إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / الإسلام / الحياة الإسلامية / ذكرى الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة 1435 هـ / 2013 م ( د. كمال إبراهيم علاونه )

ذكرى الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة 1435 هـ / 2013 م ( د. كمال إبراهيم علاونه )

ذكرى الهجرة النبوية الشريفة

من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة

1435 هـ / 2013 م

د. كمال إبراهيم علاونه

أستاذ العلوم السياسية والإعلام

رئيس مجلس إدارة شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يقول اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)}( القرىن المجيد – التوبة ) .

الحمد لله رب العالمين ذو الشأن العظيم الذي نصر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، وأعلى كلمة الحق والدين ، وهزم الشرك والمشركين ، والصلاة والسلام على إمام المتقين النبي العربي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ، فالسلام عليك يا رسول الله يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حياً ، وبعد ، أيها الأخوة والأخوات الكرام .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أهلا ومرحبا بكم في ظلال ذكرى ثورية إسلامية خالدة وهي هجرة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى يثرب ( المدينة المنورة ) حيث كانت البداية والنواة لنشر الإسلام العظيم في الجزيرة العربية والعالم أجمع .

أولا : الإعداد للهجرة النبوية الشريفة

الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ذكرى عطرة تفوح منها ذكريات الإسلام العظيم الذي يتصدى للطغاة والكافرين ، لهداية الناس أجمعين لدروب الخير والصلاح والابتعاد عن الضلال المبين ، والانتقال بهم من العمى إلى الهدى ، تلك ذكرى محفورة في الذاكرة الجماعية للأمة الإسلامية ، كما يقول الله تعالى :{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)} ( القرآن المجيد ، سورة آل عمران ، 110 ) .

هجرة نبوية بإيحاء إلهي ، أنارت شعلة الإسلام الأولى دياجير الظلام في شبه الجزيرة العربية والعالم أجمع وأضاء سنا برقه سنابل ومشاعل إيمانية تهدي إلى الطريق القويم لمن أراد أن يستقيم ويلجأ إلى الدين ليكون له نورا من فوقه ومن تحته وعن يمينه وشماله وإيمان يستقر في فؤاده وقلبه ولسانه ليصبح ذاكرا رطبا بالفطرة الإسلامية الدنيوية والأخروية . شعلة تنير درب السالكين الداعين إلى الثورة الإسلامية الجامعة والخلاص من الوثنية والبدء بالحنفية على درب رسالة التوحيد الإلهية الحقيقية لتحقيق المصلحة العالمية العليا .

عام هجري ينبثق في الأول من الشهر العربي القمري محرم ، فهلال المحرم قد هل على فلسطين وعلى الأمة العربية وعلى الأمة الإسلامية بعامة معلنا عن بدء العام الهجري الجديد 1435 ، إنها ذكرى مباركة تذكر الإنسان المسلم ببداية النشأة الأولى للدعوة الإسلامية الحقيقية وانطلاقتها من بؤرة ونواة المدينة المنورة في الجزيرة العربية قبل أربعة عشر قرنا وتسعة وعشرين عاما ..

إنها الانطلاقة الإيمانية الإسلامية نحو العزة والكرامة .. إنها بداية الانطلاقة الإسلامية بعد الاضطهاد الجاهلي للإسلام والمسلمين من قبل المشركين ومحاولة فرض الحصار الشامل على المسلمين الأوائل فجاءت الهجرة لإنقاذ هذه الثلة من أتباع وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفرغ لنشر الإسلام بعد ثلاثة عشر عاما من الملاحقة والقمع لأتباع هذا الدين الحنيف من الدعوة الثورية السرية ، وهذه الرسالة الإسلامية الخالدة ، فكان الأمر يسرا بعد عسرا لأنه { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)}( القرآن المجيد ، الشرح ، 5 – 8 ) ، إنه انتقال من مرحلة التآمر الدنيء ومحاولة قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مرحلة القوة والصلابة الإسلامية ..

ولكن مكر المشركين يذهب أدراج الرياح والعواصف الإسلامية التي هبت على المنطقة { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)} ( القرآن المجيد : سورة الأنفال ، 30 ) .

فقد أذن الله سبحانه وتعالى لرسوله بالهجرة والابتعاد عن القوم الكافرين ، فجاءت الهجرة إلى المدينة المنورة وكان الإيمان والثقة والاطمئنان بحتمية النصر ، كما جاء في القرآن المجيد : { فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) }( القرآن المجيد ، سورة البقرة 38 ) .

فلم تكن الهجرة لنقل الناس من الظلام إلى النور ومن الظلم إلى العدالة والمساواة الشاملة فحسب بل إنها إرتقاء بالذات الإنسانية من عبودية الإنسان للإنسان إلى عبودية الإنسان للخالق جل جلاله ، إنها الزهد في الحياة الدنيا من المال والأهل والولد وابتغاء لمرضاة الله سبحانه وتعالى في أوضح صورة من صور الهجرة في سبيل الله ومقاومة الظلم والطغيان والباطل بقوة الحق .

فهاهو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يرفض عروض قبيلته قريش من المال والجاه والوجاهة والتزويج مقابل ترك الدعوة الإسلامية والإصرار والثبات على المبدأ الحق .. إنه نور اليقين وقوة العقيدة والتمسك بالعروة الوثقى وهي عروة الإسلام .. إنها الهجرة والخروج من أجل الإصلاح والبناء الحضاري وإعداد العدة للعودة والانطلاق من جديد لفتح مكة المكرمة والقضاء على ملة الكفر والكافرين مستلهمين قول البارئ عز وجل :{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)} ( القرآن المجيد ، سورة الأنفال ، 60 ) .

ولقد تداعى المشركون للبحث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاقتربوا من غار ثور ، فيقول أبو بكر الصديق رفيق رسول الله في رحلة الهجرة : ” والله يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا ، فيقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ” يا أبا بكر لا تخف ، يا أبا بكر لا تحزن ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما . وقال الله سبحانه وتعالى عن ذلك في القرآن العزيز : { إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)} ( القرآن المجيد : سورة التوبة 40 ) .

ثانيا : انطلاق فكرة الهجرة النبوية الخالدة

جاءت فكرة الهجرة النبوية بقرار رباني بعدما اشتدت ملاحقة المشركين بمكة المكرمة للنبي المصطفى وأتباعه الذين آمنوا بالدعوة الإسلامية الجديدة التي قلبت القيم والعادات والتقاليد القرشية والعربية الجاهلية الأخرى رأسا على عقب ، فظهرت المؤامرة الجلية لقتل المصطفى صلى الله عليه وسلم من قبل سفهاء الكفار . وكان النبي الأمي وصحبه يعدون العدة للهجرة الجبرية خوفا على الدعوة الإسلامية وعلى أنفسهم من الهلاك والتعذيب الجسدي الشديد ، وتزايد عدد المسلمين الذين تركوا دين آباءهم وأجدادهم المتمثلة بعبادة الأوثان ، ولما تضاعف عدد المؤمنين بالدعوة الإيمانية الجديدة اشتدت وطأة الملاحقات والمطاردات للداعية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وغيره ، فأمر الرسول الكريم بعض أتباعه بالهجرة إلى خارج مكة المكرمة ، فبعضهم هاجر للحبشة والبعض الآخر هاجر وسبقه للمدينة المنورة وبقي ينتظر البلاغ الإلهي عبر جبريل عليه السلام للانتقال من مكة إلى يثرب .

جاء بصحيح البخاري – (ج 12 / ص 294) َقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْلِمِينَ : إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ . وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي ، أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ ، وَهُوَ الْخَبَطُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي ، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ ! قَالَتْ : فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ ، فَدَخَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ : أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِالثَّمَنِ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ . قَالَتْ : ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ . وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ . وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيَا خِرِّيتًا وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ ، قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ .

على أي حال ، بعدما أذن الله سبحانه وتعالى للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بنذير الحرب بايعه بعض الأنصار على إتباع الإسلام ونصرة دين الله القويم ، دعا الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بمكة للخروج إلى يثرب والهجرة إليها فاستصعب البعض الأمر ، إذ كيف يتركون أموالهم وأولادهم وعشيرتهم ثم قبلوا الامتثال للأمر الإلهي العظيم ، قال الله تعالى : { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ } ( القرآن المجيد ، سورة الأنفال ، 5 ) .

وقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام : ” إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا وداراً تأمنون بها ” ، فخرج المسلمون أفواجا وجماعات وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة منتظرا الإذن الإلهي من الله العزيز الحكيم للهجرة من مكة إلى يثرب . وقد جاءت فكرة الهجرة الإسلامية من مكة المكرمة إلى يثرب أو المدينة المنورة كما أطلق عليها فيما بعد بسبب إيذاء قريش للمسلمين بعامة ومحاولة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم بخاصة ، فعندما رأت قريش أن رسول الله قد صارت له جماعة وأصحاب في يثرب وشاهدوا خروج أصحابه أخذوا يتشاورون لإيذائه ، فاجتمعوا في ( دار الندوة ) في يوم يسمى ( يوم الزحمة ) فاقترحوا عدة اقتراحات للنيل من المصطفى صلى الله عليه وسلم منها حبس الرسول الكريم في الحديد وإغلاق الأبواب عليه ، واقترح رأي آخر بأن يتم إخراجه من بين أظهر قريش ونفيه خارج مكة المكرمة . وجاء الاقتراح الأخير الذي قدمه أبو جهل لعنه الله وأجمع عليه الحضور آنذاك وهو أن يتم ( الأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا شريفا في قريش ) وان يعطوا كل فتى سيفا صارما لضرب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ضربة رجل واحد وقتله ليتفرق دمه في القبائل كافة .

ثالثا : تداعيات الهجرة النبوية

عند حبكت قبيلة قريش المؤامرة وأرادت إذلال النبي العربي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فجاء جبريل عليه السلام أمين سر السماء ، مبلغ الرسالة الإسلامية من الله رب العزة سبحانه وتعالى إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابلغ رسول الله وقال له ” لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت فيه ” طالبا وناهيا وآمرا للمصطفى صلى الله عليه وسلم ، فلما جن الليل إجتمع هؤلاء الزمرة من الشباب المشركين الذين حشدوا للكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا يرصدون موعد نومه للانقضاض عليه ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر قال لعلي ابن أبي طالب كرم الله وجهه : ” نم على فراشي وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر ، فنم فيه ، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ” ، وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام .. إنها الفداء والتضحية من الشاب علي ابن أبي طالب للقائد المسلم الأول .

جاء في سنن الترمذي – (ج 12 / ص 434) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ حَمْرَاءَ الزُّهْرِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ ، فَقَالَ : ” وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ ” . وفي رواية أخرى ، بمسند أحمد – (ج 38 / ص 156) أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ مِنْ مَكَّةَ ، يَقُولُ لِمَكَّةَ : ” وَاللَّهِ إِنَّكِ لَأَخْيَرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ” .

وفي رواية ثالثة ، وردت بمسند أحمد – (ج 38 / ص 157) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَزْوَرَةِ فَقَالَ : ” عَلِمْتُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ الْأَرْضِ إِلَى اللَّهِ ، وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ ، مَا خَرَجْتُ ” .

فالخروج النبوي الشريف من مكة كان بسبب القهر والظلم والمكائد والرغبة القرشية الكافرة الجامحة بقتل المصطفى صلى الله عليه وسلم ، حيث كان يحب مسقط رأسه مكة المكرمة .

رابعا : كيفية تنفيذ الهجرة النبوية

على الأغلب في عام 622 م ، الموافق العام الهجري الأول في التاريخ الإسلامي ، بعد معجزة الإسراء والمعراج بعام واحد ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الزمرة الفاسدة المفسدة التي تعيث في الأرض فسادا وإفسادا ، من الكفار والمشركين التي تتربص به السوء فأخذ حفنة من تراب في يده الشريفة ثم قال : أنا أقول إنكم إن اتبعتموني كنتم ملوك العرب والعجم ، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان الأردن ، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها ، فأخذ ينثر التراب على رؤوس المتربصين له وهو يتلو بضع آيات من سورة يس : { بسم الله الرحمن الرحيم : يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)} ( القرآن المجيد ، سورة يس ، 1- 9 ) وجعل يردد الآية الأخيرة عدة مرات { وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ }.

وجاء في الخبر الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَقَالَ شَاهَتْ الْوُجُوهُ . وإثر ذلك لم يبق منهم رجل إلا وقد وضع تراباً على رأسه ، فمر بالقوم الكائدين المجتمعين رجل وقال : ما تنتظرون ها هنا ! قد والله خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه تراباً ، وإنطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ، ثم نظروا فوجدوا شخصا نائماً في الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخضر ، فكذبوا هذا الرجل الذي بلغهم أنه رأى المصطفى خارجا من بيته الكريم الصغير ، فقالوا : والله إن هذا لمحمد نائماً ، عليه برده أو غطاؤه فلم يزالوا على ذلك حتى الصباح فنهض علي كرم الله وجهه عن الفراش ، فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهلوا من المفاجأة . وكان رسول الله ( ص ) أمر علي ابن أبي طالب أن يبقى بمكة لتسليم الودائع لأصحابها فيمكث ثلاثة أيام بلياليها يوزع هذه الودائع . نعم لقد كفى الله رسوله الكفار السفهاء من قريش الذين حاولوا ثنيه عن دعوة الإسلام العظيم كطريقة للتغيير والإصلاح الرباني للمجتمع العربي المشتت آنذاك .

خامسا : جائزة كبرى ( مائة ناقة ) لمن يقبض على النبي المطارد من الكفار

وإمعانا في المطاردة والملاحقة الساخنة الشيطانية لقائد الثورة الإسلامية الشاملة ، جرى تخصيص جائزة عظيمة في حسابات ذلك الزمان ، وأما بشأن هذه الجائزة العينية الكبرى المخصصة للقبض على المطارد الإسلامي الأول في العالم آنذاك ، من قوى الظلام والجاهلية الأولى ، والمقصود به حبيب الله عز وجل ورسوله الأمين المبعوث رحمة للبشرية جمعاء ، محمد صلى الله عليه وسلم ، قال سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة المنورة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم ، إذ خصصت جائزة لمن يأسره أو يقتله هو وصديقه أبو بكر الصديق .ولكن كافة المشركين عجزوا عن أسره أو قتله وحده أو مع صاحبه لأن المؤامرة لم تنجح بقدره الله وجبروته الذي حماهما بحمايته الربانية التي لا يقدر عليها إنس ولا جان .

وذكرت عائشة زوجة الرسول رضي الله عنها ( فيما بعد ) : كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار ، إما بكرة وإما عشية ، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهراني قومه ، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها ، فلما رآه أبو بكر قال : ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لأمر حدث ! فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أخرج عني من عندك ! فقال : يا رسول الله ، إنما هما ابنتاي ، وما ذاك ؟ فداك أبي وأمي ؟ فقال : إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة ، فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ؟ قال : الصحبة ، قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ثم قال : يا نبي الله ، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا ، فاستأجرا عبد الله بن أرقط ، وكان مشركا ، يدلهما على الطريق فدفعا إليه راحلتهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما المضروب للسفر والخروج من حمى الوطن إلى رحب أوسع وأكثر استجابة للدعوة الإسلامية الحقة ، إنه الانتقال إلى مدينة الشعاع النوراني العظيم .

وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مع أبي بكر الصديق ثم عمدا إلى غار بثور فأقاما ثلاثة أيام للاختفاء عن أعين قريش ، وأعلنت قريش عن جائزة كبرى ( مائة ناقة ) لمن يدلهم عليه أو يرده عليهم ، وكان عبد الله ابن أبي بكر يزودهم بأخبار قريش فيما يأتمرون بخصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه يرعى غنم أبي بكر فإذا جاء المساء أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا ، فإذا عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة المكرمة ، أتبع عامر بين فهيرة أثره بالغنم حتى لا يعرف أحد أثره .وبهذا نستشف أن الحرب خدعة ، وإن الحذر والحيطة واجبتان للبعد عن أعين الأعداء المتربصين السوء بالرسول الكريم .

سادسا : المطاردة الساخنة للمصطفى المهاجر

أورد صحيح البخاري – (ج 11 / ص 485) عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا فَقَالَ : ” مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا “. وعن اختيار يثرب للهجرة النبوية ، جاء بصحيح البخاري – (ج 12 / ص 285) َقَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ ” .

على العموم ، إن الله جل جلاله حفظ النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وصاحبه الحفظ التام ، كيف لا وهو متأكد من ذلك حيث كان يقول ، كما جاء بسنن الترمذي – (ج 9 / ص 56) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ” .

وبعد مضي ثلاثة أيام وسكن الناس ، وملوا ويأسوا وزهقوا من البحث عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ، أتاهما صاحبهما الذي إستأجراه ببعيريهما وبعير له وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما أو بطعامهما ونسيت أن تجعل رباطا ، فشقت نطاقها فجعلته عصاما أو رباطا ثم علقت المتاع بهما ، فسميت ( ذات النطاقين ) علقت السفرة بنطاق وانتطقت بالنطاق الثاني . وهذا أيضا يدلل على مدى ثقة القيادة بالأتباع والتخفى عن بطش الأعداء بقدرة الله العزيز الحكيم ، وتضحية الموالين للقيادة ، إذ كيف تقسم الفتاة المؤمنة رباطها نصفين : نصف لها ونصف آخر لربط المتاع ، إنها التضحية والفداء الأكيد .

وعندما قرب أبو بكر الصديق رضي الله عنه الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له أفضلهما ثم قال : إركب فداك أبي وأمي ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إني لا اركب بعيراً ليس لي ، ثم قال : فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ! قال : لا ، ولكن ما الثمن الذي ابتعتهما به ؟ قال : كذا وكذا ، قال قد أخذتها به ، قال : هما لك يا رسول الله ، فركبا وانطلقا على بركة الله بحماية الله ورعايته سبحانه وتعالى .

سابعا : سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ وإبتغاء الجائزة الكبرى

يروي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ، صاحب سواري كسرى ، وهو ملك الفرس ، رواية خاصة عن محاولته نيل جائزة قريش العظيمة لقاء أسر أو قتل النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وصديقه أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وفشله في ذلك ، وطلبه الرحمة والدعاء من النبي الكريم عندما غاصت قدما فرسه بالرمال أثناء السير والملاحقة لحصد الجائزة الذهبية الكبرى ، فهو يطلب الغوث من المطاردين رسول الله وأبو بكر الصديق ، فالله أكبر ، إن دعاء المظلومين مجاب فورا ، وسراقة لاحقا يصبح فيما بعد من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وراويا للحديث النبوي الشريف .

وهاكم هذه الرواية كما ورد في صحيح البخاري – (ج 12 / ص 294) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ يَقُولُ : جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ : يَا سُرَاقَةُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ . قَالَ سُرَاقَةُ : فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً ، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ وَأَخَذْتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا ، فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي ، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا ؟ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ ! فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ تُقَرِّبُ بِي ، حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ، ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ ، فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنْ الْحَبْسِ عَنْهُمْ ، أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ ! وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ ، فَلَمْ يَرْزَآنِي وَلَمْ يَسْأَلَانِي إِلَّا أَنْ قَالَ أَخْفِ عَنَّا ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ ، فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا تِجَارًا قَافِلِينَ مِنْ الشَّأْمِ ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ ، وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ . فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ ، لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمْ السَّرَابُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ : يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ ؟ فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامِتًا . فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ حَتَّى أَصَابَتْ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ . فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ، وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ ، لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ : هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْمَنْزِلُ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا ، فَقَالَا : لَا بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا . وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ ، وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ : هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ ، هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ . وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَهْ ، فَارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ ، فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي . وفي مسند أحمد – (ج 1 / ص 6) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَازِبٍ سَرْجًا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَازِبٍ مُرْ الْبَرَاءَ فَلْيَحْمِلْهُ إِلَى مَنْزِلِي : فَقَالَ : لَا حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتَ مَعَهُ ، قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : خَرَجْنَا فَأَدْلَجْنَا فَأَحْثَثْنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ فَضَرَبْتُ بِبَصَرِي هَلْ أَرَى ظِلًّا نَأْوِي إِلَيْهِ فَإِذَا أَنَا بِصَخْرَةٍ فَأَهْوَيْتُ إِلَيْهَا فَإِذَا بَقِيَّةُ ظِلِّهَا فَسَوَّيْتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفَرَشْتُ لَهُ فَرْوَةً ، وَقُلْتُ اضْطَجِعْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَاضْطَجَعَ . ثُمَّ خَرَجْتُ أَنْظُرُ هَلْ أَرَى أَحَدًا مِنْ الطَّلَبِ ! فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ ، فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ ؟ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ فَقُلْتُ : هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ قُلْتُ : هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ فَأَمَرْتُهُ ، فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْهَا ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ فَنَفَضَ ضَرْعَهَا مِنْ الْغُبَارِ ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ فَنَفَضَ كَفَّيْهِ مِنْ الْغُبَارِ ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ ، فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً مِنْ اللَّبَنِ ، فَصَبَبْتُ يَعْنِي الْمَاءَ عَلَى الْقَدَحِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ . ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَافَيْتُهُ وَقَدْ اسْتَيْقَظَ فَقُلْتُ : اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ . ثُمَّ قُلْتُ هَلْ أَنَى الرَّحِيلُ ؟ قَالَ : فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَا فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا ؟ فَقَالَ : لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَّا فَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ قَدْرُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ . قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا ؟ وَبَكَيْتُ ، قَالَ لِمَ تَبْكِي ؟ قَالَ قُلْتُ : أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي ، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَيْكَ . قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ . فَسَاخَتْ قَوَائِمُ فَرَسِهِ إِلَى بَطْنِهَا فِي أَرْضٍ صَلْدٍ وَوَثَبَ عَنْهَا . وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ : قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ ؟ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُنْجِيَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ ، فَوَاللَّهِ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي مِنْ الطَّلَبِ ؟ وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ مِنْهَا سَهْمًا ، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ بِإِبِلِي وَغَنَمِي فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ . قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا ! قَالَ وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأُطْلِقَ فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ . وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ فَخَرَجُوا فِي الطَّرِيقِ وَعَلَى الْأَجَاجِيرِ ، فَاشْتَدَّ الْخَدَمُ وَالصِّبْيَانُ فِي الطَّرِيقِ يَقُولُونَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، جَاءَ مُحَمَّدٌ ، قَالَ وَتَنَازَعَ الْقَوْمُ : أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْزِلُ اللَّيْلَةَ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِأُكْرِمَهُمْ بِذَلِكَ ؟ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا حَيْثُ أُمِرَ ، قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ : أَوَّلُ مَنْ كَانَ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ ، مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى أَخُو بَنِي فِهْرٍ ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا . فَقُلْنَا مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هُوَ عَلَى أَثَرِي . ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ . قَالَ الْبَرَاءُ : وَلَمْ يَقْدَمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى حَفِظْتُ سُوَرًا مِنْ الْمُفَصَّلِ ” . وقيل جاء في الكتاب لسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ ارجع ولك سواري كسرى ، كجائزة كبرى له أفضل من المائة ناقة التي رصدها المشركون للإمساك بالمصطفى صلى الله عليه وسلم . وقد أعطيت له فعلا زمن خلافة عمر بن الخطاب فقبلها ثم ردها لبيت مال المسلمين .

وفي صحيح البخاري – (ج 11 / ص 447) قال الْبَرَاءُ بْنَ عَازِبٍ : جَاءَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا فَقَالَ لِعَازِبٍ ابْعَثْ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي قَالَ فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ فَقَالَ لَهُ أَبِي يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَمِنْ الْغَدِ حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ ، فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ . وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ ، وَبَسَطْتُ فِيهِ فَرْوَةً ، وَقُلْتُ : نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ . فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا ! فَقُلْتُ لَهُ : لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ ؟ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ ؟ قُلْتُ : أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ قُلْتُ : أَفَتَحْلُبُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَخَذَ شَاةً ، فَقُلْتُ : انْفُضْ الضَّرْعَ مِنْ التُّرَابِ وَالشَّعَرِ وَالْقَذَى ؟ قَالَ : فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ، يَنْفُضُ فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْتَوِي مِنْهَا يَشْرَبُ ، وَيَتَوَضَّأُ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ . فَوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ فَصَبَبْتُ مِنْ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ ، فَقُلْتُ : اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ ، قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ فَارْتَحَلْنَا ، بَعْدَمَا مَالَتْ الشَّمْسُ . وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ ، فَقُلْتُ : أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ { لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا أُرَى فِي جَلَدٍ مِنْ الْأَرْضِ ، شَكَّ زُهَيْرٌ ، فَقَالَ إِنِّي أُرَاكُمَا ، قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ ، فَادْعُوَا لِي ! فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَجَا فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ : قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا ، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ قَالَ وَوَفَى لَنَا .

وفي صحيح مسلم – (ج 14 / ص 297) قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا فَقَالَ لِعَازِبٍ ابْعَثْ مَعِيَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي فَقَالَ لِي أَبِي احْمِلْهُ فَحَمَلْتُهُ وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ فَقَالَ لَهُ أَبِي يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ ، وَخَلَا الطَّرِيقُ فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ظِلِّهَا ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً ثُمَّ قُلْتُ نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قُلْتُ أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفَتَحْلُبُ لِي قَالَ نَعَمْ فَأَخَذَ شَاةً فَقُلْتُ لَهُ انْفُضْ الضَّرْعَ مِنْ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى قَالَ فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ قَالَ وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ قَالَ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنْ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ قَالَ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ثُمَّ قَالَ أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ قُلْتُ بَلَى قَالَ فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنْ الْأَرْضِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُتِينَا فَقَالَ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا أُرَى فَقَالَ إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ فَدَعَا اللَّهَ فَنَجَا فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَاهُنَا فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ قَالَ وَوَفَى لَنَا . وعَنْ الْبَرَاءِ قَالَ اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَبِي رَحْلًا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَسَاقَ الْحَدِيثَ … وقَالَ فِي حَدِيثِهِ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ وَوَثَبَ عَنْهُ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .

ثامنا : النجاة النبوية والاستقبال الحافل في يثرب

هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم قباء قرب المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين وقت الضحى ، وكان عمره يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة ، أي بعد أن مكث في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الإسلام سراً وعلانية . وفي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة نستذكر النشيد الإسلامي الوديع البسيط الذي استقبل به ثلة من الأنصار للمصطفى صلى الله عليه وسلم ، الخارج من بلده مكة المكرمة بسبب الدسائس والمؤامرات التي حاكها ضده المشركون في عاصمة القدسية الإسلامية الأولى منذ بناء المسجد الحرام . وهذا النشيد له معان وعبر وعظات تتكرر عبر التاريخ الإسلامي : طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرب واستقبله الأنصار ، وبركت الناقة عند دار بني مالك النجار ، وهو باب مسجده صلى الله عليه وسلم ( اليوم ) وكان مربدا ، أي مكانا لتجفيف التمر ، لغلامين يتيمين في المدينة من بني النجار ، فحمل أبو أيوب ، خالد بن يزيد أمتعة الرسول صلى الله عليه وسلم فوضعها في بيته وتم إرضاء اليتيمين مقابل ذلك بالمال ، فبنى المسجد النبوي هناك . وكان المسلمون وهم يبنون المسجد ينشدون : ( لا عيش إلا عيش الآخرة ، اللهم إرحم الأنصار والمهاجرة ) فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا عيش إلا عيش الآخرة ، اللهم إرحم المهاجرين والأنصار ) وبهذا فان الله سبحانه وتعالى أنزل رسوله منزلا مباركاً وأدخله مدخل صدق وأخرجه مخرج صدق وجعل له من لدنه سلطاناً نصيراً .

تاسعا : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان

لرد الجميل والإحسان لمواطني يثرب من قبيلتي الأوس والخزرج ، اللتان استقبلتا المصطفى المهاجر أحسن استقبال ، دعا له للمدينة بالبركة الجامعة الشاملة في كل شيء ، وهذا ما يلمسه الإنسان حتى في أيامنا هذه . فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة بعد ذلك كما ورد بصحيح مسلم – (ج 7 / ص 96) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ ” .

وفي مسند أحمد – (ج 2 / ص 398) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْحَرَّةِ بِالسُّقْيَا الَّتِي كَانَتْ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتُونِي بِوَضُوءٍ ؟ فَلَمَّا تَوَضَّأَ ، قَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ : ” اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَكَ وَخَلِيلَكَ دَعَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْبَرَكَةِ وَأَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَدْعُوكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ مِثْلَيْ مَا بَارَكْتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ ” .

وفي مسند أحمد – (ج 4 / ص 17) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مَدِينَتِهِمْ ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ . اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، كَمَا سَأَلَكَ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ . إِنَّ الْمَدِينَةَ مُشَبَّكَةٌ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ مَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ ” .

وفي مسند أحمد – (ج 17 / ص 65) أيضا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مَدِينَتِهِمْ ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ . اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، كَمَا سَأَلَكَ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ، إِنَّ الْمَدِينَةَ مُشْتَبِكَةٌ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ فَمَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ ” .

ورواية أخرى وردت في مسند أحمد – (ج 46 / ص 121)عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى بِأَرْضِ سَعْدٍ بِأَصْلِ الْحَرَّةِ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا ثُمَّ قَالَ : ” اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَكَ ، وَعَبْدَكَ وَنَبِيَّكَ دَعَاكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَرَسُولُكَ ، أَدْعُوكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، مِثْلَ مَا دَعَاكَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ . نَدْعُوكَ أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ وَثِمَارِهِمْ . اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ وَاجْعَلْ مَا بِهَا مِنْ وَبَاءٍ بِخُمٍّ ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَمَا حَرَّمْتَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمَ ” .

كما جاء بصحيح البخاري – (ج 12 / ص 160) خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : ” أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا النَّاسُ ، فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَتَقِلُّ الْأَنْصَارُ ، حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَمَنْ ، وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعُهُ ، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ ” .

عاشرا : أول خطبة لرسول الله ( ص ) في يثرب

كانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة بدأ فيها بحمد الله سبحانه وتعالى والثناء عليه ثم قال : ” أما بعد ، أيها الناس ، فقدموا لأنفسكم ، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه : ألم يأتك رسولي فبلغك ، وآتيتك مالاً وأفضلت عليك ؟ فما قدمت لنفسك ؟ فينظر يمينا وشمالا ، فلا يرى شيئا ؟ ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم ، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة ، فإن بها تجزى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ” .

ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ثانية وقال : ” إن الحمد لله ، أحمده وأستعينه ، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى ، وقد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر ، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس . إنه أحسن الحديث وابلغه ، أحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره ، ولا تقس عنه قلوبكم ، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفى ، قد سماه الله خيرته من الأعمال من الحلال والحرام ، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، واتقوه حق تقاته ، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم ، وتحابوا بروح الله بينكم ، إن الله يغضب أن ينكث عهده . والسلام عليكم ” .

وفي سنن أبي داود – (ج 6 / ص 15) عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ : ” أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا{ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }” .

حادي عشر : بناء المجتمع الإسلامي

سعى النبي الكريم لبناء المجتمع الإسلامي المتراص البنيان ، في المدينة المنورة وخارجها ، لتمتين الجبهة الداخلية تمهيدا للانطلاق نحو الأفق الأوسع خارج المدينة بالجزيرة العربية . وقد امتدح الأنصار لما بذلوه في سبيل إعلاء كلمة الله لتكون الكلمة العليا ، وإنزال كلمة المشركين والكفار لتكون الكلمة السفلى .

جاء بصحيح البخاري – (ج 12 / ص 130) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” لَوْ أَنَّ الْأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا أَوْ شِعْبًا ، لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الْأَنْصَارِ ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ” .

لقد آخى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بين المسلمين ، بين أصحابه من المهاجرين وأتباعه الأنصار وقال : ” تآخوا في الله أخوين أخوين ” . وبهذا فقد أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعائم الدولة الإسلامية من خلال بناء المسجد النبوي الشريف والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في أسمى آيات الإخوة وفق تعاليم الإسلام الحنيف إضافة إلى بناء السوق الاقتصادي للمسلمين للبيع والشراء والابتعاد عن الربا والاحتكار ، ومن ثم إنطلقت الغزوات في سبيل الله لنشر الإسلام العظيم في الأماكن القريبة فالأبعد فالأبعد بين القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية . ثم فتح مكة بعد ثماني سنوات من الإعداد والجهاد في سبيل الله لنشر الإسلام العظيم في الجزيرة العربية .

ثم تطور بناء المجتمع الإسلامي ليخاطب الأمم والإمبراطوريات العظمى آنذاك ، كالفرس والرومان وغيرهم ، وذلك انطلاقا من المدينة المنورة . فسبحان الله العظيم شخصية نبوية مطاردة تلجأ لمدينة أخرى داخل الجزيرة العربية تقوى وتزدهر لتدعو قادة عالميين للإسلام . فدوام الحال من المحال ، ونصر الله أكيد لمن ينصره ويتبع أوامره ويلتزم بنواهيه ، إنها العزة والكرامة الإسلامية التي حباها الله للمسلمين ليكونوا دعاة لا طغاة .

وأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى .فمثلا بعث المصطفى بكتاب لهرقل الروم جاء فيه كما بين ذلك صحيح البخاري – (ج 1 / ص 8) : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ : سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } ” .

وجاء بصحيح البخاري – (ج 13 / ص 336) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ “.

ثاني عشر : هل كانت الهجرة سياسية أم دينية أم شاملة ؟

لقد هاجر وارتحل النبي العربي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم ، قبل نبوته عدة مرات في رحلة الشتاء والصيف ، ولكنه سافر وهاجر مرتين بإيحاء رباني بعد بعثته النبوية الشريفة العظيمة :

المرة الأولى : رحلة أو هجرة جوية مؤقتة وهي معجزة رحلة الإسراء والمعراج من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس بفلسطين المباركة . وفي هذه الرحلة الجوية السماوية والوصول إلى سدرة المنتهى ، فرضت الصلاة على الأمة الإسلامية ، وكانت بإعداد إلهي عظيم ، أم المصطفى صلى الله عليه وسلم الأنبياء جميعا بالمسجد الأقصى المبارك قبل صعوده للسماوات العلى .

المرة الثانية : هجرة برية دائمة ، من مسقط رأسه من مكة إلى يثرب : لقد كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى يثرب أو المدينة المنورة التي نورها الله عز وجل بهجرته صلى الله عليه وسلم إليها ، تشتمل على الميادين السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية معا ، فهي هجرة شاملة وجامعة لجميع نواحي ومتطلبات الحياة المجتمعية العامة .

فكانت الهجرة أولى بشائر الفتوحات الإسلامية والجهر بالدعوة الإسلامية بصورة فعلية تلازم فيها القول بالسيف بعد تكوين الجيش الإسلامي ، وكانت بداية موفقة من بدايات النشأة الإسلامية الحقة للمهاجرين الذين هجروا من ديارهم وتركوا أموالهم وأزواجهم وأولادهم هربا من الإيذاء والعذاب ، وللأنصار الذين آووا ونصروا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه الميامين الذين تركوا أهلهم وأموالهم وممتلكاتهم في سبيل الإسلام ونصرته ، فجعل الله تبارك وتعالى كلمة الذين آمنوا العليا وكلمة الذين كفروا والمنافقين السفلى . وقد بقي النبي العربي المصطفى في المدينة المنورة بانيا وساكنا ومقيما دائما حتى توفاه الله الحي القيوم الذي لا يموت في المدينة المنورة ، ودفن فيها جثمانه الطاهر في الروضة داخل المسجد النبوي الشريف .

وفي مسند أحمد – (ج 40 / ص 20) َقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخاطبا المسلمين : ” لَكُمْ الْهِجْرَةُ مَرَّتَيْنِ هِجْرَتُكُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهِجْرَتُكُمْ إِلَى الْحَبَشَةِ ” .

وجاء بصحيح مسلم – (ج 14 / ص 92) عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ ، قَالَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ فَوَافَقُوهُ عِنْدَ أَكَمَةٍ فَإِنَّهُمْ لَقِيَامٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ ، قَالَ فَقَالَتْ لِي نَفْسِي : ائْتِهِمْ فَقُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لَا يَغْتَالُونَهُ قَالَ ثُمَّ قُلْتُ لَعَلَّهُ نَجِيٌّ مَعَهُمْ فَأَتَيْتُهُمْ فَقُمْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ قَالَ فَحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ أَعُدُّهُنَّ فِي يَدِي قَالَ : ” تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ “.

فهذه مبشرات الهجرة النبوية قبل فتح بلاد فارس والروم وقبل مجئ الدجال لاحقا لعصرنا هذا . فالهجرة سياسية ويدنية واقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية شاملة جامعة في الآن ذاته ، لما كان زمن النبي المصطفى ولما بعده ، ولما بعد بعده حتى يوم القيامة .

ثالث عشر : الهجرة النبوية .. عبر وعظات متجددة

في ظل الذكرى الخالدة لهجرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم فإن لنا العبر والعظات الجسام ، والدروس العملية إلى جانب النظرية ، وهي تتجدد سنويا في أرجاء الكرة الأرضية عموما ، وشبه الجزيرة العربية خصوصا ، وفي فلسطين على وجه التخصيص المخصص ، ومن أبرز هذه العبر ما يلي :

أولا : الصبر والجلد على مكابدة أهل الباطل والإصرار على إحقاق الحق ونشر نور الإسلام الحنيف مع ما يكلف ذلك من جهد ومشقة ومكابدة للأعداء المشركين ، مهما كانت قوتهم وحيلهم ومكائدهم الخبيثة ، القائمة على الترغيب والترهيب من أجل ترك العقيدة والإيمان والصواب . فقد ابتغى النبي الكريم من الهجرة فيما آتاه الله الدار الآخرة ولم ينس نصيبه من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليه ، فشرح له صدره ورفع له ذكره بعد العسر الشديد المشدد عليه من الأعداء .

ثانيا : إن عملية البناء الحضاري وانبلاج الفجر تبدأ من أحلك الظروف ، فالشمس تبزغ بعد أن ينتهي الليل المظلم ، فانشأ المسجد النبوي في المدينة المنورة ، أول مدرسة نظرية وعملية سياسية وعسكرية ودينية وتشريعية ، فكانت جامعة كبرى للمسلمين تجمع الشمل وتلم الشعث وتعد العدة الإيمانية القائمة على إحقاق الحق وإزهاق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا . فكانت الهجرة بداية للتآخي بين المسلمين من المهاجرين والأنصار ، على البر والتقوى والتضحية والتآلف ، في أروع صور التكامل والتكافل الاجتماعي الشامل المزدوج وبالتالي النواة الأولى لنشأة الأمة الإسلامية التي تتخذ من كتاب الله دستورا للحياة الدنيا للمرور عبر جسرها القويم للحياة الآخرة الباقية . وأصبح المسلمون بنعمة الله إخوانا متحابين بعد أن كانوا أعداء متنافرين قبل الإسلام ، وكانت النشأة الأولى للجيش الإسلامي .

ثالثا : إن الهجرة النبوية الشريفة كانت معجزة ربانية حاول فيها الكفار التآمر على إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم إلا إن كافة محاولاتهم باءت بالفشل والحمد لله سواء بالترصد أمام بيت رسول الله في مكة المكرمة حيث ينام هؤلاء الشباب وهم واقفون منتظرين الرسول صلى الله عليه وسلم ، فخرج الرسول ولم يره أحد منهم في غار ثور أو أثناء التوجه للمدينة المنورة . وهذا يؤكد صدق الإيمان والدعوات المخلصة المتمثلة بعملية الأخذ بالأسباب والدعاء المستجاب من الكتاب والسنة المطهرة .

رابعا : إن الهجرة النبوية الشريفة مهدت لحرية العبادة كما جاء في الدستور النبوي أو وثيقة المدينة ( الصحيفة ) فعملت على تقوية المسلمين ليعودوا فاتحين لمكة المكرمة في السنة الثامنة للهجرة ، ويرفعوا الأذان للصلوات الخمس من على الكعبة المشرفة .. الله أكبر ، الله اكبر .ثم في كل مكان تصل إليه أقدام الخيول والتجارة العربية الإسلامية .

خامسا : حتمية انتصار الحق على الباطل ، غيرت هذه الهجرة مجرى التاريخ البشري بعامة والعربي والإسلامي بخاصة بانتقال مركز الدعوة الإسلامية من مكة إلى المدينة المنورة على بعد نحو 500 كم .فأصبحت المدينة المنورة نواة دولة المسلمين الأولى في العالم ، إنه إنتقال الضوء الساطع والإيمان العميق من مناخ غير مؤات إلى مناخ مؤات لتأسيس نواة الدولة الإسلامية الكبرى . فانتصر الإسلام بعد الأخذ بالأسباب والمنطلقات الجهادية والإعداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وانتشر من نواة المدينة المنورة إلى العالم اجمع ، من مشارق الأرض إلى مغاربها . وجاء ذلك تحقيقا لقول الله عز وجل في سورة المجادلة : { إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) } ( القرآن المجيد ، سورة المجادلة 20 – 21 ) . وقال الله تعالى في سورة قرآنية أخرى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175)} ( القرآن المجيد ، سورة الصافات ، 171 – 175 ) .

سادسا : الاستعداد للعذاب لنيل إحدى الحسنيين : النصر والشهادة ، وكلاهما نصر والتيقن الكامل والإيمان التام بحتمية تحقيق المبادئ والتعاليم الإسلامية العادلة ولو بعد حين ، ومن الضرورة الأخذ بالأسباب بالتوكل على الله عز وجل وعدم التواكل ، فرأينا الإعداد والاستعداد النفسي والمادي في الآن ذاته .

سابعا : تصديق المبشرات والنبوءات التي جاء بها المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . فعن صحيح البخاري – (ج 10 / ص 227) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” هَلَكَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ وَقَيْصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَسَمَّى الْحَرْبَ خَدْعَةً ” .

ثامنا : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبغي ، وهجر الذنوب والخطأ والخطايا الصغيرة والكبيرة على السواء لينعم المجتمع الإسلامي بالأمن والأمان والسكينة والاستقرار النفسي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي المميز بين المجتمعات الأخرى . والعمل على تطبيق مبادئ العدل والعدالة الشاملة الجامعة بين الناس .

تاسعا : العمل على قراءة القرآن المجيد والسيرة النبوية المطهرة بانتظام وعدم هجرهما بأي حال من الأحوال للمنفعتين العامة والخاصة وخدمة المصلحة الإسلامية العليا .

عاشرا : إن النصر والفتح المبين يكونان بإتباع الإسلام العظيم قلبا وقالبا ، وعدم الركون إلى الأيديولوجيات الآتية من هنا وهناك لأنه ثبت فشلها وعدم ملائمتها للمجتمع الإسلامي القويم .

حادي عشر : الهجرة تكون في سبيل الله العزيز الحكيم لا في سبيل المال والجاه والسلطان والزواج وغيره . فالهجرة والمهاجرة لكتاب الله كلمتان ساميتان لهما دلالات فاضلة وحميدة في الحياة الإسلامية العامة والخاصة .

ثاني عشر : الاعتصام بحبل الله المتين ، والاستمساك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، وإقتران القول بالفعل دائما ، والوحدة الإسلامية ، لتكون قادرة على الدفاع الشرعي عن الحق بقوة الإرادة وقوة الحق وقوة القوة أيضا في تلازم منقطع النظير .

رابع عشر : التأريخ الهجري .. والفاروق عمر بن الخطاب

كان العرب في الجاهلية يؤرخون في كتبهم ومعاملاتهم بأحداث ومناسبات مهمة تحدث مثل عام الفيل أو عام الفجار أو غير ذلك . أما فكرة العمل بالتاريخ الإسلامي فجاءت في أعقاب طلب أبي موسى الأشعري ، والى البصرة في العراق برسالة بعثها إلى أمير المؤمنين ، الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بان المراسلات والكتابة التي تأتيهم مؤرخة بالأشهر فقط دون تحديد السنة مما يسبب ارباكا لصلاحية أو نفاذ أو إرسال هذه الكتب التي تعالج المعاملات والشؤون الإسلامية المختلفة ، وأوضح انه لا بد من وضع سنة إصدار أو إرسال هذه الرسائل لتكون مؤرخة باليوم والشهر والسنة فكان الخليفة الراشدي الثاني ، الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أمير المؤمنين ، هو أول من كتب التاريخ الهجري لسنتين ونصف من خلافته ، فكتب لست عشرة من الهجرة وذلك بمشورة علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه وعثمان بن عفان رضي الله عنه ، وجعلوا التأريخ الإسلامي من الهجرة من أول يوم من محرم فأحصوا من أول يوم في المحرم إلى آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عشر سنين وشهرين .

وكان قبل اعتماد هذا الرأي قد قدمت عدة اقتراحات للتأريخ الإسلامي منها : أن يتم التأريخ على أساس :

1. أن يكون شهر رمضان المبارك هو بداية وإشارة التأريخ ، لأنه شهر مقدس .

2. واقترح رأي آخر أن يتم اعتماد شهر ربيع الأول .

3. ورأي ثالث أن يتم الـتأريخ من مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أو بيعته أو وفاته .

4. والرأي الرابع أن يعتمد تاريخ فارس أو الروم .

5. أن يتم اعتماد الهجرة النبوية المحمدية الشريفة لبداية التأريخ الإسلامي لأن الهجرة كانت الفيصل في نشر الدعوة الإسلامية وبناء الدولة الإسلامية الأولى . فنجح هذا الاقتراح بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم .

وبهذا فان الاقتراح الذي طبق هو التأريخ من بداية الشهر العربي محرم على أساس انه بداية للهجرة النبوية ، وذلك لعدة أسباب منها :

1. لأهمية الهجرة النبوية المحمدية الشريفة للدعوة الإسلامية وانتصار الحق على الباطل .

2. للحيلولة دون أن تأتي الأشهر الحرم في سنتين متتاليتين وان تأتي في سنة واحدة فقط .

3. للتميز عن الأمم السابقة كالفرس والروم والعرب في الجاهلية ، فالأمة الإسلامية ذات الرسالة الإسلامية التوحيدية الخالدة هي خاتمة الأمم ، والرسول الكريم هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، وما زال المسلمون يؤرخون بالأشهر العربية وفق التاريخ الهجري الإسلامي ، إلى جانب التأريخ بالتقويم الشمسي الغربي لميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام .

وهناك إختلاف لدى بعض المسلمين فالبعض منهم يؤرخ بالتاريخ الميلادي للمسيح عليه السلام والبعض الآخر يؤرخ بالتاريخ الميلادي والهجري ، والبعض يؤرخ بالتاريخ الهجري فقط ، وهناك من يؤرخ بتاريخ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مثل ليبيا ( زمن عهد النظام الليبي المنهار ) .

ونحن في ظل هذا التناقض لا بد من كلمة فصل وهي اعتماد الهجرة النبوية الشريفة مصدر تاريخي هام سواء وحده أو إلى جانب تأريخ أو تقويم آخر .

ورب قائل يقول ، إن بداية السنة الهجرية أو بداية شهر رمضان أو عيد الفطر السعيد أو عيد الضحى المبارك يختلف عليها المسلمون ، فكنا نرى أقواما ودولا أو جزء منها تبدأ بيوم معين للسنة الهجرية أو القمرية وأقوام آخرين يبدأون في يوم تال وليس بنفس اليوم وأقوام آخرين يحسبون بتاريخ ثالث وهكذا الأمر بالنسبة لأعياد المسلمين .

فحري بنا في هذا المجال اعتماد تاريخ واحد موحد لأن ذلك رمز من رموز القوة والهيبة للأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم . ولا نكون كالأمة المسيحية بأقسامها الشرقية والغربية ، حيث تبدأ السنة الميلادية لديهم بثلاث تواريخ متباعدة أولاها في 25 كانون الأول ، وثانيها في 1 كانون الثاني ، وثالثها في 7 كانون الثاني ، وهذا يضر بالناس ، صحيح أنهم يعطلون كيوم استراحة إلا أن هذا الأمر هو من علامات الفرقة والخلاف على أمور بسيطة فيكف يتفقون على عظائم الأمور العامة ؟

خامس عشر : الهجرة والمسلمون في القرن الخامس عشر الهجري

ورد في صحيح البخاري – (ج 1 / ص 3) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ” .

وفي صحيح البخاري – (ج 6 / ص 367) قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ : ” لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا . قَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ قَالَ قَالَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ ” .

وفي رواية أخرى بصحيح البخاري – (ج 10 / ص 310) جَاءَ مُجَاشِعٌ بِأَخِيهِ مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَذَا مُجَالِدٌ يُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ ؟ فَقَالَ : ” لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَلَكِنْ أُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ” .

وجاء في سنن النسائي – (ج 13 / ص 53) قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ :” أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ هِجْرَةُ الْحَاضِرِ وَهِجْرَةُ الْبَادِي فَأَمَّا الْبَادِي فَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ وَيُطِيعُ إِذَا أُمِرَ وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَهُوَ أَعْظَمُهُمَا بَلِيَّةً وَأَعْظَمُهُمَا أَجْرًا ” .

وفي مسند أحمد – (ج 11 / ص 342) ، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ” لَتَكُونَنَّ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ إِلَى مُهَاجَرِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْأَرَضِينَ إِلَّا شِرَارُ أَهْلِهَا وَتَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ وَتَقْذَرُهُمْ رُوحُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ تَقِيلُ حَيْثُ يَقِيلُونَ وَتَبِيتُ حَيْثُ يَبِيتُونَ وَمَا سَقَطَ مِنْهُمْ فَلَهَا ” .

وفي رواية أخرى ، بمسند أحمد – (ج 14 / ص 195) َقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ الْأَرْضِ قَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ لَخِيَارُ الْأَرْضِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ فَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ الْأَرْضُ وَتَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ” .

وفي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة والمعاني السامية المستفادة منه منذ صدر الإسلام الأول وحتى أيامنا هذه فإننا نقول : بعد هجرة الرسول المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة عمل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم العديد من الإعمال والأفعال البانية منها الشروع في بناء المسجد النبوي مباشرة والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وبعض القضايا الآخر كتنظيم شؤون المسلمين بشكل عام من النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وما إلى ذلك .

ونحن كمسلمين في أيامنا هذه ، نقول إن جزءا من المسلمين في شتى أنحاء الأرض ، كفلسطين والسودان وأفغانستان وباكستان والعراق والصومال وارتيريا والبوسنة والهرسك وكشمير وغيرها تعرضوا للقمع والإرهاب الغربي والأمريكي الذي لم يترك المسلمين وشأنهم بل غزاهم في عقر دارهم فبعضهم تشتت وأضطر للهجرة قسريا خارج وطنه كما فعلت الغزوة الصهيونية بأهل فلسطين التي هجرت نحو مليون فلسطيني أواخر الأربعينيات من القرن العشرين الميلادي الماضي ، ثم هجروا جبريا عام 1967 لبناء ما يسمى ب ( إسرائيل الكبرى – أرض التوراة – أرض الميعاد ) المزعومة يهوديا .

ونرى أن الأعمال التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة هي أعمال تستحق الدراسة والتمحيص للاستفادة منها وأخذها على محمل الجد . ونحن هنا في فلسطين ، الأرض المقدسة ، التي باركها الله جل جلاله يجب أن نستفيد من عبر وعظات الهجرة النبوية القسرية ونأخذ بالأسباب حتى نهزم الأعداء ، حيث سيهزم الجمع ويولون الدبر .

وكما جاء بمسند أحمد – (ج 14 / ص 254) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ فَكَانَ فِيمَا قَالَ بَعْدَ أَنْ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ أَنْ قَالَ : ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ يَدُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَدِيَةُ الْكَافِرِ كَنِصْفِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ أَلَا وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا جَنَبَ وَلَا جَلَبَ وَتُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ فِي دِيَارِهِمْ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَقْصَاهُمْ ثُمَّ نَزَلَ ” .

وتجدر الإشارة إلى أن الهجرة القسرية تختلف عن المهاجرة الربانية التي ينصرها خالق الخلق أجمعين ، فلا بد من التخطيط والإعداد الصحيح والدقيق بعيدا عن الارتجال والعفوية التي تفشل في تطبيق برامجها غير المدروسة فالرسول قد أعد للهجرة قبل الارتحال فأرسل الرسل أو السفراء إلى يثرب لتعليم الناس المبادئ الإسلامية السمحة دينهم .

فمثلا ، كان أول سفير في الإسلام مصعب بن عمير رضي الله عنه ، تبعه سفراء آخرون الذين علموا الناس أحكام دينهم والرسول صلى الله عليه وسلم كان دائم البحث عن مكان يوطد فيه أركان هذه الدعوة ويعلي بنيانها من خلال تأسيس دولة ، فكانت المهاجرة النبوية الشريفة أسوة بمهاجرة أول العزم من الأنبياء والرسل الذين سبقوا وأسسوا هذا الإسلام العظيم كهجرة إبراهيم عليه السلام من العراق لفلسطين ثم مصر ثم الديار الحجازية وهجرة النبي يونس عليه السلام من العراق لخارجه ، وهجرة النبي موسى عليه السلام من مصر الداخلية إلى سيناء عبر البحر الأحمر ، وعيسى عليه السلام تنقل بين مختلف المدن الكنعانية الفلسطينية من الناصرة إلى بيت لحم إلى القدس وغيرها ، فالهجرة سنة للأنبياء لمواجهة الأخطار المحدقة وكسب المؤيدين للدعوة الإسلامية . وقد وردت الهجرة بالقرآن المجيد 27 مرة لأهمية الهجرة للتمكن والتمكين في الأرض بعيدا عن الفساد والمفسدين .

على أي حال ، إن بيعة العقبة الأولى ، وبيعة العقبة الثانية أيضا هي خطة نبوية مسبقة للوصول إلى المدينة المنورة فلم يكن الوصول إلى المدينة حدثا مفاجئا بل كان معدا له ومخططا له أيضا ، الرسول عندما وصل أول عمل عمله ، عمل بيتا للمسلمين ، هذا البيت هو بيت الله سبحانه وتعالى ، المسجد النبوي المعروف حتى الآن وهو في المكان نفسه الذي بني منذ ذلك الوقت ، هذا البيت كان مكانا للتدارس وللمشاورة ولإلقاء الدروس الإسلامية وللتخطيط للمستقبل وأيضا كان تجمعا للأمة ، وأنا هنا أريد أن أشير إلى الأمة في الوثيقة الأولى التي وقعها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل المدينة على اختلاف أديانهم ومشاربهم وعقائدهم ممن كانوا يسكنون ، تشير الوثيقة في أصلها الأول إلى أن المسلمين وسكان المدينة هم امة واحدة ، وكلمة امة واحدة لها دلاله عميقة الآن في القانون الدولي وفي الفقه الدولي بمعنى إنها كانت أول إشارة في التاريخ إلى التساوي في الحقوق والواجبات داخل هذه المدينة ، هذه مسألة .

والمسالة الثانية : المعجزة التي أحدثها الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تضاف إلى المعجزات ، المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، هذه أول حادثة في التاريخ لعلها الخيرة التي يتنازل فيها الأنصار عن نصف ما يمتلكون عن قناعة ورضى لإخوانهم المهاجرين ، هذه نقطة يشار إليها أيضا في البناء .

والمسالة الثالثة هو النظام العام ، عبر تعويد المسلمين على النظام ، معروف أن العربي محب للحرية وللانطلاق ولعدم الانضباط ، ضبط المسلمون في الصلاة انضباطا كاملا خمس مرات في اليوم وراء الرسول صفا واحدا ، صار هنالك نظام مرصوص ونظام قلبي مرصوص كما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ جاء بصحيح مسلم – (ج 12 / ص 468) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” .

إذن هذه قضايا تعلمناها من الرسول الكريم في المدينة : تأسيس الدولة ، تأسيس نواة الجيش الإسلامي ، تأسيس النواحي الاقتصادية ، تأسيس البيت الذي يجتمع فيه الناس وهو المسجد وهو الجامعة أيضا وهذا ما أناره على المسلمين فيض الهجرة النبوية . على أي حال ، كانت سياسة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار سياسة حكيمة تدلل على الإيمان والإيثار للأخوة الإسلامية الحقيقية في ربوع الجزيرة العربية ، لتأليف القلوب والأيدي لفعل الخير وتفضيل الحياة الآخرة الباقية على الحياة الدنيا الفانية فقد تبرع الأنصار لإخوانهم المهاجرين بنصف ممتلكاتهم وعقاراتهم ، فكانت نوع من التضحية الكبرى لبناء لبنات المجتمع المسلم القائم على التماسك ، وقد ذكر الله جل جلاله هذه المؤاخأة الفريدة من نوعها في التاريخ الإنساني .

قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ( القرآن الكريم ، سورة الأنفال ، 72 ) .

وفي آيات أخرى ، يقول الله سبحانه وتعالى : { وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)} ( القرآن المجيد ، سورة الأنفال ، 74 – 75 ) .

وقال تعالى : { الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)} ( القرآن المجيد ، سورة التوبة ، 20 ) . ويقول الله سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) }( القرآن المجيد ، سورة الأنفال ، 62 – 63 ) .

بمعنى أن الله ألف بين قلوب المسلمين ، الأنصار ويضمون قبيلتي الأوس والخزرج والمهاجرين من مكة وغيرها لإنقاذ المهاجرين من الفاقة والعوز . وكذلك إن المسجد النبوي الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم مع المسلمين وكان يشارك المسلمين في عمليات البناء مرددين : ” لا عيش إلا عيش الآخرة ، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة ” ، فقد لعب هذا المسجد النبوي دورا مهما في تنشئة النشئ الإسلامي الصالح الذي عمل على نشر الدعوة الإسلامية انطلاقا من المدينة المنورة ، ومشاركة القائد الفذ في عملية البناء أيضا مع الأفراد المسلمين بالمزج بين الدين والدنيا .

فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان جار المسجد بمعنى أن بيته كان في المسجد وهو جزء من المسجد ، فالرسول القائد ، قائد الدنيا وقائد الدين ، أراد بث تلازم الجسد والروح ، بين الحياة الدنيا وبين الحياة الآخرة لان الإسلام دين وسطي ، فالإسلام جمع المادة والروح معا ولذلك المسجد مثل الرسالة الإسلامية الخالدة : الروحية والجسدية معا ، فكان الجامعة التي يتعلم فيها فتيان المسلمين ونعرف إننا في معركة بدر قد انتصرنا كمسلمين وان هناك 70 من أنصار المسلمين قد تعلموا ، أين تعلموا ؟ تعلموا في المسجد ، فهو مدرسة بالمعنى الحرفي بمفهوم المدرسة التي تعلم وهو مدرسة وتربية ، القادة العسكريون وإنا عندنا أول عسكريون أقول تجاوزا وإنما هم كانوا صحابة من المهاجرين والأنصار ، كانوا يجتمعون في داخل المسجد ويستشيرهم الرسول صلى اله عليه وسلم في أمور المعركة القادمة ويخططون لها ، فإذن هو مقر رئاسة الأركان التي تخطط للعمليات العسكرية ، خطط لمعركة بدر الأولى والثانية داخل المسجد النبوي ونعرف انه كان مجتمع المسلمين هناك ، أيضا هو مكان تؤدى فيه العبادة ، المسلمون يقفون كما قلنا آنفا صفا أو صفوفا متراصة وراء الرسول صلى الله عليه وسلم فيؤدون الصلاة كما رأينا والمسجد أيضا عبارة عن مكان يجتمع فيه الناس حتى في أفراحهم والحديث النبوي الشريف الذي يروى عن أن الأحباش كانوا يهزجون ويغنون ويرقصون خارج المسجد وان عائشة توارت بالرسول صلى الله عليه وسلم وهي تنظر إليهم من الخارج ، إذن هو مجتمع متكامل تؤدى فيه الوظائف الدنيوية والوظائف الدينية معا وهو أيضا للرياضة ، ممكن أن تمارس في خلاله وهو بيت الاستشارة والشورى فإذن للمسجد دور هام جدا حبذا لو إننا أعدنا للمسجد هذه المكانة التي أرادها الرسول ولم نعزله عن الحياة ليتحول إلى ما صارت إليه الكنيسة لأن المسجد لم يكن وما كان ولن يكون له مثل تلك المكانة المنعزلة .وهناك العديد من القضايا التي تم تنفيذها على ارض الواقع لإعداد الأمة الإسلامية الإعداد الوافي والصالح إستعداد لنشر الدعوة الإسلامية انطلاقا من المدينة المنورة ، هناك قضية أخرى ، وهي الصحيفة أو وثيقة المدينة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم لتنظيم شؤون المسلمين كنواة صغيرة لدولة المسلمين في صدر الإسلام الناشيء ، وهذه الوثيقة شملت تنظيم العلاقة بين المواطنين والدولة كذلك شملت العلاقة بين الدولة وبين المجاورين للدولة وهم القبائل اليهودية أي إن الإسلام له قواعد ثابتة دولية : سلما وحربا وكذلك قواعد دستورية يتعامل مع المواطنين من خلالها ، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن الإسلام هو دين الحياة ، دين متكامل ، ليس مجرد عبادات بل هو نظام متكامل في مناحي الحياة كلها من : عبادات ومعاملات وقوانين دولية وعقوبات وغير ذلك .

وغني عن القول ، إن عملية الإعداد للمسلمين : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) } ( القرآن المجيد ، سورة الأنفال ، 60- 61 ) ، كانت لتجهيز الأنصار والمهاجرين لفتح مكة والعودة إلى البلاد أو البلدة التي لوحق فيها المسلمون والرسول صلى الله عليه وسلم ، بعد ثمانية أعوام من الهجرة النبوية الشريفة تمكن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون من فتح مكة ، وطلب من النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في سورة الفتح : { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) } ( القرآن المجيد ، سورة الفتح ) .

وهناك أوجه شبه واختلاف بين تلك الواقعة وأوضاعنا كشعب فلسطيني الآن تعرض للتشرد وللتهجير منذ نحو ستة عقود من الزمن ولغاية الآن لم ترسخ قضية الأنصار والمهاجرين الجديدة ، ونرى أن عملية تنفيذها وتطبيقها بحق وحقيق لعودة أبناء الشعب الفلسطيني المشتت من مختلف بقاع الأرض إلى وطنه فلسطين ضرورة خيرة لا بد منها للانتقال من المفعول به إلى الفاعل . ولا بد من الهجرة الايجابية للقرآن المبين والسيرة النبوية العطرة والاقتداء بهما للوصول إلى الفتح المبين بإذن الله العزيز الحكيم ليعيش المسلمون في كل مكان بنعيم مقيم بعيدا عن الاستعمار والمستعمرين الغربيين والشرقيين . ولا ريب ، إن الهجرة النبوية كانت من أبرز الأحداث الإسلامية المجيدة ، إذ اجمع الصحابة في عهد الفاروق الخليفة الراشدي الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عمر رضي الله عنه باتخاذ حادثة الهجرة بداية تاريخ وانطلاق للتأريخ الإسلامي تلبية لطلب الوالي أبو موسى الأشعري الذي قال لعمر بن الخطاب : كيف نؤرخ كمسلمين ؟ وكيف نضبط مواعيدنا الإسلامية ؟ فشاور عمر بن الخطاب الصحابة الكرام واتفقوا على التاريخ الإسلامي العظيم ، ولكن مع الأسف فان السواد الأعظم من أبناء الأمة الإسلامية في هذا الأوان لا يعرفون أو يهملون أو يتجاهلون التاريخ الهجري ويتقيدون بإبراز التاريخ الميلادي للمسيح عليه السلام علما بأن المسيح رسول الله مسلم ونحبه ونجله ، كغيره من الأنبياء والمرسلين ، ونحن لا نعادي التواريخ والتقاويم الزمنية الأخرى كالتقاويم الإفرنجية والصينية وغيرها وإنما ندعو إلى جعل الأمة الإسلامية أمة مميزة متميزة في كل شيء تمجد الإسلام وانتصارات المسلمين ، آملين العمل على التعامل التاريخي في الأجندة الرسمية والشعبية على السواء ، عبر استعمال الأشهر والسنين الهجرية العربية .

وهذه دعوة عامة للتعامل مع الهجرة النبوية الشريفة باعتبارها غيرت مجرى التاريخ البشري بشكل عام ومجرى التاريخ العربي الإسلامي بصورة خاصة إن شاء الله تبارك وتعالى . ويجب أن نهتم بالتأريخ بالسنة القمرية الهجرية لأنها جزء من شعار الإسلام ، كما جاء بالقرآن المجيد : { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)}( القرآن المجيد ، سورة يس ، 38 – 40 ) .

وبهذا أيها الأخوة والأخوات القراء الكرام نأتي إلى ختام هذا الموضوع الإسلامي الخالد ، الهجرة النبوية الشريفة سيرة ودلالات تذكيرية هامة في الحياة الإسلامية العامة ، ونسأل الله العزيز الجبار إن يعيد ذكرى الهجرة النبوية المباركة وقد توحد المسلمون في كافة أرجاء المعمورة ، وقد تحرر المسجد الأقصى المبارك من الاحتلال اليهودي الصهيوني ، ونقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وكل عام وانتم بخير والأمة الإسلامية وشعبنا الفلسطيني المرابط فوق ثرى وطنه بألف خير ، لمناسبة الذكرى 1 محرم 1435 هجرية الموافق 4 تشرين الثاني 2013 ميلادية ، والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا . سلام قولا من رب رحيم .

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

معاداة الصهيونية للأذان الإسلامي .. بين التشريع والتطبيق (د. كمال إبراهيم علاونه)

معاداة الصهيونية للأذان الإسلامي .. بين التشريع والتطبيق   د. كمال إبراهيم علاونه Share This: