إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / الانتفاضة الثالثة – انتفاضة الكرامة (44 – 55) >> بقلم : د. مصطفى يوسف اللداوي
elladodi[1]

الانتفاضة الثالثة – انتفاضة الكرامة (44 – 55) >> بقلم : د. مصطفى يوسف اللداوي

الانتفاضة الثالثة – انتفاضة الكرامة (44)

الهوس الأمني والبلاغات الكاذبة

بقلم : د. مصطفى يوسف اللداوي

الحقيقةُ التي لا يستطيعُ أن ينكرها أحد، أنه رغم القوة والتفوق، والجيش والسلاح والطيران، والدعم والإسناد والرعاية، والسيطرة

والنفوذ والسلطة، والحماية والدفاع والقدرة على الهجوم، ووسائل الرقابة والتفتيش والتجسس، والتطور المهول في عالم الاتصالات والتواصل والمتابعة، فإن المجتمع الإسرائيلي خائفٌ في حقيقته، ومهزوزٌ من داخله، وغير متأكدٍ من مستقبله، وغير واثقٍ من أمنه، وهو قلقٌ على وجوده، ومضطربٌ في سلوكه، وتائهٌ في مساراته، ولا يدري أي الطرق تنجيه، وأي السبل تنقذه مما هو فيه، وهو يتهم قيادته، ويشك في حكومته، ولم يعد يجد الأمن في ظل جيشه، وبات يعيش كوابيساً في النهار وهواجس في الليل، ويصحو على خبرٍ ويبيت على آخر، ولا يعرف ماذا سيكون في غده.

أضفت الانتفاضة الفلسطينية على الحياة الإسرائيلية شكلاً آخر، قد يكون وقعه شديداً، وأثره قاسياً، وإضافته غير مقبولة، إذ لا يكاد يمر يومٌ واحدٌ على الإسرائيليين في كل المدن والبلدات والمستوطنات دون إنذارٍ بقرب وقوع حادث، أو خبرٍ عن هجومٍ أو اعتداء، أو سماع طلقاتٍ ناريةٍ في أكثر من مكانٍ، أو مشاهدة عربيٍ يحمل سكيناً، أو آخر يتجول بسيارته بحثاً عن هدفٍ، تتلوها نداءاتٌ عبر وسائل الإعلام، ورسائلٌ قصيرةٌ توزع عبر الهواتف النقالة، وأخرى تنشرها وسائل التواصل الاجتماعي، كلها تحذر وتخوف، وتنذر وتبلغ، وتدعو المواطنين إلى التزام بيوتهم، وعدم التجوال في الشوارع، ولا التوقف على الطرقات، ولا الموافقة على نقل أو توصيل أحدٍ على الطريق، أو ركوبِ سياراتٍ مجهولة السائق.

لعل الجميع يصغي إلى الأخبار، ويصدق الأنباء ولو كانت كاذبة، وقد كثرت هذه الحوادث وازدادت في ظل الانتفاضة الأخيرة، حيث بدأت تصل إلى سلطات الاحتلال آلاف المكالمات اليومية، من عامة المستوطنين والزوار، الذين ينقلون مشاهداتهم في الحافلات وسيارات النقل، وشكوكهم في المرافق العامة والمحطات والتعاونيات الكبيرة، وريبتهم في سائقي السيارات، والواقفين في المحطات أو على الشوارع العامة، وظنونهم وخوفهم من كثيرٍ من المارة، ممن يشبهون الفلسطينيين شكلاً، أو يتماثلون معهم في لون البشرة وشكل الهيئة، علماً أن أغلب بلاغاتهم كاذبة، وجل ظنونهم واهية، ومن النادر أن تكون حقيقية، لكنهم يتوجسون ويخافون، ويتهيأ لهم ما يرون، ويحلفون على ما يشهدون عليه، رغم أنهم يتخيلون ويتصورون.

تلعب الإشاعة دورٌ كبيرٌ في شيوع الرواية وانتشار البلاغ أياً كان صادقاً أو كاذباً بين الإسرائيليين، الذين يصدقون كل نبأ، ويستجيبون لكل إشاعة، وكأنهم كما قال الله فيهم، يحسبون كل صيحةٍ عليهم، هم العدو فاحذرهم، لكن طبيعتهم الخائفة، وظروفهم المريبة التي يعرفونها، تجعلهم يخافون من جرة الحبل ويظنونها أفعى، ويصدقون كل خبرٍ ولو كان ناقله كاذباً، فلولا أنهم يعرفون أنهم ظالمون ومجرمون، وأنهم يعتدون ويسيئون، لما كان هذا حالهم، ولما سكن الخوف قلوبهم، ولا هيمن الجزع على نفوسهم.

كما يصغي المواطنون إلى الأخبار والأنباء التي تنقلها وسائل الإعلام ومؤسسات الاحتلال الأمنية والعسكرية، فإن سلطات الاحتلال تصغي أيضاً إلى كل بلاغٍ، وتصدق كل شاهدٍ، وتسمع لكل راوٍ، ولا تهمل أي بلاغٍ، ولا تستخف بأي معلومة، ولا تتردد في التعامل الجاد والمسؤول مع ما يصلها من بلاغاتٍ وتحذيراتٍ، فتستجيب الشرطة إلى البلاغات، وتتعامل معها بجديةٍ كبيرة، وتعاقب موظفي الطوارئ الذين يعملون في مقاسم الطوارئ، الذين يهملون الاتصالات الهاتفية، ويصنفون بعضها بأنها لهو وعبث، وأنها صبيانية وغير جادة، وأنها لا تعكس خطراً حقيقياً، وإنما هي نتيجة الضغط النفسي والتوتر العصبي.

ولعل تصرف السلطات الإسرائيلية الحاد والجازم، مع موظفة المقسم التي ردت على مكالمة الشبان الإسرائيليين الثلاثة الذين خطفوا في مدينة الخليل منتصف العام 2014، التي لم تتعاطَ معهم بجديةٍ، ولم تول مكالمتهم الاهتمام المطلوب، بل استهترت بها ولم تبلغ مرؤوسيها بها، قبل أن يتبين لها وللشرطة أنهم تعرضوا فعلاً للخطف والقتل على أيدي شابين فلسطينيين، وأن أحدهم قد استخدم هاتفه واتصل بالطوارئ، قبل أن يتمكن الخاطفون من السيطرة عليهم وقتلهم، وقد شكلت هذه الحادثة إضافة جديدة إلى طريقة تعامل سلطات الاحتلال الإسرائيلية، العسكرية والأمنية، مع أي بلاغاتٍ تصلها، ومعاقبة كل من يهمل بلاغاً أو يستهتر به، أو يتأخر في إبلاغ المعنيين بالأمر، الذين يحاسبون أيضاً في حال إهمالهم وتقصيرهم.

لكن الأمر المعيب والمشين، أن يأتي الإنذار والتحذير إلى الجانب الإسرائيلي من جهات فلسطينيةٍ، ترصد الشعب وتتابع الشباب والنشطاء، وتعرف الحضور والغياب، والميول والاتجاهات، والنزعات والرغبات، والانتماء والتنظيم، فتبلغ العدو الإسرائيلي عبر مكاتب التنسيق الأمني المشتركة، وتحذره من إمكانية قيام مجموعاتٍ فلسطينية بعمليات خطفٍ أو قنصٍ أو غير ذلك، فيأخذ العدو حذره، ويتأهب لمواجهة التحذير والتصدي له إن كان حقيقة، أو الاستفادة منه في توجيه ضرباتٍ أمنية وإجراء اعتقالاتٍ إداريةٍ، في الوقت الذي يعمم الخبر على مواطنيه حسب منطقة الاستهداف المتوقعة.

البلاغات الأمنية الكاذبة والصادقة مكلفةٌ جداً على الشعب الفلسطيني، فالعدو الذي اعتاد أن يصدق كل بلاغ، وألا يكذب أي تحذير، وألا يستخف بأي احتمالٍ أياً كانت درجة مصداقيته، فإنه يقوم إثر البلاغات التي تصله بحملاتٍ أمنيةٍ واسعةٍ، فيداهم ويجتاح، ويقتحم ويعتقل، ويستدعي ويحذر، ويحاصر ويفرض حظر التجوال، وأحياناً يبادر بالقصف والقتل والاغتيال، ويبرر لنفسه ما يقوم به من اعتداءاتٍ ومظالم، بحجة أنه يصد خطراً، ويحبط عملاً، ويمنع المقاومين من استكمال مخططاتهم، وتنفيذ عملياتهم، ولكن الحقيقة أنه مهووسٌ وخائف، وقلقٌ وجبان، ولو كان درعه الحديدُ، وبيته القلعة الحصين، فإن بيته يبقى دائماً بيت العنكبوت، لا يقي ولا يحمي،و لا يصد ولا يصمد، ولا يبقى ولا يثبت.

بيروت في 26/11/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (45)

جوجل ويوتيوب محركات كراهية وأدوات عدوان

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

دخلت شركة جوجل العملاقة ومعها شركة يوتيوب الضخمة الحرب إلى جانب العدو الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ووظفتا معاً قدراتهما الجبارة وأدواتهما الخلاقة وانتشارهما الواسع ونفوذهما الكبير لصالح العدو الصهيوني، وهم جزءٌ أصيلٌ منه، الذي طلب منهما محاربة الفلسطينيين والتضييق عليهم، ومنعهم والعرب ومن يؤيدهم من استخدام محركاتهم العملاقة في نشر الكراهية والعنف، والتحريض والدعوة إلى محاربة الإسرائيليين، وتشويه صورتهم وفضح أسرارهم، وطالبتهما بمنع نشر وتداول الصور والمشاركات التي ينشرونها ضد شعب وحكومة إسرائيل، ودعتهما إلى عدم تقديم أي خدماتٍ أو تسهيلاتٍ إلى الجهات المشبوهة والمتهمة بالتحريض على العنف والإرهاب.

نائبة وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي تسيفني حوتوفيلي، المعروفةُ بتطرفها وتشددها، ومواقفها العنصرية الحاقدة ضد الفلسطينيين، التي تحمل الحكومة الإسرائيلية التي هي جزء منها، المسؤولية عن ضياع حقوق الشعب اليهودي، وتتهمها بأنها تتنازل عن الإرث اليهودي المقدس، وتحرم الشعب من حقه في أن يقيم حيث يشاء في أرض يهودا والسامرة، قامت مؤخراً بتوقيع اتفاقية مع شركتي جوجل ويوتيوب تلزمهما بتطبيق إجراءات جديدة وقاسية لمواجهة مظاهر التحريض الإليكتروني الفلسطيني، وحملتهما في حال عدم التزامهما بالاتفاق المسؤولية عن تأجيج الأحداث وتوتير الأوضاع في البلاد، والإضرار بالمصالح الإسرائيلية، وقد رأت أن الصورة والخبر التي تنقلهما شركات الإنترنت تساهم في المعركة بصورة سلبية، وتخدم الجانب الفلسطيني على حساب المواقف الإسرائيلية.

اتهمت الحكومة الإسرائيلية في معرض دفاعها عن قرارها، وتأكيدها على طلبها، جهاتٍ فلسطينية وعربية بأنها ترعى الإرهاب، وتزوده بأفكار ومفاهيم عنصرية، وأن خطر هذه الجهات أشد وأكبر من خطر الممولين أو المنفذين والمخططين، لأن هذه الجهات أصولية العقيدة، ومتطرفة الفكر، ومنغلقة على نفسها والمجتمع، وترى في الآخرين جميعاً أعداءً لهم ولشعبهم وأمتهم، ولهذا فإنهم يجيزون لأنفسهم وغيرهم أعمال القتل والاعتداء التي تمارس على الشعب اليهودي، ويستغلون ما تتيحه شركات التواصل الاجتماعي المختلفة، وشركات الإنترنت العملاقة، من أدواتٍ وآلياتٍ في نشر مفاهيمهم، وتعميم أفكارهم، وتوسيع شبكاتهم، وتجنيد عناصرهم، فضلاً عن استغلالهم لها في اختراق المؤسسات الإسرائيلية، والسطو على أسرارها وسرقة بياناتها ومعلوماتها، والدخول على الحسابات الفردية للمواطنين.

استجابت على الفور إدارة الشركتين إلى الطلب الإسرائيلي، وبدأتا تنفيذ سياسة حازمة ضد المشاركات العربية والفلسطينية المصنفة بأنها معادية للكيان الصهيوني، وحرضت على إلغاء استضافتهم وتزويدهم بالخدمة، وبدأت المخابرات الإسرائيلية تزود إدارة الشركتين بما توفر لديها من عناوين ومساهماتٍ، وحساباتٍ ومجموعاتٍ، ومواقع ومراكز، يرون وجوب شطبها، ولزوم إخراجها من الشبكة العنكبوتية وصفحات التواصل الاجتماعي، لأنها تضر بأمن كيانهم، وتحرض على العنف ضدهم، وتعرض مصالحهم للخطر، وقدمت الجهات الإسرائيلية المعنية إلى الشركة نماذج صارخة من المساهمات الفلسطينية، ودعمتها بالصوت والصورة المنشورة، وكشفت عن الحسابات النشطة والجهات الراعية والممولة.

كما طالبت الحكومة الإسرائيلية هذه الشركات بضرورة إزالة الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية المختلفة، التي تبرز العنف الإسرائيلي، وتكشف عن جرائمهم، وتبين اعتداءاتهم الفاضحة، وتظهر حقيقة إعدامهم وقتلهم المتعمد للفلسطينيين، خاصةً صور المستوطنين الذين يعتدون على منفذي عمليات الطعن أو المشتبه بهم، فيقتلونهم بمسدساتهم أو يعتدون عليهم بعد قتلهم ويسيئون إليهم بوسائل مختلفة، ويتظاهرون بإساءاتهم علناً، ولا يخفون اعتداءاتهم، وترى الحكومة الإسرائيلية أن بعض هذه الصور تسيئ إلى سمعة كيانهم لدى المجتمع الدولي، وتشوه صورتهم النمطية الديمقراطية الإنسانية التي يدعون اتصافهم بها.

في الوقت الذي تستجيب فيه شركات الإنترنت العملاقة إلى المطالب الإسرائيلية، وتغلق حسابات، وتشطب صفحات، وتلغي اشتراكاتٍ، وتسحب مساهماتٍ، وتحجب معلومات، وتعطل محركاتٍ، فإنها تسهل عمل مجموعات السايبر الإسرائيلية، وهي مجموعات طلابية كبيرة جداً، تديرها المخابرات الإسرائيلية، وتستخدم فيها القطاعات الطلابية على اتساعها وانتشارها، وتستفيد من أصحاب الطاقات والخبرات والمواهب، وتوظفهم جميعاً، ذكوراً وإناثاً في متابعة صفحات التواصل الاجتماعي، وخلق صداقاتٍ جديدة مدروسةٍ وهادفةٍ مع نشطاء عربٍ وفلسطينيين، وتدفعهم لتشويه الصورة وتغيير القصة، وإعادة نسج خيوط الحكاية، بما ينسجم مع الرواية الإسرائيلية ويخدم أهدافها، وبما يتعارض وينسف الرواية الفلسطينية ويضر بها، أو يشطب مكاسبها ويلغي منافعها.

الحكومة الإسرائيلية التي تنادي بوقف خدمة الإنترنت كلياً عن الفلسطينيين، وقد أعلنت أنها تأذت من نشاط العرب والفلسطينيين والمؤيدين للقضية الفلسطينية على الشبكة العنكبوتية، فهم يشاركون ويساهمون، وينقلون وينشرون، ويتقنون كل اللغات، وينشطون في كل البلاد والساحات، وعندهم جيوشٌ تطوعية تعمل بلا كللٍ ولا مللٍ، ربما أنها تعمل بلا تنسيقٍ أو تنظيم، ولكن كثافة المساهمات وكثرة الاشتراكات تقلقهم، والصور التي ينشرونها والأخبار التي يبثونها تضر بهم وتضعف روايتهم.

هذه ليست المرة الأولى التي تتقدم فيها الحكومة الإسرائيلية بطلبٍ إلى شركات التواصل الاجتماعي المختلفة، وإلى شركة جوجل تحديداً، للتضييق على الفلسطينيين وتحجيم نشاطهم وفعاليتهم على الشبكة العنكبوتية، بل تقدمت إليهم بطلباتٍ كثيرةٍ مشابهة، وقد استجابت لهم الشركات كثيراً، ونفذت رغباتهم بتفاوتٍ فيما بينهم، وأصغت إلى نصائحهم وتوجيهاتهم، ولكنها اليوم تواجه خطر استمرار الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، التي يعني استمرارها الإضرار بمصالحهم، والانشغال بها عن قضاياهم الأخرى، وتدهور اقتصادهم، وتوقف مرافق حياتهم المختلفة، فضلاً عن إحساسهم بأنهم سيكونون في نهاية المطاف في حال استمرار الانتفاضة، مضطرين إلى دفع أثمان باهظة إلى الشعب الفلسطيني، لذا فإنهم يطلبون العون من هذه الشركات، التي تستطيع أن تؤذي وأن تضر، وأن تحجب الصورة وتغير الحقيقة، وتخفي الأدلة والقرينة.

بيروت في 27/11/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (46)

مساعي إسرائيلية خبيثة لإنهاء الانتفاضة

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

صحيحٌ أن العدو الصهيوني يعتمد القوة، وأحياناً القوة المفرطة في محاولة سيطرته على الانتفاضة الفلسطينية، التي يصنف أنشطتها وفعالياتها بأنها أعمال عنفٍ، وأنه ينبغي مواجهتها بالقوة، وإن لم تُجدِ القوة في قمعها وإخمادها، فإن المزيدَ من القوة كفيلةٌ بالوصول إلى الحلول المرجوة والغايات المنشودة، وتستطيع أن تحقق ما لا يستطيع غيرها أن يحققه، وعلى أساسها برز قادتها العسكريون الكبار، الذين اشتهروا بالوحشية والعنف، والقسوة والتشدد، أمثال أرئيل شارون ورفائيل إيتان، وموشيه أرنس، وباراك وموفاز وغيرهم كثير.

وهي ذات السياسة التي اعتمدها موشيه يعالون عندما كان رئيساً لأركان جيش الاحتلال، وهو اليوم وزيراً للدفاع، حيث كان يدعو جيشه وأجهزته الأمنية إلى كي الوعي الفلسطيني، وذلك من خلال عملياتٍ عسكريةٍ عميقةٍ وموجعةٍ وذات أثرٍ بعيدٍ وطويلٍ، بحيث لا يستطيع السكان نسيانها أو تجاهل نتائجها بسهولة، بل تبقى هي وآثارها عالقةً وماثلةً في الأذهان، ويتناقلها المواطنون فيما بينهم، بشئٍ من الخوف والرعب والقلق من مصيرٍ مشابهٍ وخاتمةٍ أليمةٍ، مما يجعلهم والأجيال التالية لا يفكرون بالقيام بأي أعمالٍ مخلة بالأمن، أو تضر بالمصالح الإسرائيلية، مخافة ردود فعلٍ قاسيةٍ ومؤلمةٍ، تمس حياتهم ومستقبلهم ومؤسساتهم واقتصادهم وغير ذلك من نواحي الحياة المختلفة.

لكن هذه السياسة الدموية التاريخية المعتمدة، لا تمنع التفكير في سياساتٍ أخرى، ومناهج مختلفة، خاصةً أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لم تغير من منهجها العنفي المتشدد منذ تأسيس كيانهم حتى اليوم، ولكنهم لم يحصلوا على النتيجة التي يريدون، ولم يتمكنوا من كي الوعي الفلسطيني كما يطمحون، ولم ينجحوا في إخماد انتفاضات الفلسطينيين، ولا وقف عملياتهم، ولا منع مقاومتهم، بل على العكس من ذلك فإن عنفهم يولد عنفاً أشد لدى الفلسطينيين، وتطرفهم يخلق تطرفاً أعمق وأكثر أصوليةً من تطرفهم، مما يجعل سياستهم فاشلة، ومناهجهم عقيمة، وحلولهم غير مجدية.

لهذا فإن أصواتاً إسرائيلية وصهيونية، توصف بالعقلانية والمنطقية، والهدوء والحكمة، رغم أنها أكثر مكراً وأشد دهاءً، وأكبر خطراً على الشعب الفلسطيني وقضيته، ولعل أحدهم وعلى رأسهم شيمعون بيريس الرجل المتعدد المناصب والكثير الكفاءات، الموصوف عندهم وعندنا بأنه الثعلب العجوز المكار، تنادي بضرورة العمل الهادئ والتخطيط الصامت، والتغيير البطيء العميق، الذي يتجذر في الأرض، ويكون له آثار حقيقية وملموسة يصعب تجاوزها وإنكارها، ذلك أن ما يأتي بسرعة يذهب بسرعة، وما يتحقق ببطء يترسخ ويثبت، ويصمد ويقاوم، والتغيير في أرض “يهودا والسامرة” يلزمه سنواتٌ، كما لزم العودة إلى أورشليم مئات السنوات، وكما احتاج الرشاد بعد الضلال، والجادة بعد التيه عشراتُ السنوات.

يقول هؤلاء وهم أشرارٌ خطرون، وشياطين متمرسون، وعندهم خبرة محلية وأخرى أجنبية مكتسبة، علماً وممارسةً، ونظرية وتجربة، ينبغي إعادة فرز الفلسطينيين وتصنيف مناطقهم، وفق جدولةٍ أمنية ونفسيةٍ، علميةٍ اجتماعية، تلحظ الفروقات، وتعرف الخصائص والمميزات، وتلمس الرغبات والحاجات، فتميز المشاركين المتورطين، والعاملين الفاعلين، والقادة الموجهين، فتعاقبهم وأهلهم، وتحاسبهم وأفراد عائلاتهم، وتكون قاسيةً عليهم ولا ترحم ظروفهم، ولا تتردد في محاسبتهم وفق القانون، بشدةٍ تكون درساً لهم ولغيرهم.

كما ينبغي تمييز المناطق المتوترة، التي تشهد عنفاً واضطراباً، وتساهم في حالة الارتباك التي تسود المناطق، ويثبت مساهمتها في نقل شرارة الأحداث والعمليات العنيفة إلى مناطق أخرى، وعزلها وفصلها، ومعاقبتها كما الأفراد بشدةٍ وعنفٍ، فتفرض عليها السلطات حظر التجوال، أو تغلق مناطقهم وتحاصر بلداتهم، وتمنعهم من السفر والانتقال، ومن العمل والتجوال، ومن الممكن أن تحرمهم من الخدمات العامة، فتقطع عنهم الكهرباء والهاتف، وتحجب عنهم خدمة الإنترنت، أو تمنع تزويدهم بمياه الشرب، وغير ذلك من أشكال العقاب الجماعي الذي يدفع بأبناء البلدة إلى الحراك الإيجابي والمحاسبة الذاتية، ليمنعوا مجموعةً منهم، صغيرةً أو كبيرة، من إفساد حياتهم، والتضييق عليهم في عيشهم.

بالمقابل يفكر هؤلاء بضرورة مكافأة الأشخاص النظيفين، وتحفيزهم على المزيد من “النظافة” من خلال تسهيلاتٍ تمنح لهم، وعطاءاتٍ تقطع من أجلهم، فلا يمنعون من السفر، ولا يعتقلون أو يضيق عليهم، كما يتم تجنب الاعتداء الجسدي والمادي عليهم، لئلا يقتل أو يجرح أحدهم، فينتقل هو ومحيطه العائلي والمنطقة إلى المربع الآخر، حيث أن الممارسات العنيفة العمياء التي لا تميز ولا تفرق بين الخصوم، تساعد في نقل شرارة الأحداث، وتأصيل العنف بين الجميع، على ألا يتم وسم هذا الفريق بالعمالة والارتباط، والتعاون والتخابر مع الجانب الإسرائيلي، إذ أن هذا الإحساس يقتل أي مجهودٍ، ويجهض أي فكرة، فالفلسطينيون لا يقبلون فكرة التعاون، ولا يرضون بأن يوصفوا بهذه الصفة، التي هي عندهم مهينة ومعيبة، وشائنةٌ ونقيصة.

وبالمثل يتم رفع الحصار عن المناطق الهادئة، والابتعاد عن استفزاز سكانها، أو الاقتراب منها، بعد أن تزود بحاجتها من الكهرباء ومياه الشرب، وتفعل خدمات الهاتف والإنترنت، ويسمح لهم بالسفر والعلاج، والعمل والتجوال ضمن مناطقهم وغيرها، كما تسهل فيها أعمال البناء والعمران، والصيانة والترميم، ولا تحرم من التجارة البينية مع مثيلاتها، ويتم تشجيع تجارها ورجال الأعمال فيها على بناء علاقاتٍ اقتصاديةٍ متينةٍ مع رجال أعمالٍ إسرائيليين، يستطيعون مشاركتهم، وعندهم القدرة على تزويدهم بحاجتهم، وتوفير ما يلزمهم، لقاء تجارةٍ رابحةٍ، ومنافع متبادلة.

هؤلاء الإسرائيليون الذين يصفون أنفسهم بالحكماء، والذين يدعون الذكاء، ويعتقدون أنهم يفهمون أكثر مما يفهم العسكريون والدهماء، يتذاكون ويتشاطرون، ويوهمون أنفسهم بالفهم والفذلكة، ويحاولون –كما يقال- بيع الماء في حي السقايين، ونسوا بأن الشعب الفلسطيني متماسكٌ ومترابطٌ، وواعٍ ومدرك، وفاهمٌ وخبير، وعنده من التجربة الكثير، وهو أكثر من يعرف خبث الإسرائيليين ومكرهم، وسوء طويتهم وفحش سريرتهم، فهم لا يصدقونه ولا يؤمنون بأفعاله وإن بدت بريئة أو نظيفة، ويقولون له بعالي الصوت إنكم تزرعون في الهواء، وتصرخون في الوديان، اذهبوا أنتم وأفكاركم عنا بعيداً، وتعلموا من مثلنا العربي الأصيل “روحوا خيطوا بغير هذه المسلة”.

بيروت في 28/11/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (47)

تصدعات في القيادة وبلبلة في الشارع الإسرائيلي

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

يخطئ من يظن أن العدو الإسرائيلي مرتاحٌ وغير قلقٍ، وأنه لا يواجه خطراً حقيقياً ولا مأزقاً حرجاً، وأن العمليات التي يتعرض إليها كل يومٍ لا تؤثر فيه ولا تهز كيانه، ولا تضعف قوته ولا تشتت صفه، ولا تصدع جبهته، وأنه على العكس من ذلك، يقتل كل يومٍ عدداً من الفلسطينيين الشبان، ويطالب المجتمع الدولي بالاعتراف بحقه في الدفاع عن نفسه، ويدفعهم لوصف عمليات المقاومة الفلسطينية بأنها عملياتٌ إرهابية.

يبدو العدو كأنه يريد أن يخرج من هذه المعركة “الانتفاضة” منتصراً، فمن جانبٍ يقتل فلسطينيين ويضيق عليهم، ويدفعهم إلى مربعات اليأس والقنوط، ومن جانبٍ آخر يكسب الرأي العام الدولي الذي يجيز له استخدام القوة لصد العنف والإرهاب التي يتعرض له ومواطنوه، ويأخذ على ذلك مكافأة وتقديراً دولياً، عندما يعطونه الحق بقمع الفلسطينيين وقتلهم.

لكن الحقيقة التي لا يقوى العدو على إخفائها، ولا يستطيع إنكارها، مهما بلغت درجة المكابرة عنده، وحالة التبجح والعناد التي يعيشها، إذ تفضحه الصورة وتكشف عن حقيقته التقارير المنقولة من شوارعه، أن مستوطنيه صاروا خائفين وقلقين، وأنهم لم يعودوا يشعرون بالسلامة والأمان رغم المسدسات التي يحملون، والشرعية التي منحوها بالقتل والتصفية، ومظاهر الاحتفال التي تصاحب كل جريمةٍ يرتكبونها، وكل اعتداءٍ ينفذونه، ومحاولاتهم إغلاق الشوارع، والاعتداء على البيوت واحتلالها طرد سكانها، وغير ذلك من مظاهر استعراض القوة، والتباهي بالسيطرة والتفوق والهيمنة.

ما يقوم به الجيش والشرطة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية لا يصنف ضمن الأنشطة العامة والمهام الاعتيادية لجيش الاحتلال، ولا يستطيع رئيس أركانه ولا هيئة ضباطه الكبار وصف عمليات الانتشار الواسع لجيشهم، ومواجهاتهم اليومية مع الفلسطينيين في كل المدن والبلدات الفلسطينية، وما يتعرضون له من احتمالات الطعن والدهس المفاجئ، بأنها أنشطة اعتيادية تأتي ضمن البرامج والدورات التي يتدرب ويتأهل عليها عديد الجيش، بل إن الكثير من الأطباء النفسيين والمشرفين الاجتماعيين في الجيش، وكلهم من الضباط المختصين علمياً في هذه المجالات، يرون أن ما يتعرض له الجنود شيءٌ خطيرٌ للغاية، ولا يستطيع الجندي أن يتعايش أو يتكيف مع هذه الأخطار، فالهجوم بالسكاكين والأدوات الحادة شيءٌ مرعبٌ ومخيف، ويترك في النفس أثراً سلبياً يصعب نسيانه، كما يصعب تخيله وتحمله، فضلاً عن أن عائلات الجنود والعناصر الأمنية يبدون خوفاً أكثر من الجنود، ويرفضون أن يكون مصير أبنائهم القتل بالسكين.

يرى فريقٌ من الضباط أن المواجهة مع الفلسطينيين لا تقوم على أساسٍ من التفوق والسيطرة، إذ أن القوة لا تحمي، والاستعدادات الهائلة التي تقوم بها الأجهزة الأمنية لا تجلب الأمن، ولا تحقق السلامة، بدليل أن العمليات نفسها تتكرر كل يومٍ في الأماكن نفسها أو في أماكن ومناطق جديدة، والمنفذون قد يقتلون أو يعتقلون ولكن غيرهم يحل مكانهم بسرعةٍ، وتكون الدوافع عند المنفذين الجدد أقوى، والعزيمة أكبر، والرغبة في الانتقام والثأر أكثر وضوحاً، ويزيد في توتر الجنود والمستوطنين الإسرائيليين تصريحات قيادتهم التي تقول، أننا لا نستطيع أن نمنع شخصاً يريد أن يموت.

وغيرهم يقول أن الفلسطينيين قد نجحوا كلياً وبذكاءٍ شديدٍ في تحييد القوة العسكرية للجيش والأجهزة الأمنية، فأقصى سلاح بمكن للجيش والمخابرات استخدامه هو المسدس، وفي أحيانٍ قليلة ونادرة يمكن استخدام البندقية، وبذا جعل الفلسطينيون سلاح المعركة في حده الأدنى، فلا قوة تقمعهم، ولا سلاح يخيفهم، ولا قدرة للجيش على المبادرة باستخدام سلاحه الفتاك في مواجهة طفلة تحمل سكيناً، أو صبيٍ يتجول قرب مستوطنةٍ، أو على الطريق العامة التي يسلكها المستوطنون، الأمر الذي جعل الفلسطينيين يطمئنون إلى أن التفوق العسكري الإسرائيلي تعطل، وأنه لن يدخل المواجهة، ولن يحسم المعركة.

أما الفصائل الفلسطينية فإنها لسببٍ أو لآخر لم تتمكن من الدخول على خط الانتفاضة، ولم تستطع أن تترك بصماتها عليها، فلا مشاركة لها في التخطيط، ولا تقوم بعمليات المساندة والحماية، ولا تمول المنفذين، ولا تشرف على عملياتهم، ولا تنصحهم ولا توجههم، ولا تنتقي لهم أهدافاً أكثر دقة وأضمن نتيجة، بل تركتهم وحدهم يخططون وينفذون، ويجتهدون ويقررون، وبذا بإرادةٍ أو عن غير قصدٍ منهم، فقد انسحبوا من المواجهة، وسحبوا الذرائع من الجيش للفتك بهم، وتركوا المعركة قائمة بين جيشٍ مكفوف اليد وبين شعبٍ ماضٍ بأقل ما يملك وأبسط ما يستطيع أن يقاتل به، فلا أبسط من سكين المطبخ، ولا أكثر وفرةً من السيارات الخاصة، وكلاهما بات متوفراً بين أيديهم، ولا يمكن حصارهم لمنعهم من حيازة سكينٍ أو قيادة سيارة.

المواطنون الإسرائيليون يسألون حكومتهم بكثيرٍ من الضيق والتبرم والغضب والسخط، عن مآل الأحداث ومصير الأوضاع في المناطق، فقد اقتربت الانتفاضة من إنهاء شهرها الثاني، ولا يوجد في الأفق ما يدل على قرب التوصل إلى حلٍ بشأنها، إذ لم تجد المساعي السياسية التي بذلها وقام بها وزير الخارجية الأمريكية جون كيري، كما يبدو أن الاستعدادات والحيطة والحذر غير قادرة على إخماد الانتفاضة، أو التخفيف من فعالياتها اليومية التي تزداد ولا تنقص، وقد بدا أن ذوي الشهداء أكثر من ينبري للثأر والانتقام، بدليل أن العديد من منفذي عمليات الطعن والدهس أقاربٌ وأشقاء، وكأن الحزن يمنحهم المزيد من الطاقة، والألم يولد عندهم المزيد من القوة والأمل.

اضطرابٌ وقلقٌ شديدين في الشارع الإسرائيلي على المستويين الشعبي والرسمي، وحيرةٌ كبيرة بين المسؤولين السياسيين وقادة الجيش والمؤسسات الأمنية، فلا الأول يستطيع أن يجلب حلاً سياسياً سحرياً يهدئ الأوضاع، رغم أنه يتمنى ويأمل، ويستعين بمن يستطيع ويقوى، ولا الثاني قادر على أن يلبي طلبات حكومته وأماني شعبه في قمع الانتفاضة، وإجبار الفلسطينيين على أن يعودوا إلى بيوتهم ومزاولة أعمالهم، رغم القوة التي يملكون، والسلاح الذي يحوزون، والفلسطينيون ماضون في خيارهم، ومصممون على نهجهم، فلا يوقفهم دمٌ، ولا يخيفهم قتلٌ، ولا يمنعهم عدوٌ من الإصرار على المطالبة بحقوقهم، والحفاظ على وجودهم.

بيروت في 29/11/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (48)

الانتفاضة تميز بضائع المستوطنات الإسرائيلية

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

رغم أن دول أوروبا جميعها، وعلى رأسها فرنسا وبلجيكا التي يوجد فيها مراكز قيادة وإدارة دول الاتحاد الأوروبي، مشغولة بالعمليات الإرهابية التي اجتاحتها مؤخراً، وتسببت في قتل العشرات من المواطنين الأوروبيين، ونشرت الرعب في أنحائها، وأثرت كثيراً على الجاليات الإسلامية فيها، وعلى حركة اللجوء العربي الأخيرة إليها، إلا أن هذه الأحداث وما سبقها وما رافقها، وما ترتب عليها من إجراءاتٍ أمنيةٍ قاسية، وسياساتٍ جديدة ومتشددة، طالت المقيمين والوافدين العرب والمسلمين وغيرهم، إلا أن هذه الأحداث لم تستطع أن تخطف الأضواء عن الانتفاضة الفلسطينية، ولم تتمكن من جرف العالم إليها، واندفاعه نحوها رغم خطورتها ودمويتها، ولم تستطع أن تجعل منها مركزاً للاهتمام والرعاية على حساب ما يدور في فلسطين المحتلة.

فقد بقيت الانتفاضة الفلسطينية هي القضية الأكثر سخونة والأشد تأثيراً، فهي تتصدر الأحداث، وتتقدم على كل الملفات، وتسبق الأخبار، وتفرض حضورها على الجميع، لهذا فقد كان قرارُ دول الاتحاد الأوروبي بتمييز مختلف البضائع المستوردة من المستوطنات الإسرائيلية، ووضع لاصقٍ عليها، وإشارةٍ تدل على منشئها وتبين مصدرها، توطئةً لاتخاذ قراراتٍ حاسمةٍ بشأنها، أحد أهم تداعيات الانتفاضة الفلسطينية، بحيث يصعب تفسير القرار بعيداً عما يجري في الأرض المحتلة على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي تعتدي وتقتل، وتخرب وتدمر، فالانتفاضة الفلسطينية هي التي فرضته وحركته، وهي التي عجلت به ودفعت باتجاه تنفيذه.

هذا القرار الهام والخطير، الذي يعتبر سابقة ودلالة، وقاعدةً للانطلاق في المستقبل نحو غيره، وأساساً لفهمٍ أوروبيٍ موحدٍ تجاه الفلسطينيين وقضيتهم، ليس بالقرار العادي الذي يجوز المرور عليه بسهولةٍ، ولا بالقرار السهل الذي لا يوجب التوقف عنده، ولا بالقرار الإداري الذي يخلو من التبعات والانعكاسات السياسية والاقتصادية، بل هو قرارٌ له ما بعده، وقد أغضب الإسرائيليين واستفزهم، واستنفرهم وأخرجهم عن طورهم، ودفع عقلاءهم قبل حكمائهم للثورة والغضب، والاعتراض والاستنكار، رفضاً للقرار واستهجاناً له.

اتهم الإسرائيليون بغضبٍ شديدٍ الحكومات الأوروبية بممارسة التمييز العنصري، والانحياز إلى الفلسطينيين، واتباع سياسة عنصرية مقصودة ضدهم، وأنها بهذا القرار تمارس العقاب الجماعي دون تمييز بحق مواطنين يتعبون في كسب رزقهم، ويعملون كثيراً في عملهم، ويكدون ويجتهدون، ويتفانون في اتباع أفضل أساليب الإنتاج والتصنيع لتكون لهم الأفضلية في الأسواق التنافسية، ونيل مختلف شهادات الجودة الدولية والأوزو العالمية، التي تجعل من منتجاتهم بضائع تنافسية بقيمتها ومواصفاتها، وليس بمنشئها وبمن أنتجها، في الوقت الذي كانت تأمل فيه من دول الاتحاد الأوروبي أن تزيد مساعداتها للمستوطنات، وأن تقف معهم في ظل الأزمات الاقتصادية الكونية التي تعصف بالمنطقة كلها.

وعلى الفور دعا مسؤولون إسرائيليون، برلمانيون وإعلاميون وعسكريون وأمنيون متقاعدون وغيرهم، الحكومة الإسرائيلية إلى تعليق دور دول الاتحاد الأوروبي في عملية السلام، وعدم القبول بواسطتها، ولا الموافقة على الجهود التي تبذلها، واعتبارها طرفاً غير نزيهٍ ولا مقبول، وناشدوا حكومتهم فرض عقوباتٍ على مساعي ومساهمات دول الاتحاد الأوروبي في الأراضي الفلسطينية، وعدم تسهيل تقديمها مساعداتٍ ومعوناتٍ للسلطة الفلسطينية ومناطقها، أو فرض ضرائب ورسوم على ما تقدمه من مساعداتٍ وخدمات، والتوقف عن منحها ضماناتٍ وتأكيداتٍ بحماية مصالحهم، وضمان أمنهم في المناطق الفلسطينية، وأنهم ليسوا على استعداد لمنحهم حصانةً في البلاد لتحميهم من الأخطار المتوقعة، في الوقت الذي يحاربونهم فيه، ويقدمون المساعدة لعدوهم، الذي يقتلهم ويعتدي عليهم كل يومٍ طعناً ودهساً وقنصاً.

ربما أن القرار خطوةٌ عاديةٌ وإجراءٌ بسيطٌ، وإن جاء متأخراً وغير متوقعٍ، وقد لا يكون موجعاً مادياً ومؤثراً اقتصادياً، لكنه بالتأكيد مؤذٍ سياسياً، وسيكون له آثار سلبية عليهم، وقد يوحدهم ضد دول الاتحاد الأوروبي، وقد يمارسون عليهم الدور القديم في الدلال والشكوى والابتزاز، لدفعهم للتراجع عن القرار والتخلي عن هذه السياسة، والإحساس بخطورتها عليهم، وأنها تضر بهم وتكشف ظهرهم وتعرضهم لمزيدٍ من الإجراءات العقابية الأخرى، كون هذا القرار سيكون سابقةً وقاعدة انطلاقٍ جديدةٍ، وبداية مرحلة في فرض عقوباتٍ مؤلمة من معسكر الأصدقاء وتجمع الحلفاء، خاصةً أنه يأتي في ظل التحولات الجذرية التي تفرضها الانتفاضة الفلسطينية الواعدة، وهذا ما يخيفهم أكثر من أن يكون هذا القرار ممهداً لقراراتٍ أخرى وخطواتٍ أكثر جديةٍ مما قد تفرضها الانتفاضة عليهم.

قد يلتف الإسرائيليون على القرار وقد يحاولون تفريغه من مضمونه، وقد يزورون الوقائع ويزيفون الوثائق والمستندات، ويعيدون تصدير منتجاتهم بشكلٍ آخر، إرضاءً للمستوطنين وتجنباً للخسارة، لكن القرار يبقى خطوة سياسية بامتيازٍ، وهي ليست عبثة ولا مزاجية، وقرارها ليس صادراً عن مسؤولٍ اقتصادي أو مشرفٍ إنساني أو اجتماعي، إنما صدر عن القيادة السياسية للاتحاد التي تعرف ماذا تريد وماذا تقرر، وقرارها يدل بالتأكيد على شكلٍ من أشكال العقوبة وعدم الرضا، مهما حاول الإسرائيليون تجاوزها أو سعى الأوروبيون للتخفيف منها، والإسرائيليون الغاضبون أكثر من يعرف جدية وخطورة هذا القرار.

لولا الانتفاضة الفلسطينية الغضة الشابة، التي تروي عروق مسيرتها بالدم، وتغذي حركتها بروح الشباب، وتثري انطلاقتها بالشهداء الذين يتتابعون في سلسلةٍ ذهبيةٍ وضاءةٍ، ما كان للأوروبيين أن يلتفتوا إلى الشعب الفلسطيني وقضيته، ولا أن يغضبوا من العدو المحتل ويعاقبوه وإن كان حليفهم وصديقهم، وهم المجروحين بما تعرضوا لها، والمصدومين بما فوجئوا به من تفجيراتٍ واعتداءاتٍ، ولكنها الانتفاضة المباركة الخطى، والطيبة الثمر، تأبى إلا أن تكون ثمارها طيبة، وجناها ناضجاً، وزرعها يانعاً يؤتي أكله كل حينٍ خيراً وبراً، وعما قريبٍ حريةً ونصراً، ودولةً ووطناً.

بيروت في 30/11/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (49)

الخليل مدينةٌ منكوبة

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

الخليل مدينةٌ منكوبةٌ بحقٍ، مبتلاةٌ عن جدٍ، ليس لأنها المحافظة التي قدمت أغلب الشهداء وحسب، ولا لأنها التي قدمت معظم الشهيدات، ولا لأن دماء أبنائها قد توزعت على كل المدن والبلدات الفلسطينية، ولا لأن أهلها دفعوا ضريبة حمل مشاعل المقاومة ومواقد الانتفاضة إلى كل أرجاء القدس والضفة، ولا لأنها المحافظة التي عانى أهلها كثيراً عندما حجزت سلطات الاحتلال جثامين أبنائها، وامتنعت عن تسليمها لهم لدفنها والصلاة عليها، ولا لأنها المدينة الأكثر سخونةً والأشد عطاءً، والأكثر مشاركةً والأسرع انخراطاً، والأسبق مواجهةً.

ولا لأن أهلها يعاندون ويصرون، ويصمدون ويصبرون، ويعضون على الجرح ولا يبكون، ويحتملون كل مصيبةٍ تنزل بهم وتحل عليهم ويقولون “بيهمش”، ولا لأنها الأكثر اجتياحاً والأقرب إلى فشة الخلق الإسرائيلية ومتنفس غضبهم، يجردون عليها الحملات الأمنية والعسكرية، ويداهمونها ويفتشون بيوتها وينكثونها، ولا لأن سلطات الاحتلال تغلقها دوماً وتحولها إلى مناطق عسكرية مغلقة، وتمنع الدخول إليها والخروج منها، فتعاقبهم جميعاً وتحاصرهم طويلاً، وتصادر بيوتهم، وتبني الأسوار العالية بينها، وتمنع أحداً من الاقتراب منها أو الدخول إليها، وتبقي على المستوطنين فيها أحراراً يجولون ويجوسون، ويخربون ويفسدون.

إنما هي إلى جانبِ كل ما مضى وسبق، وما يجد ويحدث، مدينةٌ منكوبةٌ لأنها المدينة الأكثر اختراقاً من المستوطنين، فهم يستوطنون قلبها وأطرافها، ويسكنون بيوتها ويغتصبون منازل أهلها، ويستولون على أسواقها ويحتلون متاجرها، ويسورون بعضاً من مناطقها، ويدعون ملكيتهم لها، ويضعون عليها بواباتٍ ومداخل، وينصبون فوقها كاميراتٍ وأجهزة مراقبة، ويفرد لهم جيش العدوان مئات الجنود لحمايتهم والدفاع عنهم، وتلبية حاجاتهم والسهر على راحتهم، وهم في المدينة قلة، وبين السكان العرب أقلية لا تذكر، فهم مئاتٌ يملكون كل شئ إلى جانب عشرات آلاف الفلسطينيين الذين يحرمون من كل شئ.

وهي مدينةٌ منكوبةٌ لأنها الأكثر إلى جانب مدينة القدس حضوراً لغلاة المتدينين المتشددين، الذين ينتشرون فيها كالفطر، ويتحركون خلالها كالزواحف، ويبتلعون الحقوق كالتماسيح، ويؤذون السكان كالحشرات، كما البق والقمل، والبعوض والذباب، لا يحتملهم أحد، ولا يقبل بوجودهم إنسانٌ، لكن الحكومة تطلقهم كالبغاث، وتنشرهم بين السكان كالجراد، ولا تعترض على سلوكهم، بل تحمي وجودهم، وتعزز اجتياحاتهم، وتفرح لهم إذا نالوا من سكانها العرب، فصادروا بيوتهم أو حرقوا أولادهم.

وهي كذلك لأنها المدينة الأكثر استيطاناً والأقدم اغتصاباً، وهي محل أطماعٍ يهوديةٍ قديمةٍ، وحولها تدورُ قصصٌ وحكاياتٌ، وأساطيرٌ وخرافاتٌ، أبطالها ملوكٌ وأنبياء، وقادةٌ وحاخاماتٌ، يروون عنها ما لا نعرف، وينسبون إليها ما لا نصدق، ويريدون من العالم كله أن يصدق خرفهم، وأن يؤمن بخبلهم.

 وفيها مستوطنة كريات أربع، التي تكاد تتفوق على جميع المستوطنات تطرفاً وتشدداً، وعنصرية وصهيونية، وفيها سكن وإليها ينتمي مائير كاهانا مؤسس حركة كاخ العنصرية، ومنها خرج المتطرف باروخ غولدشتاين الذي ارتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي فجر يومٍ من شهر رمضان المعظم، وما زال غيرهما منها يخرجون.

وهي منكوبةٌ لأن اليهود استولوا على حرمها، وأقاموا في مسجدها الإبراهيمي، واقتطعوا منه مساحاتٍ كبيرة، وخصّوا أنفسهم بأركانٍ كثيرةٍ، وزوايا متعددة، أقاموا فيها لأنبيائهم قبوراً، ولنسائهم مقاماتٍ، وأخذوا يزورونها في كل الأوقات، ويحرمون في الوقت نفسه المسلمين من الصلاة في مسجدهم، بل يطردونهم منه، ويمنعون المؤذن من رفع الآذان فيه، ويجبرون جيرانه على إغلاق نوافذ بيوتهم، وعدم استخدام أبوابهم المطلة على الحرم في الدخول والخروج منها، لتمكين اليهود من الصلاة في المسجد، وعدم التشويش على الرحلات المدرسية إليه، واحترام مراسم الزواج والختان التي يجريها اليهود وفقاً لعقيدتهم داخل بهو المسجد، في وقتٍ يخلو فيه بالأمر العسكري لأيامٍ من المصلين الفلسطينيين.

إنها مدينة منكوبة لأن الكابينت الإسرائيلي وهو مجلس الوزراء المصغر المعني بدراسة الشؤون الأمنية والعسكرية، قد قرر القيام ببعض العمليات الموضعية المحدودة في أكثر من مكانٍ في مدينة الخليل وبلداتها، وذلك لإجهاض أي مخططاتٍ عسكرية، وتفكيك الخلايا التنظيمية التي تتشكل قبل أن تقوى وتباشر عملها، وقرر أن يجعل منها مدينة السياجات والحواجز، والبوابات والمعابر، والحواجز ونقاط التفتيش.

مدينة الخليل لا ينجو أطفالها من القتل، كما لا ينجون أيضاً من الاعتقال، فقد اعتادت سلطات الاحتلال على معاقبة سكان المحافظة التي أوجعتهم بمشاركاتها في الانتفاضة، باعتقال أطفالهم وتوقيف صغارهم، وتقوم بنقلهم إلى المعتقلات والسجون، وتحقق معهم وتعذبهم، وتعرضهم على القضاء والمحاكمة، وتفرض عليهم بالإضافة إلى السجن غراماتٍ مالية عالية، بينما تقتل آخرين من الجنسين لمجرد الاشتباه بهم، أو الاقتراب منهم، ولو كانوا على أبواب مسجدٍ أو في داخل مستشفى، زيارةً لمريضٍ أو مرضى على أسرتها.

 مهما تحدثنا عن مدينة الخليل، المدينة والمحافظة، فلن نفيها حقها، ولن نجزيها على ما قدمت وأعطت، ولن نتمكن من تقديرها كما ينبغي، ومكافئتها كما يجب، فقد تجاوزت التوقعات، وتخطت التقديرات، وبات اسمها علماً، ومواطنها على العدو خطراً، ووجوده في أي مكانٍ إشارة على المقاومة، ودلالة على الفعل، يهابون من وجوده إذا حضر، ويتحسبون من غيابه إذا غادر، فهو في وجوده ثائرٌ، وإذا غادر وانتقل فإنه يحمل جذوة الانتفاضة، ويسعر شعلتها حيث يذهب.

ولكن ما أصابها بعد ذلك أكبر من قدرتها على الاحتمال، وأشد مما يتوقعه سكانها ويتخيله أهلها، رغم أنهم ليسوا ساخطين ولا غاضبين، ولا شاكين ولا متبرمين، فهم راضون بقضاء الله ومسلمون له ومتوكلون عليه، ويسألونه سبحانه أن يجزيهم على صبرهم خير الجزاء، وأن يعوضهم عن مصابهم خيراً، إلا أن العدو صب جام غضبه عليها، وتسلط على أهلها وشبابها، فلاحقهم وطاردهم، وقتلهم على الهوية، واستباح دمهم وحريتهم لمجرد أنهم ينتسبون إلى الخليل.

كل التحية للخليل وأبنائها، للمدينة والمحافظة، ولكل بلداتها وقراها ومخيماتها، ليطا والظاهرية والعروب والفوار ودورا وسلفيت، والسموع وحلحول، وصوريف وإذنا وسعير، وبيت عوا وبيت أمر وتفوح والشيوخ، وكل قراها وأحيائها وبلداتها الصغيرة والكبيرة، ولكل من سكنها وأحبها، وأقام فيها وعرف أهلها، وصلى في مسجدها الإبراهيمي وبكى على مآله، وحزن على ما أصابه.

بيروت في 1/12/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (50)

ستون يوماً وشهرٌ جديدٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

مضى شهران على انتفاضة القدس الثانية التي تأكد أنها انتفاضةٌ أصيلةٌ وليست هبة عابرة، لها تقاليدها وعاداتها، وأسلوبها ومنهجها، ورجالها ورموزها، وسمتها وشكلها، وسلاحها وعدتها، ومفرداتها وأدواتها، وضربت في عمق الأرض جذورها، وامتدت على مدى الوطن أغصانها، وانتشرت في عموم البلاد ظلالها، وسادت بين قطاعات الشعب كله، الذي انخرط فيها بروح الإيمان، وعقيدة الثبات، وصدق المؤمنين، تعبر عن إرادتهم لا عن يأسهم، وتترجم يقينهم لا شكهم، وتقصد الحرية لا التغيير، وتسعى للكرامة لا التزييف، وتتطلع إلى استعادة الوطن لا إلى التسول على موائد اللئام من أجل قطعةِ أرضٍ هنا، أو تسهيلٍ هناك.

شهران كاملان دمويان قاسيان مؤلمان متعبان مجهدان، أيامهما متواصلة، وأحداثهما متوالية، وفعالياتهما متشابهة، وأبطالهما هم الشباب، ومسعروهما هن الشابات، ووقودهما الدم، ومحركهما اليقين والإيمان، وفيهما روح الثأر عالية، والرغبة في الانتقام كبيرة، ولا يوقف توالي أيامِهما وكرَ لياليهما المضنية قهرُ العدو ولا صلفُ الاحتلال، ولا حقدُ المستوطنين ولا ضغينةُ المتدينين، ولا يضع حداً لهما دمٌ مهراق، ولا شبابٌ يستشهد، ولا بيوتٌ تهدم، ولا حصارٌ يفرض، ولا عقوباتٌ تطبق، ولا إحساسٌ بالوحدةِ، ولا شعورٌ بالغربة، يستغلهما العدو المحتل في الاستفراد بالشعب والنيل من الأهل.

شهران من عمر فلسطين وقضيتها العادلة لا ينسيان، هما عمر الانتفاضة المجيدة، قدم فيهما الشعب الفلسطيني مائة وعشرة شهداء من كل بقاع الوطن الحبيب، جلهم من الشباب، وفيهم ثلةٌ كبيرةٌ من الشاباتِ، فما ضنت منطقةٌ أو مدينةٌ على فلسطين بدمها، بل امتزج الدم الفلسطيني واختلط، وتوحد في شلالٍ واحدٍ، إذ ساهمت غزة وضحت الضفة واشترك الأهل في عمق أرضنا العزيزة، في ملحمةٍ بطوليةٍ تكاد تكون هي الأولى بين الانتفاضات الثلاثة، التي جعلت الوطن كله جبهةً واحدة، وسوحه كلها ميادين قتالٍ ومواجهة، فيها العدو واحد، كما أن الحق فيها كلها واحد، ومع كل فجرٍ جديدٍ هناك شهداء آخرون، يصعدون كما الشجرة الطيبة أصلها في الأرض وفرعها في السماء.

شهران ثقيلان صعبان مران مضيا، كان الشعب فيهما يخوض غمار المواجهة وحده، ويتحدى بنفسه العدو بقوةٍ وأمل، ويقينٍ وإصرارٍ، فكان يعمل وحده، ويخطط بنفسه، ويستطلع بقدراته الذاتية، ويتسلح بما أمكن تجهيزه من أدوات المطبخ، وآليات النقل والحركة، ولا يمده أحدٌ بسلاح، ولا يموله آخرون بمال، أو يزودهم بمؤونة تعينهم على مواصلة المقاومة وتعويض الخسائر التي تلحق بهم.

شهران طويلان أتمان، ستون يوماً من الكر والفر، والطعن والقتل، والنزال غير المتكافئ، والمعركة غير المتوازنة، بين شعبٍ أعزلٍ لا يملك قوةً ماديةً تعينيه وتمكنه من المقاومة، وعدوٍ شرسٍ عنيدٍ مغرورٍ متغطرسٍ ظالمٍ معتدي، يعتمد القوة ويستخدم السلاح، ويقاتل بأحدث ترسانته العسكرية شعباً أعزل، سلطته عنه مشغولة، وفصائله مهمومةٌ بغيره، ومنشغلة بمصالحها ومنافعها ومكاسبها عنه، ولا تملك الوقت للاهتمام به ورعايته، والصد عنه وحمايته، وهي لم تجرب مشاركته، ولم تحاول مساعدته، إلا أنها لا تقوى على اللحاق به إن أرادت، فقد أصابها العقم، وحل بها السقم، ونزل بها وباء المنافع والمصالح والتوظيف السياسي، ولو أنها أرادت لهذه الانتفاضة النجاح والاستمرار، لتنازلت عن بعض مصالحها وهمومها من أجل الوطن وقضيته.

ستون يوماً مضى على اندلاع الانتفاضة المباركة، ولا يوجد لها قيادة، ولم ينتج عنها ريادة، وما زال الفلسطينيون يقررون بأنفسهم ماذا يريدون، وكيف يصلون إلى أهدافهم ويريدون، وعلى الرغم من حكمة هذا الشعب الأبي، وقدراته الرائعة التي نفخر بها ونعتز، إلا أن شبابه الواعد، وأجياله الطالعة، وجنوده الجدد، وسواعده الأبية التي تحمل السكين والمدية ولا ترتجف ولا تهتز، ولا تتردد ولا تخطئ العنق والصدر، باتت عاجزة عن خلق قيادةٍ لها، أو إنشاء منسقيةٍ لفعالياتها، أو مكتباً ينظم جهودها ويوحد عملياتها ويستفيد مما تنجزه وتقدمه، لتترجمه على الأرض مطالب وحاجاتٍ، وأهدافاً وغاياتٍ.

شهران مضيا والعرب غائبون عن فلسطين وقضيتها وانتفاضتها، فلا دعم ولا سند، ولا معونةً ولا مساعدة، ولا إعلام ولا مناصرة، فقد اكتوى العرب بنيرانهم الداخلية، وفتنهم المظلمة، وحروبهم البينية، وتاهت حكمتهم، وضلت نخوتهم، وخارت قوتهم، وما عاد أحدهم ينشغل بغير همومه، وينهض لغير مصالحه، ولعل الشعوب العربية بهذا تظلم وعلى حقها نتجنى، فهي تحب فلسطين، وتفخر وتزهو بالانتفاضة، وتأمل أن تقدم لها وأن تساهم فيها بالجهد والمال والنفس والأرواح، ولكن حكوماتها قد شغلتها عن الجهاد والمعالي، وعن المقاومة والشهامة وسمو المعاني، وتركتهم يتخبطون في دمائهم، ويخوضون في أوحالهم، ويتوهون في بلادهم، ويضيعون في لجوئهم، ويغرق كثيرٌ منهم في بحورهم خلال مغامراتهم للهجرة والرحيل، بحثاً عن وطنٍ جديدٍ يشملهم، ورايةٍ تحميهم وتدافع عنهم، وحكوماتٍ تقدم لهم الأمن والأمان والاستقرار ولقمة العيش الكريم.

شهران يقطران دماً ويئنان جراحاً قد مضيا والعالم عن معاناة الشعب الفلسطيني غافلٌ، وعن مقاومته ساهٍ، وعن تضحياته وما يقدم غير قلقٍ ولا مهمومٍ، بل إن عواصم القرار الدولية الكبرى، وقادة العالم الليبرالي الحر، الذي ينادي بالديمقراطية ويحترم حقوق الإنسان، يصم أذنيه عن معاناة الفلسطينيين، ولا يرى مشاهد قتلهم، ولا صور المستوطنين وهم يعتدون عليهم، بل يرون المظالم التي تقع على الإسرائيليين، والاعتداءات التي يرتكبها الفلسطينيون في حقهم، فيعلنون وقوفهم إلى جانب العدو الظالم المحتل، ويصفون اعتداءاته بأنها دفاعٌ عن النفس مشروعٌ في مواجهة الإرهاب الفلسطيني المستنكر المرفوض.

شهران لا يشبهان الشهور التي مضت، ولا يماثلان الزمن الذي نعرف، فيهما العظمة تتجلى، والكبرياء ينهض، والإرادة تسمو، والشهادة رداءٌ من الكرامة يلبس، شهران فيهما أشعل الفلسطينيون أنفسهم كشمعةٍ تضيئ ولكنها لا تريد أن تذوي، ولا أن تنطفئ شعلتها ولو كانت بسيطة، فهي أقوى من لهيبهم، وأكثر اتقاداً من نارهم، ولن تطغى عليها الرياح ولو كانت هوجاً عاتية، ولن يستطيع أحدٌ أن ينفخ عليها بنفسه الحاسدة، أو بروحه الحاقدة، أو بمعارضته المريضة، أو بعدوانه البغيض، مهما اجتمعت أصواتهم علينا، أو تآمرت جهودهم ضدنا، بل ستبقى الانتفاضة شعلةً تتقد وتخيف، وقدراً يصنع النصر الذي نريد.

بيروت في 2/12/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (51)

العدو ينسف ويدمر والأمة تبني وتعمر

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

إنه واجب الأمة العربية والإسلامية، والأمانة الملقاة على عاتقهم، وأمل الشعب الفلسطيني فيهم، فلا يقصروا فيه، ولا يتأخروا عنه، ولا يمتنعوا عن القيام به، فهو جهادٌ بالمال لا يقل عن الجهاد بالنفس، ولعله ضرورة أكبر حتى تستمر المقاومة ويتواصل الجهاد، وإنه من قبيل تبادل الأدوار وتوزيع المهام، كمن يقاتل على الجبهة في الصفوف الأمامية، وغيره خلف خطوط النار، أو يداوي الجراح ويسقي المصابين، أو يرعى الأهل ويبقي على بيوتهم مفتوحة، فالكل في مربع المقاومة وعلى أرض المعركة وفي سوح الجهاد، وعلى كلٍ القيام بواجبه، والنهوض بما يقوى عليه، والأداء بقدر الاستطاعة وحسب الحاجة، وكأننا جميعاً على ثغرٍ، وعلى الجميع أن يحمي الثغر الذي يقف فيه ويتواجد عليه، وألا يكون وجوده فيه ضعيفاً وأداؤه بسيطاً.

تضحيات الشعب الفلسطيني في انتفاضته الثالثة ليست فقط ما يربو على المائة وعشر شهداء، وما يزيد عن 13500 جريحاً، فهؤلاء وإن كانوا كثير وعددهم كبير، فإن الشعب الفلسطيني يحتسب شهداءه عند الله سبحانه وتعالى، ويرجو لهم الرحمة والمغفرة والقبول الحسن، والرضوان ونيل رضى الرحمن، ويسأله سبحانه الشفاء للجرحى والمعافاة الدائمة والعاجلة مما أصابهم، وهم يعلمون أن هذا هو حال الحرب وديدن القتال، والسابقون من الأمم أصابهم ما أصابنا، وحل بهم مثلما حل بنا، لكنهم يعرفون أن هذا هو الدرب، وأن ثمن عبوره واجتيازه دمٌ مهراقٌ وأرواحٌ نفيسةٌ عزيزةٌ تفقد.

لكن المصيبة الكبيرة والمعاناة الشديدة، والجرح المفتوح أبداً والألم الباقي دوماً، ذلك الذي يتمثل في هدم البيوت وتشريد المواطنين، وتخريب ممتلكات السكان، وتقويض ما بنوه على مدى عمرهم، وتبديد ما وفروه طوال حياتهم، إذ في دقائق معدوداتٍ لا أكثر تنفذ قوات الاحتلال الإسرائيلي قرار سلطاته العسكرية، القاضية بهدم البيوت ونسفها على ما فيها من أثاثٍ ومتاعٍ، وملابسٍ وفراشٍ وبقايا طعام، ودفاتر وأوراق وكتب مدرسية، وألعاب أطفالٍ وعرائس بناتٍ، وذكريات عمرٍ  وحكايا الجدود والآباء.

مئات البيوت الفلسطينية اليوم مهددة بالنسف والتدمير، إنها سياسة حكومة نتنياهو المتشددة المتطرفة، التي أعلنت أنها ستكون أشد تطرفاً وأكثر قسوة، فقررت الضرب بيدٍ من حديدٍ على كل المتورطين في الانتفاضة، والمشاركين في فعالياتها، صغاراً كانوا أم كباراً، ورجالاً أو نساءً، فكانت سياسة هدم البيوت التي هي سياسة قديمة، تنفذها وتطبقها كل الحكومات الإسرائيلية السابقة، وتؤيدها محكمة الاحتلال الإسرائيلية العليا في مدينة القدس، التي اعتادت على تأييد قرارات الهدم، والمصادقة على مشارع النسف، عقاباً لذوي الاستشهاديين، وتأديباً لأسر منفذي عمليات الطعن والدهس والقنص.

وقد ظن نتنياهو أنه بقراره هذا مع جملة القرارات المتشددة الأخرى، أنه سيكون قادراً على كبح جماع الانتفاضة وإخماد فعالياتها، وإسكات أصوات المنادين بها والمؤيدين لها، علماً أن أغلب قرارات حكومته ردعيةٌ وزجرية، وهي أحد أشكال العقاب الجماعي، الذي يطال أسراً بأكملها، وقرىً وبلداتٍ ينتمي إليها المقاومون ويعيشون فيها، ولكنه رغم شدته يبدو مهزوزاً وخائفاً، ولا يدري أين ستذهب به هذه الانتفاضة.

بيت إبراهيم العكاري الذي نسف في مخيم شعفاط في مدينة القدس المحتلة، ليس هو البيت الأول الذي يهدم، ولن يكون الأخير الذي ينسف، وهو كما لحق بمن سبقه من البيوت التي نسفت، سيكون أيضاً سابقاً لغيره، وممهداً لسواه، فهذه هي سياسة العدو وهذه طريقته في التعامل معنا، وهو لن يغير من نهجه، ولن يبدل في سياسته، فهذه حال المستكبرين في الأرض، الظالمين من البشر، المتعالين من الخلق، والمعتدين من الأمم، فما يقومون به ليس بالأمر المستغرب عنهم، ولا المستنكر فيهم، ولكن ما أصاب غيرهم من المستعمرين سيصيبهم، فما بقي في الأرض مستعمرٌ، ولا غلب محتلٌ أمةً، وكما انتصر المقاومون الأولون على البغاة العتاة المحتلين لأرضهم، فإن مقاومتنا ستنتصر، وشعبنا سيغلب، وسيعود إلى طنه ودياره، عزيزاً كما كان، وأبياً كما يريد أن يكون.

هدم البيوت موجعٌ ومؤلم، وقاهرٌ ومؤذي، ولا عيب إن شكونا منه وعبرنا عن إحساسنا بالأسى بسببه، فالتشرد صعب، واللجوء مذل، والمبيت في العراء مهينٌ، فهل يقبل العرب والمسلمون على الفلسطينيين هذا الضيم والألم، وهذا الشظف والحرمان، وهل يحققوا للعدو ما يريد منا وما يأمل من سياسته معنا، وهو الذي بدا اليوم فرحاً وهو يهدم بيت الشهيد العكاري، وقد صور عملية النسف من الجو، ومن مكان ارتكابه لجريمته، ونشر صور النسف وكأنه يهدي فرحة التدمير إلى شعبه، ويشرب نخب النسف مع مستوطنيه، في الوقت الذي يقول فيه للفلسطينيين والعرب أنظروا ماذا فعلنا بكم وفي بيوتكم، فقد خربناها بأيدينا، ودمرناها بآلياتنا، ولم نبق لكم فيها على شئٍ، فلا سقف ولا جدران، ولا أبواب ولا نوافذ، ولا شئ من أثاثكم بقي ولا ذكرياتٍ لكم فيها تركنا، فهل تتعظون مما نفعل، وتتعلمون مما نعمل.

هذه هو لسان العدو الفرح المختال المزهو المغرور، الذي يرقص على جراحنا ويغني، ويقف على ركام بيوتنا ويتصور، فهل نتركه يتيه ويفرح، ويغني بما يرتكب ويصدح، أم نغيظه ونكيده، ونرد كيده إلى نحره، ونقف إلى جانب شعبنا الفلسطيني الذي يهدم بيته، ويدمر مسكنه، ونمد له يد العون والمساعدة، فنبني ما هدم العدوان، ونصلح ما أفسد الاحتلال، ونجعل من الحجر سكناً للرجال، وموئلاً للأبطال الذين لا يطالبون العرب والمسلمين بأكثر من دعم صمودهم، وتثبيت وجودهم، وإعلاء راية حقهم، وترسيخ جذورهم في الأرض، لأنهم الصبغة والهوية، والعنوان والجوهر.

بيروت في 3/12/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (52)

أحمد المناصرة علمٌ جديدٌ واسمٌ لن ينسى

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

كثيرون هم الأطفال الفلسطينيون الذين علقوا في الذاكرة، وسكنوا القلوب، وبقيت أسماؤهم ترددها الألسن وتحفظها العقول، وتستعصي على النسيان، وترفض أن تغيب عن الوجدان، حتى غدت أسماؤهم أعلاماً عربية، ذائعة الصيت وواسعة الانتشار، ومعروفة عند العامة والخاصة، ومألوفة لدى الكثيرين في الوطن والشتات، وسمى العرب أبناءهم بأسمائهم، وأطلقوها على شوارعهم، وذكروها في كتبهم، وكتبوا عنها في صحفهم، وتبرعوا لذويهم بالكثير من المال، وأغدقوا عليهم بالرعاية والاهتمام، واستضافوا أهلهم ورحبوا بأسرهم، واستقبلوهم كما الأبطال، ورحبوا بهم واحتفوا بقدومهم، وعقدوا لهم الحلقات والندوات، والاحتفالات والمهرجانات، تكريماً لأبنائهم الشهداء وعرفاناً بعظمتهم رغم طفولتهم.

لم يكن محمد الدرة هو الأول وإن كان هو الأشهر والأكثر نجوميةً بين أطفال فلسطين المقاومين، فهو أولهم في الانتفاضة الأولى، وأسبقهم في الشهادة، وقد شهد العالم كله مقتله، وسمع استغاثته ومناشدته، وشاهده وهو يحتمي بأبيه من رشقات الرصاص المتوالية، ولكن جنود الاحتلال لم يحترموا طفولته، ولم يسكتوا عن ضعفه، ولم يصغوا إلى توسلاته، رغم أنه كان متوارياً وأبوه خلف حاجزٍ صغيرٍ، إلا أنهم انهالوا عليه بطلقات بنادقهم الحاقدة كالمطر، فنالت من جسده الصغير النحيل حتى سكت وخمد، وارتقى عند الله شهيداً أمام عدسات المصورين وعلى شاشات الفضائيات الدولية، وقد مضى على استشهاده سنواتٌ، إلا أننا ما زلنا نذكره، وسنبقى ما حيينا نذكره ولا ننساه.

أما طفل الانتفاضة الثانية بلا منازعٍ فقد كان فارس عودة، هذا العملاق الفلسطيني البطل، الشامخ في وقفته، الثابت على أرضه، المرفوع الرأس عزةً وكبرياءً، والمندفع الصدر جرأة وتحدياً وشجاعة، فما زالت صوره وهو يتحدى بجسده النحيل دبابة الميركافا الإسرائيلية الضخمة، التي لا يستحي العدو من نفسه وهو يواجه بها طفلاً صغيراً يقبض بأصابعه الغضة الطرية على حجارةٍ طينيةٍ لا تجرح ولا تؤذي، ولكنه الخبيث في أصله، والمريض في نفسه، والجبان في طبعه، لا يستطيع أن يواجه فلسطينياً ولو كان طفلاً صغيراً إلا من وراء جدرٍ، خوفاً على نفسه، ويقيناً بضعفه أمامه، ولو كان خلواً من السلاح، وعزلاً من أي أداةٍ قاتلة.

أما إيمان حجو الطفلة الرضيعة البريئة التي لم تعرف طعم الحياة، إلا شظف عيش أهلها وبؤس حياة شعبها، فقد اخترق الرصاص صدرها ومزق جسدها، ولم تكن يومها أكثر من قطعة لحمٍ تنبض بالحياة، ويجري في عروقها دمٌ صافي، لكنها لا تحسن الحراك ولم تتعلم النطق بعد، فإن صورتها لا تغيب عن الذاكرة، ولا تنساها العيون التي تغمض خجلاً وحياءً، وعجزاً وقهراً، أمام الطفولة البريئة التي يغتالها العدو بأبشع أسلحته.

إيمان حجو ستبقى مع الأيام شاهدةً على الهمجية الإسرائيلية، والحقد المسكون في صدروهم على أطفال فلسطين، رغم أنها ليست الوحيدة ولا الأولى، ولن تكون الأخيرة ما بقي العدو يحتل أرضنا، ويعتدي على شعبنا، إذ سبقها كثيرون، واستشهد معها وفي الحروب آخرون، ولعل الطفل علي سعد الدوابشة التي قتله المستوطنون ووالديه حرقاً، لهو دليلٌ آخر على حقدهم، وعلامةٌ أكيدة على خبث طباعهم وفحش أخلاقهم.

لا يستطيع البيان أن يحصي الأطفال الشهداء، ولا أن يحيطهم بعلمه وذكره، فهم أكثر من أن يحصيهم عادٌ، أو يذكرهم في مقاله كاتبٌ، ولكن منهم أعلاماً لا يستطيع أن يطويهم الزمن، ولا أن ينساهم الشعب، ومنهم محمد أبو خضير الذي قضى حرقاً، واستشهد غيلةً بطريقةٍ وحشيةٍ وهمجيةٍ لا تقوم بمثلها الوحوش الضواري في الغابات، بعد أن اختطفه مستوطنون لاهون ومجرمون عابثون، لا يشعرون بالخوف لأن القانون معهم، والعقوبة لا تطالهم، والسجن لا يبنى عليهم، فارتكبوا جريمتهم غيلةً وغدراً، فحلت عليهم اللعنة، ونزل بهم وبكيانهم الغضب، وبقي أبو خضير اسماً نذكره، وشهيداً نجله ونحيي ذكراه.

أما إسماعيل عبد ربه فهو من أعلام الانتفاضة الثالثة وإن لم يكن شهيداً، ولم يسمع عنه الناس كثيراً، فهو طفلٌ صغيرٌ لم يتم عامه الحادي عشر، اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي من بين يدي والديه، بعد أن قامت بمداهمة منزله في بلدة حزما شمال مدينة القدس، واتهمته وهو ابن الأحد عشر عاماً بالتخطيط لطعن مواطنين إسرائيليين، وصدقت نفسها بما توهمت، واقتادته إلى السجن وهي منه خائفة، وعلى نفسها وجلة، أو هكذا حدثت نفسها، وتريد من العالم أن يصدقها أن إسماعيل خطرٌ عليها.

أحمد المناصرة هو الاسم الجديد وعلم الانتفاضة الثالثة، الذي سنسمع عنه الكثير وسنتعود عليه جميعاً، وسنذكره أكثر ولن ننساه، وحوله ستنسج القصص والحكايات، وسنتناقل أخباره وقصصه، وسيلهم الكتاب والمفكرين والشعراء إبداعاً، وسيكتبون عنه الكثير نثراً وشعراً، وسيخلدون كلمته البسيطة البريئة “ما بأذكرش”، التي أصبحت أيقونةً ورمزاً، وشعاراً يرفع ويردد، وستبقى صورته وهو أمام جمع المحققين الإسرائيليين يصرخ فيهم “ما بأذكرش”، لينظم بذلك إلى ثلة الأطفال الشامخين، الأطفال الرجال، الصغار الأبطال، الذين نعتز بهم ونفخر، ونتيه ونفرح، لكنه مختلفٌ عن غيره وإن لم يكن شهيداً، فقد شهد الطعن ورافق الشهيد، وكان قدره الأسر والاعتقال، وإن في السجون والمعتقلاتٌ رجالٌ لا يقلون قدراً عن الشهداء، ولا تنتقص الجدران من رجولتهم، ولا تخدش القضبان بطولتهم.

حريٌ بشعبٍ هؤلاء أطفاله، وأولئك رجاله، يقاومون كلواءٍ، ويناورون كالفرسان، ويصمدون كجبهةٍ، ويتشامخون كالجبال، ويزأرون كالأسود، ويصرخون كالرعد، ويسارعون إلى المواجهة والمقاومة كما البرق، لا يخافون العدو ولا يخشون بأسه، ولا يترددون عن مواجهته والتصدي له، ولا تذلهم القيود، ولا تحبسهم الجدران، ولا تمنع حريتهم القضبان، أن يكون له دولةٌ ووطنٌ، وعلمٌ ونشيدٌ وجيشٌ، وأن تكون له قيادةٌ رشيدة ورئاسة صادقةٌ مخلصة، وحكومة عادلةٌ حكيمةٌ، وحريٌ به بعد هذا كله أن ينتصر ويغلب، وأن يفوز ويحقق ما تصبو إليه نفسه، فهذا جيلٌ آخرٌ مختلفٌ ومميزٌ، حياته ملحمة، ومقاومته أسطورة، وعينه بصيرة، وعقله راشد، يتطلع إلى المعالي لأنها النصر، ويتوق إلى الحرية لأنها الكرامة.

بيروت في 4/12/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (53)

بيت لحم مهد المسيح وموطن الفدائي الأول

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

يحار المرء في ظل فعاليات الانتفاضة الثالثة المتدحرجة يوماً بعد آخر نحو القمة، عن أي مدينةٍ أو محافظةٍ فلسطينيةٍ يكتب أو يتحدث، إذ تتداخل أمامه البلدات التي يجب أن يقف لها احتراماً، وأن يؤدي لها التحية تقديراً، وأن يحني لها الرأس تواضعاً واعترافاً، فما عادت مدينةٌ فلسطينية متأخرة عن اللحاق، أو تسير في آخر الركب، بل باتت كلها رائدةٌ وتقود، ومتقدمةٌ وتسير، تسبق الجميع، وتقود الكل، ويتبعها الآخرون، ويمضي على دربها الباقون، وفي كل يومٍ تسمو مدينة، وتعلو أرصدة مقاوميها وشهدائها، وتبدو كأنها هي الأولى وغيرها لها تابعٌ أو بعدها ثاني، وفي اليوم التالي يسمو نجم مدينةٍ أخرى، وتفرض حضورها بالقوة والدم، وتجبر الجميع على التسليم لها بأنها الأولى بحق، والمثال النموذج بجدارة.

بيت لحم واحدةٌ من بين هذه المدن المتنافسة على المكانة الأولى والدرجة العالية الرفيعة، التي تتقدم كل يومٍ ويبزغ نجمها مع كل حدثٍ، وقد ظن العدو أنها لن تكون كغيرها، ولن تنخرط في المقاومة كسواها، ونسوا أن مدينة بيت لحم حاضرة المسيحية الأولى، ومهد المسيح عليه السلام، الذي كان يوماً هو المقاوم الأول، داعياً كل صاحبِ حقٍ أن يثور ليستعيد حقه، وأن يستخدم السلاح في استعادة حقه ومقاومة عدوه، وأن يشتري بما عنده من مالٍ سلاحاً ليقاتل به، ولو أدى الأمر إلى أن يبيع رداءه الذي يلبس ليشتري به سيفاً وبه يقاتل.

ولبيت لحم وجودٌ فاعلٌ وتاريخٌ حاضرٌ، ومشاركة دائمة في الانتفاضات الفلسطينية السابقة، وفي كل المناسبات الوطنية، ولعل كنيسة المهد في المدينة، والدور الوطني الكبير الذي لعبته في حماية المحاصرين فيها، واللاجئين إليها، وصمودها الرائع في وجه سلطات الاحتلال، وتحديها لإرادته، ورفضها الاستجابة إلى تعليماته، واحتضانها رغم الخطر للمقاومين الفلسطينيين، يؤكد دوماً أن بيت لحم مقدامة، وأنها تنافح وتزاحم، وتنافس وتقاتل، ولا تقبل إلا أن تكون في الصفوف الأولى أو على القمة، ورجالها وشبانها من القادة والرواد.

وفيها ومنها سقط شهداءٌ عديدون، وخرج مقاومون كثيرون، من الجنسين كانوا ومن كل الأعمار تميزوا، خرجوا مدافعين عن مدينتهم، ومشاركين لشعبهم في انتفاضتهم المجيدة، فما أضعف مقاومتهم حقد الاحتلال عليهم، وقسوته في التعامل معهم، وكان من شهداء بيت لحم أطفالٌ نذكرهم، وصغارٌ نحفظ أسماءهم، وكأنهم يذكرون بطهرهم بما ورد في كتب العهد القديم عن مذبحة آلاف الأطفال من بيت لحم حقداً على يدي هيرودوس.

سياسة الاحتلال الإسرائيلي كانت تتعمد دوماً فصل سكان بيت لحم وعزلهم، وإظهارهم بأنهم يختلفون عن بقية الفلسطينيين، ولا ينتمون أو ينتسبون إليهم، فهم يريدون رغم عداوتهم التاريخية للمسيحيين، أن يطغى الطابع المسيحي على المدينة، فتشكل هويتها ووجهها العام، كي تتميز عن الوجود المسلم للمجتمع الفلسطيني، وما علم الإسرائيليون أن مسيحيي فلسطين ينتمون إلى وطنهم كما المسلمين وأكثر، ويتمسكون بها ويلتصقون بترابها، ويحافظون على مقدساتها، ولا يفرطون فيها، ولا يقبلون بالتنازل عنها أو المساومة عليها، فالمسيحية الفلسطينية هويةُ وطنيةٌ وانتماءٌ صادق لفلسطين التاريخية، فهم فيها أسبق وأعمق، ووجودهم فيها أقدمُ وأعرق، ولهم فيها تاريخٌ ومقدسات، وبقايا وآثار، وقبورٌ وأجداد، يجعل من جذورهم فيها عميقة، ومن أغصانهم في سمائها عظيمة.

المستعربون الإسرائيليون لا يغيبون عن مدينة بيت لحم، بل يستهدفونها ويحقدون عليها، فهم يتواجدون فيها دائماً، يبحثون عن طرائدهم، ويفتشون عن صيدٍ ثمينٍ ينالون منه، يجوبون في شوارعها مستغلين سماحة المدينة وأهلها، التي ترحب بالضيوف، وتبش في وجوه الزائرين، وتكرم وفادتهم، وتحسن معاملتهم، فهم في ضيافتها وقد دخلوا بيتها، لكن المحتل الإسرائيلي يأبى دوماً إلا أن يكون قذراً، فيأتي بأفعال دنيئةٍ من شأنها أن تفسد كل صالح، وتدنس كل طاهر، ويصر على محاربة الخير بين الناس، والقضاء على الفضائل الإنسانية الباقية بينهم، كما نالوا قديماً من أربعة رجالٍ معاً كانوا في سيارتهم، لكن التلحميين عرفوا كيف يكتشفون المستعربين ويلاحقونهم، ويقضون على أحلامهم الخبيثةٍ المريضةِ في مدينتهم.

العدو الإسرائيلي يغتاظ جداً من دور مدينة بيت لحم في المقاومة الفلسطينية، فهي ليست مدينة عادية، وليست بلدة فلسطينية وحسب، إنما هي مدينة رمزيةٌ وروحيةٌ، لها مكانتها وقداستها، إنها عاصمة المسيحية كلها، وإليها تهوي قلوبهم وتهفو نفوسهم، ويحج آلاف المؤمنين إليها سنوياً، ويتمنى أضعافهم زيارتها والتبرك فيها، فهي مدينةٌ عالميةٌ، تلفت الأنظار، وتسلط الأضواء، وتجبر قادة العالم أن يصغوا إليها، وأن يسمعوا إلى سكانها، وأن ينادوا بالاستجابة إلى مطالبهم، والالتزام بحقوقهم، ولعل قداسها عشية الميلاد يضاهي قداس الفاتيكان واحتفالات المسيحيين في ساحتها، حيث يؤمها في ليالي الميلاد عشرات آلاف المسيحيين من كل مكانٍ في العالم، فيقيد وجودهم حركة الاحتلال، ويمنعهم من المداهمة والاجتياح، ومن التوغل والانتهاك، ويشعرون في ظل وجودهم أن يدهم مغلولة، وسلاحهم قاصر، وقدرتهم على الفعل محدودة.

اليوم بيت لحم تتميز وتتقدم، وتزهو برجالها وتتيه بأبطالها، وتقول بعالي صوتها أننا هنا نقاوم ونقاتل، ونفدي فلسطين وشعبها بفلذات أكبادنا وعيون رجالنا، فحوسان تدهس، والخضر تدهم، وقرية تقوع تلقي قنابل حارقة، وأبناء مخيم عايدة يطعنون، وبيت فجار تواجه، وطلاب جامعة بيت لحم يتظاهرون، وسياراتٌ تلحميةٌ كثيرة تحاول اقتحام حواجز عسكرية، وتنجح في دهس بعض جنودها وتلوذ بالفرار، وتنجح بالتواري عن الأنظار، وكثيرون يلقون على الدوريات الإسرائيلية حجارةً، ويرشقون الجنود بكل ما في أيديهم، ويردون عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع، وتتكامل صورة بيت لحم في لوحةٍ ملحميةٍ رائعةٍ، يشترك في رسم تفاصيلها كل السكان، ويتبارى المواطنون في إبراز الملامح وإيضاح الصورة كأعظم ما تكون قوةً وعزماً.

 

بيروت في 5/12/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (54)

تساؤلات مشروعة عن شبهاتٍ حول السلطة

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

لا أريد أن أفتح ملف علاقة السلطة الفلسطينية بالكيان الصهيوني، والتنسيق الأمني المشترك بين أجهزة مخابرات الطرفين، فهذا أمرٌ بات معروفاً للجميع، ولا تنكره السلطة بكل مستوياتها القيادية، بل إن بعضهم يفاخر به علناً ويعترف جهاراً، وتطالب الحكومة الإسرائيلية بتنفيذه وضمان الالتزام به، وتصر على الإدارة الأمريكية ضمان نفاذه واستمراره،  وتحذر المخابرات الإسرائيلية حكومتها من مغبة تعليقه، أو الإضرار به وتعريضه لخطر التوقف، ذلك أنها تستفيد منه أيما استفادة، فهو يخفف من أعبائها كثيراً، ويساعدها في فك طلاسم الكثير من القضايا، وتفكيك الشبكات المسلحة، واعتقال الخلايا النشطة، وتعطيل العمليات المتوقعة، وإفشال المخططات الفاعلة، وتبادل المعلومات الأمنية، وغير ذلك من المهام السرية التي لا يمكن الإفصاح عنها أو كشفها للعامة، مما نصت عليه الاتفاقيات والتفاهمات الأمنية بين الطرفين.

الحديث عن هذا الموضوع الشائن القبيح المخزي أصبح ممجوجاً، نكرره وكأننا نجلد به ذواتنا، ونلعن أنفسنا، وبات المواطنون يكرهون الحديث فيه والنقاش حوله، ذلك أنه يسيئ إلى الشعب الفلسطيني وقضيته، ويضر بالفلسطينيين كثيراً، ويظهر مؤسسات سلطتهم الوطنية أمام العرب والرأي العام الشعبي كمخبرين متعاونين مع العدو، ولا يبالون به وبما يتعرض له، ولا يهتمون بجراحاته وعذاباته، وكل ما يهمهم هو العدو وسلامته، وأمنه ومصالحه، في الوقت الذي يمضي فيه العدو في سياساته العدوانية ضد الشعب الفلسطيني قتلاً وتشريداً واعتقالاً ومحاصرةً ومصادرةً وحرماناً وغير ذلك، ولا يردعه عن جرائمه تنسيقٌ، ولا تصده اتفاقياتٌ ومعاهداتٌ، إذ لا يحترم السلطة ولا يقدر جهودها ولا يحرص على عدم إحراجها.

لا يبدو أن السلطة الفلسطينية تريد أن توقف التنسيق الأمني وإن كانت قد هددت بوقفه فعلياً أكثر من مرة، وأعلنت عن نيتها تجميده وعدم العمل به، أو أنها غير قادرةٍ فعلاً على وقفه ومنعه إن رغبت وأرادت، فالقرار بشأنه قد لا يكون بيدها، وهي ليست صاحبة سلطة سيادية فيه، وكأن الذين يشرفون عليه ليسوا فلسطينيين، أو أن رؤساءهم والمسؤولين عنهم الذين يصدرون لهم الأوامر والتعليمات أمريكيون أو إسرائيليون، وهم الذين يملكون فعلاً ناصية القرار، والأجهزة الأمنية الفلسطينية تتلقى منهم الأوامر والتعليمات مباشرة، عجزاً وخنوعاً وعدم قدرة على الرفض والاعتراض، أو أنها متساوقة مع الاحتلال ومتعاونة معه، وأنها تخدمه وتعمل معه، وكأنها أحد فروعه الأمنية، إذ هكذا تفهم الأمور، ولا يوجد فهمٌ آخر يناقضه أو ينفيه.

لن نتحدث عن الماضي ولن نفتح الملفات السابقة، ولن نحاسب السلطة عما التزمت به ونفذته قبل الانتفاضة الثالثة، وسنسلم أنها لا تملك القرار، وأنها كانت عاجزة عن الفعل، لكن أليس من حقنا أن نسألها اليوم، وأن نشدد عليها في ظل انتفاضة شعبنا المجيدة، وفي الوقت الذي يمضي فيه العدو فينا تقتيلاً واعتقالاً، إذ أن عليها أن تقدم ما يثبت أنها فلسطينية ووطنية، وأنها من هذا الشعب، تنتمي إليه وتنتسب، وتعمل له وتتعب من أجله، فالانتساب إلى فلسطين لا يكون بغير الوطنية الصادقة، والمقاومة الجادة، والولاء للمقاومين، والبراءة من الأعداء المحتلين، والانسلاخ عن كل حلفٍ يعادي شعبنا ويضر بقضيتنا، والابتعاد عن كل شبهةٍ فيها مظنة التعاون والتخابر والعمالة والجاسوسية.

العدو يقول عبر إذاعته العامة أن أجهزة أمن السلطة الفلسطينية اعتقلت خلال الانتفاضة خلية مسلحة في منطقة طوباس تنتمي إلى حركة الجهاد الإسلامي، وأن هذه الخلية المكونة من ستة عناصر كانت تجمع السلاح وتنظم نفسها وتخطط للقيام بعملياتٍ عسكريةٍ ضد أهدافٍ إسرائيلية تابعة للجيش والمستوطنين في القدس والضفة الغربية، إلا أن أجهزة أمن السلطة التي بادرت باعتقالها، أحبطت عملياتها وأفشلت مخططاتها، وأضافت مصادر العدو أن أجهزة أمن السلطة صادرت من هذه المجموعة كمياتٍ كبيرة من المتفجرات كانت بحوزتها، بالإضافة إلى أسلحة وقنابل يدوية ومواد أولية تستخدم في صناعة المتفجرات، وأنه ما كان للمخابرات الإسرائيلية أن تفككها لولا الجهود التي بذلتها أجهزة أمن السلطة.

وتعليقاً على هذه العملية التي وصفتها إذاعة العدو العامة بأنها ناجحة، فقد نقلت عن مصادر عسكرية إسرائيلية أن التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية وجهاز الشاباك مستمر ولم يتراجع.

وأضافت الإذاعة العبرية العامة في نفس الخبر أن قوات الأمن الفلسطينية سلمت نظيرتها الإسرائيلية جنديين إسرائيليين دخلا إلى منطقة طولكرم شمال الضفة الغربية عن طريق الخطأ يوم الأحد الماضي.

وأضافت ” أن السلطة الفلسطينية سلمت السلطات الإسرائيلية في الأشهر الماضية أكثر من خمسة وعشرين مرة، أسلحة وأجهزة اتصال عسكرية ومعداتٍ أخرى تم سرقتها وتهريبها من معسكرات الجيش، ووقعت في أيدي مجموعاتٍ عسكرية فلسطينية اشترتها أو حصلت عليها بطرقٍ مختلفة”.

هذه أقوالٌ إسرائيلية ننقلها كما هي، ونطرحها على السلطة الفلسطينية، ونطلب منها الرد عليها، وبيان موقفها منها، أهي حقيقة أنها في ظل الانتفاضة تتعاون وتنسق، وتقدم المعلومات وتعيد إليها المتسللين من جنودها، والمندسين من عملائها، والمستعربين من أجهزتها.

من حقنا اليوم في ظل انتفاضة شعبنا المجيدة، التي يقدم فيها زهرة شبابه وأعز أبنائه، أن نحاسب السلطة الفلسطينية ونسألها، وأن نحقق معها ونستجوبها، لكننا سنمنحها الفرصة للدفاع عن نفسها، ودحض الاتهامات الموجهة إليها، ونفي ما يشاع عنها، خاصةً أننا ننقل ما أورده العدو بنفسه، وما اعترف به من تلقاء ذاته، وكله يدينها ويشوه صورتها ويفضح مهمتها، فهل ما يشيعه العدو صحيحٌ، وما ينسبه إليهم من نجاحاتٍ دقيق، أم أنه محض كذبٍ وافتراء، وأن المقصود منه إثارة الفتنة وتعميق الانقسام، وبث الروح في النعرات الجاهلية التي تفسد الحياة بيننا.

بيروت في 6/12/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (55)

نجاحٌ موعودٌ ووأدٌ مأمولٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

الانتفاضةُ الفلسطينية الثالثة حدثٌ كبيرٌ، وفعلٌ مقاومٌ لها أثرٌ عظيمٌ، وسيكون لها نتائج ملموسة، وآثارٌ في المستقبل مرصودة، وهي وقد دخلت شهرها الثالث، فلن تكون حدثاً عابراً، ولا هبةً وتخبو، ورياحاً هوجاء وستسكن، أو عاصفة شديدة وستهدأ، وهي ليست ظاهرة لها عمرٌ محدودٌ وستذوي أو ستموت، وإن كان هذا هو قدرها ومصيرها في نهاية المطاف، ولكن بالتأكيد ليس قبل تحقيق الأهداف وقطف الثمار المرجوة منها، فهي أحد الأدوات والوسائل النضالية الإبداعية التي يلجأ إليها الفلسطينيون من وقتٍ لآخرٍ، تماشياً مع الظروف، أو تحدياً للواقع، وتصدياً للإجراءات الأمنية والعسكرية القاسية التي تتخذها حكومة العدو.

لن يقبل الفلسطينيون وهم الأقوى بإرادتهم، والأصدق في مقاومتهم، والأكثر عدالةً في قضيتهم، بالعودة من الانتفاضة خاوي الوفاض، أو كما يقول المثل العربي “بخفي حنين”، فهم لن يرضوا بالخسارة، ولن يقبلوا بأن تذهب تضحياتهم سدىً أو هباءً أدراج الرياح، بل إنهم يحسبون جيداً ويعون أكثر، ويعرفون أن ثمرة انتفاضاتهم السابقة كانت نصراً، وأنها رغم حجم التضحيات فقد كانت فتحاً، ولم يبدُ الشعب من خسائره فيها وإن كانت كبيرة تذمراً، ولم يبخل في عطائه وقد كان غزيراً وهو يستشرف المستقبل، ويتطلع إلى الأفضل، ولهذا فليس في قاموس الفلسطينيين مكانٌ لما يسمى بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانتفاضة، فما كان الفلسطينيون ليثوروا وينتفضوا، ويقدموا كل ما قدموا، لو كانوا يريدون الحفاظ على الأوضاع كما هي دون تغييرٍ يذكر.

الإسرائيليون وغيرهم يعرفون هذا تمام المعرفة، ويدركون أن الفلسطينيين ما نزلوا إلى الميدان ليعودوا منه قتلى أو جرحى ومعتقلين، بل نزلوا إلى الميدان ليغيروا الواقع، ويبدلوا الحال، ويرفضوا ما يفرض عليهم أو يراد لهم، وقد حار العدو من إرادة الفلسطينيين وهمتهم، فهم يذهبون إلى الشهادة التي يسميها موتاً بفرحٍ وأملٍ واستبشارٍ ويقين، لا يأس فيه ولا قنوط، ولا إحباط ولا تشاؤم، فما من منفذٍ لعملية طعنٍ إلا واستشهد، وقليلٌ منهم من أُصيب بجراحٍ وأُعتقل، بل جميعهم يقدمون على المقاومة بروح الاستشهاد المسكونة بالأمل، والتي لا مكان فيها ليأسٍ أو قنوطٍ، أو انعدام رؤيةٍ وانسداد أفق، ولهذا فإن قادة العدو السياسيين والأمنيين والعسكريين يجدون أنفسهم عاجزين بالقوة والسياسة، وبالأمن والخدعة والحيلة والتنسيق والتعاون، عن إيجاد حلٍ أو غلبة الفلسطينيين وإخماد انتفاضتهم.

اليوم على الأرض الفلسطينية إرادتان متعارضتان ومتناقضتان، فلسطينيةٌ شعبيةٌ ومعها جموعٌ عربيةٌ وإسلاميةٍ شعبيةٌ، تؤيد الانتفاضة، وتريد أن تستمر فيها، وألا تتراجع عنها، وتعتبر أن التراجع انتحار، وبعضهم يراه خيانة، إذ لا يجوز أن نقابل تضحيات الشباب وهم الأكثر، بانكسارٍ أو تخاذل، ولعل الشعب قادرٌ على الاستمرار فيما قرر ومضى فيه، وإن كانت هناك أصواتٌ تعلو وترتفع، وتقول بأن على الفلسطينيين أن يوقفوا شلال الدم المتدفق، وأن ينهوا المعاناة المتزايدة، فالعدو الإسرائيلي نهمٌ وجشعٌ، ولا يشبع من القتل، وهو ماضٍ في سياسته، وغير مكترثٍ بما يسمع ويرى من انتقاداتٍ واستنكارات، ويرون أنه من الخطأ الجسيم احتساب النصر والصمود والثبات بحجم التضحيات وأعداد الشهداء.

في الجهة المقابلة يقف العدو الصهيوني داخل فلسطين المحتلة كسلطة احتلال ومعه المؤيدون والمناصرون والمساندون الدوليون حائرين مضطربين، يريدون أن ينهوا الانتفاضة بأي شكلٍ كان، بالقوة أو بالتفاوض، بالوساطة أو بالتنسيق، وبالضغط أو بالإكراه، فهذه الانتفاضة لا تخدم مصالحهم، ولا تفيد مشروعهم، ولا تتفق مع أهدافهم، وهي تحيي لدى الفلسطينيين إرادة المقاومة، وتبعث الحياة في معاني وطنية جميلة، تروق للشعب، وتتغنى بها الأمة، ومن شأن استنهاضها إدامة المقاومة وتعميق الصراع، والإضرار بالمصالح الإسرائيلية وتعريض أمن الكيان ومستوطنيه إلى أخطارٍ حقيقية.

كل طرفٍ يستخدم أدواته وإمكانياته، ويراهن على ما عنده أو ما يمكن أن يستخدمه بنفسه وما يستطيع توفيره من حلفائه وأنصاره، وهو يدرك أن هذه المعركة تتطلب نفساً طويلاً، وعضاً على الجراح شديداً، والغلبة تكون لمن يصبر ويعض على جرحه أكثر، ولعل قدرة الفلسطينيين على الصبر أكبر، وكل التجارب التي سبقت تدل على أنه الأصبر والأكثر احتمالاً، إذ أن ما تعرض له على مدى سبعة عقودٍ من شدةٍ وضيقٍ وضنك وقسوة معاملة، وآلاف الشهداء ومئات آلاف الجرحى والمعتقلين، ليؤكد أن هذا الشعب المسلح بالصبر، والمتسربل بالإيمان، لهو المؤهل بالنصر في نهاية المطاف.

أما العدو فعلام يراهن وبماذا يغامر، وما هي عوامل الفوز والكسب عنده، فهو لم يدخر سلاحاً ولا وسيلةً إلا واستخدمها، فإن كان يراهن على المزيد من القوة فإن الشعب ينتظرها ويتوقعها، لكنه لن يستجيب إلى نتائجها المرجوة، وإن كان يتطلع إلى التركيع والإخضاع بمزيدٍ من القتل والتضييق، ليصل بالشعب إلى درجةٍ لا يقوى فيها على الصمود والمواصلة، فإنه وغيره يعرف أن هذه المعادلة خاطئة، وهذا الرهان فاشل، فالفلسطينيون ذاقوا المر ألوناً على مدى كل السنين، فلن يزيدهم مر العدو الجديد مراً آخراً، لكن العدو ينسى أنه بات وشعبه يذوق من نفس الكأس، ويتجرع المر نفسه، ويدفع ضريبة سياسته دماً، فهل يصبر وشعبه، وهل يصمد واقتصاده، وهل يقوى على الاستمرار ومؤسساته تخسر وتنهار.

الانتفاضة إن صمدت فقد انتصرت، وإن بقت فقد حققت أهدافها، وإن اشتد ساعدها وقوي عودها فقد آذنت بنصرٍ مرتقبٍ، وتغييرٍ حقيقيٍ آتٍ، والفلسطينيون يعلمون أن الأوضاع صعبة، والظروف قاسية، والعدو مستوحشٌ جداً وخائف، فبات كحيوانٍ مفترسٍ جريحٍ أو يشعر بالخطر من حوله، فيريد أن ينجو بنفسه بمزيدٍ من القتل والاعتداء، والبطش والافتراس، وهو يرى جموع الفلسطينيين ينتفضون، وشبابهم وشاباتهم يخرجون، لا يلوون على شئٍ غير العزة، ولا يبحثون عن شئٍ غير الحرية، ولا يتطلعون لغير النصر أو الشهادة، فاللهم اجعل انتفاضتنا خيراً، مآلها نصراً، وخانتها عزةً وفخراً.

بيروت في 7/12/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

tabaria.gaza@gmail.com

Print Friendly

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

د. مصطفى يوسف اللداوي

الدولفين الألمانية إلى الكيان الصهيوني من جديد .. بقلم: د. مصطفى يوسف اللداوي

الدولفين الألمانية إلى الكيان الصهيوني من جديد بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي Share This: