، ونضيق عليه عيشه ونطرده.

والخلايلة غير مضطرين لمغادرة مدينتهم للبحث عن أهدافٍ إسرائيلية لمهاجمتها، إذ أن مدينتهم تغص بالمستوطنين الذين ملأوا جوانبها، وسكنوا في أطرافها، واحتلوا القلب منها، وبنوا المستوطنات فيها وفي محيطها، ما يجعل أهداف المقاومين منهم كثيرة، إذ هي منتشرة وموزعة، ومع ذلك فإن أبناءها يخرجون منها إلى القدس ومدنٍ أخرى للبحث عن أهداف جديدة، ومهاجمة العدو في مناطق أخرى، وقد نجحوا فعلاً في حمل شعلة الانتفاضة إلى أكثر من مكانٍ، وإن كانت الانتفاضة في كل الوطن مشتعلة ومتقدة، فإنهم يزيدونها لهيباً، ويسعرون نارها أكثر.

لا يجدي مع مدينة الخليل ومحافظتها التي أدمتها الاجتياحات، وأوجعتها التوغلات، السياسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، فهي اعتداءاتٌ وإن قست فإنها لا تضعفهم ولا تفت في عضدهم، ولا تدفعهم للتراجع أو الانكفاء، بل إنها تزيد من إرادتهم الصلبة، وقدرتهم على الصمود الرائع، ولعل خير من يعبر عن فشل سياسة الاحتلال أمام صمود الخلايلة هم الإسرائيليون أنفسهم، فهذا يهودا شاؤول وهو أحد الضباط العسكريين العاملين في مدينة الخليل يقول “الخليل تظهر فشل سياسة إسرائيل في الضفة الغربية، فاستمرار سيطرتها العسكرية على المدينة سيجلب موجات دامية ومتلاحقة من العنف”.

وتسائل متحسراً “كيف تحولت الخليل رغم الوجود العسكري المكثف، إلى المنطقة الأكثر توتراً في الضفة، هذا يؤكد أن سياسة تعزيز سيطرة الجيش على الفلسطينيين قد نجحت في تدمير حياتهم وتخريبها، لكنها لم تنجح في جلب الأمن للإسرائيليين”.

ولهذا السبب فإن بعض الإسرائيليين يوجهون انتقاداً إلى حكوماتهم المتعاقبة، ويحملونها مسؤولية إيجاد مبررات للمقاومة، وتسهيل عملياتها التي تستهدف المستوطنين والجنود وغيرهم، إذ أنهم قد سمحوا لليهود بالانتشار في المدينة، والتوسع فيها على حساب المواطنين الفلسطينيين، والتضييق عليهم ومصادرة أرضهم وانتهاك حقوقهم، وبذا فإن الحكومات الإسرائيلية هي التي تعطي الفلسطينيين المبرر الشرعي للمقاومة والقتال، والطعن والدهس والقنص وغير ذلك مما يجب أن يتوقعه المحتل ممن اغتصب حقوقه واحتل أرضه.

وفي هذا السياق يذكر المحرر الإسرائيلي آفي يسخاروف، وهو مهتم بالشؤون الفلسطينية، ويعرف الكثير عن تفاصيلها، في معرض انتقاده للحكومة الإسرائيلية التي يحملها المسؤولية عن كثرة العمليات التي تقع في الخليل، والتي لا تجدي الإجراءات الأمنية في محاربتها، ولا الوسائل العنفية في وقفها “مدينة الخليل مدينةٌ مختلطة من العرب واليهود، ومسلحوها ليسوا مضطرين للخروج منها واجتياز الحواجز العسكرية للوصول إلى المدن الإسرائيلية، والبحث عن أهداف مرشحة لضربها”، وكأنه بانتقاده المباشر للحكومة يدعوها إذا أرادت أن تنعم بالأمن والسلامة، والطمأنينة والهدوء، إلى الانسحاب من مدينة الخليل، وتفكيك مستوطناتها منها، ورحيل مستوطنيها عنها، والكف عن توغلات جيشها فيها وحملاته عليها، وإلا فإن على الحكومة أن تتوقع من الخليل صيفاً قائضاً أبداً، وشتاءً زمهريراً دوماً.

لو كتبنا كل يومٍ عن مدينة الخليل فلن نفيها حقها، ولن نكافئها على عطائها، ولن نكرر شكرنا على ما أعطت وقدمت، بل سنشكرها على الجديد، ونرفع لها التحية على المزيد، وسنحاول أن نجد عباراتٍ جديدةً، وتهاني أخرى تليق بها، فلا نكرر ما سبق، ولا نعيد ما سُمع، بل نجتهد بالبديع، ونسعى للجميل، فهي تستحق وتستأهل، إذ أنها لا تتغني بالقديم، ولا تكتفي بما أنجزت وحققت، بل تأتي بجديدٍ آخر، وتقوم بعملياتٍ أخرى أروع، تشدهنا وتفاجئنا، وتجبرنا على أن نقف أمامها مستغربين ولكن فرحين، لهذا فهي توجب علينا أن نجدد لها الشكر والتحية، وأن نعظم عطاءها وتضحياتها، وألا نكتفي لها بشكرٍ يتيمٍ وتقديرٍ سابقٍ، وثناءٍ ممجوجٍ ومديحٍ مكرورٍ، إنما يجب أن يلهج لساننا بشكرها دائماً، وأن يذكر فضلها أبداً، فإنها الخليل، رائدة الانتفاضة، وقائدة المسيرة وحادية الركب، وصانعة النصر، وأكثر من يشحذ الهمم ويضحي، وأعظم من يقاوم ويشفي الغليل ويرضي النفس ويكيد العدو.

بيروت في 1/1/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (75)

الحياة في ظل الشهداء ونسائم الانتفاضة

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

منذ أن اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثالثة مطلع شهر أكتوبر من العام الماضي، وأنا أتابع أحداثها، وأسجل تفاصيلها، وأتعقب أخبارها، وأعلق على وقائعها، وأكتب تفصيلاً عنها، وأغوص عميقاً فيما يكتب وينشر، وينسج حولها أو ينسب إليها، وأتناول جوانب مهمة منها، غير الوصف المادي المجرد لأحداثها، والسرد العادي ليومياتها، وإن كانت أحداثها عظيمة ومعاركها ملاحم بطولية، وأسلط الضوء على زوايا جانبية خفيةً منها، وأخرى يظنها البعض غير ذات قيمة، وإن كانت تفوق في قيمتها وقدرها العالي أكثر مما نظن، وترصع حياتنا أكثر مما نرجو ونأمل، وتغطي جوانب من مقاومتنا أكثر إشراقاً وأجمل صورةً، إذ ما خفي دوماً أجمل بكثير مما تراه العيون وتسمعه الآذان.

 وكشفت في هذا السفر الذي آمل أن أنشره قريباً عن صفحاتٍ إسرائيلية كثيرة، مخزية ومشينة، ومعيبة ومهينة، وأمطت اللثام عن طبيعتهم المنحرفة، وفطرتهم العوجاء، ونفوسهم المريضة، وسلوكياتهم الشاذة، التي يرتكبها العامة والخاصة، والمسؤولون والمواطنون، والسياسيون والعسكريون، وبينت أنه لا فوارق بين الساسة والمتدينين، وبين المتطرفين والمعتدلين، وبين المستوطنين والعامة، إذ وجدتهم حالاً واحداً، ولساناً مشتركاً، يرموننا جميعاً عن قوسٍ واحدةٍ ولايبالون، وينوون قتلنا ولا يأسفون، ويعتدون علينا ولا يندمون، ويغضون الطرف عن مستوطنيهم وهم يقتلون، ويسكتون عنهم وهم يعتدون، ويشجعونهم إذ يأذنون لهم بالقتل ويصورون، ويطمئنونهم أنهم يلتزمون القانون، وأنهم في مأمنٍ من الملاحقة والمحاكمة فلا يخافون.

كما أمطت اللثام بأقلامٍ إسرائيليةٍ وشهاداتٍ يهودية، وبلسان مسؤولين وإعلاميين عن جبنهم وخوفهم، وعن الآثار السلبية التي لحقت بهم، وعن الخراب الذي حل في اقتصادهم، وعن ندم بعضهم عما حدث، وتحميلهم رئيس حكومتهم المسؤولية عما آلت إلى الأوضاع في المناطق نتيجة سياساتهم الرعناء، وتصرفاتهم الخرقاء، وجرائم مستوطنيهم العنصرية، وأفعالهم غير المسؤولة.

وقد بدأتُ منذ مطلع الانتفاضة إلى جانب ما ذكرت أعلاه في تدوين سفر الشهداء، ومتابعة أخبارهم، وملاحقة قصصهم، فقرأت عنهم الكثير، وما زلت أتابع وأبحث، وأستقصي وأسأل، وأدون الصغيرة قبل الكبيرة، وأحتفظ بالملاحظة والتعليق، وسأواصل البحث والاستقصاء، وسأضم ذلك كله بين دفتي كتابٍ مذهبٍ بأسمائهم، ومعطرٍ بسيرهم، ومحفوظٌ بتضحياتهم، ونديٌ بذكرهم، ذلك أنني أجد كل يومٍ في حياتهم جديداً، وأكتشف من خلال معارفهم وأهلهم ما يجعلنا نعتز بهم ونفخر بما قدموا، علماً أنني أجد متعةً في تقليب أوراقهم، ونبش ذكرياتهم، وفتح صفحات حياتهم، فعندهم ما يجعلهم قدوةً، ومثالاً نتأسى بهم ونحتذي، وقد وجدت أكثرهم في الحياة ناجحاً، وبين أقرانه مميزاً، وفي عمله موقفاً، وفي أسرته سعيداً، وفي محيطه اجتماعياً، ومع والديه باراً، ولأولاده وأهله محباً، ومن قبل لوطنه وفياً، ولشعبه مخلصاً.

كثيرةٌ هي التفاصيل التي وجدتها، والأخبار التي عرفتها، والأسماء التي حفظتها، والقصص والحكايات التي يرويها الأهل، ويحكيها السكان، وتتناقلها القرى والأيام التي لم يعد من السهل نسيانها، إذ تعمدت بالدماء، وتعلمت بالشهداء، وصارت من بين أيام الانتفاضة علماً، وهي أيامٌ كثيرةٌ، باتت كالشهب والنجوم، وعلاماتٍ في السماء بها يذكرون، يحفظها الفلسطينيون ويذكرونها، ويؤرخون بها وينسبون إليها، فهذا فجر الشهداء، وهذا صبح الشهادة، وذاك اشراقة الدم، ويوم النصر، وغير ذلك من الأيام التي علمت الانتفاضة وميزتها، حتى بات لكلِ يومٍ وصفٌ، ولكل نهارٍ اسمٌ.

أما الأهل، الأم والأب، والشقيق والشقيقة، والولد والبنت، فهم خير من يروي عن الشهداء، وأكثر من ينبئ عنهم، ويخبرنا عن أيامهم الأخيرة، وحياتهم اليومية، وكيف كانوا يعيشون وبم كانوا يفكرون، وإلام كانوا يطمحون ويتطلعون، فهم يعرفون عنهم كل جميل، ويذكرون من أيامهم كل حسن، وكذا رفاقهم وإخوانهم، وزملاؤهم في الدراسة وأصدقاؤهم في الحي، فإنهم يروون عنهم ما لا نعرف، ويقصون لنا عنهم خير ما نحب أن نسمع ونعلم، ودوماً عندهم جديدٌ يذكرونه، وقصةً يروونها.

ومن الشهداء من ترك خلفه وصيةً مكتوبةً، أودعها في بيته، أو أبقاها في جيبه، أو تركها أمانةً عند بعض من يثق فيهم ويحب، كتب فيها كلماتٍ بسيطةً في صياغتها، ومعدودةً في مفرداتها، إلا أنها تحمل معاني كبيرة، ووصايا عظيمة، ومن وصاياهم الشريفة عرفنا أن بعضهم قد خرج انتقاماً لشقيقه، أو ثأراً لأخته، أو غضباً من أجل دينه، أو غيرةً على المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية، وما منهم من أحدٍ كان خائفاً أو متردداً، أو جباناً مرتعداً، بل كانوا يقدمون على الموت كباراً، ويواجهون العدو عظاماً، ويقاتلونه فرساناً.

وقد غصت في أعماق بعض الشهداء فوجدتهم كالدرر العزيزة والجواهر والثمينة والماس النادر، وبعضهم مخبوءٌ بين جنبيه كاللؤلؤ الذي يسكن الصدف، فلا يعرف وقدره وقيمته إلا قلة من الناس، ممن يخبرون الناس ويميزونهم عن غيرهم، إذ لدى كل شهيدٍ قصة تجعل منه بطلاً، وتقدمه من بين الناس شهيداً، فيكون هو من بينهم الأفضل والأكثر خيريةً، وكأن الله سبحانه وتعالى قد انتقاه من بين عباده، مصداقاً لقوله تعالى “ويتخذ منكم شهداء”، فالله سبحانه وتعالى هو الذي ينتقيهم ويختارهم، ويصطفيهم ليكونوا مع الأنبياء والصديقين والشهداء، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

الحياة مع الشهداء والعيش معهم، والتنقل بين بساتينهم، واشتمام عبقهم الفواح، ورائحة شهادتهم المعطرة، والاستمتاع بسيرتهم الطيبة، وسماع أخبارهم السارة، فضلاً عن أنه يشعرنا بالفخر تجاههم، والاعتزاز بهم، ورفع الرأس عالياً مباهاةً أنهم منا وأننا إليهم ننتمي، فإنهم في الوقت نفسه يفضحون سرائرنا، ويكشفون عن خبايا نفوسنا، ويعروننا أمام أنفسنا وبعضنا البعض، ويسخرون من حبنا للحياة، ويستخفون من تمسكنا بالعيش الذليل والحياة المهينة، في ظل احتلالٍ يغتصب، وعدوٍ يذل ويهين، وكيف أنهم استطاعوا أن يكسروا أسورة الذل، وأن يثورا على إطار الهوان، وأن يثبتوا للعدو أن الحياة وقفة عزٍ، وأن الخلود والعزة في قتاله والصمود أمامه.

ما أجمل أن نعيش مع الشهداء، ونحيا مع الأبطال الذين صنعوا لما المجد، ورسموا لنا بدمائهم وعملياتهم الجسورة آياتٍ من العز والفخار، فالحياة مع الشهداء ولو من مكانٍ بعيدٍ ممتعةٌ وشيقةٌ، وفيها إيحاءاتٌ لا يمكن إدراكها بسهولة، ولا التعرف عليها ببساطة، إذ يلزمها مواكبة الشهداء، وملازمة الأبطال، والتعرف عليهم عن قربٍ والعيش معهم عن كثبٍ، فهم معينٌ من العطاء لا ينضب، ونورٌ مع الزمان لا يبهت، وضياءٌ مع الأيام لا يعتم.

بيروت في 4/1/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

Print Friendly

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدولفين الألمانية إلى الكيان الصهيوني من جديد .. بقلم: د. مصطفى يوسف اللداوي

الدولفين الألمانية إلى الكيان الصهيوني من جديد بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي Share This: