إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / التعليم والآداب / الكتب والمكتبات / ( كتاب الإنهيار القادم – مهندس حسني الحايك)
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

( كتاب الإنهيار القادم – مهندس حسني الحايك)

( كتاب الإنهيار القادم – مهندس حسني الحايك)

مهندس حسني الحايك

الفصل الرابع: حواري بابل وكذبة اليهودية:

(من مسودة كتاب الإنهيار القادم- مهندس حسني الحايك)

بعد أن سيطر المرابون (اليهود) على مؤتمر السلام المنعقد في فرساي عام 1919كما أشرنا سابقاً, وبعد أن تم إرهاق الدول المتحاربة بشروط القروض القاسية التي فرضها عليهم تجمع المصارف (اليهودية). عمل المرابون على فرض الإسقاطات المرضية الواردة في كتاب (التوراة) لتكون هيّ الأساس التي تبنى عليه فلسفة عصبة الأمم. ومن أجل ذلك وضعت معادلة الهرولة والتوسل القائمة بين (يهوه) وعشيرته (التوراتية) فوق شرائع الأمم وأعراف الشعوب (الأسماء التي توضع بين قوسين لا تعني أصحابها, بل تعني كتاب عزرا وشخصياته). ولتصبح تسمية إسرائيل التي دخلت كتاب (التوراة) مع هروب (يعقوب) سارق النبوية والمباركة من أخيه عيسو كما سنتابع لاحقاً, هي إسماً للكيان المسخ الذي إعترفت فيه الشرعية الدولية المنبثقة عن مؤتمر فرساي. ومن أجل ذلك تم تعيين هربرت صموئيل حاكماً على فلسطين, ليعمل على تهيأة الظروف الملائمة لتنفيذ وعد بلفور المستوحاة بنوده من وعد (يهوه) إلى (إبراهيم) المذكور في (سفر التكوين -17-1-8), والذي ورد فيه الآتي:

” لما كان أبرام إبن تسع وتسعين سنه, ظهر الرب … فسقط أبرام على وجهه وتكلم الله معه قائلا, أما أنا فهو ذا عهدي معك وتكون أبا لجمهور من الأمم. فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون أسمك أبراهام. لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم. وأثمرك كثيرا جدا وأجعلك أمما. وملوك منك يخرجون. وأقيم عهدي بيني وبينك. وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدا أبديا. لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك. وأعطى لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك أرض كنعان ملكا أبديا. وأكون إلههم”. حيث مثل هذا النص العنصري مخططا لإحتيال كهنوتي لم تعرف البشرية مثله على مدى تاريخها, لا في مستوى وقاحته وتزويره لحقائق الدين والتاريخ والجغرافيا والقيم الإنسانية وحقوق الإنسان. لكن في مدى همجيته وعنصريته وتعديه على التوازن الفطري التي تمثله الأرض المباركة. حيث إبتدأ هذا المخطط بحكاية إستلقاء (نوح) على الأرض عارياً ومخموراً حتى الثمالة ليستفيق بعدها ويلعن كنعان.

ومن ثم تواصل هذا المخطط مع تحويل أبرام الفرد الذي لم يكن يمثل إلا نفسه وزوجته ساراي, إلى (أبراهام) القطب الواحد الذي أصبح بتغير إسمه زعيم عشيرة وأباً لجمهور من الأمم والقبائل الموعودة بأرض كنعان. لينتهي هذا المخطط مع تحول حفيد (ابراهام) اللص (يعقوب) سارق المباركة والبكورية والنبوة وأغنام خاله لابان, إلى (إسرائيل) بعد مصارعه بهلوانية نظمها له الكهنة مع (إله التوراة), ولتصبح بعد ذلك العشيرة المفترضة والمنقطعة أخبارها مع إنقطاع أخبار (يوسف) في كتاب (التوراة), هم قبائل وعشائر و(أسباط بني إسرائيل) العديدة التي ستبني الممالك المفترضة في فلسطين. وليتحول (يهوه إله) الزلازل والبراكين الميدياني مع (موسى) إلى (رع إله الشمس) الذي عبده الفراعنة كما سنكتشف ذلك في الفصل السادس. ليحرقا ويزلزلا (رع ويهوه) معاً الأرض تحت أقدام الشعوب التي ستشملها خارطة طريق العشيرة, بعد أن تقمصا الإثنين ثوب بعضهما بعضا, أو ثوب مذهب الإخمينيين الزرادتشيين فيما بعد!

وهكذا بعد أن إكتملت عناصر مشهد سلب أرض فلسطين على مسرح كهنة (التوراة) المتسكعين في بابل, وبعد أن شربوا من خمر العنب حتى ثملوا ولعلهم تعروا بعد ذلك, تفتق ذهنهم المرضي على إسقاط حالتهم الآنية على شخصية (نوح التوراة), التي أظهروها ثملة متعرية متمددة على الأرض بحالة مزرية, أمام المشاهدين من أبنائها المفترضين (كما هو حال كل الأفلام الإباحية التي ينتجها أحفاد الكهنة من المرابين اليهود اليوم). وبينما كان (نوح) مستلقياً في هذا الوضعٍ الخادش للحياء. ظهر على مسرح (التوراة) إبنه حام الطفل الصغير يلعب ويلهو ويحلم, ولعله كان يحلم كأطفال القرية الهندية الوديعة وامبانوغ أو كأطفال دير ياسين وتل الزعتر. أو لعله كان يود أن يتحول من فكرة مجردة في ذهن الكهنة إلى واقع ملموس يحلم فيه كبقية أبناء البشر. لكن ما نغص عليه مجرد هذا الحلم هو تدخل أقلام الكهنة, الذين قرروا أن يخفوه بعد هذا الظهور وإلى الأبد. لينسجوا بعد ذلك إسطورة إعتقدوا بأنها كانت كافية لتشريع سلب أرض فلسطين ولعن أهلها الكنعانيين. والحقيقة التي سنكتشفها من خلال متابعة فصول هذا الكتاب, أن الشعوب التي صادف وجودها مع خط سير العشيرة المفترضة بإتجاه فلسطين, كانت تلعن إما بمشاهدة عورة (نبي), أو نتيجة عمل دياثة يقوم به (نبي), أو نتيجة فعل زنى بالمحارم ينفذها كذلك (نبي).

وغالباً ما كان ينتج عن تلك المشاهدة أو الدياثة أو زنى المحارم أطفال زنى, سيشكلون آباء مفترضين لشعوب شملتها خارطة طريق العشيرة, أو أباء لشخصيات (توراتية) ستحمل نفس أسماء أنبياء ورسل مبجلين. وكأن الكهنة قصدوا من إحداث عمليات الزنى بالمحارم, هو إعطاء مبرر كهنوتي لإزاحة تلك الشعوب من أمام هرولة العشيرة بإتجاه فلسطين. وهذا ما سنكتشفة على صعيد المثال في قصة ( لوط) بحسب (سفر التكوين- إصحاح -19), الذي ورد فيه الآتي:” فسكن (لوط) فى المغارة هو وإبنتاه, وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ, وليس على الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض! هلم نسقى أبانا خمراً ونضطجع معه, فنحيى من أبينا نسلاً! فسقتا أباهما خمراً فى تلك الليلة, ودخلت البكر وإضطجعت مع أبيها, ولم يعلم بإضطجاعها ولا بقيامها, وحدث فى الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد إضطجعت مع أبي, نسقيه خمراً الليلة أيضاً فإدخلى إضطجعى معه, وقامت الصغيرة وإضطجعت معه, ولم يعلم بإضطجاعها ولا بقيامها, فحبلت إبنتا لوط من أبيهما, فولدت البكر ابناً, ودعت اسمه موآب وهو أبو الموآبيين إلى اليوم. والصغيرة أيضاً ولدت ابناً و دعت اسمه بن عمي وهو أبو العمونيين إلى اليوم”.

ولعل هناك مجموعات بشرية كثيرة توارت وإنقطعت أخبارها, بسبب البعد الزمني أو المكاني لأحداثها عن زمن ومكان تأليف (التوراة), فنستها الذاكرة الجماعية وخصوصا في بابل حيث كتب (التوراة), لكن بقيت آثارها تحدث عنها. ولعل بعضها توارت بسبب الحروب أو الكوارث كالفياضانات أو الزلازل والمجاعات, ولعل بعضها قد ذهب حقاً كما ذهب أهل عاد وثمود وغيرهما. لكن هل يستطيع أن يتصور مجرد إنسان أن تلك الشعوب قد توارت كمجموعات بشرية بسبب قصة ساقطة (لنبيّ) يزني بمحارمه, أو بسبب لعنة أطلقت عليهم في مرويات فاجرة خادشة للحياء مذكورة في كتاب (التوراة). وهل ذلك يشرع إبادة الموآبيين والعمونيين بسبب أن إبنتيّ (نوح) إشتاقتا لمداعبة الرجال, فقررتا إشباع رغباتهما الجنسية من خلال سقاية أبيهما خمراً وإغتصابه. أم أن واقع الحال يقول أن الكهنة أسقطوا واقعهم الفاجر المعاش في حواري بابل على مخطط تشريع إغتصاب فلسطين, فدونوه بهذا القصة الوضيعة ليكون موآب وبن عمي (أبناء زنى محارم)! وليكونوا بعد ذلك آباء مفترضين للموآبيين والعمونيين الذين لعنوا كما لعن الكنعانيين, وليشرعوا إبادتهم كما شرعوا إبادة الكنعانيين. لكن أن يزني (نبي) ببناته العزراويتين وهو ثملاً ولا يسألهم بعد ذلك عن سبب حملهم, ولا يسألهم عن حقيقة الزناة في تلك الأرض التي حدد مواصفاتها هذا النص (ليس على الأرض رجل).

فهذا مؤشر لإدانته لأنه يعرف حقيقة الزاني! وأظن ذلك لا يستقيم بأن يدعي بعض علماء الدين بأن أنبياء (يهودية) اليوم هم ذاتهم أنبياء الإسلام! فأنبياء (التوراة) هيّ شخصيات إبتدعها الكهنة أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها فاجره وبلا كرامة وشرف, كما أنها بعيدة كل البعد عن الإحساس الإنساني القويم والفطري, لذلك من المعيب ما يتم إدعاءه, والعيب الأكبر أن ينهل بعض العلماء من هذه القصص الساقطة مرويات ليسقطوها على أنبياء الله المبجلين! إذن نستطيع ان ندرك ما قصده الكهنة من تعرية (نوح) في قصتهم (التوراتية), هو إطلاق اللعنة بحق كنعان إبن حام والتي لحقت بالكنعانيين إن كانوا في فلسطين, أو اولئك المساكين من الهنود الذين أبيدوا فوق أرضهم لتأسس عليها الولايات المتحدة الأمركية. الأمر الذي يجعلنا نعتقد أن الكهنة قصدوا من إظهار (نوح) في حالة التعري, هو وضع تصنيف (الأخيار والأشرار) ليشمل هذا التصنيف الآباء المفترضين لكل شعوب الأرض. للقول بعد ذلك أن هناك شعوب خيرة وشعوب شريرة. ومن هذا المنطلق قرروا أن يكون الكنعانيين من ضمن الشعوب (الحامية) التي سيشملها تصنيف الأشرار. لذلك أظهروا سام ويافث الذان إعتادا على ستر عورة أبيهم, بمظهر المدافعان عن حرمة (النبي) الذي هو نفسه لم يرعاها, ليكونوا بذلك هم الأخيار. وطبيعي أن يظهر الكهنة حام الصغير الذي لم يدرك بعد فنون لعبة هذه الحرمة, بمظهر أبو كنعان المفجوع بما رأى من أبيه المفترض أن يمثل له قدوه حسنة. ليذهب بعد صدمته بهذا الأب المستهتر إلى أخوته, مذهولا وشاكيا يريد أن يسمع منهم تبريراً يقنعه بفعلة والده المشينة. لكن الإخوة الكبار إستغلوا حياء الطفل بشكل إنتهازي, فسترا عورة أبيهم, وعندما إستفاق من سكرته, أخبراه بأمر مشاهدة العورة من قبل حام, ليظهره الكهنة بعد ذلك من الآباء المفترضين لشعوب ستشملهم لعنة السكير. وما يؤكد ذلك, هو إستشاطة (نوح) غضباً ولعنه من لم يكن قد ولد بعد, إبن حام الصغير الذي هو كنعان المفترض! والأغرب من كل ذلك أن يصادق (إله التوراة) على هذه اللعنة وتبعاتها, وكأنه كان يجلس في مقهى قريبا من مسرح مشاهدة العورة, ينتظر إنهاء الإجراءات الشكلية لتبعياتها. ليهب أرض فلسطين وما حولها لأبناء سام المفترضين.

ولتأكد من كل ذلك فالنتابع معا ما ورد في (سفر التكوين- إصحاح- 9 -21-29):” وشرب (يعنى نوح) من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه, فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه, وأخبر أخويه خارجاً, فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء, وسترا عورة أبيهما, فلما إستيقظ نوح من خمره, علم ما فعل إبنه الصغير, فقال ملعون كنعان, عبد العبيد يكون لإخوته, وقال: مبارك الرب إله سام, وليكن كنعان عبداً لهم, ليفتح الله ليافث فيسكن فى مساكن سام وليكن, كنعان عبداً لهم”. لكن أن يلعن كنعان المفترض بعد أن أرفق الكهنة إسمه مع إسم والده المفترض الذي هو الإبن الأصغر. ولم يرفق مع سام أو يافث (الأخوة الكبار والمفترضين أن يكونوا هم الآباء) أسماء أبنائهم لتشملهم (البركة), وتبقى البركة محصورة في الكبار (سيتم بعد ذلك إخراج يافث من معادلة تصنيف الأخيار, ليبقى سام الوحيد ونسله هم الحاصلين على هذه البركة, وليصبح بعد ذلك اليهود هم الأخيار, والآخرين هم الأشرار), واللعنة محصورة في كنعان إبن الصغير. الأمر الذي يبين مدى سخافة هذا النص (التوراتي) الذي لا يقنع أحداً بقداسته, كما هو حال (التوراة) وأنبياؤه. ومما يزيد الأمر إستخفافاً أن يخبرنا (التوراة) بعد ذلك بأنه كان هناك إخوة آخرين لكنعان المفترض, هم كوش ومصرايم وفوط. فكيف خصص الكهنة اللعنة بكنعان وحده, ولم تلحق نفس اللعنة بإخوته من أبناء مشاهد العورة حام الصغير! كل ذلك يفضح نوايا الكهنة في التخطيط لإمتلاك أرض فلسطين.

والمتتبع لخارطة طريق العشيرة يستطيع أن يتأكد من كل ذلك, فإخوة كنعان الذين لم تشملهم اللعنة, هم آباء مفترضين لشعوب خارجة عن نطاق مخطط الكهنة, لأن أراضيها ببساطة لم تشملها خارطة طريق العشيرة. الأمر الذي يؤكد أن كنعان أدخل في هذه الحكاية الصبيانية والساقطة, من أجل أن تلبسه هذه اللعنة الخاصة. بينما هو لم يكن موجوداّ في مكان التعري وطبيعي أن لا يكون, كما أن الزمان لم يثبت وجوده, أو وجود إخوته كوش ومصرايم وفوط. وفي جميع الأحوال لا يجوز لنبي أن يكون في وضع فاجر ليطلق لعنة تأخذ صفة التقديس. كما لا يمكن لأي لعنة مهما كانت قيمتها المعنوية أو الأدبية أن تأخذ شكلاً آلياً تلاحق الأبناء والأحفاد, وخصوصا في كتاب مازال يصنفه البعض بأنه كتاب ديني. مع أن المعروف بالعرف الأدبي والأخلاقي والديني, أنها لعنة ظالم لا يمكن أن تصدر عن نبي.

والأغرب من كل ذلك أن يدعي (سفر التتنيه- 24-16), بالآتي:” لا يقتل الآباء عن الأبناء, ولا يقتل الأبناء عن الآباء (بل) كل إنسان بخطيئته يقتل”. ثم أن الكنعانيين الذين سقطت عليهم اللعنة بشكل آليّ لم يأخذوا تسميتهم من إسم كنعان إبن من شاهد عورة أبيه. أنما أخذوها كما أكد معظم الباحثين والمؤرخين واللغويين من مصطلح الكانع التي تعني الثابت أو المرابط في أرضه. فالتكنع مثلاً بحسب معظم المعاجم العربية تعني التحصن. ومن الكانع المرابط والمتحصن في أرضه إشتقت الكنعانية والكنعانيون. وأعتقد بأن رسول البشرية محمد صلى الله عليه وسلم أطلق على أهل فلسطين وما حولها صفة المرابطون, لأنه كان يعلم ما تدل عليه الكنعانية بالنسبة للمدلول عليهم أهل فلسطين. ففي حديث رواه الطبري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أهل الشام وأزواجهم وذرياتهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله, فمن إحتل مدينة من المدائن فهو في رباط, ومن إحتل منها ثغراً فهو في جهاد”. وفي حديث آخر رواه ابن عساكر والطبراني عن أبي الدرداء رضيَّ الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” يا معاذ إن الله سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة, فمن إختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس, فهو في جهاد إلى يوم القيامة.

ويقول المهندس الأسير خالد أبوعرفه التالي:” لم تعطى صفة المرابطون لجمع آخر غير أهل فلسطين. فيسمى مرابطاً من تمرس على ثغر من ثغور الإسلام, أو رابط في موقع من المواقع التي تحتاج لسهر وتيقظ دائمين, وعادة ما يكون المقصود الرباط على الحدود تنفذه مجموعة من المرابطون. أما أن تعطى صفة الرباط لشعب بأجمعه, فهذا لم يحصل لغير أهل فلسطين”. فكل ذلك يؤكد أن الكنعانيين أخذوا إسمهم من نمط عيشهم. كما نكتشف أن معظم المعاجم اللغوية تذكر أن نقيض الكانع هو العابر, والعابر مشتقة من فعل عبر بمعنى قطع الطريق من منطقة إلى أخرى, أو عبر النهر من ضفة إلى أخرى. وهيّ في معظمها تدل على التنقل التي إتصف بها البدو من سكان الصحراء, حيث يقال لهم إلى يومنا هذا عبران. فالعابر هو الإنسان دائم الترحال, الذي يرتحل عابراً من مكان لآخر باحثا عن مراعي وأرض خصبة. لذلك سميّ عابراً, ومنها أشتقت العبرانية والعبرانيون. وقد أخذ بهذا النهج الباحث فرج الله صالح ديب في كتابه التوراة العربية وأورشليم اليمنيّة, حيث ذكر الآتي:” لا يدل مصطلح العبران والكنعان على شعوب مفترضة, بقدر الدلالة على نحلة المعاش. فالمعنى اللغوي لهذا المصطلح لا تعثر عليه إلا في القواميس العربية الجامعة للهجات, والذي يدل على نحلة المعاش. فالعبران مقابل الكنعان. والبداوة الخاضعة لتقلبات المناخ وللتصحر الزاحف والمتعيشة من الرعيّ, تحتقر الزراعة الثابتة “(بيروت- 1994-نوفل-ص-17)). وبما أن العشيرة المفترضة التي أطلقها الكهنة أثناء كتابتهم (للتوراة), جعلوها تنتحل صفة العبرانيون فمن الطبيعي أن يضعوا في قمة أعداءها, ذاك العدو الفطري المرادف والمضاد لها في نمط عيشها المفترض, الذين هم الكنعانيين الكانعين والمرابطين في أرضهم. والذين ووضعوا علاماتهم الداله عليهم في كل بقعة من بقاع الأرض المباركة. وبنو حضارتهم على أرض فلسطين التي سكنوها في الجزأ الساحلي الشرقي من البحر الأبيض المتوسط. وبما أن فلسطين هي بلاد المرابطين الكنعانيين, وهي مطمع كهنة بابل الحالمون بالإدعاء بأنهم العبرانيين من عشائر بني إسرائيل, لذلك كتبوا هذا النص الساقط في (التوراة), لتذهب أللعنة الكهنوتية إلى كنعان, للقول بأن كنعان الملعون هو الأب المفترض للكنعانيين. ولتأخذ بعد ذلك هذه اللعنة شكلها الآلي وتلحق بالعرب الكنعانيين المرابطين في فلسطين, وهكذا بسبب سكرة التعري ومشاهدة العورة وهب (إله التوراة) الغير موجود إلا في خيالات مَن صنعوه مِن كهنة بابل. أرض فلسطين الموجودة منذ ما قبل التاريخ بمن عليها بتاريخ, وما فيها من بركة, وما لها من إرث حضاري, للعشيرة (التوراتية) المزمع إنشاؤها من شذاذ الأرض. ولتتوارث هذه العشيرة المفترضة بركه التعري (المقدسة) بشكل آليّ, حتى تصل إلى المجتمعين في فرساي, الذين وضعوا فلسطين التي تمثل بوابة السماء, وبيضة ميزان الحق والعدل والتوازن الفطري على هذه الأرض, رهينة في أيدى الشرعية الدولية التي رقصت على ألحان المزامير, بعد أن عزف المرابون لحنهم المنفرد بتجميع (اليهود) في فلسطين أثناء فترة الإنتداب. الأمر الذي يؤكد سخافة وفجور من إجتمع في فرساي, وشرع وعد عورة (نوح) السكير. لينتهي بذلك المشهد الأول من تشريع سلب أرض فلسطين, بعد أن أخذت به الشرعية الدولية التي أنتجتها الحرب العالمية الأولى.

والحقيقة أن ما يلفت الإنتباه في كل قصص (التوراة) وخصوصا تلك المتعلقة بخارطة طريق العشيرة, هيّ نوعية البيئة التي ترعرع فيها الكهنة الذين ألفوا تلك القصص الساقطة, وماهية الثقافة التي نهلوها ليتوارثوها جيلا بعد جيل, وليورثوها بعد ذلك للمرابين (اليهود) الذي وضعوا فلسفة الشرعية الدولية. والتي أقل ما يمكن القول فيها, أنها بيئة حواري الرذيلة التي تحكمها قوانين القوادين, وتضبط إيقاعاتها سفالة مواخير الدعارة, وفلسفات الإباحية وحقوق الإنسان الذي لا تصادفه خارطة الطريق. وهذا ما يأكده عدم وجود المرأة الفاضلة في كل تلك القصص. بل أن معظم القصص (التوراتية) تذخر بالنساء الفاجرات الشهوانيات اللاتي إمتهن طرق الرذيلة وفنون الغريزة الحيوانية. فالمرأة في (التوراة) عُنفت وأهينت وسخفت ووضعت كل الشرور العالم السفلي فيها. وأظهرت في النهاية إما رخيصة داعرة أو فاجرة متآمرة, أو محتالة وكاذبة. فبنات (أنبياء) يزينون مع آبائهم وإخوتهم, وأستير باعت جسدها لملك فارس, وثمار زنت مع عمها أبو زوجها يهوذا الذي أخذ (يهود) اليوم تسميتهم من إسمه. و يخبرنا (سفر يوشع) أن (إله التوراة) قال ليوشع:” أذهب خذ لنفسك أمرأة زنى لأن الأرض قد زنت تاركة الرب”. وفي مكان آخر من النص يقول له: حاكموا أمكم لأنها ليست إمرأتي وأنا لست رجلها لكي تغسل زناها عن وجهها وفسقها من بين ثدييها, لئلا أجرها عريانه وأوقفها كيوم ولادتها. و(داوود) زنى مع بشثبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثي أحد جنوده المخلصين لتلد له (سليمان) الذي سيلعب دور (النبي في التوراة). وأمنون إبن (داود) زنى بأخته ثامار بعلم أخيه وأبيه. و(ساره) بالإتفاق مع زوجها (إبراهيم) باعت جسدها لفرعون مصر مقابل كسب بعد الغنائم من الإبل والحمير. ولتكرر رفقة نفس فعلة حماتها, بعد أن عرضها زوجها (إسحق) على أبي مالك ملك جرار, وبعد أن كان أبيه (ابراهيم) قد عرض زوجته (ساره) كذلك عليه سابقاً. فكل هذه الدياسات كان أبطالها (أنبياء التوراة) وسنتابعها بالنصوص لاحقاً. لكن المجال لا يتسع لذكر كل قصص (التوراة) التي دائما ما كانت تُظهر المرأة الفاجرة و(النبي) الديوس, أو (النبي) الزاني ببناته أو بكنته, أو (الإله) المتزوج من زانية ليغضب وينتقم من إهل فلسطين, ونكتفي بذكر بعضها بحسب ما يتطلبه موضوع البحث. من كل ذلك نستنتج, بأن الكهنة أسقطوا في قصص (التوراة) على المرأة ما يعرفونه عنها في حواريهم, الأمر الذي يؤكد لنا طبيعة البيئة الفاجرة التي إستلهموا منها شخصيات قصصهم. وذلك يوضح لنا السبب الحقيقي لإظهار المرأة بتلك السلوكيات الساقطة أخلاقياً والمذمومة دينيا. حيث جرى في سبيل سلب أرض فلسطين إستغلال المرأة بشكل مقرف ومزري, وإظهارها بما لا يليق بها من سلوكيات. فكانت المرأة هي التي تنصب الأشراك وتتآمر على أبنائها وزوجها, وهيّ التي تعرض جسدها لإعطاء العشيرة الكسب الوفير, والذي شكل فيما بعد نهجاً للعشيرة التي حملت زورا نسب بني إسرائيل. وفي سبيل ذلك كتب الكهنة في (توراتهم) العديد من القصص الصبيانية الساقطة, إبتداءأ بالكيفية الحرجة التي ولد فيها (يعقوب). ومرورا بتسييد هذا المولود على أخيه التوأم الأكبر بعد أن سرق منه (النبوة وبركاتها). وإنتهاءاً بمصارعه خيالية مع (إله التوراة) حولت (يعقوب) بعد ضربة تحت الزنار وجهها لهذا (الإله) إلى (إسرائيل). حيث شكل هذا التحويل المشهد الآخر لسرقة أرض فلسطين. وهكذا بعد أن أطفأ الكهنة الإضائة على كتاب التوراة الحق الذي أنزل على سيدنا موسى عليه السلام, وأغلقوا كل بوابات العقل والتفكير السليم أمام المشاهدين من أتباعهم, بدأ المشهد الثاني بإظهار رفقة زوجة (إسحاق) عاقراً تعلوها صرخة الوحدة, طالبة بأن تكون أُمّاً كغيرها من نساء البشر. فيسمع صراخها الديوس (إسحاق), الذي بدوره صلى من أجل من عرضها على أبي مالك, فتحبل رفقه بتوأمين بحسب (سفر التكوين- 25-27-28), الذي ورد فيه الآتي:” فقال لها الرب في بطنك أمتان, ومن أحشائك يفترق شعبان. شعب يقوى على شعب. وكبير يستعبد الصغير. فلما كملت أيامها لتلد فإذا في بطنها توأمان. فخرج الأول أحمر كله فروة شعر, فدعوا إسمه عيسو. وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضه بعقب عيسو فدعوا إسمه يعقوب. وكان إسحاق ابن ستين سنه لما ولدتهما له”. وما سيتوقفنا في هذا النص الذي مثل على مسرح (التوراة) في بابل والساقط دينياً وأدبياً بكل المعايير, أن يتم إظهار (الإله) فيه بمظهر القاسي والظالم والغير عادل ولا رحيم. إذ كيف يمكن أن يكون (إلها) ويحكم في سفر التكوين على جنين مازال في طور التكوين, بأن يكون عبداً لتوأمه الآخر بعد برهة من السنين. وليكون التوأمان بعد ذلك آباء مفترضين لأمتين مفترضتين تستعبد إحداهما الأخرى بشكل آلي ودون أي ذنب واضح, قد يكون إرتكبه أحد التوأمين وهما في رحم رفقه الشاكية والباكية! أللهم إلا إذا كان الكهنة إعتبروا ولادة عيسو قبل (يعقوب) يشكل ذنباً كافيا, يمكن أن يخل بآلية اللعنة السابقة التي لحقت بالكنعانيين. وخصوصاً حين نعلم بأن أحد التوأمين مقرر له أن يعطي العشيرة المزمع إنشاؤها نسب بني إسرائيل التي ستسلب أرض الكنعانيين. وهكذا حين يعرف السبب يبطل العجب, لأن حينها ندرك مقصد الوظيفة التي أتقن كهنة (التوراة) إمتهانها لجعل (شعب يقوى على شعب). ومقصد الكهنة الذين إستمروا في غيهم, وأسترسلوا في سردهم ليذكروا أن (إسحاق) أحب الإبن الأكبر عيسو الذي عمل في الصيد, بينما أحبت رفقة الإبن الأصغر (يعقوب) الذي ساعدها في أعمالها البيته, كما شاركها في النميمة ووضع المؤامرات ضد أخيه عيسو وأبيه (إسحاق). الأمر الذي يشير منذ البداية إلى أن (يعقوب) المزمع تنصيبه (نبياً في التوراة) لا يتمتع بمواصفات النبوة, بل كان كسولا وإتكالياً يعتمد على جهد أخيه في مأكله ومشربه. كما يشير ذلك إلى أن (إسحاق) لا يتمتع بأخلاقيات النبوة كونه ديوس, ومنحاز إلى مصلحته الخاصة مع الإبن الذي يطعمه من لحوم صيده. أما رفقة فيظهرها الكهنة بعد أن باعت جسدها بأنها إمرأة خبيثة وداهية وعريقة بالمكر والخداع, ومصممه على تنصيب يعقوبها نبياً بدلاً من إبنها البكر. وبما أن المرأة في هذا المذهب الإسقاطي هيّ التي تلعب الدور القذر دائما, لذلك أوكل الكهنة إلى رفقة وضع الخطط لإبنها (يعقوب) لسرقة البكورية من إبنها الآخر عيسو. والبكورية تعني في العرف (التوراتي) أن الإبن البكر هو من يرث عن أبيه كل ما له من إرث ماديّ أو معنويّ. وفي حالتنا هذه فعيسو هو المقرر له بحسب هذا العرف أن يكون (نبياً) بعد أبيه (إسحاق). أما (يعقوب) بنفس هذا العرف فهو لا يرث شيئاً, وبالتالي لن يكون (نبياً) بعد موت أبيه.

وهذا ما سيفشل المخطط المرسوم (ليعقوب), بل سيفشل الهدف الأساس الذي من أجله كُتب (التوراة) برمته, وخصوصاً أن الكهنة الذين كتبوا هذا النص, هم أنفسهم من خطط (ليعقوب) بأن يكون (نبياً) ويتحول إلى (إسرائيل). وفي ذلك يقول الدكتور جورجي كنعان في كتابه الوثيقة الصهيونية في العهد القديم, الآتي:” أن كاتب التوراة يريد أن يهب الأرض ليعقوب فماذا فعل هذا؟ وكيف برر هذه الهبة اليهوهية؟ جاعلاً من الجنينين يتزاحمان في بطن الأم, ثم أجاب: بأن الكبير سيستعبد للصغير فكان من الطبيعي أن يكون البكر عيسو ملجأ لحيلة الأم رفقة لتنتصر ليعقوب لمحبتها له أكثر من عيسو”. لذلك أظهر الكهنة رفقة و(يعقوب) متآمران يعملان معاً لسرقة البكورية من عيسو. ولتحقيق ذلك صنعوا له كمين الجوع كما ورد في (سفر التكوين-25- 29-34) الذي ورد فيه الآتي:” وكان عيسو قد خرج إلى الحقل ليعمل. وطبخ يعقوب طبيخا, وأتى عيسو من الحقل وهو قد أعيا. فقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الأحمر لأني قد أعييت. لذلك دعي إسمه أدوم. فقال يعقوب: بعني اليوم بكوريتك. وقال عيسو: أنا ماض إلى الموت, فلماذا لي بكورية. فقال يعقوب: احلف لي اليوم. فحلف له. و باع بكوريته ليعقوب, فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس, فأكل وشرب وقام ومضى”. وهكذا نكتشف بحسب هذا النص أن عيسو باع بكوريته إلى (يعقوب) التي تعني (النبوة) بصحن عدس. والحقيقة أن الكهنة عندما كانوا يرسمون مخطط الحاجة للإستلاء على أرض فلسطين, وتوزيع الأدوار الكهنوتية على شخصيات (التوراة), أسقطوا حاجاتهم المرضية وثقافتهم المنحطة على تلك الشخصيات ألتي أرادوها أن تلعب دور الأنبياء, وتركوها تتصرف بشكل إسقاطي, وكأن الكهنة لو كانوا مكانها لتصرفوا بنفس ما تصرفت به هذه الشخصيات. وهذا ما سوف نكتشفه من التدوين المتكرر لبعض الروايات الساقطة في (التوراة) رغم إختلاف الأمكنة وألأزمنة والشخصيات. وتتضح معالم هذا الإسقاط, لهذه الثقافة المنحطة التي سوف أشير إليها بالهمجية, من خلال دراسة ردات الفعل الصادرة عن أحد شخصيات (التوراة) الرئيسة وهو (إله التوراة). حيث أظهره الكهنة بأنه إلتزم بهذه المقايضة الصبيانية التي أخرجت (يعقوب) بكراً بدلاً من أخيه الذي هو بالأساس البكر! فبدلا من يأخذ هذا (الإله) دور المأنب ويعاقب المحتال (يعقوب) وأمه رفقه على ما إقترفاه من إحتيال, نجده يلعب دور البهلوان ويشلح وسام (البركة) على المحتال, ويضع ختمه الكهنوتي على مجمل العملية الإحتيالية. بعد أن صب جام غضبه على البكر المظلوم الواقع عليه الغش والإحتيال, وجرده من منصب (النبوة) وكل إرث أبيه. ولعل كهنة (التوراة) أثناء كتابتهم هذا النص الذي سرقوا فيه (النبوة) لمدللهم (يعقوب), كانوا يبحثون حينها عن لقمة عدس مسلوق يسدوا به رمق جوعهم, بعد أن عصرهم الجوع في حواري بابل, فإرتقت عندهم الحاجة الآنية الملحة التي تمثلت بصحن العدس, لتتساوي مع الحاجة المرجوة من فلسطين إستراتيجياً في القيمة المعنوية. لذلك جعلوا من (يعقوبهم) الذي سيحولونه إلى إسرائيل يقايض بصحن عدس بكورية أخاه الجائع الذي كان بالأساس هو من زرع وأنتج العدس.

والحقيقة التي نكتشفها من خلال هذه المقايضة هيّ أن فلسطين كانت بالنسبة للكهنة حينها تساوي صحن عدس, الأمر الذي يشير إلى أن كهنة (التوراة) كانوا حقاً مدمني جوع, لذلك كثيرا ما جعلوا من الجوع مادة مساومة وإبتزاز مع (إلههم) الخاص لذلك كتبوا في (سفر العدد- 11-4-15) الآتي:” فعاد بنو إسرائيل أيضاً وبكوا وقالوا من يطعمنا لحماً. قد تذكرنا السمك الذي نأكله في مصر مجاناً والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم. والآن قد يبست أنفسنا. ليس شيء غير أن أعيننا إلى هذا المن … فلما سمع موسى الشعب يبكون بعشائرهم كل واحد في باب خيمته وحمى غضب الرب جداً ساء ذلك في عيني موسى. فقال موسى (مؤنباً) للرب لماذا أسأت إلى عبدك؟ ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب عليّ؟ ألعلي حبلت بجميع هذا الشعب؟ أو لعلي ولدته حتى تقول لي إحمله في حضنك كما يحمل المربي الرضيع إلى الأرض التي حلفت لآبائه. من أين لي لحم حتى أعطي جميع هذا الشعب. لأنهم يبكون علي قائلين أعطنا لحماً لنأكل”. لذلك لا تستغرب أخي القاريء إن وجدت أن النبوة في (التوراة) يقايض بها بصحن عدس أو بفجور (نبي) أو بسمسرة (إله). وكأنها تركه بالإمكان الإستيلاء عليها بالخفية والشطارة أو بالطرق المنحرفة, لتكون بعد ذلك ملك حاملها أياً تكن الوسيلة المعتمدة في الحصول عليها, أو الصفات التي يتحلى بها المستولي عليها. ورغم ذلك نستطيع القول أن هذا السلوك التقايضي والإبتزازي عبر على ما كان يكنه (يعقوب) في قلبه من حسد على توأمه الآخر عيسو لأنه بكر أبيه.

وإن دل ذلك على شيء ليدل على أن (يعقوب) المراد تحويله إلى (نبي) ومن ثم إلى (إسرائيل) لم يكن يتمتع بأية مؤهلات أخلاقية, تجعل من قراء (التوراة) يقتنعون بكل محاولات الكهنة تسويقه (كنبي). حتى لو تم النظر إلى هذه القضية من ناحية جدلية بحته, وخصوصاً عند متابعة تلك المحاولات التي نجم عنها نسج مؤامرة سرقة (البَرَكة) من عيسو بعد أن جعلوا بطلاها رفقه و(يعقوب). فلا يجد قاريء (التوراة) نفسه بعد كل تلك المحاولات أمام كتاب ديني يمجد الفضيلة ويلعن الرذيلة, بل يكتشف نفسه أمام كتاب شيطاني يمجد الرذيلة ويعتدي على الفضيلة بكل أبعادها ومعاييرها الأخلاقية, بعد أن يهدم فيها كل القيّم الإنسانية التي فطر رب العزة عليها عباده. إذ كيف يمكن أن يقبل هذا القاريء أن تصدر سلوكيات فاجرة ووضيعة من شخصيات يسوقها (التوراة) على أنها أنبياء وزوجات لأنبياء! والحقيقة أن المتتبع لقصة منح البركة (ليعقوب) في (التوراة), يشمأز من حجم السلوكيات الوضيعة وتتاليها الغير منطقي, ويزداد قرف وإزدراءً من هذا الكتاب, الذي جعل من رفقة (زوجة نبيّ وأم نبيّ) و(يعقوب النبيّ) يحتالا على (إسحاق النبيّ) بعد أن أظهره الكهنة أعمى بصيرة وبصر, ولا يستطيع مجرد التمييز بين ولديه الوحيدين والمختلفين في جميع المواصفات. حيث نجم عن سوء التمييز والتزوير الواضح في شخصية (إسحاق النبيّ), حصول من لا يستحق البركة بحسب العرف (التوراتي), على البركة التي يستحقها أخاه. وهاك التفاصيل كما رواها (سفر التكوين 27-1-5):” لما شاخ إسحق وكلت عيناه عن النظر أنه دعا عيسو إبنه الأكبر وقال له يا بني. فقال له هأنذا. فقال إنني قد شخت ولست أعرف يوم وفاتي. فالآن خذ عدتك جعبتك وقوسك وأخرج إلى البرية وتصيد لي صيداً. وإصنع لي أطعمة كما أحب وائتني بها لآكل حتى تباركك نفسي قبل أن أموت. وكانت رفقة سامعة إذ تكلم إسحاق مع عيسو إبنه, فذهب عيسو إلى البرية كي يصطاد صيداً ليأتي به”. حيث يظهر هذا النص أن نفس (إسحاق) الفجعة والباحثة عن الشبع من الأطعمة المحببة من لحم الصيد, هيّ التي ستقايض بغريزتها الحيوانية على البركة الممنوحة للبكر. وطبيعي أن يجري (إسحاق) هذه المقايضة مع إبنه البكر إلتزاماً منه بالأعراف التي وضعها الكهنة للعشيرة المفترضة فيما بعد! كما يظهر هذا النص أن رفقه نغصت على (إسحاق) مقايضته, بعد أن إسترقت السمع من خلف الباب. لتستبدل تلك المقايضة العرف, بمقايضة أخرى يمكن أن تتم بلحوم أغنام الدياسة التي كسبها (إسحاق) من أبي مالك ملك جرار. ولكي تحافظ رفقة على النسق التآمري المكرس في (التوراة) رشحت إبنها الغير بكر (يعقوب) لإتمام هذه المهمة. وخصوصا بعد أن هيأ لها كهنة (التوراة) مسرح المؤامرة, وأسقطوا عما بصرهم وإدمانهم الجوعي على (إسحاق) ليجعلوا منه أعمى لا يستطيع التمييز بين أبنائه, وكأن كل همه إشباع بطنه بوجبة دسمة تتلائم مع حجم البركة التي سيمنحها. ولإنجاح تلك المؤامرة ربط الكهنة توقيت إطلاق البركة مع شبع (إسحاق), إذ جعلوها تنطلق من فمه لمرة واحدة دون رجعة على إيقاع شبعه, لتلتصق مباشرة في مُقَدِمْ الوليمة قبل التحقق من حقيقة ملمس يده أو من بصمة صوته المختلفة! وهكذا تسابقت رفقه مع إبنها (يعقوب) على إتمام مؤامرتهم في الوقت المتاح لهم لتحضير الوليمة المصنوعة من لحم الدياسة. للإستفادة بقدر المستطاع من الوقت الضائع الذي سيقضيه عيسو في مهمة الصيد. لذلك تم تجهيز هذه الوليمة بما تيسر من غنم مركون في الزريبة, كان قد كسبها (إسحاق) من أبيمالك بعد أن عرض عليه زوجته (وهذا ما سنتابعه لاحقاً).

وهكذا نجحت المؤامرة بحسب ما ورد في (سفر التكوين- 27-30-40), الذي نص على الآتي:” وأما رفقة فكلمت يعقوب إبنها قائلة إني قد سمعت أباك يكلم عيسو أخاك قائلاً: أئتني بصيد وأصنع لي أطعمة لآكل وأباركك أمام الرب قبل وفاتي, فالآن يا إبني إسمع لقولي فيما أنا آمرك به: إذهب إلى الغنم وخذ لي من هناك جديين جيدين من المعزى فإصنعهما أطعمة لأبيك كما يحب, فتحضرها إلى أبيك ليأكل حتى يباركك قبل وفاته. فقال يعقوب لرفقة أمه: هو ذا عيسو أخي رجل أشعر وأنا رجل أملس, ربما يجسني أبى فأكون فى عينيه كمتهاون وأجلب على نفسي لعنة لا بركة (هو يعلم أن فعلته قذرة). فقالت له أمه: إسمع لقولي فقط (مصممة على نجاح مؤامرتها).. وأخذت رفقة ثياب عيسو إبنها الأكبر الفاخرة التي كانت عندها فى البيت, وألبست يعقوب إبنها الأصغر (ولعلها لم تنسى أن ترش عليه برفانه الخاص), وألبست يديه وملاسة عنقه جلود جديى المعزى (لكي يبدو كأخيه مشعراً), فدخل إلى أبيه وقال: يا أبى, فقال: ها أنذا, من أنت يا بنى؟ فقال يعقوب لأبيه: أنا عيسو بكرك, قد فعلت كما كلمتني, قم إجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك. فقال إسحاق لإبنه: ما هذا الذي أسرعت لتجد يا بنيّ. فقال يعقوب: إن الرب إلهك قد يسر لي. فقال إسحق ليعقوب: تقدم لأجسك يا بنيّ لأتبيّن هل أنت عيسو أم لا. فتقدم يعقوب إلى إسحاق أبيه فجسه وقال: الصوت صوت يعقوب ولكن اليدين يدا عيسو. ولم يعرفه لأن يديه كانتا مشعرتين كيديّ عيسو أخيه. فباركه (مع أنه يعرف أنه يعقوب) وقال هل أنت هو إبني عيسو. فقال أنا هو. فقال قدم لي لآكل من صيد إبني حتى تباركك نفسي (كان حينها كل همه أن يأكل لذلك لم يتحقق عن مصدر الوليمة). فقدم له فأكل. وأحضر له خمراً فشرب… (ولعله تعرى قبل أن يطلق بركته كما فعل نوح) فباركه وقال: .. فليعطك الله من ندى السماء ومن دسم الأرض… لتستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل. كن سيداً لإخوتك, وليسجد لك بنو أمك, ليكن لاعنوك ملعونين ومباركوك مباركين”. كل هذه البركات كسبها (النبي) المحتال مباشرة من (النبي) الديوس بعد أن شبع من لحوم كسب الدياثة.

وكان أخطر هذه البركات هيّ تلك القائلة: ليكن لاعنوك ملعونين ومباركوك مباركين. حيث مثلت هذه البركة معياراً للسامية التي إعتمدت عليها المؤسسة الدولية في تعاملها مع كل شعوب العالم اليوم. يقول شفيق مقار (مرجع سابق-ص47):” كانت الغاية من هذه المؤامرة إغتصاب تسلسل الأنساب, الذي بدأ من أبرام الأرامي الذي أصبح أبراهام العبراني, ومروراً بإسحاق ليصل إلى يعقوب الذي سيصبح إسمه إسرائيل… فيعقوب الذي يطالعنا بشخصيته الميكافيللية في هذه الحكاية هو مستهين بكل القيم, وما علينا إلا أن نتوقف عند قوله لأبيه: أنا عيسو بكرك… قال أن الرب إلهك قد يسر لي. كان من المتوقع أن يخشى الرب لأنه يكذب. لكن الرب إله أبيه كان مضموناً (في جيبه) لأنه في خدمة يعقوب لذلك لم يخشاه”. أما الفصل الأخير من هذه المؤامرة وبحسب نفس السفر فكان كالآتي:” وحدث عندما فرغ إسحاق من بركة يعقوب… أن عيسو أخاه أتى من صيده فصنع هو أيضا أطعمه ودخل بها إلى أبيه, وقال لأبيه: ليقم أبي ويأكل من صيد إبنه حتى تباركني نفسك. فقال له إسحق أبوه: من أنت (وكأنه كان مجهولا عن أبيه المتخوم). فقال: أنا ابنك بكرك عيسو. فإرتعد إسحق إرتعادا عظيما جدا. فقال: فمن هو الذي إصطاد صيدا وأتى به إليّ فأكلت من الأكل قبل أن تجيء وباركته (يتحدث عن هو المجهول الذي سرق منه المباركة)… فعندما سمع عيسو كلام أبيه صرخ صرخة عظيمة جدا, ومرة جدا وقال لأبيه: باركني أنا أيضا يا أبي. فقال اسحق: قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك (أصبح المجهول معلوماً). فقال عيسو: … أخذ بكورتي, وهو ذا الآن أخذ بركتي. ثم قال: أما بقيت لي بركه! فأجابه إسحق: أن جعلته سيدا لك ودفعت إليه, جميع أخوته وعضدته بحنطة وخمر (نسيً الكهنة أن يخبرونا بأسماء إخوته المفترضين إن كانت رفقه العاقر قد أنجبتهم قبل أن يصلي من أجلها إسحاق!). فماذا أصنع إليك يا بني. فقال عيسو لأبيه: ألك بركه واحده فقط يا أبي؟ باركني أنا أيضا يا أبي(أصبح يساومه على نصف البركة التي تنطلق لمرة واحدة). ورفع عيسو صوته وبكى. فأجاب اسحق أبوه قائلا: هو ذا, بلا دسم الأرض يكون مسكنك, وبلا ندى السماء من فوق, وبسيفك تعيش, ولأخيك تستعبد, ولكن يكون حينما تجمح أنك تكسر نيره من عنقك”. فبهذه القصة الوضيعة أنهى الكهنة المشهد الثاني من تشريع إغتصاب فلسطين الذي لا يقنع بحبكته حتى الأطفال الصغار, بل لا بد لهم بفطريتهم الإنسانية أن يشمئزوا من تسييد الباطل في هذه الحبكة, ومن وضاعة (نبيّ التوراة إسحاق) الذي لم يُصلِحْ خطأ المباركة المفترضة, وينتقم من الإبن المخادع (يعقوب) ويسترد بركته المنحرفة, بعد أن أكد أنها ذهبت بمكر وبلحم دياسة. لكن هكذا أراد الكهنة أن ينهوا هذا المشهد بدعاية تسويقية (ليعقوب), ليكملوا معه مشوارهم في المشهد الثالث لإعطاء العشيرة المفترضة نسب بني إسرائيل. فبعد أن صادق (إله التوراة) على هذه المباركة المسروقة, التي جعلت من (يعقوب نبيا), إبتدأ المشهد الآخير الذي سيتم فيه تحويل (يعقوب) الفرد الهارب من بطش أخيه, إلى (إسرائيل) العشيرة الكبيرة بعد مصارعته الخيالية مع (إله التوراة).

ومن أجل ذلك كرس الكهنة في هذا المشهد مجمل مهمتهم في تكملة مشوار سرقة أرض فلسطين. إبتداء من إطلاق (يعقوب) الفرد من الأسرة التي لم يبقى منها غير عيسو الفرد, وخصوصاً بعد موت (إسحاق) وإنتهاء دور رفقة بمشهدها الأخير الذي إستدعت فيه (يعقوب), وحذرته من إنتقام أخيه المدافع عن حقه في (النبوة والمباركة), وقالت له بحسب (سفر التكوين-27-43-45) الآتي:” فالآن يا بنيّ إسمع لقولي, وقم وأهرب إلى أخي لابان إلى حاران, وأقم عنده أياما قليلة, حتى يرتد سخط أخيك عنك وينسى ما صنعت به”. ولعل (يعقوب) كان حينها يدرك حجم الشرور التي إرتكبها بحق أخيه التوأم, الذي أظهره (التوراة) أنه واصلاً لرحمه, رغم كل شرور أهل بيته في حقه. كما مهد الكهنة (ليعقوب) الذي أغدقوا عليه لقب (النبوة) بأن يستوعب ردات فعل أخيه المنكوب عيسو المستقبلية, وهذا ما بينه الكهنة في وصية (إسحاق) الأخيرة التي حذر فيها (يعقوب) من جموح أخيه عيسو بعد أن يكسر نيره من عنقه. ولكيّ يعطي الكهنة سبباً لهروب (يعقوب) من أمام أخيه, كتبوا على لسان عيسو في نفس (سفر تكوين-41), الآتي:” قربت أيام مناحة أبي, فأقتل أخي يعقوب”. ورغم أن هذا النص يبيّن أن عيسو ذكر ما كان يضمره لأخيه في سره, ولم تسمعه أمه التي قررت ربما بالتخاطر, أو بمساعدة العالم السفلي أن تَعْلم ما أبطنه عيسو, لذلك حذرت إبنها (يعقوب) من إنتقام أخيه, وطلبت منه الهروب والهجرة من أرض غربة أبيه وجده إلى أرض خاله في حاران. ومع هروب (يعقوب) إكتمل المشهد الثالث والأخير من عملية تشريع إغتصاب أرض فلسطين. ليصبح بعدها (يعقوب) يحمل إسم الكيان الذي ستطلقه الصهيونية على فلسطين, وتعترف بعد ذلك به الشرعية الدولية. والحقيقة أن الكهنة كانوا قد مهدوا لعملية ربط (إسحاق والد يعقوب) بفلسطين, من خلال مناسبتان تشكلان إدانة واضحة لجهود الكهنة في تشريع سلب أرض فلسطين. إذ جعلوا في المناسبة الأولى من (إسحاق) يولد كلاجىء دياثة في أرض غربة أبيه مملكة جرار, التي هي إحدى القرى الفلسطينية الواقعة في القرب من غزة, بحسب ما ذكره (سفر تكوين- 21-24), الذي نص على الآتي:” وكانت غربته في أرض الفلسطينيين أياما كثيراً”. وكان (ابراهام والد إسحاق) قد مكث في قرية جرار أكثر من أربعين سنة بفضل منة الفلسطينيون عليه, بعد أن أشفقوا على حاله وهو شيخ كبير يقوم بعرض زوجته الهرمة ساراي على ملكهم, ليكسب من مال الدياسة ما يحقق له عظمة, يستطيع الكهنة بعدها الإدعاء بأن هذا الشيخ الديوس هو نفسه النبي إبراهيم (الذي حصنه رب العزة كما حصن زوجته عن إرتكاب المعاصي), ليتم بعدها الإدعاء بأن إبراهيم عليه السلام هو أبو (إسحاق) بطل مؤامرة مقايضة (النبوة) بالوليمة المصنوعة من أغنام الدياسة, وبذلك يكون الكهنة قد ربطوا شخصياتهم الديوسة (إبراهيم وإسحاق), بالعائلة الكريمة التي خرجت منها مجموعة من الأنبياء, كان من بيهم النبي إسماعيل عليهم جميعاً السلام. ولتتحول عطية الدياسة في (التوراة) إلى مكارم (ربانية) تمنح للديوس (أبراهام) بحسب (سفر التكوين-20-14), الذي ورد فيه الآتي:” فأخذ أبيمالك غنما وبقراً وعبيدأً وإماء وأعطاها لإبراهيم “. أو بحسب ما ورد في (سفر التكوين-12-16):” فصنع (المقصود فرعون) إلى أبرام خيراً بسببها (المقصود ساراي) وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وإتن وجمال”. ورغم هذه العظمة التي يتحدث عنها (التوراة), فإن (أبراهام) كان يدرك في قرارة نفسه أن العظمة التي تأتي له من مال الدياسة, لا تعني لأهل القرية الفلسطينية إلا ذلاً لصاحبها ومكانة إجتماعية وضيعة لممتهنها. وبالتالي سترفض عائلات القرية الفلسطينية من تزويج إحدى بناتها إلى إبن ديوس خوفاً على شرفهم من أن يكون الولد سر أبيه, وهذا ما حصل بالفعل حين قرر (أبراهام) تزويج إبنه (إسحاق) من إمرأة غير فلسطينية. لذلك عندما كبر (إسحاق), إستحلف (أبراهام) رئيس عبيده قائلا بحسب (سفر التكوين 24-3-4) الآتي:” إستحلفك بالرب إله السماء وأله الأرض أن لا تأخذ لإبني زوجة من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم. بل إلى أرض عشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لإبني إسحاق”. وهكذا إعترف الكهنة بأن أرض كنعان لم تكن أكثر من أرض غربه وذل وإزدراء (لأبراهام وإبنه إسحاق). الأمر الذي أدى بتزويج (إسحاق) من رفقه بنت بتوئيل أخت لابان بحسب نفس السفر الذي تحدث عن هرب (يعقوب) إليه. أما كيف إغتنى (إبراهام وإبنه إسحاق) في أرض الكنعانيين. فذلك مرجعه إلى خصلة الدياثة التي كانت ملازمة لكهنة بابل, وإلى حالتهم وهم يكررون عرض نساء العشيرة الفاجرات على البابليين طمعا بوجبة دسمة. فتداخلت عليهم صور الإشمئزاز المتكرر والمستمر من الآخر الذي ذم فيهم هذه السلوكيات الوضيعة, فقرروا إعطاء الدياثة نوع من الرفعة والمكانة المباركة, لذلك أسقطوها نهجا مباركا يسعى إليه (أنبياء التوراة), ليظهروا الدياثة وكأنها فعل كهنوتي مبارك يحث عليه (إله التوراة) عشيرته المفترضة, في مشوار مد جسور الهرولة للعبور الأرض المباركة. ولتتناقلها هذه العشيرة جيل بعد جيل بعد أن تم تشكيلها من شذاذ الآفاق, حتى أصبحت الدياسة (التوراتية) وسيلة كسب وفير أسست لها العشيرة فيما بعد دور للبغاء أينما حلت في ترحالها. لذلك علينا أن لا نستغرب حين نكتشف اليوم أن معظم (التوراتيون) هم وراء معظم المفاسد الأخلاقية والإجتماعية التي ألمت بالأمم والشعوب. حيث شكل هذا النهج الإفسادي الخلفية اللا أخلاقية التي تحكمت بأدبيات الشرعية الدولية ومنظماتها التي إختصت بحقوق الإنسان. والحقيقة أن كهنة (التوراة) قصدوا من تكرار فعل الدياثة في كتابهم, لإظهار (إله التوراة) بمظهر الشهم المدافع عن عفة نساء (أنبيائه) الهرمات, اللاتي إستخدمن أجسادهن الذابلة لإبتزاز الملوك المولعون بالهرمات, بهدف الحصول على المقابل الذي كان يدفعه الملوك خوفاً من إنتقام هذا (الإله) المصنوع في حواري بابل, لذلك كان الدفع سخياً بما لا يتلائم مع القيمة التي تستحقه هذه النساء الهرمات. لكن أن يخاف الملوك ويرتعبون من (إله) يجهلونه ولم يسمعوا به, والذي لم يكن في أي حال من الأحوال يعني شيئاً لهم في عباداتهم, فلذلك قضية أخرى إبتدعها الكهنة وهم يدونون قصص (التوراة) من الكم الذي سطوا عليه, وجمعوه من قصص وحكايات الشعوب القديمة, لذلك أظهروا تلك (الآلهة) وكأنها هيّ ذاتها المدافعة عن شرف نساء (الأنبياء) وليس (إله التوراة). وإلا كيف نستطيع أن نبرر ما ينتاب الملوك من رعب جراء دفع الهرمات إلى سرائرهم, ليكتشفوا بعد ذلك أنهم نساء (أنبياء التوراة) الذي لا يعنيهم في عباداتهم, كما أن هؤلاء (الأنبياء) لم يأتوا إليهم بفضيلة واحدة تقنعهم بنبوتهم, اللهم إلا إذا إفترض الكهنة أن الليله المجونية التي يعرضها (أنبياء التوراة إبراهام وإسحاق) على الملوك هيّ فضيلة, ممكن أن تقنع الآخرين بنبوتهم فيدفعون أكثر إليهم بعد أن يرعبهم ذاك (الإله) المجهول, فيرجعوا إليهم زوجاتهم خوفاً من ذلك المجهول الذي سيؤرق عليهم نومهم. لتكون النتيجة مكافأة النبي على فعلة الدياسة ومباركة هذا المجهول المتحول بين (آلهة الشعوب). وهذا ما بورك عليه (أبراهام) بعد دياثته مع فرعون مصر, بحسب ما ورد في (سفر التكوين-12-2-3) الذي ذكر الآتي:” وأجعلك أمة عظيمة وأباركك, وأعظم أسمك وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض”. الأمر الذي يجعلنا نتأكد أن هذا النهج الإسقاطي, هو النهج الذي كرسه الكهنة في (التوراة) وأخذت به العشيرة كنهجاً مقرر تعميمه على كل شعوب العالم. لذلك جعل الكهنة (أبراهام) يكمل مشوار دياثته إلى القرية الفلسطينية جرار بعد مهمته الناجحة في مصر. ولا عجب بعد ذلك أن يكرر (أبراهام) نفس صنعته الفاجرة مع ملك جرار المسكين أبيمالك. وهكذا بنفس الآلية والوضاعة الكهنوتية يخبرنا (التوراة) بإصرار ودون ملل من التكرار, أنه عندما حل (أبراهام) في أرض غربته كنعان, إدعى للمرة الثانية أن زوجته ساراي هيّ أخته, ليقدمها طمعا بمردود يمكن أن يحصل عليه من أبيمالك, بحسب ما ذكر في (سفر تكوين-20-1-7), الذي نص على الآتي:

” وانتقل إبراهيم من هناك إلى أرض الجنوب وسكن بين قادش وأشور وتغرب في جرار. وقال إبراهيم عن سارة إمرأته هي أختي. أرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ ساراي. فجاء (الله) إلى أبيمالك في الحلم بالليل وقال له ها أنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها فإنها متزوجة ببعل. ولم يكن أبيمالك قد إقترب منها. فقال أمة بارة تقتل؟ فقال له (الله) في الحلم أنا أيضا علمت أنك بسلامة قلبك فعلت هذا. وأنا أيضا أمسكتك عن تخطأ إليّ لذلك لم أدعك تلمسها. فلآن رد إمرأة الرجل فإنه نبيّ فيصلي (صلاة الديوس) لأجلك فتحيا. وإن لم تردها فإعلم أنك موتا تموت أنت وكل من لك”. فيقول أبيمالك (لإله التوراة) بحسب نفس السفر:” ألم يقل هو لي إنها أختي. وهي أيضاً نفسها قالت: هو أخي. بسلامة قلبي ونقاوة يدي فعلت هذا (وكأنه كان حينها يدافع عن برائته أمام إلهه على الخط الساخن وليس أمام إله التوراة)”. وهكذا إستدعي أبيمالك قومه وعبيده وأخبرهم بما جرى معه. فأخذ أبيمالك غنما وبقرا وعبيدا وإماء وأعطاهما لابراهام. ورد إليه ساراي أمراته. وبذلك بنى (أبراهام التوراة) عظمته بحسب ما ذكره الكهنة في كتابهم من مردود الدياسة الذي جعله الكهنة وفيرا في كتابهم. فأمام هذه القصص الوضيعة التي أظهر الكهنة فيها (أبراهام) وكأنه إمتهن فنون الرذيلة والمتاجرة بزوجته الهرمة ساراي. نأكد على ما أشرنا إليه سابقاً عن حقيقة البيئة التي نهل منها الكهنة همجيتهم التي أسقطوها على شخصيات (التوراة). لكن ما يلفت الإنتباه في هذا النص, هو إعتراف الكهنة بالثقافة العالية التي تمتع بها أهل فلسطين وخصوصا ملك جرار ابيمالك. حيث مثلت هذه الأخلاقيات حقيقة ثابتة لم يستطع الكهنة العبور عنها وإنكارها, أو تشويهها بفضل ما علق في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة عن أخلاقيات أهل فلسطين بجميع التسميات التي أطلقها عليهم المؤرخون الجدد, بفضل ما تركه أنبياء الله ورسله من رسالة ربانية في الأرض المباركة, عظمت مكارم الأخلاق ورفعت من قيمة الفضيلة والتسامح بين الممالك المتصارعة على إمتلاك أرض خصبة, أو على إمتلاك معدن في تلك الأرض كان حينها نفيساً, أو على مرتفع ممكن أن يعطي ميزة أفضل, لدفاع ضد المتسللين العابرين بين حدود الممالك الذين ينشرون الفوضى والإضطرابات. ولعل الكهنة أرادوا بذلك أن يجاروا واقعا ملموسا شكل عرفاً تناقلته الشعوب القديمة حول مكارم أخلاق الأرض المباركة, معتقدين أن ذلك قد يعطي مصداقية أكبر لحكاياتهم الساقطة والفاقدة لتلك المصداقية, للعبور منها إلى وضع يسمح لهم الموائمة بين حقيقة كرم أهل فلسطين التي تمثله قرية جرار, وبين نوعية الإبتزاز وحجم المردود الوفير الذي سيحصل عليه (أبراهام) من فعل الدياثة. لذلك لم يستطع كهنة (التوراة) وهم يدونون نسب العبور إلى سلالة الأنبياء, من إنكار هذه الحقيقة الثابتة والمحفورة في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة, أو تشويه أخلاقيات أبيمالك الذي كان في هذا النص أكثر رفعة وقيمة وشرفاً من (نبيهم ابراهام), أو من هرمته ساراي التي تجاوزت من العمر الثمانين عاماً حين إدعت أنها أخت (ابراهام), لتستفيد من ليلة مجونية وكثيراً من العطايا. وبجواز سفر مؤقت يؤهلها وزوجها الديوس من لجوء غربة في قرية جرار.

لكن بمقابل هذا الكرم الفلسطيني يبرز الحقد (التوراتي) على أهل فلسطين في نهاية هذه القصة, حيث كافأ (إله التوراة) الكرم المنقطع النظير الذي مثله الرجل الفلسطيني الطيب أبيمالك, بتغريمه بالعقم هو ونساء كل بيته (الذين لا ذنب لهم), لمجرد أنه فكر بتزوج ساراي الهرمة وسترها بين أهله بعد أن كانت معروضة عليه كعاهرة, وهذا ما أكده (سفر التكوين-20 -18), حيث نص على الآتي:” لأن الرب كان قد حبس كل رحم في بيت أبيمالك بسبب ساراي امرأة إبرام”. لكن هل إنتهت الحكاية عند هذا الحد, وإكتفى الكهنة بهذا السرد الممل والساقط وهم يربطون نسب العشيره بأرض غربتهم. أم كان خراج الدياثة وفير, فقرر الكهنة تكرار سردها في (التوراة) مع هرمة أخرى هيّ رفقة زوجة (إسحاق). ليمثل ذلك المناسبة الثانية التي ربط الكهنة (إسحاق والد يعقوب المتحول إلى إسرائيل) بأرض فلسطين. وتعود قصة هذا الربط إلى إصرار الكهنة بأن يسيروا (إسحاق) على خطى آباه في مشوار الدياسة التي تأتي بالكسب الوفير, ليصنعوا منه كذلك (عظيماً) يقنع الآخرين بنبوته, لذلك جعلوه يعرض زوجته الهرمة الأخرى رفقة قبل أن يظهروها شاكية وباكية ونادبة حظها, على نفس الرجل الطيب الذي حكم عليه (إله التوراة) بالعقم في قصة (أبراهام). والغريب أن يبقى هذا الرجل (المحكوم عليه بالعقم) هو نفسه ملكاً على قرية جرار بعد أكثر من نصف قرن من زمن قصته الأولى مع (ابراهام), ويتمتع بنفس اللياقة والولع بالهرمات المعروضة عليه في سوق الدياثة (التوراتية). ولتأكد من ذلك فالنتابع معاً النصوص التالية: فكان أبرام وقت أن ولد له إسحق, مغتربا في أرض الفلسطينين. وكانت غربته في أرض الفلسطينيين أياما كثيرة (تكوين-21-24), هذا يعني أن الفترة الزمنية التي ولد فيها (إسحاق بحسب التوراة) حدثت بعد حصول فعل الدياثة مع أبيمالك الذي كان بطلها والده (أبرهام). كما ورد في (سفرتكوين-5-21):” وكان إبراهام إبن مئة سنة حين ولد له إسحق”. ثم يذكر (سفر تكوين-25-20):” وكان إسحق إبن أربعين سنة لما إتخذ لنفسه زوجة رفقة بنت بتوئيل الأرامي أخت لابان الأرامي من فدان آرام”. ثم يكمل ويذكر أن بعد عدة سنين حدث جوع في البلاد, فرحل اسحق إلى مدينة جَرَارَ, حيث أبيمالك كان ملكاً عليها. كل ذلك يؤكد أن بينما كان الكهنة يكتبون (التوراة) تداخلت عليهم غزارة المسلوبات, فنسوا ما تم سرقته سابقا ودونوه في قصة (ابراهام) مع فرعون وأبيمالك, ليعيدوا تدوينه من جديد بين (إسحاق) وأبيمالك, فارضين بذلك واقع فوضوي أظهروا فيه أهل قرية جرار وملكها بمظهر من تنطلي عليهم الحيلة أكثر من مرة. ولا عجب في ذلك ما دام الكهنة أسقطوا على (إلههم) خاصية النسيان في مناسبات عديدة في (التوراة). لكن هذه الفوضى الفريدة التي إنتابت كهنة اللبن والعسل وهم يهرولون خلف (إلههم) يجمعون الغنائم الوهمية التي نجمت عن إبتزاز الملوك المولعون بالهرمات, وتكرار نفس القصص مع إختلاف شخصياتها. تطرح إستغرابا جديا على القاريء وخصوصا إذا ما علم أن (التوراة) خضع للكثير من المراجعة والتنقيح والتحقيق لمرات عديدة وفي أزمنة مختلفة حتى خرج بشكله النهائي. فهل حقاً لم يلاحظ, أو يندهش, أو يستغرب أحدا من المحققين, أو المنقحين, من مثل هذا التكرار في القصص الثلاثة المتشابهة الذي لا يقبله عقل سليم. ليتم تصحيحه وحذف مثلاً قصة إشراك أبيمالك في عملية إبتزاز أخرى.

لتبقى النصوص الثلاثة كما هيّ معبرة عن واقع دياثة حقيقي ينتاب من كتب ونقح وحقق هذه القصة أو غيرها, ليشرك فيها الأب مع فرعون أولاً ومن ثم الأب والإبن مع أبيمالك. بحيث جعل الكهنة من أبيمالك مكسر عصى يحقق لهم إدعاء عبور العشيرة المفترضة إلى فلسطين. ولتأكد من ذلك كتب الكهنة في القصة الأولى: وحدث لما قرب ان يدخل مصر (المقصود ابراهام) انه قال لساراي إمرأته أني قد علمت أنك إمراة حسنة المنظر. قولي أنك أختي ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك. وفي القصة الثانية: قال أبراهام عن سارة إمراته هي إختي فأرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة… ألم يقل هو لي أنها أختي وهي أيضا نفسها قالت هو أخي. وفي القصة الثالثة: وسأله (المقصود إسحاق) أهل المكان عن إمرأته فقال هي إختي لأنه خاف أن يقول إمراتي, لعل أهل المكان يقتلونني من أجل رفقه لأنها كانت حسنة المنظر. فنلاحظ أن القصة في مواقعها الثلاثة هيّ نفسها, وإن تكررت مع شخصيات عديدة, وفي ظروف وأمكنة وأزمنة مختلفة. كما كان رد فعل الملوك هو نفسه وإن إختلفت عباداتهم ونظرتهم لفعلة (أبراهام أو إبنه إسحاق), فصنعوا لهم خيرا وصار عندهم غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وإتن وجمال, كما ردوا لهم زوجاتهم الهرمات وإن إدعوا بأنهن جميلات. لكن أن تكرر القصة مع أبيمالك وليس مع فرعون. فذلك له علاقة مع أي من (الآلهة) ستجري المقايضة على أرض فلسطين. (فإله) فرعون في هذه المقايضة لا يعني للكنعانيين شيئاً, لذلك لن يكون طرفاً فاعلاً بهذه المقياضة وإن كان حضوره مهم في المشاهد (التوراتية) الأخرى. لكن هذا الأمر ليس له أهمية كبرى في مجال تشريع إغتصاب فلسطين. ولإحداث هذا التشريع كان على الكهنة من تكرار قصة الدياسة مع أبيمالك. لإظهار إيل (الإله) الذي عبده الكنعانيين على المشهد في المسرح (التوراتي) لأهميته في هذه المرحلة من التدوين, لأن هذا الأمر يمهد للكهنة بعد هذا الإظهار من العبور إلى إسرائيل, كون أن كلمة إيل هي إحدى الجزور المركبة لكلمة إسرائيل. وهذا الإحتمال هو الأقرب إلى منطق الكهنة الباحثين عن أرض فلسطين, وما يؤكد ذلك هو أن (يعقوب إبن إسحق) هو بعينه الذي سيتحول في المصارعة الوهمية مع (إله التوراة) إلى (إسرائيل). وكلمة إسرائيل مشكلة من جزري (إسرا- ئيل) التان تعنيان بلهجات المنطقة عبد إيل, وإيل بحسب ما إعتقد به بعض علماء الحديث هو إسم الله في لهجات المنطقة, ليتم من خلال هذا الإعتقاد الموائمة بين ما عبدته هذه العشيرة وهو ذاك (الإله) المركون في حواري بابل, وبين ما عبدته بني إسرائيل التي كرمها رب العزة بأنبياء ورسل مبجلين, وهذا ما سنكتشف حقيقته لاحقاً. لكن يخطأ من يعتقد أن (إيل) هو إسم الله في اللغة العبرية, لأن هذه اللغة لم تكن موجودة حينها, وحين إستحدثت أطلقت على (إله التوراة) إسم (ءلهيم) وليس إيل, كما أن رب العزة في كتابه العزيز لم يذكر العبريين بالإسم, أو يخص اليهود باللغة بالعبرية. وأعتقد أن (اليهود) هم من كان وراء هذا الإدعاء. للقول أن إيل الذي عبدته بعض المدن الكنعانية وأدعيّ بأنه إسم الله في لهجات المنطقة, هو ذاته (إله التوراة) الذي عبدته العشيرة.

لكن ما يفضح هذا الإدعاء هو ما كتبه الكهنة على لسان (يعقوب) في (سفر تكوين-28-20-21) الذي نص على الآتي:” إن كان هذا الإله معي وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه وأعطاني خبزاً لآكل وثياباً لألبس ورجعت بسلام إلى بيت أبي يصبح لي إلهاً”. حيث يوضح هذا النص أن (يعقوب) حين قَبِلَ أن يكون عبداً لإيل المجهول إليه, إشترط على إيل أن يقنعه بإلوهيته من خلال توفير الطعام واللباس له في طريقه إلى بيت أبيه. الأمر الذي يثبت أن إيل كان غريباً عن (يعقوب) كما هو الحال بالنسبة إلى أبيه وجده. لذلك وضع هذا (الإله) تحت تجربة إثبات إلوهيته أمام (يعقوب), الأمر الذي يسقط إعتقاد بعض علماء الحديث سابق الذكر, ولعل الكهنة حققوا (ليعقوب) في كتابهم شرطه في التحول إلى عبد إيل, إذ جعلوه يأكل في الطريق من نبات الأرض ويكتسي بجلد الحيوانات النافقه. لذلك حين نام بعد عناء السفر والهروب من أخيه: إستيقظ مبكرا وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه, وأقامه عامودا وصب على رأسه زيتا. دعا إسم ذلك المكان بيت إيل أو بيت الله (بحسب تكوين-28-18-19). لكن الغريب في ذلك هو أن بيت إيل كانت مدينة مقدسة عند الكنعانيين قبل أن يدعي الكهنة بأن (يعقوب) هو من أطلق عليها هذه التسمية. لكن هكذا أراد الكهنة أن يدونوا في كتابهم ليتسنى لهم إطلاق عبد إيل على (يعقوب) الذي أقنعه إيل (بإلوهيته). وهكذا دخلت لفظة إيل ضمن مجمل مسلوبات (التوراة), ليَعْبُر منها الكهنة إلى إسم إسرائيل. هذا الإسم الذي حمله الرجل الصالح الوارد ذكره في القرآن الكريم وأختصه رب العزة بآيات كريمة ذكرت قومه في عديد من الأحداث. وفي ذلك يقول الكاتب (شفيق مقار- مرجع سابق-220) الآتي:” من الحيل القميئة الغريبة التي تثير الشفقة في كتابات الباحثين الأمميين لما تفصح عنه من عبودية فكرية وإنصياع للتلفيقات التي لجأ إليها الشطار من اليهود طلباً للتعمية والتمويه عن وقائع كاشفة من تاريخ التيه الديني, حيلة تحريف إسم بيت إيل بإدماج المقطعين لإخفاء إسم إيل لتصبح الكلمة بتل. بقصد إخفاء عبادة إيل الذي عبده الكنعانيون”. الأمر الذي يشير أن تسمية إيل سطى عليها الكهنة من عبادات الكنعانيين. وهكذا بعملية إحتيال رخيصة مهد الكهنة للعشيرة المفترضة والعابرة (بحسب التوراة) من أور الكلدانيين إلى حاران ومن ثم إلى كنعان, التحول من إحدى العشائر الأرامية المفترضية إلى عشيرة بني إسرائيل المعروفة. وبذلك إعتقد كهنة (التوراة) أنهم حققوا حاجاتهم الدنيوية من هذا الإدعاء, من خلال تحويل إسقاطاتهم المرضية إلى ميراثا كهنوتيا, يستفيد منه كل من إنضوى في العصابة (اليهودية) التي سيطلق عليها زورا لقب بني إسرائيل. ومن أجل إحداث هذا العبور حول الكهنة خط سير (اسحاق) إلى جرار القرية الفلسطينية.

وفي ذلك ذكر سفر التكوين الآتي:” اسكن فِي الأرض التي أقول لك. تغرب في هذه الأرض فأكون معك وأباركك, لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد, وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهام أبيك. وأكثر نسلك كنجوم السماء, وأعطي نسلك جميع هذه البلاد, وتبارك في نسلك جميع أمم الأرض, من أجل أن أبراهام سمع لقولي وحفظ ما يحفظ لي: أَوامري وفرائضي وشرائعي. فأقام إسحاق في جرار”. أما كيف تم تنفيذ عملية الدياثة (المباركة) فيخبرنا (سفر التكوين-26-1-2), بالآتي:” وكان في أرض جوع غير الجوع الأول ألذي كان أيام أبراهام. فذهب إسحق إلى أبيمالك ملك الفلسطينيين إلى جرار. وظهر له الرب وقال لا تنزل إلى مصر”. ويخبرنا (التوراة) بعد ذلك, أن عندما سأل الفلسطينيون (إسحاق) عن رفقة فأجاب الإجابة المعتادة, والتي كررها أنبياء (التوراة): أنها أختي, وهذا ما أكده (سفر التكوين- 26-7-11):” وسأله أهل المكان عن إمراته. فقال هي إختي…”. وحدث إذ طالت له الأيام هناك أن أبيمالك ملك الفلسطينيين أشرف من الكوة ونظر وإذا إسحق يلاعب رفقة إمرأته. فدعا أبيمالك إسحق وقال إنما هي إمرأتك. فكيف قلت هي إختي. فقال له إسحق لأني قلت لعلي أموت بسببها. فقال أبيمالك ما هذا الذي صنعت بنا. لولا قليل لإضطجع أحد الشعب مع إمرأتك فجلبت علينا ذنبا. فأوصى أبيمالك جميع الشعب قائلا الذي يمس هذا الرجل أو إمراته موتا يموت”. وما يلفت الإنتباه بهذا النص الساقط هو ما تقوله الكهنة على لسان ابيمالك (الذي يمس هذا الرجل أو إمراته موتا يموت). إذ جعلت الشرعية الدولية فيما بعد من هذا النص نهج تشريع السامية الذي فرض على كل الدول المنضوية تحت لوائها. حيث تكرس هذا النهج من خلال توقيع جميع هذه الدول على مباديء حقوق الإنسان الذي لم تشمله خارطة طريق العشيرة. كما إشترط على الدول الموقعة على هذه المباديء أن ترضى بفعلة الدياثة (التوراتية) على أنها فعلا مباركا, ليعطى متنفساً لشواذ العالم للمطالبة بعولمة شذوذهم على أنه كذلك فعلاً مباركا. ومن أجل ذلك شرعت قوانين وشكلت لجان دولية لتشريع الحاجة المرضية لشواذ العالم, التي هيّ بالأساس حاجات مرضية لكهنة (التوراة). وكأن هذه الحاجات هي المقياس المثالي التي تصبو إليه البشرية في عصر العولمة. وفي سبيل ذلك أنتجت قوانين وفلسفات وطروحات ومصطلحات جديدة هيّ بعيدة كل البعد عن موازين الفطرة الإنسانية, تمثلت في إستحداث المؤسسة الدولية لمصطلح الجندر, الذي قصد منه رفض الإعتراف بأساس الجنس البيولوجي لكل من الرجل والمرأة, حيث أعطي هذا المصطلح الحق لكل إنسان في حرية إختيار نوع جنسه. وصاغ رجال القانون الدولي والمفكرين والمثقفين (التوراتيون) تشريعات كان من نتائجها تغيير تصنيف العلاقة بين الرجل والمرأة, من علاقة طبيعية تعتمد على الفطرة الإلهية, إلى علاقة غير طبيعية منافية لكل ما هو فطري, بل وصل الأمر الى حد السماح بالتدخل الجراحي والهرموني لتحويل رجل مكتمل الرجولة طبيا الى امرأة وبالعكس.

ولعل هذا الأمر لم يكن ليمر بهذه البساطة لو لم يلقى تشجيعاً من (التوراتيين) القائمين على رأس الشرعية الدولية, الذين تمادوا أكثر في تعميم همجيتهم, فطرحوا مصطلحات جديدة مثل مصطلح المتعايشين, الذي أريد منه أن يكون بديلا لكلمة المتزوجين, ومصطلح ألأب الشرعي (Biological Father) إعترافا من الشرعية الدولية بوجود أب غير شرعي, ومصطلح التدخل الوظيفي (Patriarchy) الذي يفرغ التربية الأسرية من محتواها الإنساني, وينكر الإحساس الفطري الذي يشعر به الوالدين إتجاه أبناؤهم. ومصطلح علاقة القوة (Power relation) لوصف العلاقة الزوجية, وإظهارها على أنها علاقة بين مُستَعمِر ومُستَعمَر. ومنحت المرأة حق تملك جسدها بعيدا عن الضوابط الدينية أو الأخلاقية. ليصل هذا الحق إلى حد إعطاء المرأة الحرية في رفض الإنجاب والرضاعة ورفض ممارسة الأمومة ورعاية أولادها. كما أعطيّ الحق للمرأة بإطلاق رغباتها الجنسية, وممارسة الشذوذ والزواج المثلي. وشوه مفهوم الأسرة لتكون هناك أسرة تقليدية, وأسرة غير تقليدية تعبر عن اللا نمطية ألتي توصف الحالة التي تجمع بين الشاذين جنسيًا, أو تلك التي تجمع بين المجموعات الإباحية التي تعيش على خشبة مسرح (التوراة). حتى أصبح الديوس الذي يعرض زوجته على الآخرين بقصد الكسب المادي, هو متدين لأنه جعل من (أنبياء التوراة) مثالا أعلى يقتدى به. وهكذا تم الترويج لدياثة (إبراهام وإسحاق) على أنها ثورة حقيقية في مجال حقوق الإنسان, سبق حدوثها التشريع العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في 1011948. لذلك كوفأ (التوراتيون) أصحاب هذه الثورة الفجورية بإعتراف الأمم المتحدة بدولتهم التي شرعتها دياسة (أنبياؤهم) بعد أربعة شهور من هذا الإعلان. وكوفأ الشعب الفلسطيني الذي كان بينهم أحفاد الرجل الطيب أبيمالك بأن صمتت الشرعية الدولية على كل المجازر المرتكبة في حقهم, لأنها كانت فعلاً (مبارك) يمهد للعشيرة إعلان دولة (إسرائيل) في 1551948. وكوفأت شعوب العالم التي حاربت فجور العشيرة بعولمة همجية الإفساد والفجور في مجتمعاتها, حتى غدت دياثة (أنبياء) العشيرة (التوراتية) صورة متكررة في كل دور البغاء وأوكار الدعارة, والكازينوهات, وفي البنوك والمؤسسات الربوية, بل في إدارة معظم الأحزاب والمنظمات السرية التي تفرز النخب الحاكمة في معظم دول العالم. حيث أصبح هذا النهج الهمجي هدف يسعى إليه كل من يريد الوصول إلى مواقع السلطة في كل الدول التي تشكلت منها المؤسسة الدولية أو أدخلت إلى هذه المؤسسة فيما بعد. وخصوصاً بعد أن عزفت هذه المؤسسة على ألحان (مزمور141- 2-8) منشدة نشيد صهيون:” ليبتهج بنو صهيون بملكهم. ليسبحوا إسمه برقص. بدف وعود ليرنموا له. تنويهات الرب في أفواههم وسيف ذو حدين في أيديهم. ليصنعوا نقمة في الأمم وتأديبات في الشعوب”. من كل ذلك نستنتج أن ما بنيّ على قاعدة الإدعاء بأن (يعقوب) هو إسرائيل, هو من كان خلف كل المفاسد التي ألمت بالبشرية, وهذا ما يدفعنا للعودة في البحث عن هروب اللص (يعقوب) من أرض غربة أبيه إلى أرض حاران التي شكلت محطة ترانزيت للعشيرة المفترضة.

حيث يخبرنا (التوراة) عن أن (يعقوب) هرب وحيداً بعد تآمره على أخيه, فذكر في (سفر التكوين-28-10-15) الآتي:” فخرج يعقوب من بئر السبع. وصادف مكانا وبات هناك لأن الشمس كانت قد غابت, وأخذ من حجارة المكان ووضعها تحت رأسه فإضجع في ذلك المكان. ورأى حلما وإذا سِلَمْ منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء. وملائكة الله صاعدة ونازلة على السلم. ورأى الرب واقفا عليها, وقال له الرب إله إبراهام وإسحق الأرض التي أنت مضجع عليها أعطيها لك ولنسلك. ويكون نسلك كتراب الأرض, وتمتد غربا وشرقا وشمالا وجنوبا. ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض. لأني لا أتركك حتى أفعل ما كلمتك به”. وهكذا وعد (إله التوراة) وهو متأبط سلمه المدود من السماء خوفاَ من السقوط, أن يعطي (يعقوب) أرض فلسطين في كل الإتجاهات. ويكثر نسله كتراب أرض غربته. لكن الغريب في هذا النص الصبياني الذي يتحدث عن حلم جرى في مخيلة لص هارب لوحده. هو كيف علم به الكهنة ليؤرخوا هذا الحلم في كتابهم ويصبح بعد ذلك وعداَ بإمتلاك الأرض المباركة, وليشمل فيما بعد مجمل المخطط (التوراتي) العالمي الذي سيطر على الأحداث التي فرضت نفسها على حروب العالم في القرون الثلاثة الماضية. بالرغم من عدم إكتشاف في كل وثائق التاريخ ومجمل الإكتشافات الأثرية في فلسطين وحولها, لو مجرد إشارة واحدة توضح حقيقة هذا الإستدلال أو تفاصيل حلم (يعقوب). ليتم تناقله كخبر عاجل في (التوراة) الذي طبع منه عشرات الملايين من النسخ, وليوزع على كل الكنس وبعض الكنائس ومعظم مراكز الأبحاث اللاهوتية وغيرها من المحافل (التوراتية). ولعل هذا الحدث لم يأخذ هذا البعد العالمي لو لم يكن لدى كهنة بابل قمر صناعي ومراسلين ينقلون أحداث نزول (إله التوراة) على سلمه (سلمة بعد أخرى), وهو متأبطً خشبات هذا السلم الممدود من السماء, خوفا من أن تكون هناك مجرد (سلمة) واحدة مكسورة, تنزلق من عليها إحدى قدماه فيقع وتنكسر رقبته, أم ترى أن هذا (الإله) كان خائفاً من أن يشاهد نزوله أحد أهل الأرض المباركة فَينهَرَ عليه, ليعود أدراجه هارباً وتذهب أحلام الكهنة في تشريع إغتصاب فلسطين هباءاً منثورا. لذلك جعلوا من (إلههم) يردد على جناب السرعة كلمته المعهودة: الأرض التي أنت مضجع عليها أعطيها لك ولنسلك. وأسرع هارباً في أحلام الكهنة. بعد أن غطى له الكهنة طريق هروبه بإنهاء بثهم الفضائي, فإنقطع بذلك حلم (يعقوب) على الجملة التالية:” حقا أن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم”. وكأن الكهنة أرادوا القول بأن هذا اللقاء الخاطف الذي حدث على السلم بالصدفة كان بمثابة لقاء صدفة وخاطفة لم يتمكن الغريبين ( يعقوب وإله التوراة) من التعرف على بعضهما عن كثب. الأمر الذي يمهد لتعارفهم في القصة التالية التي يسأل كل منهما الآخر عن حقيقة إسمه. وما يؤكد ذلك هو أن (يعقوب) لم يعلم بأن (إلهه) موجود في هذا المكان بعد أن تركه هناك في بيت أبيه. الأمر الذي يعني أن (اليهود) جعلوا من (إلههم) يقبع في حواري الكهنة فقط. ورغم ذلك وبحسب سياق هذه القصة نجد أن (الإله) الذي جعله الكهنة يتحدث في هذا النص هو (إله التوراة) المتقمص شخصية إيل الذي عبده الكنعانيين. والمستغرب أن يجعل الكهنة من هذا (الإله) الذي يخص عبادات الكنعانيين مُصر إصراراً منقطع النظير وبلا رحمة ولا شفقة على الكنعانيين الذين يعبدونه (بحسب السرد التوراتي), أن يعطي أرضهم لأولئك الغرباء الذين لا يعبدونه, والعابرون بين الحدود يبحثون عن لقمة يأكلونها أو عن كسوة يلبسونها أو عن (إله) يسرقونه! أو عن حلم إسقاطيّ يحقق لهم وعداً بسرقة أرض فلسطين, أو عن وسيلة ركوب تنقلهم إلى محطة الترانزيت في حاران التي أكمل يعقوب طريقه إليها. حيث تزوج هناك بأبنتيّ خاله لابان. وبعد أن قضى عند خاله بحسب ما ذكره (التوراة) عشرون عاماً يتزوج ببناته وخادماتهم بالجملة, سرق بعدها كل ما كان يملكه هذا الخال من مقتنيات ومواشي وأصنام وأموال, وهرب بها خلسة إلى أرض غربته كنعان. وفي ذلك ذكر (سفر التكوين-30-17-21) الآتي:” فهرب (يعقوب) هو وكل ما كان له (المقصود كان لخاله) وقام وعبر النهر وجعل وجهه نحو جبل جلعاد”.

وفي طريق هروبه حدثت المصارعة التي خطط لها الكهنة بعناية فائقة. والتي تم إنهائها بصفقة كهنوتية أخرجت اللص الهارب (يعقوب) غير مهزوم لكنه مباركا وإسمه (إسرائيل). كما خرج (إله التوراة) منها شبه منتصر بعد جعل يعقوب يخرج من هذه المصارعة خامعاً. ولتأكد من كل ذلك دعنا نتابع أحداث المصارعة التاريخية بحسب ما وردت في ( سفر التكوين-الإصحاح- 32) :”… فبقى يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر, ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فإنخلع حق فخذ يعقوب فى مصارعته معه, وقال: أطلقني! فقال: لا أطلقك إن لم تباركني! فقال (المقصود إله التوراة) له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب. فقال: لا يدعى اسمك فى ما بعد يعقوب بل إسرائيل. وسأل يعقوب وقال: أخبرني بإسمك؟ فقال: لماذا تسأل عن إسمي؟ وباركه هناك. فدعا يعقوب اسم المكان فينيئل. قائلاً: لأني نظرت الله وجهاً لوجه ونجيت نفسي”. الأمر الذي يبيّن مدى جهل هذا (الإله) بنبيه لذلك سأله عن إسمه, كما يبين جهل هذا (النبي) بإسم (إلهه), لذلك قال له أخبرني بإسمك! حيث يفضح هذا التعارف بين الغريبين, حقيقة (الإله والنبي) معاً, وخلفية هذه القصة التي كتبت في (التوراة) بهدف العبور (بيعقوب) إلى إسرائيل. لكن أن يكمل الكهنة ويقولوا بعد ذلك في (سفر التكوين-32-30-33) الآتي:” لذلك لا يأكل بنوا إسرائيل (المقصود العشيرة المفترضة) عرق النسا الذي على حق الفخذ إلى هذا اليوم (المقصود التاريخ الذي كتب فيه التوراة), لأنه (الرب) ضرب فخذ يعقوب على عرق النسا”. فذلك يجعلنا نستوقف قليلا, لنسأل عن الوقت الضائع بين زمن تلك المباراة الوهمية وزمن كتابة (التوراة) الذي يفضح حقيقة هذا الكتاب الذي إحتوى مثل هذا النص الوضيع والصبياني. بحيث خرج هذا النص من إيطار زمان ومكان المباراة, إن كان لهذه المباراة زمان ومكان, ليصل إلى زمان ومكان التدوين, وكأن حلبة المصارعة نصبت بعد ألف وخمسمائة سنة (بحسب تواريخ التوراة) في حواري بابل, ليتصارع عليها (إله التوراة ويعقوب) الغريبين عن بعضهما قبل ألف وخمسمائة سنة, أمام المشاهدين من كهنة بابل بعد ألف وخمسمائة سنة. وفي وسط هذا المدى من التلفيق نستطيع أن نتخيل الصورة الصبيانية التي حاول الكهنة قولها, وكأنها كانت كالآتي: كاد (يعقوب) المغترب في أرض فلسطين وسط اللكمات والضربات المتتالية والقفزات الإحترافية, أن يغلب (الإله) الغريب عنه والمركون في الحواري بالضربة القاضية, بعد أن نفذ قفزة بهلوانية تمكن فيها من الإنقضاض على رقبته محاولا خنقه. ولكي ينقذ نفسه هذا (الإله), قال (ليعقوب) أطلقني, لكن (يعقوب) لم يفوت هذه الفرصة السانحة دون أن يستفيد منها, ويقايض عليها بتغيير إسمه الذي قد يكون يخجله, إلى إسم قد يظهره بطلاً للعشيرة. لذلك رد عليه (يعقوب) قائلاً: لن أطلقكك إن لن تباركني (في هذه اللحظة علم يعقوب أنه يصارع الإله). ولعل الكهنة أدركوا وسط هذه المعمعة أن خروج (إلههم) من هذه المصارعة مهزوما لا يستقيم مع الهدف المرجو من هذه الحكاية, وخصوصا في إقناع العشيرة المفترضة بأن (الإله) الذي صارعه (يعقوب) هو (إلهها) الذي شرع لها إغتصاب فلسطين. لذلك كان لا بد من التلاعب بإحداثيات الزمان والمكان, كما تم التلاعب بنتائج جولات هذه المبارة, من خلال عقد صفقة لا غالب ولا مغلوب, تقنع العشيرة المفترضة بإلوهية (إله التوراة) و(بنبوة) بطل العشيرة المفترض (يعقوب). الأمر الذي ينجم عنه إدخال العشيرة المزمع تشكيلها من بطلها (يعقوب) بنسب بني إسرائيل, من خلال الإدعاء بأن (يعقوب) خرج من هذه المباراة يحمل إسماً آخراً هو (إسرائيل). لكن لكي يستقيم هذا الإخراج كان على (يعقوب) أن يقبل بإعطاء (إلهه) نصرا وهميا, تكون علامته خروجه من هذه المباراة وهو يخمع. وهذا يشير إلى أن (إله التوراة) بعد إنهاء الصفقة إستطاع أن يتحرر من لقطة (يعقوب) البهلوانية. ويوجه له ضربة مزلزلة تحت الزنار خلعت ركبة (يعقوب). وهكذا حل الكهنة معضلة إعطاء عشيرتهم المفترضة نسب بني إسرائيل, ليتم تحميلها كل الملفات التاريخية والدينية الخاصة في بني إسرائيل, والمتناقلة في الذاكرة الشعبية للشعوب التي خرجت من بلاد بين النهرين, أو تلك الشعوب التي خرجت من شبه الجزيرة العربية. كما حلت المشكلة لبعض علماء السوء الذين نهلوا من هذه الأكاذيب والضلالات قصصا تناولوها في شروحات وتفسير بعض الآيات القرآنية التي ذكرت بني إسرائيل. وفي ذلك يقول الأكاديمي المتخصص في الدراسات التوراتية عبد المجيد همو في مقابلة مع مؤسسة فلسطين للثقافة أجراها وحيد تاجا في تاريخ 16102010 الآتي:” أخذت الإسرائيليات في تفسير القرآن حيزاً كبيراً عند المفسرين, ولقد إتبعوا ما قالته التوراة حرفاً بحرف وكلمة بكلمة, معتمدين أقوالها من خلال بعض اليهود الذين أعلنوا إسلامهم كوهب بن منبه وكعب الأحبار وابن جريح وعبد الله بن سلام. فقد نقلوا ما في التوراة إلى العلماء ليفسروا الإسرائيليات وإعتمدها العلماء المسلمون, لأنهم عَدُّوا اليهود أهل كتاب مع الإعتراف بأن هذا الكتاب محرف ومزور. ولكن العجب من أنهم نقلوا عن اليهود أشياء لا يقبلها العقل ولا يقرها المنطق”. وأعتقد حتى لو سلمنا بحقيقة إسلام الأسماء سابقة الذكر, فذلك لن ينفي حقيقة وضاعة المصدر الذين نهلوا منه. ولا أدري كيف أخذ بعض علماء المسلمين والكثير من المفسرين بذلك. مع علمهم أن (التوراة) هو كتاب ساقط ومكتوب بأيدي الكهنة, وهو غير التوراة الحق الذي أنزل على سيدنا موسى عليه السلام وذكره القرآن الكريم, فسقطوا بذلك بمصيدة الروايات الساقطة المذكورة في (التوراة). والتي تتنافى بكل المقاييس الأخلاقية والدينية مع الثقافة الربانية التي كرسها رب العزة في كتابه العزيز رحمة في عباده, بقدر ما تتنافى أخلاق سيدنا يعقوب عليه السلام, والرجل الصالح إسرائيل, مع تلك الأخلاقيات الساقطة التي صبغها كهنة (التوراة) على شخصية (يعقوب) الذي صارع (إلهه) وكاد أن يغلبه. حيث مثل حل هذه المعضلة مدخلاً لربط العشيرة مدعية نسب بني إسرائيل بسلالة الأنبياء المعروفين. ليتم بعد ذلك الإدعاء بأن الأنبياء المبجلين الذين أتوا لهداية بني إسرائيل, هم أنبياء خاصين بهذه العشيرة الخاصة (بالإله) المتحول بين عبادات الشعوب الوثنية القديمة وصاحب الضربة تحت الزنار. فقد كان معلوماَ لدى أهل المنطقة من الذين عاصروا فترة كتابة (التوراة) في القرن الخامس قبل الميلاد, أن النبي إبراهيم هو أب لسلالة من الأنبياء. وأن النبي يعقوب هو حفيده من إبنه إسحق. الأمر الذي جعل من كهنة (التوراة) أن يأخذوا بهذه العلاقة, لتكون هيّ الأساس المعتمد عليه في إطلاق نفس أسماء الأنبياء على شخصياتهم الساقطة التي لعبت دور (أنبياءالتوراة), وعلى هذا الأساس تم إطلاق شخصية بطلهم (يعقوب) على النبي يعقوب, ليجعلوا منه بعد أن صارع (إلهه) رمزاً إستعلائياً يمهد لهم طرح نظرية الشعب المختار. وتحقق لهم ذلك بعد أن جعلوا بطلهم ينتحل شخصية الرجل الصالح إسرائيل, التي حملت عشيرته ذاك الإرث في التفضيل الذي إختصه به رب العزة بني إسرائيل. وعلى ذلك تم الإدعاء بأن (يعقوب) المتحول إلى الرجل الصالح إسرائيل هو نفسه النبي يعقوب حفيد النبي إبراهيم صاحب هذا الإرث. ليدعى بعدها أن العشيرة (التوراتية) التي تشكلت من المؤمنين بكتاب (التوراة) هيّ عشيرة بني إسرائيل التي إختصها رب العزة بمجموعة من الأنبياء. ومهد لهم هذا الإدعاء مدخلاً للإدعاء بأن العشيرة (التوراتية) التي تكونت من آباء وأبناء (البطل) سارق إرث بني إسرائيل, هيّ عشيرة الصفوة المنتقاة من مجموعة من الأنبياء. وبذلك أسسوا نظريتهم العنصرية الإستعلائية التي زعموا فيها بأنهم شعب (الله) المختار والمفضل على غيرهم من الشعوب. وعلى هذا الأساس زعموا بأن أرواحهم هيّ جزء من روح (الإله), وأن نفوسهم منعّم عليها وهيّ جزءا من نفس (الإله), لأنهم إعتقدوا بأنها تنبثق من جوهر (الإله) كما ينبثق الولد من جوهر أبيه. كما زعموا أنهم أرفع مكانة عند (الله) من مخلوقاته حتى أنهم أعظم من ملائـكته.

وعلى هذا الأساس زعم الكهنة أن نفس كل من ينتمي لعشيرة (بني إسرائيل) تصبح أكثر قبولا وأعظم شأنا عند (إلله) من نفوس سائر الشعوب. وبذلك صنفوا البشرية صنفين, صنف علويّ يشمل صفوة البشر متكون فقط من عشيرة (بني إسرائيل), الذين اختصهم (إلإله) لنفسه, ومكلف بجمع ثروات الأمم ونفوسهم لأنها تعود بالأساس مِلكاً للصفوة. وصنف سفلي يشمل بقية شعوب العالم التي خلقت بحسب زعمهم على صورة إنسان, ليليق بهم شرف خدمة (بني إسرائيل الصفوة). وعلى هذا الأساس إعتقدوا أن تكون لهذه الصفوة السيادة العليا على جميع بني البشر, كسيادة الإنسان على الحيوان المُدجّن. فيكون الكهنة بذلك هم أول من أطلق نظرية الصفوة والإصطفاء العنصري, التي أسست لمجموعة من الحروب الطاحنة التي شهدها العالم في القرون الخمسة الماضية. وخصوصاً بعد أن بعثت هذه النظرية من جديد على يد الصهيونية المسيحية التي تم الحديث عنها في الفصل الثاني. ومن هذا المنطلق إدعى جيري فالويل أحد أقطاب هذه الحركة الذي كان عضواً في محفل الشيطان, بالآتي:” إن اليهودي هو بؤبؤ عيني الله, ومن يؤذي اليهودي كأنه يضع إصبعه في عين الله “. وهو الذي قال أيضاً:” لا أعتقد أن في وسع أمريكا أن تدير ظهرها لشعب إسرائيل وتبقى في عالم الوجود, والرب يتعامل مع الشعوب بقدر ما تتعامل هذه الشعوب مع اليهود”. والحقيقة أن هذا الطرح العنصري الذي ينضح فيه كتاب (التوراة) عبر بشكل واضح وجلي عن واقع الدونية المُعاش لمجموعة الكهنة الذين كتبوا هذا الكتاب الإسقاطي, من الذين تأثروا بنظرات الإشمئزاز التي كان يبادرها بهم البابليون القدماء, وهم يمارسون مهنة الدياسة وبيع أجساد نسائهم في سبيل الكسب المادي. لذلك أخذت نظرية الصفوة هذا البعد الإنتقامي والإجرامي ضد شعوب المنطقة التي رفضت فيهم مثل هذه السلوكيات. وعلى هذا الأساس إندفع الأبناء والأحفاد من الذين ساروا على نهج حاخامات (التوراة) إلى العدوانية الزائدة ضد الآخر الذي ميزهم بسوء خصالهم. فزادوا على (التوراة) شروحات إنتقامية وأكثروا من تأويلاتهم الهمجية والشريرة في فهمهم لنصوصه, لتشكل هذه الشروحات وتلك التفسيرات فيما بعد عماد كتاب التلمود, الذي يعد عند العشيرة (التوراتية) أعظم تقديساً من كتاب (التوراة). حيث تمحورت الشروحات والتفسيرات حول المواضيع الكهنوتية الشرعية (هالاخاه) والوعظية (أجاداه). ويعتبر (الهالاخاه) بحسب الكثير من الباحثين بأنه المصدر الأساسي لتأسيس كل منظمات عبادة الشيطان في العالم. وشيطان في العربية يعني كل عات متمرد من الجن والإِنس والدواب. والشيطان على وزن فيعال وفي الكلام مضاف محذوف تقديره كل ذي هوىً, والشطن مصدر شطنه يشطنه شطناً, أي خالفه وشطن عنه وبعد, وأشطنه أبعده عن الحقيقة, وفي الحديث كل هوىً شاطنٌ في النار, والشاطن البعيد عن الحق. وتشيطن الرجل إذا كان كالشيطان وفعل فعله (عن لسان العرب لابن منظور). ليكون بذلك كتابيّ (التوراة) والتلمود هما كتابيّ الشيطان الذان إستخدمهما حفظة سر الكهنة من حاخامات (التوراة), ليبعدا الإنسان عن عبادة الله الواحد الأحد. إذن التلمود هو الشريعة التي تلقاها الحاخامات من واقع إسقاطاتهم المرضية المتعلقة بدونيتهم, والتي إستغلها الشيطان فيهم أفضل إستغلال في محاربة رسالة التوحيد على الأرض. لذلك إعتقدوا بأن التفضيل الذي إختص به رب العزة بني إسرائيل سيشمل عشيرتهم المفترضة سارقة هذا الإرث.الأمر الذي مهد للكهنة طرح نظرية شعب الله المختار, التي بُنِيَتْ على أساس دياسة وفجور وزنى محارم (أنبياء التوراة) كما تابعنا سابقاً. وإن دل ذلك على شيء ليدل على حقيقة الإستغلال الشيطاني الفاضح والمقيت لحفظة السر من الكهنة الذين كتبوا كتاب التلمود. لكن لنفترض جدلاً بأن تواتر للكهنة قصصاً قد تكون ذُكرِت في كتاب التوراة الحق, كما لنفترض أن هذه القصص قد تكون تحدثت في تفضيل بني إسرائيل على العالمين.

كما لنفترض أيضاً أن الكهنة قد أرخوا هذا التفضيل المتواتر إليهم على مدى تسعة قرون, حتى وصل إليهم في حواري بابل فدونوه كما كان في التوراة الحق ومن دون تحريف. فمن المنطق إذا كان الأمر كذلك أن يحمل معنى التفضيل الخاص في بني إسرائل نفس المعنى الذي سيحمله في القرآن الكريم, بحكم وحدانية المصدر الرباني لكتاب التوراة الحق والقرآن الكريم. مع إعترافنا منذ البداية بأن هذا التفضيل خص بني إسرائيل المتسلسل نسبهم من الرجل الصالح إسرائيل, ولا يعني بأي حال من الأحوال العشيرة (التوراتية) المدعية نسب بني إسرائيل. وبنفس المنطق الذي يستحيل لكتاب ديني منزه عن كل أفعال الشرور وذات مصدر رباني, أن يحمل طابعاً عنصرياً يميز بين الأمم والشعوب بشكل مقيت كما هو الحال في كتاب (التوراة). الأمر الذي يجعلنا نبحث عن حقيقة المعنى المقصود من آيات التفضيل في القرآن الكريم, للتأكيد على أنه ذات المعنى المقصود في كتاب التوراة الحق. ولكيّ نصل إلى حقيقة هذا المعنى علينا أن نتحرر ومنذ البداية من ذاك السد المنيع الذي فرضه علينا المفسرين المعتمدة تفسيراتهم في قولهم أن النبي يعقوب هو ذاته الرجل الصالح إسرائيل, على قاعدة أن هؤلاء المفسرين هم بشر مثلنا, وكل إنسان غير معصوم وقد يخطأ في مكان ما. وعلى ذلك نضع إسناداتهم التي إعتمدوا عليها في تثبيت هذه المقولة تحت مجهر المناقشة التي يقصد منها مخافة الله فقط. ومن منطلق أن الحديث المروي عن رسول الله لا يمكن أن يتعارض مع المعنى المقصود في الآيات القرآنية بحكم وحدانية الوحيّ الإلهي لكلاهما, وإذا ظهر أي تعارض بينهما فيعد ذلك مؤشراً واضحاً على عدم صحة الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا الأساس نستطيع أن نخضع مقولة أن النبي يعقوب هو إسرائيل إلى ميزان الحقيقة الربانية التي توضحها الآيات القرآنية. لكنني ومنذ البداية أعتقد أن دين الله محفوظ من التناقض والتعارض, كما هو حال شريعته المنزهة عن التضاد والتضارب, لأنها منزلة من عند الله العليم الحكيم الذي لا تتضارب أقواله ولا تتنافر أحكامه. كما أقر ومنذ البداية بأن علمي بسيطاً ومتواضعاً في علم الحديث وعلوم الفقه, كما أني لا أدعي بأني عالم دين, بنفس المنطق الذي لا أدعي فيه بأني أمثل تياراً دينياً أو فلسفياً أو فكرياً معينا قد يكون أشار إلى هذه القضية أو بعضها سابقاً, أو أية قضية أخرى سأتناولها في مجال هذا البحث. لكنني أقر كأي مسلم بمخافة الله وأخاف أَن أعصاه إن أخذت في حديث أعتقد بأنه قد يتناقض مع المعنى الواضح في الآيات القرآنية, وبالتالي أعتقد أن ذلك قد يهدد أساس معتقدي وإيماني بالله. وخصوصاً بعد إنتشار الكثير من الأحاديث الموضوعة والمشبوهة والفتاوي الضالة التي خرجت إلى العلن بفضل علماء الحكام والسلاطين, الذين إستغلوا دَوْرِ الحديث والفتوى في خدمة سياسات الحكام ودنياهم. وعلى هذا الأساس نعود لِنَبْني فهمنا على المعنى الواضح التي تبينه الآيات القرآنية, وتؤكد عليه الأحاديث النبوية الشريفة لنجعل من ذلك حَكماً على فهمنا لآيات التفضيل التي إختصت بني إسرائيل في القرآن الكريم. فالمتابع لما ورد في معظم المعاجم (اللسان والقاموس والعين ومقاييس اللغة) يجد أنها قد إتفقت على أن معنى التفضيل إستخدم للتمييز بين مُقارنيّن أو أكثر. فإذا تساوى مثلا الناس المقارنين وظهر شخص منهم بزيادة أو بصفة ليست لهم فقد تفضل عليهم أو فُضِّل. وكل صفة مختلفة في فرد تكفي لإعتبار تفضيله على مجتمعه بهذه الصفة المحددة. وكل صفة في مجتمع غير موجودة في المجتمعات الأخرى تكفي لتفضيل هذا المجتمع عن غيره من المجتمعات بهذه الصفة المحددة. ومن ذلك نفهم أن التفضيل يحمل معنى التميز بصفة أو صفات عن الآخر المقارن في عملية التفضيل. وهنا يأتي دور المعايير في تقييم هذا التميز. فإذا كانت المعايير التي يتم الحكم من خلالها على معنى التفضيل هيّ معايير ربانية, فنستطيع القول أن التفضيل في هذه الحالة يحمل معنى التميز بالفضيلة, أما إذا كانت المعايير المستخدمة في الحكم على معنى التفضيل هيّ معايير شيطانية, فنستطيع القول أن التفضيل في هذه الحالة يحمل معنى التميز بالرذيلة. وعلى ذلك يمكن القياس بين الفضيلة ومصدرها لمعرفة المعنى المقصود منها. لنؤكد أن الفضيلة ربانية المصدر تحمل معنى التميز في الخير الذي يستفيد منه الآخر, وأن الفضيلة (توراتية) المصدر تحمل معنى التميز في الشر التي تضر بالآخر كما تابعنا في نصوص (التوراة) السابقة. الأمر الذي يقودنا إلى القول, أن الفضيلة والتفضيل المقصود في كتاب (التوراة) التي تخص المنتمين زورا لبني إسرائيل تحمل معنى التميز بالرذيلة عن الآخرين, لأنها تخضع للمعايير الشيطانية في المقارنة. ومن ذلك نستنتج أن تفضيل (بني إسرائيل) المذكور في (التوراة) هو تَمَيُزْ على الآخرين بالرذيلة, وهذا يسقط عنهم أساس الإدعاء بأنهم شعب الله المختار. أما تفضيل بني إسرائيل المذكور في القرآن الكريم, أو الذي قد يكون قد ذكر في كتاب التوراة الحق فإنه حتماً يحمل معنى التميز بالفضيلة بمعانيها الربانية. ومن الآيات التي وردت في القرآن الكريم وتحمل نفس معنى التميز بالفضيلة, فمثلاً وليس على سبيل الحصر, الآية-253 من سورة البقرة التي نصت على الآتي:” تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس. ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد”. فالتفضيل هنا ليس بمعنى أن رب العزة ميز بين أنبيائه بأن جعل بعض الأنبياء خيراً من بعض في القيمة, بل كان تمييزا بالفضيلة قصد منه أظهار الفرق بين أنبيائه في طريقة الخطاب وأدوات الهداية اللازمة لكل قوم إختصهم الله بنبيّ أو رسول. فقد فضل الله كلاً منهم أي إختصه بفضل أو نعمة وفضيلة تناسب طبيعة المهمة الموكلة إليه بإعتبار القوم الذين أرسل إليهم. ولم يأخذ المعنى شكل الأفضلية أو الأفضل في القيمة بين المرسلين, وهذا ما ينعكس بنفس المنطق على الأقوام المرسلة إليهم المرسلين. لنفهم من ذلك أن التفضيل كان تميزاً بنعمة من نعم الخير والإحسان إختصها رب العزة أقوام كانت بأمس الحاجة للهداية. وما يؤكد هذا المنحى من التحليل, هو التفضيل الذي إختص به رب العزة أمة محمد عليه الصلاة والسلام, فقد حمل هذا التفضيل معنى التميز بالخير والإحسان بمعاييرهما الربانية, بحسب ما ورد في الآية-110 من سورة آل عمران:”كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ”.

فالمعايير الربانية في تمييز خير أمة. حددها رب العزة, بالأمر بالمعروف والنهيِّ عن المنكر والإيمان بالله. فمن ذلك نفهم أن المعنى المقصود في خير أمة, هو خير لها ولغيرها في الدنيا والآخرة, ولم يحمل أيّ معنى عنصري منغلق على الأمة ذاتها. إذ أن أصل المعروف هو كل ما كان معروفا وأمر الله به ليشمل النفس والأخر, وأصل المنكر هو كل ما كان منكراَ ونهى الله عنه إن كان نابعاً من الذات أو كان ذات مردود سلبي على الآخر. وعلى ذلك ممكن قياس فهمنا لآيات التفضيل التي ذكرت بني إسرائيل. فكل فهم لها يتعارض مع المعايير الربانية علينا أن لا نقبله, والعكس صحيح. ومن الفهم الصحيح لهذه الآيات أن لا نحملها ما لا تحتمل من معاني تتعارض مع العدالة الربانية. وعلى هذا الأساس نستطيع القول أن الفضيلة هيً صفة يوصف بها السلوك الخَيِّر, وهى آتية بمعنى التميز أو الزيادة فى الخير أو الإحسان. والسلوك هو ممارسة إتجاه النفس والآخر تعبر عن قناعة وإرث ثقافي تميز الفرد في مجتمعه. كما تميز مجتمعه عن غيره من المجتمعات بهذا الإرث ذو الصبغة الثقافية الواحدة. فإذا كان السلوك الممارس يحمل طابع الخيرية سميّ بذلك فضيلة, وَمُيزَ صاحبها عن غيره بهذه الفضيلة ومُدِحَ عليها, وكذلك هو المجتمع الفاضل الذي يؤخذ من الخيرية طابعاً مميزاً في تعامله مع بعضه أو مع الآخرين. لذلك كانت علامة الفضيلة عند العرب قبل الإسلام هيّ كل ما يُستَحَقُ عليه المدح, مثلما كانت علامة الرذيلة عندهم هيّ كل ما يستحق عليه اللوم والذم. فالمدح فى الحقيقة هو وصف الموصوف بأخلاق حميدة يحمد صاحبها عليها. وقد امتدح العرب فضائل الجود والكرم والإيثار وإغاثة المظلوم وتكريم الضيف وكل ما يمثل إحتراماً لموروثهم الأخلاقي, حيث تحمل جميعها الطابع الخيري الذي لا يتعارض مع الثقافة الربانية. الأمر الذي يشير إلى حقيقة البيئة ومخزونها الثقافي, التي ترعرع وسطها رسول الإنسانية محمد عليه الصلاة والسلام. وقد تنامى هذا المخزون الثقافي بفضل ما علق لدى القبائل العربية من ثقافة ربانية, حملها أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل عليهم السلام إلى رحاب الكعبة الشريفة, وأشارت الآية-37 من سورة إبراهيم إلى أساس هذا المنبع الثقافي:” ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون”. وذلك يؤكد أن الفضيلة بمعاييرها الربانية كانت ممارسة في سلوكيات بعد القبائل العربية قبل نزول الرسالة النبوية. الأمر الذي جعل معنى الفضيلة والتفضيل المذكور في القرآن الكريم سلساً وطيعاً على فهم الكثير من القبائل العربية, التي تسابقت فيما بينها لتصديق ما جاء به الوحيّ من رسالة على نبيّ الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم, والتي أكملت ما عند العرب من مكارم الأخلاق, وصقلت حقيقة موروثهم الثقافي. بينما لم يكن الأمر كذلك عند مدعي إرث بني إسرائيل من (يهود) الجزيرة العربية. أو من الذين هادوا الذين حاربوا هذه الرسالة التي ذمت فيهم سلوكياتهم المذمومة, ولامت فيهم موروثهم العنصري المقيت. لذلك قال فيهم رب العزة في الآية-90 من سورة النحل:” أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ”. أو كما قال في الآية-21 من سورة الأنعام:” وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ”. وذكر رب العزة في كتابه الكريم العديد من الآيات الكريمات التي أوضحت حقيقة هذا الموروث الخاص بالذين هادوا من بني إسرائيل سنتطرق له لاحقاً. لذلك حاربوا الرسالة التي نزلت على نبي الرحمة ولامت فيهم خصائلهم الغير حميدة, وذمت فيهم ممارساتهم وسلوكياتهم الكريهه. الأمر الذي يبين أن الفضيلة كانت بعيدة عن سلوكيات بني إسرائيل, أو مدعي هذا النسب من (يهود) الجزيرة العربية الذين عاصروا فترة البعثة النبوية, فكيف يكون الحال إذا ما علمنا بأن الذين هادوا يشكلون المجموعة التائبة والأفضل بين بني إسرائيل. الأمر الذي يشير إلى أن الفضيلة لم تكن بعيدة فقط عن بني إسرائيل, بل كانت الأكثر بعداً عنهم, كون أن الأفضل فيهم من الذين تابوا, تميزوا بتلك السلوكيات الهمجية ضد أشرف خلق الله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. وهذا ما يؤكد أن التفضيل الذي يحمل معنى التميز في الخير ليس له علاقة ببني إسرائيل ولا بموروثها الثقافي. حيث مثل هذا الموروث النقيض الأساس للثقافة الربانية التي حملها أنبياء الله ورسله. من كل ذلك نستنتج أن المعنى المقصود في آيات التفضيل الخاصة في بني إسرائيل, لم يحمل مديحاً لقيمة خيرية فيهم أو في خصائل حميدة قد ميزوا بها. كما لم يقصد من المعنى ذاك الذي له علاقة في التفضيل التكويني في خَلقٍ أو خُلقٍ أو علمٍ أو ذكاءٍ أو فراهة أجسام, لأن ذلك يعتبر تفضيل عنصري يتنافى مع الثقافة الربانية ومعاييرها.

الأمر الذي يجعلنا نبحث عن المعنى المقصود بعيداً عن معنى التميز بالخير. ولعل هذا الأمر قد يحرر الكثير من علماء الدين أو المفسرين الذين غالوا في الدفاع عن مفهومهم لخير أمة, التي وصفت به أمة النبي محمد عليه الصلاة والسلام, لأنهم إعتقدوا أن فهمهم للخيرية الواردة في هذه الآية, تتناقض مع فهمهم لآيات التفضيل التي فهموا منها تميز في الخير لبني إسرائيل. لكننا إذا ما أخضعنا المعنى المقصود في الحالتين إلى المعايير الربانية التي لم يقصد منها تمييزاً عنصرياً. نجد أن المعنى بعد ذلك يصبح سلساً على الفهم وليس فيه أي تناقض, فمقياس التميز بالخيرية هو الأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر والإيمان بالله, وهذا ما كرسته أمة الإسلام, بينما هذا المقياس لا ينطبق على بني إسرائيل الذين كانوا بعيدين كل البعد عن التميز بالخيرية بمعاييرها الربانية. كونهم كانوا يأمرون بالمنكر ويتناهون عن الأمر بالمعروف, ويؤمنون (بإلههم) الخاص الذي حدد (ألوهيته) بمهمة خاصة, هي تشريع أرض فلسطين لعشيرته الخاصة. كل ذلك يشير إلى أن المقصود بأيات تفضيل بني إسرائيل على العالمين قصد منه معنى التفضيل على العالمين بنعمة الهداية, لأنهم كانوا أكثر العالمين فجورا وتمردا ومحاربة للأنبياء والرسل وبحاجة إلى الهداية. ولكيّ نوضح ذلك علينا في البداية أن نشير إلى فرضية تأثر بعض علماء الدين بقصص (التوراة) التي بينا حقيقتها. وعلى ذلك يمكن أن يكون قد بني بعض علماء الدين مفهومهم لآيات التفضيل الواردة في القرآن الكريم, على مفهوم عشيرة الصفوة الذي كرسه كهنة (التوراة) في كتابهم. وبذلك يكونوا قد خالفوا المعايير الربانية في تمييز خير أمة, ووقعوا بشرك المعايير (التوراتية) التي تعني التمييز العنصري. لكن وبغض النظر عن إستحالة توضيح المعنى المقصود في آيات التفضيل إعتماداً عل الهمجية الشيطانية الواردة في قصص (التوراة), فإن ذلك لا يعطي الحق لبعض العلماء أن يتلاعبوا بمعتقدات الأمة بعدما فقدوا مقدرة التمييز بين ما ورد في كتاب (التوراة) الذي أوجد علاقة بين (إله التوراة) وبين عشيرته سارقة نسب بني إسرائيل, وبين ما يمكن أن يكون قد ورد في كتاب التوراة الحق الذي أنزل على النبي موسى عليه السلام ودعى إلى عبادة رب العالمين الواحد الأحد. ليَدّعوا بأن تفضيل بني إسرائيل على العالمين كان بسبب مكانه خاصة لهم عند الله, الذي تعالى عما يقولون علواً كبيرا. وهذا ما أسقطهم في فخ مقولة الشعب المختار التي أثبتنا بطلانها. وبذلك يكونوا قد حملوا المعنى من العنصرية بما لا يتلائم مع الثقافة الربانية. ظانين بذلك أن (يعقوب التوراة) هو النبي يعقوب, وأن (آل يعقوب التوراة) هم ذرية النبي يعقوب وهم بني إسرائيل. وبذلك إعتقدوا أن كل الأنبياء المتسلسلين من نسب النبي إبراهيم هم أنبياء خاصين في بني إسرائيل ومنهم. وعلى ذلك بنوا فهمهم لآيات تفضيل بني إسرائيل على العالمين, ولكي لا يقعوا في حرج مع مفهوم خير أمة, إعتقدوا أن كل من بني إسرائيل وأمة الإسلام قد ميز بالخيرية في زمانه.

مع أن القرآن الكريم جعل الخيرية مشروطة, فأكد عليها على أمة الإسلام إن إلتزمت بقواعدها, ونفى التفضيل الذي يحمل معنى التميز بالخيرية عن بني إسرائيل التي نحت سلوكياتهم منحى الرذيلة, وهذا ما جعلهم الأبعد عن أن يتصفوا بالصفوة, بنفس القدر الذي أسقط عنهم من أن يكونوا من ذرية النبي يعقوب الذي إختصهم رب العزة بمجموعة من الآيات الكريمة في القرآن الكريم. والحقيقة أن رب العزة إختص النبي يعقوب في القرآن الكريم بإسم يعقوب, كما إختص ذريته بآل يعقوب, وهذا ما أكدت عليه الآيتين الكريمتين (5-6) من سورة مريم:” وإني خفت الموالي من ورائي وكانت إمرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا”. وكذلك هذا ما أكدت عليه الآية الكريمة السادسة من سورة يوسف:” وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أُتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم”. أمام هذا الواقع القرآني الواضح والمنزه عن كل خطأ, نجد أن رب العزة إختص النبي يعقوب بإسمه وذريته بإسم آل يعقوب, ولم يذكر في آية واحدة من القرأن الكريم بأن النبي يعقوب هو الرجل الصالح إسرائيل, وبما أن النص القرأني واضح في هذا الشأن, فهذا يعني أن آل يعقوب الذين هم فرعاً من ذرية إبراهيم عليه السلام, لا يمكن أن يكونوا بأي حال من الأحوال هم أنفسهم بني إسرائيل, الذين ميزت بينهما الآيتان الكريمتان (49-58) الواردتان في سورة مريم, حيث نصت الآية -49:” فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً”. ليكمل رب العزة ويذكر في نفس السياق إسم إسرائيل في الآية -58:” اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا وإجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا “. فالمعلوم أن بعد الآية الكريمة التي ذكرت النبي إسحاق والنبي يعقوب بأسمائهما, أتت الآية التي تتحدث عن ذرية إبراهيم وذرية إسرائيل, والمعروف أن النبي يعقوب إبن النبي إسحاق وحفيد النبي إبراهيم ومن ذريته, وذكر ذرية إسرائيل في نفس السياق يؤكد أن إسرائيل شخص مختلف عن يعقوب وأب لذرية أخرى, كما هو حال ذرية إبراهيم التي تشمل آل يعقوب التي هي ذرية مختلفة عن ذرية إسرائيل, وإلا إعتبر ذلك عبث منزه عنه النص القرآني. وبما أن هذه الآية ذكرت النبي إسرائيل معطوفا على النبي إبراهيم, فقطعاً خطاب ذرية إبراهيم لا يشمل النبي إسرائيل وذريته, لأن ذلك يعتبر حشو منزه أيضاً عنه النص القرآني. فالمقصود إذن هو إشتراك النبي إبراهيم والنبي إسرائيل في جملة “ومن ذرية” بمعنى أن لكلٍ ذرية منفردة عن الأخرى, أي هناك ذرية لإبراهيم, وذرية لإسرائيل. هذا يعني أن النبي يعقوب حفيد سيدنا إبراهيم ومن ذريته, لا يمكن أن يكون هو نفسه إسرائيل الذي خاطبه القرآن الكريم على أنه ذرية أخرى. فمن ذرية النبي إبراهيم أبنائه النبي إسماعيل والنبي إسحاق, والنبي يعقوب إبن النبي إسحاق وأب النبي يوسف, الذي إختصته الآية السادسه من سورة يوسف بنسب آل يعقوب:” وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”. كما إختصته الآية-38 من نفس السورة في نفس النسب:” وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ”.

فلو كان النبي يعقوب هو حقاً إسرائيل, ونسب إسرائيل هو الأكثر شيوعاً في القرآن الكريم, فكان من الأجدى أن يكون يوسف هو أول نبي يحمل نسب بني إسرائيل, لكن الآيات القرآنية سابقة الذكر أكدت على أنه يحمل نسب آل يعقوب والعلم عند الله. إذن نستطيع القول أن خطاب ذرية إبراهيم وحسب السياق القرآني شمل النبي يعقوب ولم يشمل إسرائيل ولا ذريته. حتى نجد أن الإخبار القرآني في قصة يوسف إستمر على نفس المنحى من السياق حتى نهاية القصة, وخصوصاً بعد أن ذهب جميع آل يعقوب إلى مصر, فقد أكدت الأية-68 من نفس السورة على ذلك:” وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”. فلو كان الإدعاء بأن يعقوب هو إسرائيل صائباً, لما أعاد رب العزة إسم الذرية التي ستتشكل في مصر من يوسف وأخوته إلى النبي يعقوب. وهذا ما يشمل أيضاً النبي موسى عليه السلام الذي خرج من هذه الذرية, حيث يؤكد هذا الأمر أن موسى عليه السلام أرسل إلى هداية بني إسرائيل ولم يكن من نسلهم. ثم أن رب العزة ذكر النبي يعقوب في كتابه الكريم بإسمه منذ البشارة بمولده بحسب الآية الكريمة الواردة في (سورة هود -71):” وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب”. حتى وفاته بحسب الآية الكريمة الواردة في (سورة البقرة -133):” أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوبَ الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي….”. لنصل إلى نتيجة مفادها, أن هناك ذريتين مختلفتين كانتا في مصر, ذرية آل يعقوب التي هيّ فرعاً من ذرية آل إبراهيم والتي إحتلت مكانة مرموقة في مصر بحسب ما ذكره رب العزة في كتابه الكريم, وذرية مستقلة عنها هيّ ذري بني إسرائيل عاشت متنقلة بين فلسطين ومصر تبحث عن المراعي والأرض الخصبة, ولمعرفة حقيقة العلاقة بين الذريتين علينا العودة إلى مفهوم الإصطفاء بحسب المعايير الربانية للإصطفاء التي وردت في الآية-132 من سورة البقرة:” وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ”. فمعنى الإصطفاء المقصود في القرآن الكريم يخضع لنفس مفهوم معنى الخيرية بمعاييرها الربانية, التي يقصد منه إصطفاء إيماني جوهره الدعوة إلى الإسلام, والآية القرآنية واضحة في ذلك:” فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتم مُّسْلِمُونَ “.

ومن هذا المنطلق علينا فهم معنى الإصطفاء الوارد في الآيتين (33-34) من سورة آل عمران:” إنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”. فالذريات التي إختصها رب العزة بالإصطفاء بالمعايير الربانية هيّ ذرية آل إبراهيم التي منها فرع آل يعقوب, ومن فرع آل يعقوب خرج فرع آل عمران. هذه هيّ أفرع الذريات التي خرجت من ذرية إبراهيم بحسب النص القرآني المنزه عن كل خطأ. فذرية إسرائيل الذين شملهم خطاب “ممن حملنا مع نوح” في الآية-58 من سورة مريم, نجد أن خطاب الإصطفاء لم يشملهم, بل شمل آلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ الذين هم ذرية بعضها من بعض, الأمر الذي يشير إلى ان الإصطفاء الذي خص آل إبراهيم, كان إصطفاء لهم بالنبوة والدعوة إلى الإسلام, وهذا لم يشمل بني إسرائيل الذين لم يشملهم خطاب الإصطفاء. ولمعرفة حقيقة العلاقة بين الذريتين فالنتابع معاً ما أكدته الآيتين (2-3) من سورة الإسراء:” وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلا. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً”. حيث توضح هاتان الآيتان اللتان أتيتا في سياق واحد الآتي: من آباء ذريات إبراهيم وإسرائيل الذين حملوا مع نوح, دفع رب العزة بالتوراة إلى العبد الشكور موسى الذي هو من ذرية إبراهيم المصطفين بالدعوة إلى الإسلام, ليهدي بها بني إسرائيل الذين هم من ذرية إسرائيل الغير مصطفين والذين هم بحاجة للهداية. فمن هذا المنطلق علينا الإستدلال على وجود فرق بين بني إسرائيل الذين أنعم الله عليهم بنعمة هدايتهم إلى الإسلام, وآل يعقوب الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإصطفاء إذ جعل فيهم أنبياء الهداية إلى الإسلام.

وهذا ما أكد عليه رب العزة في الآيات التالية: في سورة المائدة- آية -44:” إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ”. كما ورد في سورة البقرة-آية-132:” وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. كما ورد في سورة آل عمران في الآية-84:” قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”. إذن فالأنبياء الذين شملهم الإصطفاء هم الذين أسلموا من آل إبراهيم, وهم أنفسهم من أرسلوا لهداية بني إسرائيل. لذلك كانت الآية -20 من سورة آل عمران واضحة في تحديد هذه العلاقة:” وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا”. من هذا المنطق الواضح نستطيع أن نفهم معنى التكليف الرباني, الذي كُلِفَ به النبي موسى وريث النبوة من آل يعقوب, والذي بعث لهداية بني إسرائيل إلى الإسلام, وفي تخليصهم من ظلم فرعون الذي طغى وظلم. كل ذلك يؤكد أن بني إسرائيل الجهة المطلوب هدايتها إلى الإسلام, وأنبياء بني يعقوب أنبياء الله المكلفين بدعوة بني إسرائيل إلى الإسلام, وأن كلا الذريتين كانتا في مصر, وخرجت مع النبي موسى بعد أن أغرق رب العزة فرعون وجنوده في اليم. والواضح من الوثائق التاريخية المكتشفة بأن الفراعنة قادوا هجومات عديدة على فلسطين وما حولها, إجتاحوا فيها المدن والقرى الفلسطينية, وطبيعي أن يأخذوا منها الأسرى ليتم تشغيلهم كعبيد في الأعمال الشاقة في مملكتهم, كما كان من الطبيعي أن يأخذوا النساء سبايا كجزءاً من الغنائم إلى فرعون وطاقمه الحاكم. وقد يكون من ضمن هؤلاء الأسرى والسبايا مجموعة من الرعاة المتنقلين بين الحدود من بني إسرائيل. ومن المعروف أيضاً بأن الهكسوس (ملوك الخيل) من أهل فلسطين وحولها قد هاجموا مصر, وأخضعوها لحكمهم لأكثر من ثلاثمائة سنة. الأمر الذي يشير إلى فرضية أن تكون قد جرت بعض التنقلات بين القبائل والعشائر العربية عبر الحدود, بين مصر وفلسطين المحكومتان بنظام حكم واحد, تحت ضغوط الجفاف والتصحر وبحثا عن المياه والمراعي والأرض الخصبة, أو طلباً للتجارة والكسب المادي, أو هروباً وطلباً للنجاة من وضع قاهر يتهددهم. ويعتقد أن بني إسرائيل الذين كانوا يتنقلون بالأساس بين الحدود, قد يكونوا دخلوا مصر في مناسبات عديدة بحسب ظرف من هذه الظروف وفي فترات زمنية مختلفة. وقد أكدت الوثائق المصرية المكتشفة أن بعض القبائل القادمة من فلسطين كانت تدخل مصر في فترة حدوث قلاقل وفوضى, أو حدوث عصياناً وتمردا على الحدود الشرقية لمصر.

وتؤكد النقوش المصرية المكتشفة في بني حسن أن فرعون مصر أمنمحعت الاول قام بعد فترة من حدوث الفوضى والإضطراب في الجزأ الشمالي من مصر, وبخاصة في شرق الدلتا بتحديد حدود كل مدينة من خلال بناء أسوار حجرية حولها لمنع وفود القبائل القادمة من الشرق. الأمر الذي يرجح أن يكون بني إسرائيل من ضمن هذه القبائل الوافدة إلى مصر ما بين 2111-2082 قبل الميلاد وهيّ فترة حكم أمنمحعت. مستفيدين من الوضع الفوضوي الذي كان ينتاب الحكم الفرعوني حينذاك. ونستطيع القول أن هذه الفترة الزمنية سبقت فترة دخول النبي إبراهيم مصر بما يقرب من مئتين وخمسون سنة. فلو أخضعنا هذه الفرضية التي أكدتها الإكتشافات الأثرية, مع النتيجة القرأنية السابقة والمتعلقة في هداية بني إسرائيل, نصل إلى نتيجة مفادها أن أول أنبياء الإسلام الذين إرسلوا لهداية بني إسرائيل إن كانوا في المناطق الشرقية الشمالية من مصر, أو كانوا في المناطق الغربية الجنوبية من فلسطين, كان النبي إبراهيم عليه السلام. وقد أكدت على ذلك سورة آل عمران في الآيات الكريمات (65-67):” يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. وكذلك أكدت الآية-128 من سورة البقرة على ذلك:” رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”. وهناك الآيات العديدة التي تؤكد على دعوة النبي إبراهيم إلى الإسلام, فكانت بذلك ملة النبي إبراهيم المسلمة قبل نزول التوراة على موسى عليه السلام, وعلى ذلك أكدت الآيتين(18-19) من سورة الأعلى:” أن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى”. أما بالنسبة لآل يعقوب فقد دخلوا مصر بعد ثلاثة أجيال من دخول النبي إبراهيم الذي لم يستقر في مصر.

ويعتقد أن آل يعقوب دخلوا مصر في فترة حكم الهكسوس لها. والهكسوس هم عرب أخذوا تسميتهم من جزر (هك) التي تعني حق, وجزر (سوس) التي تعني الحصان, لتعني بذلك مالك الحصان أو ملوك الخيل. جاء الهكسوس من فلسطين وبلاد الشام ودخلوا مصر بعد أن تغلبوا على الفراعنة بفضل المركبات الحديدية التي صنعوعا. وكونوا في مصر أسر حاكمة حمل كل حاكم منهم لقب الملك. وقد إستطاع آل يعقوب (سنثبت لاحقاً أنهم كذلك كانوا عرباً, لذلك لم يجدوا صعوبة في التفاعل مع حكام الهكسوس) بعد فترة وجيزة من دخولهم مصر أن يكونوا جزءا من النظام الحاكم وهذا ما أكدت عليه سورة يوسف. وما يؤكد أن آل يعقوب دخلوا مصر في فترة حكم الهكسوس, هيّ تخصيص القرآن الكريم في سورة يوسف إسم حاكم مصر بإسم الملك, وهو اللقب الذي كان يطلقه الهكسوس على حاكمهم, وهذا ما أكدت عليه الآيات الكريمات في نفس السورة:” وقال الملك إني أرى سبع بقراتٍ سمان … وقال الملك إئتوني به أستخلصه لنفسي… ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله …”.

لكن بعد زوال حكم الهكسوس لمصر وعودة الفراعنة إلى سدة الحكم, نجد أن القرآن الكريم قد ذكر إسم حاكم مصر بفرعون. الأمر الذي يؤكد أن يوسف وأبيه وإخوته دخلوا مصر في فترة حكم الهكسوس العرب. يقول شفيق مقار (مرجع سابق-90):” يخبرنا التاريخ أنه خلال الفترة 1785-1580 قبل الميلاد, وهيّ فترة الأسرات من الرابعة عشر إلى السابعة عشر, إضطربت أحوال الشمال إضطراباً عنيفاً في ظل حكام دخلاء, وعندما قضى أحمس على هؤلاء الدخلاء, إستدار إلى من كانوا قد تعاونوا معهم فصادر أملاكهم”. لذلك بعد أن إنهزم جنود الهكسوس على الجبهات, لم يتسنى لآل يعقوب الذين صودرت ممتلكاتهم, ولا لبني إسرائيل الباحثين عن المراعي من الخروج من مصر, وعلى ذلك عاملهم المصريون بهذه القسوة التي أكد عليها القرآن الكريم, لأنهم إعتبروا كل من دخل مصر من الحدود الشرقية الشمالية هم من أقوام الهكسوس المحتلين الذين لم يتسنى لهم الهروب. وهكذا يكون قد لاق آل يعقوب وبني إسرائيل وغيرهم من قبائل فلسطين وأهل الشام الذين لم يتسنى لهم الخروج مع الهكسوس, كل الويلات والإضطهاد والظلم من فرعون ورجالاته. وهذا ما أكدت عليه الآية الرابعة من سورة القصص:” إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ”. وأعتقد أن هذا هو سبب حصول الإلتباس عند البعض. ففي البلد الواحد أرسل نبي من الذين إصطفوا من آل يعقوب إلى الذين فضلوا بالهداية من بني إسرائيل. فإعتقدوا بذلك أنهم من ذرية واحدة. وعلى ذلك يمكن البناء للوصول إلى حقيقة المعنى المقصود من آيات التفضيل, بعد أن أسقطنا مقولة الإصطفاء عن بني إسرائيل وأوضحنا حقيقة العلاقة القائمة بين أنبياء بني يعقوب وبني إسرائيل, التي تحددت في هدايتهم إلى الإسلام. فلو بحثنا في حقيقة المعني ضمن هذه المعايير لوجدنا أن المعنى المقصود من تفضيل بني إسرائيل يخص جهتان مرتبطتان به. الجهة الأولى تمثل الفاضل المتفضل بفضيلة الهداية إلى الإسلام المُتميزة, والجهة الثانية هيّ المُتفضَل عليه بهذه الفضيلة المُتميز بها عن غيره في زمن كل هداية. وعلى ذلك يكون أنبياء الله المرسلين لهداية بني إسرائيل إلى الإسلام هم الجهة التي تمثل الفاضل المتفضل بفضيلة الخير والإحسان المُتميزة, كما يكون بني إسرائيل هيّ الجهة المُتفضَل عليها بهذه الفضيلة المُتميزة بها عن غيرها من العالمين. وقد أكد رب العزة على ذلك في محكم آياته, فذكرت الآية-70 من سورة المائدة:” لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ”. كما أكدت الآية -49 من نفس السورة:” ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم”. كما أكدت الآية-61 من سورة الصف:” وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم”. وهناك العديد من الآيات التي تؤكد على هذا المعنى.

وأعتقد أن ذلك يتلائم مع رحمة الله في عباده, فمن رحمة الله في بني إسرائيل الذين تمردوا وعصوا أكثر من غيرهم في زمانهم, أن إختصهم رب العزة أكثر من غيرهم بعديد من الأنبياء لتهديهم إلى الإسلام رحمة بهم. فكان بذلك تفضيل الله لبني إسرائيل المذكور في عدة آيات, منهما ما ذكر في الآية-122 من سورة البقرة:” يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين”, هو تفضيل لهم بنعة الهداية إلى الإسلام, لكثرة معاصيهم التي جعلتهم أكثر أهل العالمين بحاجة لهداية. ولمعرفة حقيقة المعنى المقصود من العالمين. أشير منذ البداية بأن العالمين هيّ مصطلح رباني لم يعرفه العرب قبل البعثة النبوية. وقد وردت كلمة عالمين في القرآن الكريم أحياناً بمعناها الواسع الذي يشمل كل خلق الله, مثل القول الحمد لله رب العالمين. ولكنها لم تكن كذلك دائماً, إذ إختصت أحيانا بمعنى شعب أو شعوب منطقة محددة بحسب الظروف الخاصة في ذكر الآية الكريمة. وأحيانا إختصت بعالم معين من العوالم التي خلقتها رب العزة. فكلمة العالمين قد ذكرت واحد وستون مرة في القرآن الكريم, بعضها كان يحمل معناها الواسع وبعضها كان يحمل معنى خاص ضيق. مثالاً على ذلك ما ورد في الآية -165 من سورة الشعراء, يقول تعالى على لسان لوط لقومه:” أتأتون الذكران من العالمين” وقوم لوط كانوا يأتون ذكران قومهم وليس كل ذكران العالم. فالعالمين في هذه الآية, قصدت عالم الرجال من قوم لوط دون سواهم, وفي مكانهم وزمانهم المحدد. بينما نجد أن كلمة العالمين في قول لوطا لقومه في الآية-80 من سورة الأعراف أخذت المعنى الواسع:” وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ”. فالعالمين أخذت هنا معني كل الأقوام حينها وبزمان قوم لوط. كما أن هناك العديد من الآيات القرآنية حملت المعنى الواسع لكن المتخصص في صنف من خلق الله, مثل تخصصها في صنف النساء دون صنف الرجال أو غيرهم من مخلوقات الله. بحسب ما ورد في الآية-42 من سورة آل عمران:” وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ”. والملاحظ أن المقصود هنا بالعالمين هو الإصطفاء لمريم على نساء الأرض في زمانها وليس على كل ما خلق رب العالمين. لنصل إلى نتيجة أن كلمة العالمين ليس من الضرورة أن تحمل المعنى العام الواسع, فقد تحمل أيضاً المعنى الخاص الضيق داخل قوم من الأقوام. الأمر الذي يقودنا إلى الإستنتاج أن المقصود بالعالمين الذين فضلوا عليهم بني إسرائيل بنعمة الهداية قد يكونوا من قومهم, وقد يكونوا خارج قومهم, كما هو حال المعنى مع قوم لوط. ولمعرفة أي من المعنين قصد في آيات تفضيل بني إسرائيل, لنرجع إلى الآيات القرأنية التي توضح لنا ذلك. فالآية-60 من سورة المائدة ذكرت الآتي:” قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ”. حيث تشير هذه الآية إلى أن هناك مجموعات من بني إسرائيل شملتها لعنة الله وغضبه فجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت, وهناك الآيات العديدة التي تؤكد هذا المعنى, أفلا يعني ذلك بأن الله فضل بعض من بني إسرائيل من الذين لم يلعنوا, بالهداية على غيرهم من الذين لم يهتدوا فلعنوا, لتشمل بذلك العالمين معنى خاصاٍ ضيقاً داخل بني إسرائيل كما هو الحال مع قوم لوط. ولتأخذ معنى العالمين بعد ذلك فترات زمنية متقطعة مرتبطة بزمن كل نبي أرسل لهداية بني إسرائيل, كون المختصين بالهداية المعنيين في الآية السابقة لم يهتدوا, وهذا ما أكدت عليه الآية-138 من سورة الأعراف:” وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون”. الأمر الذي يرجح إحتمال أن يكون معنى العالمين قد تخصص في قوم بني إسرائيل ولم يتعداهم إلى غيرهم, لأن عالمينهم قد غلبت عليه الضلال, ليكون عالمينهم في هذه الحالة شبيه بعالمين قوم لوط المقصود في الآية-165 من سورة الشعراء.

وهذا ما أكدت عليه بعثات النبوة المتكررة لهداية بني إسرائيل والعلم عند الله. من كل ذلك ندرك أن العالمين قد تحمل معنى خاصا ضيقاً, بحسب زمن وصول نعمة الهداية المحددة مع زمن المرسل إليهم من الأنبياء والرسل والصالحين لهدايتهم. فمن كل ذلك نتأكد أن المعنى المقصود في آيات تفضيل بني إسرائيل كان تفضيلا زمنياً خاصاً وضيقاً على مراحل متقطعة متعلقة في زمن كل نبي أو رسول أرسل لهدايتهم. إذن كانت العلاقة بين أنبياء آل إبراهيم المصطفين وبني إسرائيل الغير مصطفين هي علاقة من يحمل رسالة الهداية إلى من يحتاج الهداية. وقد خسر بني إسرائيل نعمة الهداية المميزة بعد أن غوت كل شعوب الأرض وسارت على طريق الضلال الذي سار عليه بني إسرائيل. وإنقطع نزول الوحيّ مع إنتهاء رسالة خاتم النبيين والمرسلين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام, الذي بعث رحمة من الله لهداية البشرية جمعاء إلى الإسلام. وهكذا خسرت بني إسرائيل معنى التفضيل على العالمين بإنقطاع رسائل هدايتهم إلى الإسلام. وأعتقد أننا في ذلك قد وضعنا الأمور في نصابها بشكل يتلائم مع المعايير الربانية والعلم عند الله, فكما قلت في مقدمة كتابي, فأني لست أديبا, أو لغويا, أو نحويا, أو مؤرخا, أو مفسرا, أو فقيها, أو عالم دين, إختار لنفسه نهجا معينا من أصناف العلوم ومدارسها وإلتزم بقواعدها ومصطلحاتها. فما أنا إلا مهندسا في علوم البتروكيميائيات, وجهت علومي وأبحاثي لكشف حقيقة الجهة التي وقفت خلف نكبة شعبي ونكبات كل شعوب العالم, وأتمنى من الله أن أوفق في مسعايّ, ولا أكون قد أخطأت في فهمي للآيات الكريمة التي ذكرتها في هذا العرض. وأعتقد أن كل ما تم ذكره حتى الآن يوضح حقيقة العصابة (التوراتية) التي أطلقها الكهنة. وحقيقة كتاب (التوراة ) الذي يذخر بالفجور وعظائم الأمور. وحقيقة (إله التوراة) الخاص بعشيرته والمركون في حواري بابل, يمارس خدعة التحول بين عبادات الشعوب القديمة بحسب أهواء الكهنة وإسقاطاتهم المرضية. وحقيقة أنبياء (التوراة) الذين تقمصوا أسماء أنبياء الهداية, وأخذوا من الدياسة نهج كسب للعشيرة. وحقيقة شعب (الله) المختار الذي جمع من كل شذاذ الآفاق, ليشرع له الكهنة أرض فلسطين بشكل عنصري ومقيت. كما بينا بأن النبي يعقوب هو غير الرجل الصالح إسرائيل, وأن آل يعقوب ذرية مختلفة عن ذرية بني إسرائيل. الأمر الذي يسقط عن العشيرة سارقة نسب بني إسرائيل, من أن يكون لها مجرد علاقة بالعبرانيون, إن كان المقصود منها ذرية إبراهيم عليه السلام, أو إن قصد منها تلك المجموعة التي عبرت مع موسى عليه السلام من مصر إلى صحراء سيناء, أو عبرت بعده مع يوشع نهر الأردن إذا كان قد حدث هذا العبور!

ومن ذلك ندرك بأن مجمل القصص الساقطة الواردة في كتاب (التوراة), لا تبرر للعشيرة (التوراتية) بأي حال من الأحوال إغتصاب أرض فلسطين وتهجير أهلها. لأن ما بنيّ على باطل الأكاذيب فهو كذبة الباطل المريب. وأكثر الباطل ريبةً هو إطلاق تسمية اليهودية أو مصطلح السامية على شذاذ الآفاق الذين شكلوا عشيرة (التوراة). لكن قبل العودة إلى أبناء نوح المفترضين وخصوصا سام, دعنا نبحث سويا في كذبة الباطل التي جعلت من الكهنة بأن يعبروا بالعشيرة المفترضة إلى (اليهودية) المشتقة من إسم يهوذا المفترض. وأعتقد أن البحث في هذا الأمر سيكشف لنا حقائق أخرى تبين من هم المفسدون الحقيقيون في الأرضِ, الذين مثلوا العدو الخفي الذي وقف ومازال يقف خلف نكبات الشعوب.

هذه الجهة التي ينطبق عليها نص الآية-64 من سورة المائدة القرآنية:” وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين”. فكما كان الحال مع كذبة إطلاق أسماء مفترضة على أبناء نوج المفترضين, لم تذكر إلا في كتاب (التوراة) المبني على باطل الأكاذيب, فكذلك هو الحال مع كذبة أطلاق أسماء مفترضة على إخوة (يوسف) من أبناء (يعقوب). ليكون يهوذا هو الإبن المفترض الرابع في هذه التسميات المفترضة. والذي من إسمه بحسب ما أعتقد الكثير من اللاهوتيين أخذت اليهودية إسمها. كما أعتقد أن من إسمه أطلق الكهنة تسمية مملكة يهوذا المفترضة على الجزأ الجنوبي من فلسطين. هذه المملكة التي إدُّعِيَّ إقامتها مع مملكة الشمال المفترضة الأخرى إسرائيل أو السامرة, بعدما أدعيّ زوراً بأن يوشع بن نون قد عبر بالمجموعة التائهة إلى فلسطين. وفي ذلك أقر بعض علماء الأمة, كما أقر بذلك كل المؤرخون اللاهوتيون الذين طمسوا معظم وثائق التاريخ المكتشفة. ليأكدوا أن مملكة (داود) قامت عام 980 قبل الميلاد في فلسطين, وإنقسمت بعد سبعون عاماً من إقامتها المفترضة إلى مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا. والمتتبع لهذه الرواية (التوراتية) لا يجد لها أصول في القرآن الكريم تأكدها, أو مكتشفاً تاريخيا ذكر آثارها ضمن المكتشفات القديمة أو الحديثة في فلسطين وحولها, أو منجزاً حضارياً تركه أهلها خلفهم ينبأ عن حقيقة هذا التواجد في المكان الذي مثل لكهنة بابل حاجات مرضية, أو في الزمان الذي خلطه الكهنة وعصروه حتى جعلوا من عمر البشرية ممسوخا بقدر ماً مسخت به نفوسهم, وشح فيه فكرهم لتقتصر محتوياته على ما جمعوه من تراث الشعوب المحكي في حواري بابل, وليجعلوا من عمر البشرية ضيقاً في حيزٍ محدد لا يتجاوز الأربعة آلاف سنة قبل الميلاد, الذي جعلوه هو عمر (آدمهم) المفترض! مع أن الإكتشافات الأثرية التي ظهرت حتى الآن قدمت معطيات كثيرة تكذب بشكل كلي هذا الإدعاء وتضحض بشكل عام المعتقد (التوراتي), وتؤكد على أن عمر الحضارة الإنسانية المكتشفة في فلسطين وحولها يعود إلى قبل مليون ونصف سنة. وقد توثق ذلك في موقع اللطامنة في فلسطين, وموقع ست مرخو في اللاذقية, الذان عُثر فيهما على فؤوس ومعاول تعود إلى بشر عاشت قبل أكثر من مليون سنة من عمر (آدم التوراة), تناسلت جيل بعد جيل تعمر الأرض المباركة لا يعلم عددها إلا الله, وكانت جميعها من ذريات خرجت من صلب سيدنا آدم عليه السلام. كما عُثر في موقع العبيدية في فلسطين على أدوات إستخدمها أهل الأرض المباركة تعود إلى أجيال عاشت ما قبل حوالي 700 ألف سنة من إدعاء إقامة الهيكل في فلسطين من أرز لبنان. حيث أخذت هذه الأدوات والأشكال تتطور وتتقدم بحسب أنواع التحدي المفروضة على أهل فلسطين وحولها. وهذا ما أكدت عليه الأدوات المكتشفة في مواقع القامشلي على حوض نهر العاصي, وفي مغارة الطابون وهولون ومعان والعامود والسخول وجبل قفزة في فلسطين, وفي عين الأسد ومنطقة الأزرق في الأردن, وفي رأس بيروت والعصفورية في لبنان. والتي أثبت علماء الآثار بأن جميع هذه المكتشفات في هذه المواقع تعود إلى أهل هذه المنطقة الذين توارثوا بركاتها, وبنوا حضارتهم فيها ما بين 250 الف سنة إلى ما قبل 40 الف سنة من ولادة الكاهن عزرا وزمرة لصوصه في حواري بابل. كما تم إكتشاف آثار تعود إلى أهل فلسطين وحولها تخص المرحلة التي صنفها المؤرخون على أنها المرحلة المتواصلة بجزورها الحضارية مع تشكل المجتمعات البشرية, وهي المرحلة الممتدة من قبل 35 ألف سنة حتى 12 الف سنة قبل الميلاد. حيث لاحظ المؤرخين والآثاريين أن مجتمعات هذه المرحلة أخذت طابع الإستقرار والكنوع المكاني, وأخذت تبني لأنفسها المدن المسورة والمحروسة, أو تلجأ إلى المحميات الطبيعية لتنشأ مجتماعتها الخاصة بها. وقد دلّ على ذلك تراكم السويات الآثارية المكتشفة والمتراكمة فوق بعضها البعض في الموقع الواحد, أو المتناثرة داخل الموقع الواحد بمسافات لا تبعد عن بعضها بضع عشرات الأمتار. وهذا ما بينته المواقع المكتشفة في مغارة الواد ومغارة الأميرة في فلسطين, أو في يبرود والكوم وتدمر في سوريا, أو في جعيتا وملجأ برجي في لبنان. حيث أثارت هذه الإكتشافات عاصفة علمية في الأوساط الأكاديمية, دفعت بالباحث الفرنسي جان كوفان على التأكيد أن المنطقة الممتدة من وادي النيل وحوله في الغرب وحتى الفرات وحوله في الشرق, هيّ منطقة حضارية واحدة, لشعوب ذات تواصل وترابط حضاري واحد ما قبل عالم (التوراة) المفترض (جان كوفان – الألوهية والزراعة – ترجمة موسى ديب الخوري – وزارة الثقافة – سورية-1999).

وهذا ما أكد عليه الدكتور بشار خليف في كتابه (العبرانيون في تاريخ المشرق العربي القديم- مقاربات أركيولوجية تاريخية- نفسية), حيث ذكر الآتي:” الشيء المهم في هذه الفترة والذي يدحض مزاعم الدوائر الاستشراقية والإسرائيلية, هو أن الأبحاث العلمية الرصينة أكدت أن ثمة تجانساً حضارياً إمتد من وادي النيل وحتى حوض الفرات, حيث تشير تلك الأبحاث إلى سيادة نوع عرقي واحد يعرف بالعرق المتوسطي القديم”. كما أكد على ذلك الدكتور سلطان محيسن في كتاب الوحدة الحضارية للوطن العربي, حيث ذكر الآتي:” إن الأبحاث الجارية أكدت وجود حضارة نطوفية جسدت وحدة حضارية هي الأقوى من نوعها بين مختلف أرجاء المشرق العربي القديم, وإمتدت بلون واحد وبسحنات محلية من النيل إلى الفرات ومنذ الألف العاشر قبل الميلاد”( الوحدة الحضارية للوطن العربي – وزارة الثقافة – سورية2000). ويقصد بالحضارة النطوفية هي تلك الحضارة المكتشفة في وادي النطوف شمال غرب القدس, حيث عثر على مكتشفات أثرية تعود إلى 12000 سنة قبل الميلاد, تحدثت عن تطور زراعي داخل المجتمعات الفلسطينية, إذ إستطاع أهل فلسطين في هذه المرحلة تشكيل مجتمعات زراعية صنعوا فيها المناجل ذو الشفرات الصوانية المثبتة على قرن وعل أو على قطعة خشبية, الأمر الذي يؤكد أن أهل هذه المجتمعات إستقروا في أماكنهم وكنعوا فيها, وروضوا الماشية وإهتموا بالثروة الحيوانية, وما يثبت ذلك هو إكتشاف منازل دائرية مختلفة تعود إلى هذه المرحلة, وتتراوح أقطارها بين 4-9 متر لتشكل بيوتاً لهم وزرائب لحيوناتهم. ونستطيع القول أن كل ذلك حدث قبل أن يولد (آدم التوراة) في خيال الكهنة بثمانية آلاف سنة, أو قبل أن يتعلم (نوح التوراة) الزراعة ويزرع كروماً, ليصنع منها نبيذه الخاص الذي أسكره حتى التعري. وقد تمكن علماء الآثار من تمييز مرحلة حضارية أخرى في فلسطين إمتدت من ستة آلاف سنة حتى 4000 سنة قبل الميلاد, وهي نفس المرحلة المفترضة لولادة (آدم التوراة), التي كانت بحسب (التوراة) العبرية تعود إلى 4004 سنة قبل ولادة عيسى المسيح, أو بحسب (التوراة) السامرية إلتي أعادته إلى 4700 سنة قبل الميلاد, أو بحسب (التوراة) اليونانية التي أعادته إلى 5872 سنة قبل الميلاد. حيث أطلق العلماء على هذه المرحلة تسمية حضارة أريحا.

وتشير هذه المرحلة إلى إكتشاف أهل فلسطين وحولها لمادة النحاس التي صنعوا منها الأدوات والصحون والجرار, كما عرفوا صناعة الفخار والنسيج والخزف وطوروها, كما إهتموا بالفنون والمزخرفات واللوحات, إلى جانب صناعة المكاشط والمثاقب ورؤوس السهام. لذلك كتب الباحث مصطفى إنشاصي في مقدمة دراسته- مفاهيم ومصطلحات توراتية شائعة يجب تصحيحها, الآتي:” في الحقيقة يسوؤني كثيراً أن أقرأ بعد تلك العقود الطويلة من الكشف عن كثير من الآثار والحقائق التاريخية معلومات بإعتقادي أنها خاطئة, نقلها لنا علماء الآثار العرب والمسلمين عن علماء الآثار الغربيين كما هي دون تمحيص أو حتى مراجعة وتدقيق, ليكتشفوا ليس أنها فقط تخالف الحقائق القرآنية, ولكنها في الوقت نفسه تتناقض مع بعضها في بعض الأحيان. والسبب في ذلك أن البعض منهم إعتبر التوراة المحرفة والمزورة كتاباً دينياً وليس من كتابة البشر, والبعض إعتبره مصدراً تاريخياً موثوقاً يمكن الإعتماد عليه في التوثيق لتاريخ البشرية منذ سيدنا آدم عليه السلام, على الرغم من أنه لا يوجد دليل آثاري أو تاريخي يؤكد صحة ما جاء فيها, بل العكس الصحيح, فلقد أثبتت الدراسات النقدية اللغوية والتاريخية وعلم الأديان, أن التوراة كتاب غير موثوق لا دينياً ولا تاريخياً ولا أنثروبولوجياً”. فكل هذا الخط الحضاري المكتشف الذي إنطلق منذ مليون ونصف سنة, وتركه خلفهم وبينهم أهل فلسطين وحولها, كما تركته خلفها وبينها شعوب أخرى عمرت هذه الأرض في مناطق أخرى بالتوازي مع ما عمره أهل هذه المنطقة. لا يمكن شطبه من قبل كهنة (التوراة) الذين إختلقوا تاريخاً مزوراً للبشرية لا يتجاوز عمره عمر حضارة أريحا. الأمر الذي يُبَيِّنْ سخف كهنة (التوراة) الذين زعموا ذلك, وغباء وجهل من أخذ برواياتهم من العلماء والمفسرين والباحثين. والأغرب من كل ذاك هو أن يتمخض عن هذا التاريخ المفترض, تاريخ آخر مفترض إدعي به الكهنة أنه كان تاريخاً لممالكهم المفترضة في فلسطين, ليدعي أحفادهم من بعدهم أو مجموع معتنقي مذهبهم من شذاذ الآفاق بأن لهم حقاً تاريخيا في الأرض المباركة. وعلى ذلك نشطت الدوائر الكهنوتية للعمل على إثبات هذا الحق المزعوم. ونبش قبور أجدادنا علهم يجدون داخلها جينات وراثية يمكن التلاعب بنتائجها, لتعطي مصداقية لرواياتهم الساقطة, تأهل بعدها علماء اللاهوت والآثاريون من ربط خارطة طريق العشيرة المفترضة بالأرض المباركة, والإدعاء أن هذا الإرث المفترض للعشيرة المفترضة هو منشأ الحضارة الإنسانية. وهذا ما عمل عليه المرابون (اليهود) الذين مولوا حملة نابليون على مصر وفلسطين. والتي دفعت بنابليون من أن يوجه نداءاً إلى (يهود) العالم ينضح بالوعود (التوراتية), ويطالبهم فيه بالعودة إلى فلسطين, مطلقاً عليهم (ورثة فلسطين الشرعيين), بعد أن وصف أهل فلسطين (بقوى الفتح والطغيان).

وفي ذلك ذكر المؤرخ توماس طمسون في كتابه (الماضي الخرافي- التوراة والتاريخ- ترجمة عدنان حسن- قدموس للنشر والتوزيع-سوريا-ص-44), الآتي:” منذ عام 1799, وعلى وقع مدافع نابليون وصل 175 عالماً فرنسياً عهد إليهم إستكشاف تاريخ المنطقة ودراسته, بهدف البحث عن مفردات السردية التوراتية, التي قد تساهم في إعطاء مكانة للتوراة كمرجعية في رسم تاريخ الشرق الأدنى القديم”. وفي عام 1804م أنشأ في بريطانيا رابطة فلسطين, أنيط بها العمل على إستكشاف الأراضي المقدسة وتوثيق التاريخ (التوراتي). وفي عام 1819م إنطلقت أول إرسالية لاهوتية لإستكشاف أرض فلسطين من قبل القسيسين بليني فيسك وليفي بارسونس, لتتسابق بعد ذلك المعاهد العلمية واللاهوتية على إرسال بعثاتها إلى فلسطين وحولها, للبحث عن مفردات السردية (التوراتية). وقد مول المرابون (اليهود) معظم هذه البعثات التي إبتدأت مع هذه المرحلة, وإمتدت حتى وصول الإنتداب البريطاني إلى فلسطين. حيث أخذ الإنتداب المشرع من العصبة الدولية على عاتقه إكمال هذه المهمة, ليسلمها بعد ذلك إلى الكيان الصهيوني المشرع من هيئة الأمم. ونستطيع القول أنه حتى نهاية القرن العشرين, لم يستطع كل علماء الآثار وجميع الإرساليات اللاهوتية من ضمن نصف مليون قطعة أثرية عثروا عليها في قبور أهل فلسطين وحولها, من إكتشاف قطعة أثرية واحدة تصادقهم القول على ما ورد في صفحات ما تحمله أيديهم من كتاب (التوراة), إن كان في فلسطين, أو كان في مجمل خط سير العشيرة المفترضة. فجميع القطع الأثرية المكتشفة وجدت تتحدث عن حضارات عتيقة تكاملت مع بعضها بعضاً, وتناغمت داخل الشعب الواحد وإن إتخذ تسميات مختلفة بحسب المكان أو الزمان الذي شغله هذا الشعب, فجميع هذه التسميات دلت على مجموعات وقبائل ذات أصول واحدة خرجت جميعها من شبه الجزيرة العربية, وإن كان خروجها قد حصل على فترات زمنية مختلفة ومتابعدة. كما كانت جميع هذه المكتشفات تتحدث بنفس اللغة الواحدة, وهيّ العربية التي تميزت بها هذه المنطقة عن غيرها من لغات العالم الأخرى, لأنها هيّ اللغة الوحيدة التي جمعت بين الدال والمدلول بين كل لغات العالم وإن كانت بلكنات مختلفة, فرض إختلاف لكناتها الصراع الحضاري لهذا الشعب الواحد مع الظروف البيئية المختلفة في المنطقة الواحدة المتسعة الأبعاد, وفي الأزمنة التي إختلفت فيها أسباب الصراعات وعناوينها. وهذا ما جعل من المفردات التوراتية المسروقة من لهجات المنطقة ذات المصدر الواحد, من أن تنكشف وتتعرى أمام اللغة العربية, وتتصدع مفرداتها بعد كل ما تم أكتشافه في بابل وأريحا والقدس ومجدو ومُؤاب وأوغاريت وماري وتل العمارنة, وغيرها من المواقع التي شملتها معاول المنقبين واللاهوتيين. الأمر الذي دفع ببعض علماء الآثار ومنهم (اليهود) إلى تشكيل تيارا رافضاً للروايات (التوراتية), وداحضاً الجانب التاريخي الوارد فيها. فمثلا وليس على سبيل الحصر, أصدر الباحث زئيف هيرتسوغ أستاذ قسم آثار وحضارة الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب بحثا بعنوان (الحقائق الأثرية تدحض الإدعاءات التوراتية حول تاريخ شعب إسرائيل- نشر ملخصه في صحيفة هآرتس يوم 29101999), ورد فيه الآتي:” إن هناك صعوبة تواجه الإسرائيليين في هضم الحقائق التي دلت عليها المكتشفات الأثرية, التي تثبت أن كتاب التوراة بكل حكاياته وأساطيره تتناقض تناقضاً علمياً مع الحقائق التي إكتشفها علماء الآثار الإسرائيليون, وأنه من المعتقد أن سكان العالم كله, والإسرائيليون خاصة سيذهلون بسماع الحقائق التي باتت معروفة لعلماء الآثار في الحفريات داخل إسرائيل منذ عقدين من الزمان. وسوف تحدث انقلاباً حقيقياً في نظرة هؤلاء إلى التوراة بإعتبارها مصدراً تاريخياً موثوقاً به”. وطبيعي أن يكون هذا الرفض من قبل هذه المجموعة من علماء الآثار (اليهود) قد شمل إدعاء إقامة مملكة (داود) الواردة ذكرها في (سفر صموئيل الثاني-الإصحاح-8-1-8), والذي ذكر الآتي: وبعد ذلك ضرب داود الفلسطينيين وذللهم, وأخذ داود زمام القصبة من يد الفلسطينيين. وضرب الموابيين … وصار الموابيون عبيدا لداود يقدمون هدايا. وضرب داود هدد عزر بن رحوب ملك صوبة, حين ذهب ليرد سلطته عند نهر الفرات. فأخذ داود منه الفا وسبع مائة فارس وعشرين الف راجل… فجاء ارام دمشق لنجدة هدد عزر ملك صوبة فضرب داود من ارام اثنين وعشرين الف رجل. وجعل داود محافظين في ارام دمشق وصار الاراميون لداود عبيدا يقدمون هدايا…”. كما شمل هذا الرفض الإدعاء الوارد في (سفر الملوك-4-21) الذي ذكر الآتي:” وكان سليمان متسلطاً على جميع الممالك من النهر الفرات إلى أرضِ فلسطين وإلى تخوم مصر…”.

وحول إدعاء هذا السفر بأن (داود) عين له محافظين في آرام دمشق. أكد الدكتور توماس طومسون في كتابه (التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي- ترجمة صالح علي سوداح-بيسان-بيروت1995-ص-188), أن هذا الإدعاء يخص الفرعون المصري تحتمس الثالث وليس له علاقة (بداود), لذلك ذكر الآتي:” أن تحتمس الثالث عندما ضمَّ فلسطين وسوريا إلى إمبراطوريته عام 1482 ق.م. أقام عدداً من المراكز العسكرية والإدارية, وأن هذا النظام حقق قدراً كبيراً من الاستقرار في فلسطين, لا سيما في السهل الساحلي الجنوبي والأراضي الفلسطينية ذات الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية بالنسبة للمصريين”. وفي الحقيقة أن كثير من علماء الآثار العرب كانوا قبل ذلك قد رفضوا هذه الرواية (التوراتية) إستناداً إلى معطيات المكتشفات الأثرية. وهذا ما أكد عليه الدكتور والمؤرخ سهيل زكار في دراسته القدس بين حقائق التاريخ وزيف الإسرائيليات, حيث كتب الآتي:” دللت نتائج الحفريات الأثرية على عدم دخول هجرة بشرية مدمرة أو غير مدمرة إلى أرض كنعان منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد, لذلك مال الكتاب الغربيون والصهاينة والذين يدورون بفلكهم إلى القول بأنه لم يكن هناك هجرة, بل تسرب سلمي, دون تحديد لمصدر هذا التسرب, لا بل عدم إتفاق على هوية المتسربين وتعدادهم. فقد برهنت المكتشفات الأثرية على أن أريحا لم يلحقها التدمير نتيجة هجوم أو غير ذلك, ومثل هذا بقية مدن فلسطين التي كانت موجودة آنذاك”. وهذا ما أكد عليه أيضاً الدكتور معاوية إبراهيم في (الموسوعة الفلسطينية- المجلد الثاني- الدراسات التاريخية-ص-120) حيث ذكر التالي:” إن روايات التوراة غير مدعومة إطلاقاً بمصادر الممالك المعادية أو غير المعادية, كما لا تعطي المخلفات الأثرية في جميع مواقع العصر الحديدي أية براهين على صحة هذه الروايات, رغم كثرة المواقع التي تم التنقيب فيها”. كما أكد على ذلك الدكتور فراس السواح في كتابه (الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم- دار المنارة-1989-ص-206), حيث كتب الآتي:” أما من الناحية التاريخية, فلا يمكن التثبت من قيام المملكة الموحدة, بسبب عدم تقاطع الأخبار التوراتية هنا مع أي نص تاريخي قديم… أما عن توسع المملكة الموحدة وتكوينها لإمبراطورية مترامية الأرجاء فليس إلا حبكة ملحمية صرفة, لا تتقاطع مع أية معلومة تاريخية أكيدة”. وكل ذلك دفع بالكثير من الباحثين على التأكيد بأن هذه الممالك المزعومة في فلسطين, لم تكن سوى حلم إسقاطي وأماني لكهنة (التوراة) لأنها لم تَحْدُث على أرض الواقع, وقد فضحت كل الوثائق التاريخية المكتشفة هذا الإدعاء.

وأثبتت أن هذه الأرض لم تتكلم بيوماً من الأيام إلا اللغة العربية كما هو حال أصحابها. لذلك يمكن القول أن المؤرخين والمفسرين وعلماء الدين الذين إتخذوا من (التوراة) مصدرا تاريخياً, ضلوا وأضلوا الغير في أبحاثهم العلمية أو الدينية, لأنهم إستندوا على حكايات صبيانية ساقطة. وكرروا كالببغاوات روايات إسقاطية من دون أن يستندوا فيها إلى الحقائق القرآنية أو التاريخية أو العلمية, التي أكدتها مستندات ووثائق وآثار وحفريات كانت كلها تتحدث بلغة واحدة هيّ لغة القرأن الكريم وإن إختلفت لكناتها. لكن قبل الدخول في دحض كل إدعاءات كهنة (التوراة) في إقامة المملكتين, أو في حدوث السبيّ من كلا المملكتين المفترضتين, دعنا نتعرف على حقيقة يهوذا الذي من إسمه أخذ (اليهود) إسم معتقدهم. ويهوذا هو إسم الشخصية المفترضة التي أطلقها الكهنة على إبن (يعقوب) الرابع بحسب ما ذكره كتاب (التوراة), فكما جرت العادة بتحميل كهنة (التوراة) كل إسقاطاتهم الشاذة لشخصياتهم التي جعلوها تلعب دور (الأنبياء), كان الحال هو نفسه في تحميل شخصية يهوذا نفس هذا الشذوذ, لذلك لم يظهروه تقياً ورعاَ أو رجل صالحاً, أو رسولا أو صاحب مدرسة أخلاقية, تجعل من المنتمين إليه يشعرون بفخر الإنتماء, بل أظهروه زنديقا وسكيرا سيء الأخلاق ومتردد على مواخير الدعارة وزاني بمحارمه. ولتأكد من كل ذلك فالنتابع ما ورد في (سفر التكوين- 38):” وحدث في ذلك الزمان أن يهوذا (سبط بني إسرائيل) نزل من عند إخوته (أسباط بني إسرائيل), ومال إلى رجل عدلامي إسمه حيرة ونظر يهوذا هناك إبنة رجل كنعاني إسمه شوع, فأخذها ودخل عليها (لم يتزوجها), فحبلت وولدت إبنا ودعا إسمه عيرا, ثم حبلت أيضا وولدت إبنا ودعت إسمه أونان, ثم عادت فولدت أيضا إبنا ودعت إسمه شيلة. وكان في كزيب حين ولدته, وأخذ يهوذا زوجة لعير بكره إسمها ثامار, وكان عير بكر يهوذا شريرا في عيني الرب, فأماته الرب, فقال يهوذا لأونان: أدخل على امرأة أخيك وتزوج بها (في هذا الموضع عير تزوج من ثمار), وأقم نسلا لأخيك, فعلم أونان أن النسل لا يكون له, فكان إذ دخل على امرأة أخيه أنه أفسد على الأرض (أي كان يعذب زوجته ويفرغ ماءه على الأرض), لكي لا يعطي نسلا لأخيه, فقبح في عيني الرب ما فعله, فأماته أيضا, فقال يهوذا لثامار كنته: إقعدي أرملة في بيت أبيك حتى يكبر شيلة إبني (ليزوجها لإبنه الثالث). لأنه قال: لعله يموت هو أيضا كأخويه (التمهيد لزنى يهوذا بثمار). فمضت ثامار وقعدت في بيت أبيها, ولما طال الزمان ماتت إبنة شوع امرأة يهوذا. ثم تعزى يهوذا فصعد إلى جزاز غنمه إلى تمنة, هو وحيرة صاحبه العدلامي, فأخبرت ثامار وقيل لها: هوذا حموك صاعد إلى تمنة ليجز غنمه, فخلعت عنها ثياب ترملها, وتغطت ببرقع وتلففت, وجلست في مدخل عينايم التي على طريق تمنة, لأنها رأت أن شيلة قد كبر وهي لم تعط له زوجة (التبرير اللا أخلاقي للزنى), فنظرها يهوذا وحسبها زانية, لأنها كانت قد غطت وجهها, فمال إليها على الطريق وقال: هاتي أدخل عليك. لأنه لم يعلم أنها كنته(مؤامرة الزنى كانت عن سابق ترصد وتصميم). فقالت: ماذا تعطيني لكي تدخل علي, فقال: إني أرسل جدي معزى من الغنم. فقالت: هل تعطيني رهنا حتى ترسله, فقال: ما الرهن الذي أعطيك ؟ فقالت: خاتمك وعصابتك وعصاك التي في يدك (حبك عناصر المؤامرة). فأعطاها ودخل عليها, فحبلت منه, ثم قامت ومضت وخلعت عنها برقعها ولبست ثياب ترملها, فأرسل يهوذا جدي المعزى بيد صاحبه العدلامي ليأخذ الرهن من يد المرأة, فلم يجدها, فسأل أهل مكانها قائلا: أين الزانية التي كانت في عينايم على الطريق؟ فقالوا: لم تكن ههنا زانية, فرجع إلى يهوذا وقال: لم أجدها. وأهل المكان أيضا قالوا: لم تكن ههنا زانية, فقال يهوذا: لتأخذ لنفسها, لئلا نصير إهانة. إني قد أرسلت هذا الجدي وأنت لم تجدها, ولما كان نحو ثلاثة أشهر, أخبر يهوذا وقيل له: قد زنت ثامار كنتك, وها هي حبلى أيضا من الزنا. فقال يهوذا: أخرجوها فتحرق, أما هي فلما أخرجت أرسلت إلى حميها قائلة: من الرجل الذي هذه له أنا حبلى, وقالت: حقق لمن الخاتم والعصابة والعصا هذه, فتحققها يهوذا وقال: هي أبر مني (يعترف بأن الزانية هيّ أشرف منه), لأني لم أعطها لشيلة إبني. فلم يعد يعرفها أيضا (هرب بجلده), وفي وقت ولادتها إذا في بطنها توأمان (أبناء زنى), وكان في ولادتها أن أحدهما أخرج يدا فأخذت القابلة وربطت على يده قرمزا, قائلة: هذا خرج أولا, ولكن حين رد يده, إذا أخوه قد خرج. فقالت: لماذا إقتحمت؟ عليك إقتحام. فدعي إسمه فارص, وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يده القرمز. فدعي إسمه زارح”. فهذا النص (التوراتي) الساقط أخلاقيا يظهر حقيقة الشخصية التي صبغها الكهنة على (يهوذا) المفترض. وليس هذا النص بحاجة إلى شرح وتحليل لأنه واضح في تبيان حقيقة (سبط التوراة) يهوذا وحقيقة مجمل المعتقد (التوراتي). لكن الغريب في كل ذلك أن يُجعل من إبن الزنى فارص الجد الخامس ليسوع المسيح, وهذا ما أخذت به بعض الأناجيل كما أخذ به بعض علماء المسلمين الذين إستسهلوا النهل من روايات هذا الكتاب الساقط. وعلى ذلك نبني لنأكد إلى أن ورود أسماء أشخاص أو أسماء مدن وقرى في (التوراة), أو تطابق عدد إخوة يوسف في القرآن الكريم مع عدد أسماء قبائل بني إسرائيل, أو مع عدد الأسباط المفترضين المذكورة أسمائهم في (التوراة). لا يعني بالضرورة صحتها كون أن الأسباط قد ذكروا في القرآن الكريم. كما لا يعني ذلك أن أسباط العشيرة المفترضة الإثنى عشر الذين تمتعوا بنفس أخلاقيات يهوذا الزاني, وهذا ما يكتشفه كل متابع لمرويات (التوراة), هم ذاتهم عشائر بني إسرائيل الإثنى عشر, أو أن يكونوا هم ذاتهم الأسباط الذين ذكروا خمس مرات في القرآن الكريم. ففي هذا الذكر لم يرد دليل واحد يثبت بأن الأسباط كانوا من بني إسرائيل, أو إن كانوا من الذين هادوا أو إن كانوا هودا, والآية-140 الكريمة من سورة البقرة واضحة في ذلك:” أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى”. ولعل بعض العلماء إشتبه عليهم الأمر ظناً منهم أن ورود أسماء الأسباط بعد يعقوب إشارة على أنهم هم أبنائه الإثنى عشر المذكورين في سورة يوسف, ليوائموا بين هذا الفهم مع ما ورد في الحكايات الساقطة الواردة في كتاب (التوراة), مع علمهم أن الآية-163 الكريمة الواردة في سورة النساء التي نصت على الآتي:” إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً”, تضحد هذا الإعتقاد, وتثبت أن الترتيب الوارد في هذه الآية لم يقصد منه ترتيباً زمنياً, ليُعتقد بأن ذكر الأسباط بعد النبي يعقوب عليه السلام في الآية السابقة قد يفهم منه أنهم أبناؤه. لكن ذلك لا يبرر لبعض العلماء أن ينهلوا من الروايات الساقطة في (التوراة), لشرح المعنى الرباني المقصود في القرآن الكريم. كما أن ذلك لا يضع حلا للإشكالية التي إختلف عليها علماء التفسير في تحديد مهمة الأسباط, بين قائلٍ أنهم كانوا قوماً صالحين, أو قائلٍ إعتقد بأنهم أنبياء مرسلين. مع أن الآيات القرآنية سابقة الذكر واضحة في ذلك, بنفس وضوح الآية-136 الكريمة من سورة البقرة:” قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”. الأمر الذي يشير إلى أن حقيقة الإختلاف لم يكن في الفهم الواضح والمبين في الآيات القرآنية, إنما مرجعه قد يعود إلى تأثر بعض الأولين من المفسرين بالروايات (التوراتية), وخوف الكثير من المفسرين اللاحقين عن مخالفة السابقين في هذا الأمر. لكن رغم كل ذلك فجميع الآيات الكريمة التي ذكرت الأسباط إختصتهم برسالة الهداية, ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن يكونوا هم أسباط (التوراة) الساقطين أخلاقياً كما تابعنا مع قصة يهوذا, أو غيره من أسماء الأسباط المفترضة المذكورة بسلوكيات شبيهه في كتاب (التوراة). كما لا يمكن أن يكونوا هم أنفسهم المقصودين بإخوة يوسف في القرآن الكريم, فإخوة يوسف كما أوضح رب العزة في كتابه الكريم بحسب الآية-8 الكريمة من سورة يوسف:” إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ” أو بحسب الآيتين (16-17) من نفس السورة:”وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُون. قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ”, فرب العزة أكد في كتابه الكريم أن إخوة يوسف عصبة غير صادقة تآمرت على أبيها النبيّ بعد أن صنفته بأنه على ضلال مبين, الأمر الذي يبين حقيقة من كان على هذا الضلال, وخصوصاً بعد أن أضمر أبناء يعقوب السوء على أخيهم النبي وحقدوا وتآمروا عليه, ليمرروا بعد ذلك مؤامرتهم على أبيهم النبيّ.

فكل ذلك يظهر بأنهم لا يتمتعون بصفات المرسلين, الأمر الذي يسقط عنهم أن يكونوا هم المقصودين بالأسباط المرسلين والعلم عند الله. ثم أن جميع الوثائق المكتشفة في جميع مواقع البحث, لم يظهر فيها نصاً واحداً يؤكد روايات (التوراة) حول إحتلال فلسطين على يد عشائر (أسباط التوراة) في إيطار حملة يوشع العسكرية. الأمر الذي يسقط كلياً إدعاء أن تكون عشيرة يهوذا المفترض قد وصلت إلى فلسطين, أو أن يكون (أسباط التوراة) قد أقاموا ممالك في فلسطين. وعلى ذلك يمكن البناء في رفض المزاعم القائلة بأن الأشوريون هم من دمر مملكة الشمال المفترضة والتي لم تكن موجودة إلا في خيال الكهنة, وكذلك هو الحال بالنسبة إلى مملكة الجنوب المفترضة التي تم الإدعاء بأن الكلدانيون هم من دمرها. وهذا يقودنا إلى رفض مقولة ان يكون قد حدث سبياً بالأساس (لليهود) من فلسطين في كلا الحالتين الأشورية والكلدانية. فكل ذلك يؤكد أن كتاب (التوراة) لا يمكن أن يكون مصدرا تاريخيا لتوثيق أحداث التاريخ وخصوصا تاريخ فلسطين, كما لا يمكن أن يكون مصدرا دينا لفهم الآيات القرآنية التي ذكرت بني إسرائيل أو ذكرت أنبياء الله والمرسلين والأسباط أو إخوة يوسف. من كل ما تم إثباته حتى الآن نتأكد أن قصص (التوراة) شيء, والتاريخ الحقيقي أو الديني شيء آخر. وهذا هو حال المملكتان المزعومتان يهوذا والسامرة التان لم يأتيا ذكرهما إلا في كتاب (التوراة). والحقيقة البادية للعيان من خلال ما كتبه كهنة (التوراة) عن خط سير العشيرة المفترضة إلى فلسطين, تبيّن بشكل واضح بأن الكهنة لم يراعوا الواقع الجيوسياسي المؤرخ لفلسطين وما حولها آنذاك. إذ تأكد الإكتشافات الأثرية أن فلسطين في أواسط القرن الثالث عشر وهيّ الفترة المفترضة لدخول عشائر (التوراة), كانت خاضعه بشكل مباشر للحكم المصري. ولم تثبت الوثائق المكتشفة مجرد إقتحام واحد قامت به جيوش يوشع بن نون التائه في صحراء سيناء, لتبنى بعده مملكة للعشيرة في فلسطين. وهذا ما أكد عليه المؤرخ الدكتور فراس السواح في كتابه (آرام دمشق وإسرائيل- ص-103), حيث كتب الآتي:” من ناحية النقد التاريخي والأركيولوجي, فإن علم الآثار لم يتوفر لديه سبب واحد يدفعه إلى القول بأن القرن الثالث عشر قبل الميلاد, قد شهد تشكل شعب جديد في فلسطين, لا سيما وأن العناصر الإثنية الجديدة المفترضة لم تترك مخلفات مادية ذات طابع ثقافي متميز عن طابع الجماعة السابقة التي حلت بين ظهرانيها أو حلت محلها”. معتبراً أن كل ما بينته الإكتشافات الأثرية لا يشير إلا إلى وجود ثقافة كنعانية تطورت بشكل ذاتي وطبيعي. وقد حاول بعض علماء الآثار (التوراتيون) التلاعب بنصوص بعض الوثائق الأثرية المكتشفة, وخصوصاً في نقش مرنبتاح (1224- 1214ق.م.), لإدعاء وجود (توراتي) في فلسطين يثبت قيام المملكتين في هذه المرحلة, وقد أشار إلى ذلك أستاذ اللغات القديمة الدكتور محمد بهجت قبيسي الذي أجرى دراسة على نقش مرنبتاح المنحوت على صخرة سوداء ضمن المعبد الجنائزي الذي أقامه هذا الملك إلى الجنوب من معبد رمسيس الثاني في مدينة الأقصر بمصر. ويتكون هذا النقش من ثمانية وعشرين سطراً, تحدث فيها مرنبتاح عن إنتصاراته وإنجازاته ضد الليبيين, ثم تحدث عن إنتصاراته ضد بعض ملوك مدن فلسطين, وهذه صورة النقش: حيث ورد في السطر السادس والعشرين منه, الآتي:” وإنبطح كل الزعماء طالبين السلام, ولم يعد أحد يرفع رأسه من بين التسعة, وأمسكت التحنو, وخاتي هدأت, وأصيبت كنعان بكل أذى, وإستسلمت عسقلون وأخذت جزر, وينعم أصبحت كأن لم تكن, ويزريل أقفر, ولم يعد له بذور, وخارو أصبحت أرملة”. وكان نتيجة دراسة الأستاذ قبيسي لهذا النقش أن خرج بنتيجة تتلخص بالتالي:” يقول النقش أن مرنبتاح سيطر على التسعة أقواس التالية (يعني بالأقواس مناطق أو شعوب) وهذا التعبير مستعمل في أكثر النقوش المصرية, وقد قمنا بِعَدّ هذه الأقواس ودراستها, فوجدنا أنه قد تم حدوث تزوير في قرائة القوسين السابع والثامن, إذ ضُما هذين القوسين إلى بعضهما, لتصبح الكلمتان كلمه واحدة يزريل, الذي جعلها العلماء تعني إسرائيل, والقراءة التالية تظهر ذلك: ويقول المؤرخ والأستاذ الجامعي الدكتور سهيل زكار في دراسته سابقة الذكر, تأكيداً لما ذكره دكتور قبيسي, الآتي:” لدى التمعن في هذا النص, نجد أن الذين جاء ذكرهم في الترجمة هم ثمانية وليسوا تسعة. هذا وكانت قد صدرت دراسات كثيرة, تعاملت مع إسم يزريل على أنها إسرائيل. لكن بعد أن أعدنا النظر بقراءة النص, تبين أن تزييفاً لحق القراءة, ودمج هذا التزييف بين الإسمين السابع والثامن, وبذلك باتت الأسماء التسعة هي تحنو, وخاتي, وكنعان, ويسقراني, وجزر, وينعم, ويازير, ويار, وخال. لتكون بذلك يازير هي يازور التي تقع على بعد ستة كيلو مترات إلى الشرق من يافا. ومن المحتمل أن يكون المقصود بيار هيّ يارين التي تقع على الحدود اللبنانية الفلسطينية الآن”. وفي محاضرة القاها الأستاذ القبيسي في المركز الثقافي العربي في كفر سوسة في شهر شباط من عام2011, أكد فيها التالي:” أن البعض قد يسأل لماذا يفهم من (يار) على أنها يارين؟. فأقول: أن الكتابات الهيروغلفية هي كتابات إختزال, فمثلا العزيز حاكم الإقليم كتبت في الهيروغليفية (عز), وحطين كتبت (حط), والعموري كتبت (عموا), وهكذا كتبت يارين (يار)”. وهذا ما كانت قد أكدت عليه عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينون, التي بينت عجز علم الآثار عن الحصول على أي موقع يثبت وجود مملكة إسرائيل, أو إكتشاف أي أثر لموقع جلجال, الذي إدعى الكهنة أن فيه أقيم تابوت العهد بإحتفالية كبيرة لتخليد ذكرى عبور النهر (كاثلين م.كينون- الكتاب المقدس والإكتشافات الأثرية- ص-47).

وفي نفس الدراسه السابقة للدكتور سهيل زكار أكد فيها بأن الممالك المزعومة لم يكن لها وجود في فلسطين, كما لم تبين الحفــــريات الأثرية في القـدس أدنى إشارة إلى بناء هيكل سليمان. وما ينفي كذلك وجود المملكتين هو ما أكد عليه الدكتور توماس طومسون في كتابه ( التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي- مرجع سابق- ص-188), حيث كتب الآتي:” إن المدوّنات المصرية التي تناولت حملة الفرعون شيشنق على المدن الرئيسية وطرق التجارة في فلسطين أواخر القرن التاسع قبل الميلاد, وهي نفس الفترة الزمنية التي إدعى الكهنة فيها إقامة المملكتين. لم تذكر أي شيء على الإطلاق عن أي حكم للأسباط في فلسطين, فلا مملكتي يهوذا وإسرائيل ولا حتى القدس أو أي عاصمة أخرى محتملة تستدعي إهتمام شيشنق في محاولاته لإخضاع فلسطين”. وللعلم طرد الدكتور توماس طومسون من جامعة ميلووكي الأمريكية بسبب جرأته على تبيان مثل هذه الحقائق الأثرية في كتابه المذكور, أو بسبب أبحاثه التي أثبت فيها عدم وجود مثل هاتين المملكتين في فلسطين. فمن كل ذلك نستنتج أن مئات الآلاف من الوثائق المكتشفة لم تثبت لو بمجرد وثيقة واحدة تواجداً واحداً لعشائر (أسباط التوراة) ولا لممالكهم المفترضة في أية بقعة من بقاع فلسطين. الأمر الذي يطرح إستغرابا جدياً على خلفية العلماء والباحثين ورجال الدين الذين مازالوا يرددون تلك المرويات (التوراتية) في هذا الشأن! ولمعرفة الحقيقة من كل هذا الإدعاء (التوراتي) علينا العودة إلى السجلات المصرية المؤرخة على الحائط الخارجي لردهة العمد الكبرى في معبد الكرنك, وخصوصاً إلى لوحة قادش المنقوشة على هذا الحائط والتي ذكرت تفاصيل هذه المعركة التي قادها تحتمس الثالث. فمن الواضح أن كهنة (التوراة) سطوا على هذا السجل الخاص بتفاصيل معارك تحتمس, وصبغوها على شخصية (داود) في القصة الواردة في سفر صموئيل الثاني. حيت قام (داود في الرواية التوراتية) في لعب دور المهاجم تحتمس الذي غزى الممالك الواقعة بين نيل مصر وفرات ارض الرافدين, وخصوصا تلك الممالك الكنعانية التي توحدت فيما بينها لمواجهة حملة تحتمس عليها. ولعل الكثير من الباحثين والمؤرخين فجعهم هذا السطو على تفاصيل معارك تحتمس, وهم يتابعون تلك القصص (التوراتية) المفبركة والصبيانية التي كانت تتحدث عن (داود) زعيم عصابة المرتزقة, الذي يقوم بعمليات سطو مسلح وسلب وقتل, ويفرض بستمائة رجل هم عماد العصابة على عشائر الأسباط دفع الآتاوات. ليتحول بعد ذلك بسرعة البرق من (داود) الذي يقود صراع حواري, إلى (داود) القائد الإقليمي الذي يقود الجيوش الجرارة ليسحق بها الممالك والإمبراطوريات الكبيرة, متقمصاً شخصية تحتمس الثالث في معركة قادش, ليسيطر هذا (الداود) على المساحات الشاسعة المؤرخة في وثائق معبد الكرنك. هذه الحروب التي لم تؤكدها لو وثيقة واحدة مكتشفة, كما أن العقل يرفضها بقدر ما يرفض الدين الحنيف أن يكون النبي داود الذي كان من المرسلين وأنزل عليه الزابور, بحسب الآية-105 من سورة الأنبياء:” ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذِّكر أنَّ الأرضَ يرثُها عِبادي الصالحون”. هو نفسه (داود التوراة) الذي لم يتورع عن قتل أزواج بعض النساء اللاتي أفتنته من أجل نزواته الخاصة, أو أن يكون من أحفاد زنى يهوذا بثمار. أو أن تكون جدته راعوث التي زنت مع بوعز قريب زوجها. وفي تعليق لباحث المصريات العالم أحمد عثمان على كتاب الكشف عن الكتاب المقدس- رؤية الآثار الجديدة لأصل نصوصه المقدسة, للباحثين (اليهودين) نيل أشر سلبرمان وإسرائيل فنكليستاين, الذان بالأساس قد رفضا في كتابهم المذكور تلك الفبركة الواضحة لقصة (داود) المزعومة, كتب الآتي:” على الرغم من عدم وجود علاقة بين المعارك المروية عن داود بني إسرائيل, فهي تتفق تماماً مع أخبار حروب تحتمس الثالث, كما وردت في المصادر التاريخية المصرية. كان تحتمس الأول قد إستطاع الوصول عبر الفرات من قبل, حيث أقام مسلة في جنوب آسيا الصغرى يحكي فيها أخبار انتصاراته”(جريدة الشرق الاوسط-2142002- العدد 8545). وقد بلغت سرقات الكهنة لهذا التراث المصري المنقوش على اللوحة, إلى حد الإدعاء في سفر صموئيل الثاني أن (داود) أقام هذه المسلة الفرعونية, وقد ورد في هذا السفر الآتي:” فرض داود الحصار على المدينة, وذهب هو للإقامة في اورشليم إلى أن حان وقت سقوطها, فذهب لتسلمها. إلا أن ملك صوبة تمكن من الهرب عائدا إلى مملكته في شمال سورية, فسار إليه داود… ونصب داود تذكارا (أقام لوحة) عند نهر الفرات”, هذه اللوحة هيّ ذاتها التي كان تحتمس قد أقامها في نفس المكان. ولعل ما لفت إنتباه الكهنة إلى هذا السجل الفرعوني الكبير, هو أن القدس المزمع السطو عليها وضم إسمها إلى مجمل مسروقات العشيرة في (التوراة) لتصبح تحمل الإسم البابلي أورشليم. في حال ضبطها ككلمة تصبح تنطق قادس أو قادش في لهجات المنطقة. إذن لا بأس وسط كل عمليات تأصيل أصول مزورة (لبني إسرائيل), من سرقة تفاصيل معارك تحتمس المذكورة في لوحة قادش, وضمها ضمن السجل المزور لمعارك (لداود) ليصبح أنتصار تحتمس في معركة قادش, هو إنتصاراً (لداود) في معركة القدس التي قد تلفظ قادس. ولا بأس أيضاً وسط كل عمليات السرقة والتزوير والتلفيق والتقمص, أن يصنع تاريخاً مزوراً (لداود) بجعله يقود معارك تحتمس الأقليمية, ليستريح بعدها في عاصمته اورشليم التي صنعها الكهنة على مقاس تلفيقهم وتزويرهم لتاريخ المدينة العريق. لذلك كتبوا في السفر صموئيل الثاني, أن (داود) فرض الحصار على المدينة التي أطلق عليها الكهنة إسم (ربة), وذهب للإقامة في اورشليم إلى أن حان وقت سقوط المدينة فتسلمها. وبذلك إعتقدوا أنهم حققوا المراد من سرقة تفاصيل معركة قادش تحتمس حتى إسمها الذي يعني قادس وقدس.

وهكذا أعطيت القدس إسماً مفترضاً وغريبا عنها هو أورشليم, هذا الإسم الذي لم يذكر إلا في كتاب (التوراة) فقط, ليتم تسويق أورشليم وهيكل سليمان على أنهما تعنيان القدس والمسجد الأقصى, هذا المسجد الذي بارك رب العزة حوله قبل أن يطلق كهنة (التوراة آدم في كتابهم) بمئات الآلاف من السنين التي لا يعلمها إلا الله. لذلك عندما تشكل اللسان العربي قبل ولادة (آدم التوراة) في أوهام الكهنة الإسقاطية, أعطى القدس والتقديس معنى ومضمون الطهر والتطهير الذي تستحقه الأرض المباركة. الأمر الذي ينفي أن تكون القدس قد حملت في يومٍ من الأيام إسم يبوس وإن سكنها اليبوسيون العرب, أو دار سالم وإن كان سالم إسم الملك اليبوسي, أو أن تحمل إسما لغيرهم من ملوك وشيوخ القبائل العربية التي حلت أو كنعت في أرضها قبل اليبوسيين أو بعدهم. ويؤكد هذه الحقيقة الدكتور سهيل زكور في بحثه سابق الذكر, حيث كتب الآتي:” لم يكن للقدس إسماً آخرا قبل الحكم اليوناني. والقدس هو الإسم الذي يمكن توثيقه لغوياً, وجغرافياً, وتاريخياً, وهذا الاسم مرتبط بالماء من حيث الطهارة, ومن حيث المخزون الإيماني.

إن إسم أورشليم هو إسم رافدي بابلي, ظل رائجاً حتى مطلع العصر العباسي, حيث أنه عندما بنى أبو جعفر المنصور مدينته بغداد أطلق عليها اسم دار السلام أي أورشليم”. وما يؤكد أن كلمة أورشليم غريبة عن أهل فلسطين وحولها, هو أن لفظة (اور) لم تستخدم في أي مكان من بلادهم الواسعة أو حولها. وإقتصر إستخدام هذه اللفظة على بلاد الرافدين, نتيجة لتأثر تلك المنطقة العربية بالمناطق المحيطة بها. الأمر الذي يثبت أن أول من إستخدمها هم كهنة حواري بابل الذي كتبوا (التوراة), ولم يكن لها أي أصول تاريخية أو دينية قبل ذلك. وفي هذا المجال ذكر الدكتور خالد أيوب الباحث في علم الآثار والنقوش الأثرية القديمة, والمشارك في نفس محاضرة الدكتور قبيسي سابقة الذكر, الآتي:” هناك كثير من المواقع التي ذكرت في نصوص مصرية وبابلية وغيرها تم إسقاطها بالمقارنة اللغوية, على مواقع في نصوص التوراة استُنتج منها أنها مواقع على أرض فلسطين, كانت رؤية المكان معزولة عن قائمة المواقع الواردة فيه, والتي تشكل معاً وحدة جغرافية متكاملة ومترابطة, بناءً على ما سبق لا يعني أن تكون القدس الفلسطينية هي المقصودة بأورشليم”.

كما أن القدس عرفت بإسمها وحافظت عليه حتى عندما زار المؤرخ هيرودوت المنطقة في القرن الخامس قبل الميلاد (بعد فترة إدعاء السبيّ البابلي ببضع سنين). فقد ذكر هذا المؤرخ إن هناك مدينة كبيرة في فلسطين تسمى قاديتس (الإسم اليوناني للقدسcadytis مع إضافة اللاحقة اليونانية-us– is), فلم يذكر أورشليم أو الممالك المفترضة أو السبيّ المفترض. وقد عرض الدكتور قبيسي في محاضرته سابقة الذكر هذا النص لهيرودوت وهذه الترجمة القديمة التي ورد فيها إسم القدس: وقد حاول بعض الباحثون (التوراتيون) إثبات أن أورشليم ذكرت في نصوص اللعنة المصرية التي تعود إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد, وقد كانت قد كتبت هذه النصوص على آنية من الفخار, وبعض الدمى بالخط الهيراطيقي, حيث ذكرت هذه النصوص أسماء مدن مصرية ونوبية وسورية, مثل بيبلوس (جبيل) وعسقلان, وأوزو (أمام صور), وأشام م. من خلال إدعائهم بأن (أشام م) قصد منها مدينة أورشليم. وقد أوضح الدكتور قبيسي أمام مؤتمر الآثاريين العرب عام 2001, الآتي:” فوجدنا أن ليس هناك أورشليم هناك اسم الشام أوشاموم فلظة (أو) السابقة تستخدم بالهجات المنطقة, فمثلا (أوغري) تعني (غري)

وأوغاريت, والتنويم كما أقول أبوم أموم أختم, هذا التنويم وارد, إذن الكلمة تعني الشام, ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون أورشليم, فالكلمة لا تحتوي حرفي الراء واللام, إذاً هذا تزوير واضح, وهذه صورة الوثيقة: ويقول الدكتور عبد الحميد أحمد زايد, الآتي:” إن اسم أورشليم ظهر بعد ألف وخمسمائة سنة من تاريخ نصوص اللعنة, وطبعاً من الواضح أن الذي قصد ب (أُشام م) هو بلاد الشام, التي إستخدمها المصريين ممراً في غزواتهم, متذكرين أن تاريخ نصوص اللعنة يتزامن مع بدايات ظهور الهكسوس في مصر” (القدس الخالدة في الوثائق المصرية القديمة والأكدية والكتاب المقدس- الدكتور عبد الحميد أحمد زايد في بحوث مصادر تاريخ القدس- ج1 – ص- 56- 58). والهكسوس عرباً تحدثوا اللغة العربية كما ذكرنا سابقاً. وحول المذبح الفرعوني الذي أنشأه أمنحوتب الثالث في أقدس مواقع القدس, والذي إدعى الكهنة سارقي تفاصيل لوحة قادش, أن (سليمان بن داود) قد أقام هيكلا في نفس الموقع. ذكر الدكتور أحمد عثمان في كتابه (تاريخ اليهود- 4 أجزاء- ج1- مكتبة الشروق- القاهرة 1994- ص-184), التالي:” كان لموقع مدينة القدس الحصين ووجود أسوار قوية حولها, أن جعلها أقل عُرضة لهجمات الأعداء, إلى أن فتحت أبوابها لإستقبال الفرعون تحتمس الثالث خلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد, عندما أدرك أهلها عدم جدوى مواجهة جيشه القوي, فركَّز فيها الملوك المصريون فرقة عسكرية من المركبات والخيَّالة, ثم أقام الفرعون أمنحوتب الثالث فيما بعد معبداً عند مذبح الصخرة”. وقد أكد الدكتور محمد توفيق السهلي في دراسته- نتائج التنقيب تدحض المزاعم الصهيونية, أن المكتشفات الأثرية في وادي قدرون, أثبتت وجود مثل هذه أسوار المنيعة حول القدس تعود إلى ستة آلاف سنة, ولها بوابات حول المدينة لا يمكن الدخول إليها, أو الخروج منها إلا من خلالها, حيث ذكر الآتي:” تعود المكتشفات الأثرية إلى العصر الحجري المتأخر, حيث تطابقت مع الموجودات الأثرية المكتشفة في أريحا ونابلس ولاخيش, وكذلك في تل العجول في غزة, ونتيجة ذلك وبأعلى درجات الدقة, حصلت البعثة التي تقوم بالحفريات على المعلومات التي حددت تاريخ القدس بستة آلاف عام من الحضارة (بالنسبة لهذه المكتشفات فقط), وأثبتت بذلك زيف وبطلان مقولة إنها مدينة داوود وبأن بدايتها كانت في عصره. كما أكدت هذه المكتشفات على وجود أسوار بلغ إرتفاعها نحو عشرة أمتار. كما يدل الكثير من الأبنية المكتشفة على وجود قصور وقلاع وحصون كانت قائمة في المدينة في تلك الحقبة”. وكأن الفرعون المصري إختار من هذا الموقع التاريخي والديني, الذي يمثل أكثر الأماكن قداسة عند أهل فلسطين وكل المؤمنين برسالات الهداية التي إختص بها رب العزة أنبياؤه ورسله, مكاناً ملائماً ليفرض منه معتقداته الفرعونية على الواقعين حينها تحت نير إحتلاله, من خلال بناء مذبحاً يكرس فيه هذه المعتقدات.

الأمر الذي يوضح أن هذا المذبح الفرعوني قد أنشأ مكان مسجد بيت المقدس الذي كان قد أنشأ منذ أن بارك رب العزة هذه الأرض وجعلها أولى القبلتين. والثابت دينيا أن آدم عليه السلام قد بنى مسجدًا في بيت المقدس قبل تشكل المجتمعات والحضارات, وقبل صناعة الفؤوس والمعاول المكتشفة في موقع اللطامنة في فلسطين وموقع ست مرخو في اللاذقية, والتي تعود إلى بشر عاشت قبل أكثر من مليون ونصف سنة. ويدل على ذلك الحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد عن أبا ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام, قال: قلت: ثم أي قال: المسجد الأقصى, قلت: كم كان بينهما؟ قال: “أربعون سنة. وقد جاء في شرح الحديث في فتح الباري لابن حجر العسقلاني وتفسير ابن كثير, أن أول من أسس مسجد بيت المقدس, هو آدم عليه السلام, ليكون قبلة لذريته من بعده. كما يوضح ذلك أن كهنة (التوراة) حين إبتلعوا التراث المصري المسجل على حائط معبد الكرنك, إيبتلعوا كذلك ما سجل عن المذبح الفرعوني, فسجلوه في كتابهم على أنه مذبح الهيكل الخاص (بسليمان). وهذا ما أهلهم بعد ذلك إدعاء إقامة المملكتين يهوذا والسامرة على أنقاض هذه المملكة المفترضة. ليتم بعد ذلك الإدعاء بأن السبيّ البابلي قد جمع المنفين من تلك المملكتين المفترضتين في حواري بابل موطن الكهنة. الأمر الذي سهل على كهنة بابل وخصوصاً عزرا, الإدعاء على أنهم من أبناء ذاك السبيّ المفترض. وبذلك أوجدوا آلية كهنوتية تربطهم بالعشيرة المفترضة, تأهلهم بالمطالبة بالإرث (الداودي) المفترض الذين هم من صنعه في خيالهم الإسقاطي. ونستطيع عل ذلك أن نبني لنأكد أن سرقة تراث ووثائق كل الحضارات التي تناقلتها ذاكرة الشعوب القديمة, شملت كذلك سرقة تراث الأشوريون والكلدانيون, الذين شهدت عليهم وثائقهم المكتشفة في مكتبة الملك آشور بانيبال (625-667) قبل الميلاد, وضمت حوالي 25000 لوح من الآجر مصنفة ومفهرسة. حيث فضحت محتوايات هذه المكتبة وغيرها من الوثائق المكتشفة, مدى السرقات التي سطى عليها كهنة (التوراة). كما فضحت هذه الوثائق معظم إدعاءات الكهنة, والتي منها إدعاء حدوث عمليات السبيّ الأشورية والكلدانية (لليهود). وقد أثبتت هذه الوثائق أن (اليهود) لم يكونوا حينها قد ظهروا بعد على مسرح بابل وأحداثها.

وهذا ما أكد عليه المؤرخ الإغريقي هيرودوت سابق الذكر, الذي تحدث بالتفاصيل عن مصر ومدنها وأحداثها وديانتها, وعن العراق ومدنها وما جرى فيها من أحداث وما فيها من مذاهب وديانات. حتى أنه ذكر أدق التفاصيل في وصف المدن والشعوب وعلومها وعاداتها وما تميزت به عن غيرها. فمثلا ذكر مدينة بابل وطرقاتها ونوعية مزروعاتها, وعادات الناس وتقاليدهم وطقوسهم في دفن موتاهم, كما تحدث عن علومهم وإنجازاتهم في مجال الطب. لكنه لم يشاهد داخل هذه المدن أحداً من المسبيين أو (اليهود) ليذكرهم في مؤرخاته. وتحدث عن فلسطين ومعتقدات أهلها, ووصف مدنها العديدة ومنها القدس التي زارها, وأوضح أنها كانت بلدة سورية كبيرة على مقربة من مجدولوس الذي هو مرج ابن عامر, حيث أكد هيرودوت أنها كانت تعرف بهذا الاسم منذ القدم(هرودوت يتحدث عن مصر للدكتور محمد صقر خفاجة والدكتور أحمد بدوي – القاهرة- 1987 ص-293). والواضح أنه لم يذكر لا في بابل ولا في فلسطين ولا في حولها عن أي تواجد أو وجود (لليهود) لفت إنتباهه. حتى نجد أنه حين تحدث عن عملية الختان التي إعتبرها البعض أنها كانت خاصة (باليهود), وأنها تشكل عهداً خاصاً بين العشيرة (التوراتية) وبين (إلهها), بحسب (سفر التكوين-17-10-14):” هو ذا عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك(المقصود ابراهام)… فيكون علامة عهد بيني وبينكم… فيكون عهدي في لحمكم عهداً أبدياً. وأم الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. أنه نكث عهدي”, فلم يذكر هيرودوت (اليهود) بها, كما لم يذكر أن أحداً أخذها عنهم, بل أكد في القسم الثاني من كتابه التاريخ الآتي:” إن الشعوب الوحيدة التي تمارس الختان هم الكلخ والمصريون والأثوبيون. لكن الفنيقيين وأولئك السوريين الذين يقطنون فلسطين يعترفون بأنهم تعلموا ذلك (أي الختان) من المصريين. وفيما يتعلق بأولئك السوريين الذين يعيشون على ضفاف نهري ثرمدون وبالرثنيس, وكذلك جيرانهم المقرونيون فإنهم يقولون إنهم تعلموها من الكلخ”.

الأمر الذي يشير على أن الكهنة إقتبسوا عمليات الختان من شعوب المنطقة التي أخذتها بالأساس من الديانة التوحيدية التي حملها رسل الهداية, ولم يأتوا بها. وهذا يعني أيضاً بأن هيرودوت أثناء مكوثه في القدس أو في كل بلاد الشام والعراق ومصر لم يلتق أو يصادف أحداً من (اليهود), فلو كان (اليهود) قد وجدوا حينها في مكان ما من هذه المناطق لذكرهم بصورة أو صفة أو حادثة. وكل ذلك يشير إلى أن (اليهودية) تسمية إستحدثت بعد القرن الخامس قبل الميلاد, وهو زمن كتابة (التوراة) في حواري بابل. كما أن ذلك يؤكد صحة ما طرحناه سابقاً حول أن العشيرة (التوراتية) هيّ عشيرة مفترضة أطلقها الكهنة في كتابهم, ولم تكن لها أصول قبل كتابة (التوراة). وبالتالي يمكن القول أن الكهنة هم من إبتدع (اليهودية) أو ما يسمى (بالديانة اليهودية). فأين هم هؤلاء المختنون وتلك الأجيال من نسل (ابراهام التوراة) الذين تعاهدوا مع (إله التوراة) على لحم غرلتهم, بعد أن قال (إله التوراة) لأبراهام بحسب (سفر التكوين-17-7-8), الآتي:” وأقيم عهدي بيني وبينك. وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبديا. لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك. وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك أرض كنعان ملكاً أبديا. وأكون إلههم”. الأمر الذي يؤكد أن فرضية سبيّ (اليهود) إلى بابل لم تكن إلا جزءاً من مسلوبات الكهنة المستثمرة في مشوار تشريع إغتصاب فلسطين. لكن ربما يسأل سائل: من أين سرق الكهنة فكرة هذا السبيّ ليسقطوه على عشيرتهم المفترضة ؟. ولمعرفة الحقيقة في ذلك, علينا الربط بين واقع الكهنة المعاش في حواري بابل والجهات التي إختصها الكهنة بتنفيذ عمليات السبيّ المفترض, وهم الأشوريون والكلدانيون. فلو رجعنا إلى الوثائق الأشورية المكتشفة, نجدها تحدثت عن حملات موجهة ضد القبائل التي أطلقوا عليها اسم أريبو أي العرب ولم تتحدث هذه الوثائق عن حملات موجهة ضد الممالك المفترضة, ليجري سبيا (لليهود) الذين لم يكونوا قد ظهروا على المسرح السياسي بعد. وقد أكد الدكتور فراس السواح أن المقصود بالكلمة الأشورية أريبو هم العرب (الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم-ص-289-295), كما أكد في نفس المرجع (ص-124) الآتي:” لا نستطيع في كل سجلات بابل وأشور أن نجد تلميحاً واحداً إلى حملة موجهة ضد يهوذا وإسرائيل”. وأن السبيّ قد حدث بالفعل لملوك عرب وبعض من حاشيتهم. فمثلا يحدثنا الملك الأشوري آشور بانيبال في إحدى الوثائق المكتشفة عن إعادة تشييد قصر عسر هدن.

حيث ذكر عملية السبيّ ضمن وصفه لعملية إعادة بناء القصر, وليس لوصف بناء هيكل (سليمان) المفترض, فذكر الآتي:” ولكيّ أشيد هذا الحرم كان أهل بلادي ينقلون اللبنات في عربات عيلام التي غنمتها منهم بأمر الآلهة. وسخرت ملوك بلاد العرب الذين نقضوا الهدنة معي, والذين أسرتهم في الحرب بيدي وهم أحياء, يحملون الأسفاط و(يلبسون) قلانس الفعلة ليشيدوا ذلك الحرم… وكانوا يقضون نهارهم في صنع اللبنات, ويرغمون على العمل فيه أثناء عزف الموسيقى (وليس المزامير). وشدت بناءه من قواعده حتى سقفه وأنا مغتبط مسرور, وأنشأت فيه من الحجرات أكثر مما كان به قبلاً, وجعلت العمل فيه فخما, ووضعت فوقه كتلاً طويلة من أشجار الأرز التي تنمو على سِرارا ولبنان, وغطيت الأبواب المصنوعة من خشب الليارو ذي الرائحة الذكية بطبقة من النحاس وعلقتها في مداخله ( كان النحاس يحضر من فلسطين أثناؤها)… وزرعت حوله أيكة حَوَت جميع أنواع الأشجار والفاكهة… على اختلاف أصنافها… ولما فرغت من أعمال بنائه قربت القرابين العظيمة للآلهة أربابي, ودشنته وأنا مغتبط منشرح الصدر ودخلته تحت ظلة فخمة”. الأمر الذي يبين أن الأشوريون قد قاموا بعمليات سبيّ محدودة لكن لملوك العرب وليس لغيرهم المفترضين. كما أن الوثائق المكتشفة في مدينة كلحو وخصوصا وثائق الملك آشور ناصر بال (883-859ق.م), تحدثت عن نفس مرحلة إدعاء إقامة المملكتين, فذكرت حملات قام بها هذا الملك في شمال شرق مملكته وغربها, حيث جمد نشاط الآراميين في حوض الفرات الأوسط. وإحتل قرقميش (جرابلس). وشكل سقوط هذه المدينة تهديداً لمنطقة سورية الشمالية بأسرها, وبعد أن تم له ذلك إنحدر إلى العاصي حتى بلغ لبنان (لبنانا) والبحر المتوسط (بحر أمورو). ووافاه هناك ملوك مدن البحر الكنعانية (الفينيقية) كأرواد (أروادا) وجبيل (جوبال) وصيدا (صيدون) وصور (صورو) وقدموا له الذهب والفضة والمعادن والأخشاب النادرة (الأرز) والمنسوجات والعاج وغيرها. ففي جميع هذه الوثائق لا نجد لو وثيقة واحدة ذكرت تلك الممالك (التوراتية), حتى حين أكتشفت وثائق تتحدث عن الملك شلمنصر الثالث (858- 824) قبل الميلاد.

لم تذكر وثيقة واحدة هذه الممالك, فذكرت هذه الوثائق حملات إلى سوريا وفلسطين, ومواجهة شلمنصر لإثنتيّ عشر مملكة آرامية في موقعة قرقارة. وفي إحدى الوثائق المروية على لسان الملك والمؤرخة لهذه الموقعة, ذكرت الأتي:” حين إقتربت من حلب (حالمان) خشي أهلها الحرب وإرتموا على قدمي, فتلقيت جزيتهم فضة وذهباً وقدمت القرابين أمام أدد حلب, ومن حلب بلغت مدينة أورخوليني الحموي (ملك حماه)… فإستوليت على جزيته وممتلكاته وحرقت قصوره, ثم واصلت المسير إلى قرقرة (قرقر) فدمرتها ومزقتها وحرقتها, وكان أميرها قد إستنجد بألف ومئتي عربة حربية, وألف ومئتي فارس, وعشرين ألفاً من مشاة أدد إدري إمريشو (الآرامي), وسبعمائة عربة, وسبعمائة فارس, وعشرة آلاف من مشاة أورخوليني الحموي, وألفي عربة, وعشرة آلاف من مشاة أخاب, وخمسمائة جندي من قوس, وألف جندي من مصر, وألف راكب جمل من جنديبو العريبي (جُندب العربي), وألف من بابا بن رحوبي العموني, وكلهم إثنا عشر ملكاً تأهبوا لملاقاتي في معركة حاسمة, فقاتلتهم بقوات آشور العظيمة التي هيأها لي مولاي آشور, وبالأسلحة التي قدمها لي مرشدي نرغال, وأوقعت بهم الهزيمة بين مدينتي قرقرة وجليزا, وذبحت ألفاً وأربعمائة من جنودهم بالسيف, وإنحططت عليهم إنحطاط أدد حين يرسل عواصفه الممطرة مدراراً, وبقرت جثثهم وملأت السهل كله بها, وأجريت دماءهم, وضاق السهل عن نزل أرواحهم, وجعلت جثثهم معبراً لي على نهر الآرانتو (الأورنت أو الأورنط أي العاصي)”. وحتى في فترة إدعاء السبيّ الأول (لليهود) عام 722 ق. م. فنجد أن وثائق هذه المرحلة تتحدث عن تحالف جرى بين الملك سنحارب مع الفنيقيين واليونان, الذين قدموا له الدعم في إنشاء السفن التي إستخدمها في محاربة الممالك البابلية المتحالفة مع المصريين, والموجودة في أقصى الجنوب عند رأس الخليج العربي. وفي عهد الملك شلمنصر الخامس 727-722 ق.م.

تفاقمت الثورات في فلسطين. الأمر الذي يثبت أن الحكم الأشوري في تلك منطقة كان ضعيفاً حينها. وهذا ما يشير إلى أن الأشوريون لم يكونوا في وضع يسمح لهم بإجتياح فلسطين, أو يؤهلهم إجراء عملية السبيّ المفترض للمالك المفترضة. وفي عهد أخيه الملك سرجون الثاني 722-705 ق.م. فإن وثائق هذه المرحلة لم تذكر أي إجتياح لفلسطين. وقد إنتهت المملكة الأشورية عام 612 ق. م. ولم يحدث هذا السبيّ المفترض للمالك المفترضة. ثم أن وثائق المملكة الكلدانية التي أتت على أنقاض المملكة الأشورية, والتي كان من أشهر ملوكها نبوخذ نصر. فقد إدعى كهنة (التوراة) أنه قد أجرى عملية السبيّ الثاني (لليهود) عام 586 قبل الميلاد. فالوثائق الكلدانية التي تحدثت عن مرحلة نبوخذ نصر كذبت هذا الإدعاء, حتى أن الوثيقة التي تحدثت عن حملة نبوخذ نصر على فلسطين, جاء فيها بالنص الأذي, الآتي:” السنة السابعة: شهر كسيليمو (كانون أول) حرك ملك أكاد جيشه إلى أرض حتى, وحاصر مدينة ياحودو, فإستولى على المدينة في اليوم الثاني من شهر آذارو, وعين فيها ملكاً حسبما إرتضى, وإستولى على غنائم ثقيلة منها وجلبها إلى بابل”. وعلق على هذه الوثيقة الدكتور سهيل الزكار في بحثه سابق الذكر, بالآتي:” وطبعاً لم يكن إسم القدس في يوم من الأيام ياحودو, والدراسة المتأنية لنصوص وثائق نبوخذ نصر تظهر أنه لم يستولي على القدس, ولم يدخل فلسطين إلا مرة واحدة, جرى صده فيها من قبل الجيوش المصرية. ويقيناً لم يكن هناك سبيّ ليهود من القدس إلى بابل, لأن اليهود لم يكونوا قد ظهروا على مسرح التاريخ”. ويؤكد هذه الحقيقة المتخصص في علم الآثار الأستاذ خالد أيوب في محاضرته سابقة الذكر, حيث ذكر الآتي:”إن مساحة القدس التاريخية وعدد سكانها واللقى الأثرية المتواضعة في القرن السابع ق.م, وهي على أبواب القرن السادس ق.م. فترة السبيّ المزعوم, تدل مجمل هذه الظروف والأوضاع أنها ليست مدينة داوود. وإن القدس لم تكن منافسة لبابل, ما يسمح لنا بالقول أن حكاية السبي مختلقة. يضاف إلى هذا أن الحفريات الأثرية أظهرت أن القدس كانت مدينة مزدهرة عامرة في التاريخ الذي قيل أنها تعرضت فيه للخراب على أيدي جيوش نبوخذ نصر”.

 

من كل ذلك نكتشف أن السبيّ البابلي لم يحدث على أرض الواقع, كما أن الممالك المفترضة لم تكون موجودة على أرض فلسطين, كما أن مصطلح (اليهودية) لم يكن قد ظهر بعد في أية بقعة من بقاع الأرض. فكل ذلك يشير إلى أن الكهنة هم من إدعى كل ذلك, وهم من أطلق (اليهودية) أثناء فترة تأليف (التوراة) في القرن الخامس قبل الميلاد وبعده, وخصوصا في المرحلة التي سيطر فيها الفرس على مدينة بابل وحواريها. والواضح أن مجموعة عزرا دخلت فلسطين أثناء حكم أرتحششتا الملك الفارسي, بفضل أن قورش كان قد إستفاد من خدمات كهنة بابل قبل نصف قرن من زمن عزرا, فإستخدمهم كجواسيس له خلف الخطوط الكلدانية التي كانت حينها تسيطر على بابل, ومن ثم إستخدمهم ملوك الفرس الذين خلفوا قورش لنشر مذهبهم الإسقاطي الجديد في الممالك المحتلة, التي قسموها إلى مقاطاعات إدارية كانت فلسطين من ضمنها. حيث آمن كهنة بابل بالزرادتشية حينها حتى جعلوا من قورش في نظر أتباعهم هو المسيح, لذلك عملوا كطابور خامس في هذه المقاطعات الإدارية, وخصوصا في المنطقة التي شملت الأرض المباركة التي رفض أهلها مذهب الأخمينيين. وما يؤكد ذلك هو ما كتبه الكهنة في (سفر إشعياء-45-1-4) الذي نص على الآتي:” هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمماً وأحقاء ملوك أحل لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تغلق: أنا أسير قدامك والهضاب أمهد, أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف. وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابئ لكي تعرف أني أنا الرب الذي يدعوك بإسمك إله إسرائيل. لأجل عبدي يعقوب وإسرائيل مختاري دعوتك بإسمك لقبتك وأنت لست تعرفني”. ولعل الكهنة صوروا قورش بنفس صورة (يوشع وداود وسليمان), حيث جعلوا (إله العشيرة) يمحق من أمامهم شعوب وقبائل كان كل ذنبها, أن خارطة طريق العشيرة إلى فلسطين قد شملتها. ليتسنى لعزرا بعد أكثر من نصف قرن من ذلك إطلاق (اليهودية) المتأثرة كليا بالزرادشتية والمحمية بقوة النظام الإخميني, للعبور فيها من مجمل مسلوبات العشيرة إلى مذهبه الجديد, الذي يحمل إسماً لم تعرفه هذه الشعوب من قبل. والحقيقة أن خلال إجتياح قورش لبلاد الشام ومصر عام 538ق.م, أسكن في القدس وفي جزيرة الفيلة في مصر حاميات عسكرية, كان قد أحضرها من بلاد الرافدين. وكان من ضمن هذه الحاميات بعد أتباع مذهب الكهنة.

وفي ذلك يقول الدكتور سهيل الزكار في بحثه سابق الذكر, الآتي:” أعتقد أن هذه المجموعة التي أرسلت إلى فلسطين هيّ التي إعتمد عليها قورش في تثبيت حكمه في فلسطين. وأن هذه هيّ النواة التي إعتمد عليها عزرا فيما بعد في نشر معتقده الجديد بينها والتي سميت باليهودية”. واليهودية هيّ إسم مشتق من إسم المنطقة الإدارية التي سكنتها هذه الحامية العسكرية, حيث تتطور هذا الإسم بالبداية من الحرفين الإداريين (YH) الذي أطلق على هذه المنطقة الإدارية, ثم أخذ هذا الإسم الإداري في عهد أسلاف قورش شكل (YHWD), أو شكل (Yhw), أو (Yhd), ومن ثم أخذ شكل يودهي (Yodh-he) ومن ثم أخذ شكله النهائي يهديت (Yhd-tet) التي يمكن أن تلفظ يهوديت, وجميع هذه الصيغ بحسب ما أكده الدكتور سهيل زكار وردت على بقايا قطع من الفخار, حيث ذكر التالي:” الفخار كان يختم بإسم المنطقة الإدارية التي كان يصنع بها لأسباب إدارية وضرائبية, ومع الأيام عرفت منطقة هذه الفئة بإسم يهود وأخذ سكانها يتميزون بديانة ثنوية نبعت من الزرادشتية”. الأمر الذي يشير إلى أن (اليهودية) دخلت إلى فلسطين من حواري بابل مع عملاء المملكة الأخمينية, الذين زرعهم قورش وخليفته قمبيز وداريوس وأحشويرش وأرتحشستا كطابور خامس في الأرص المباركة (الأمر الذي يذكرنا بأحفادهم من الجواسيس الذين عملوا كطبور خامس في كل البلاد التي حلوا فيها, ومنهم كان الجاسوس اليهودي ألفريد درايفوس سابق الذكر). ومن هذا المنطق نستطيع أن ندرك لماذا أطلق الكهنة على القدس الإسم البابلي أورشليم. وهذا ما أكد عليه الدكتور أسامة محمد أبو نحل رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في غزة في دراسته- علاقة بني إسرائيل واليهود بمدينة القدس في التاريخ القديم, حيث ذكر الآتي:” فقد أراد الملك أرتحشستا أن يجعل من (أورشليم) وشعبها قوة سياسية عسكرية موالية له بعد إضطلاعه على مشروع الكاهن عزرا الديني العنصري, ففي حالة نجاح هذا المشروع فإنه سوف يؤمِّن له قلعة عسكرية ثابتة الولاء له ولمملكته, لذلك أيدها بقوة, وربما كان مشروع عزرا من أساسه مشروعاً إخمينياً مخابراتياً, وكان عزرا نفسه من كبار موظفي هذا الجهاز”. وقد أشار الكثير من الباحثين إلى ذلك وأكدوا أن عزرا لم يكن سوى مجرد كاتب في البلاط الإخميني. والواضح أن إيجاد مجموعة من هذا المذهب الجديد في فلسطين تكون معادية لمحيطها الإجتماعي الديني والثقافي, ومتحالفة مع المحتل وتؤمن بمذهبه الزرادتشي وإن أطلقت عليه (اليهودية) فرصة لا تعوض للملوك الإخمينيين. لذلك تم أرسال عزرا ومجموعته إلى تلك المناطق الإدارية مدعوم برسائل توصية من الملك ارتحششتا, وموجهة إلى عمال الفرس الموجودين في تلك المناطق, لتقديم كل المساعدة لهذه المجموعة ودفع الذهب والفضة لتمويل مشروعهم, ومساعدتهم على فرض مذهبهم الجديد على هذه المناطق. ولعل إستهوى الكهنة تسمية يهوديت للمقاطعة الإدارية التي فرض فيها هذا المذهب, لما فيها من تشابه مع إسم يهوذا (يهودا في بعض لهجات المنطقة), الأمر الذي سهل على الكهنة إطلاق (اليهودية), للعبور من هذا الإسم الخاص بالمقاطعة إلى العشيرة المفترضة التي ضمت يهوذا المفترض إبن (يعقوب) المتحول إلى إسرائيل. للقول أن معتنقي (اليهودية) من منطقة يهوديت الإدارية هم ذاتهم (اليهود) أحفاد يهوذا المفترض وجد (داود وسليمان), وبذلك صنعت رابطة صلة كهنوتية بين أتباع المذهب الجديد الذي فرض على منطقة يهوديت, وأبناء عشيرة يهوذا المفترض أصحاب المملكة المفترضة في فلسطين, وبذلك حمل الكهنة المذهب الجديد إرث بني إسرائيل وإرث أنبياء الهداية, كما حملوه إرث الممالك المفترضة. لذلك بعد أن وصل عزرا إلى فلسطين, أطلق (اليهودية) في السفر الذي حمل إسمه في (التوراة). وكان هذا الإطلاق بشكل رسالة موجهة في الأرامية (إحدى لهجات اللغة العربية المتداولة في بابل ومعظم بلاد الرافدين) إلى أرتحشستا ملك الفرس, ورد فيها الآتي:” ليعلم الملك أن اليهود الذين خرجوا من عندك قد وفدوا إلينا إلى أورشليم المدينة”(عزرا-4-12). وكان المقصود بهذه الرسالة, بأن أتباع المذهب الجديد من (اليهود) الذين خرجوا من حواري بابل, قد وصلوا إلى القدس التي كانت حينها تحت الحكم الفارسي, لتنفيذ المهمة المطلوبة منهم. من كل ذلك ندرك أن (اليهودية) هي ديانة وثنية حملت كل الشرور الشيطانية, وليست هيّ ذاتها الرسالة السماوية التي نزلت على سيدنا موسى عليه السلام, وأن (التوراة) كتاب مؤلف من كهنة بابل هو غير التوراة الحق الذي أنزل على سيدنا موسى عليه السلام, وأن المقصود بأهل الكتاب هم بني إسرائيل, وليسوا سارقي هذا النسب أو مدعيه من أصحاب المذهب الجديد. وفي هذا السياق كتب ابن حزم الأندلسي عن عزرا مطلق مذهب (اليهودية) في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل- ج1- مكتبة السلام العالمية- القاهرة-ص162), الآتي:” تباً لقومٍ أخذوا كتبهم ودينهم عن مثل هذا الرقيع الكذاب وأشباهه”. والآية-30 الكريمة من سورة التوبة واضحة في حقيقة عزرا ومذهبه:” وقالت اليهود عزير إبن الله وقالت النصارى المسيح إبن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون”. لنصل إلى نتيجة مفادها بأن (اليهودية) إبتدأت كديانة ثنوية نبعت من الزرادشتية (سنكتشف بعد ذلك أنها تحولت على يد كهنة التلمود فيما بعد إلى ديانة فرعونية تكرس عبادة حورس الفرعوني, لذلك مثلت عين حورس والهرم روح التوراتية, التي تتربع اليوم على قمة النظام العالمي الجديد), وإن حاول كهنة (التوراة) قولبتها كدين خاص بالعشيرة. لذلك من الخطأ القول بأن (اليهودية) التي قامت على الخرافة والأسطورة والقصص الصبيانية الساقطة أخلاقيا, وعلى (الإله المتلون) الخاص والمهرول أمام العشيرة, على أنها هيّ ذاتها الرسالة التوحيدية التي أنزلت على موسى عليه السلام, لأن ما أنزل على موسى هي رسالة الإسلام المنزلة على جميع أنبياء الهداية. والآية- 84 من سورة يونس واضحة في ذلك:” وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ”. والتي هي ذاتها الرسالة التي أنزلت على عيسى عليه السلام, بحسب الآية-52 من سورة آل عمران:” فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ”. لذلك علينا التمييز بين (اليهودية) التي أطلقها عزرا وبين الذين هادوا ممن إختصهم رب العزة بالعديد من الآيات الكريمات في القرآن الكريم. فالذين هادوا هم قليل بني إسرائيل من الذين خرجوا مع موسى عليه السلام, وآمنوا برسالته بشكل متردد وهذا ما بينته الآية-153 من سورة النساء:” فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ, اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا”. وكذلك الآية-138 من سورة الأعراف التي نصت على الآتي:” وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ”. لذلك خاطب القرآن الكريم الذين هادوا من بني إسرائيل بإسلوب الخطاب التوجيهي أمراً ونهياً. كقول رب العزة في الآية-46 من سورة النساء:” من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا”.

وهذا ما أكدت عليه كذلك الآيتين الكريمتين من سورة المائدة, فذكرت الأية-41 الآتي:” ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم”. كما ذكرت الآية-44 الآتي:” إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”. فجميع هذه الآيات الكريمات تظهر أن إيمان الذين هادوا من قليل بني إسرائيل من الذين آمنوا, كان ضعيفاَ ومتردداً بين قبول ورفض, ولم يكن بقناعة وحسم وعودة حقيقية إلى الله للإستفادة من مغفرته. فإن صدقوا الله في إيمانهم بما استحفظوا من كتاب الله فإن لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم, بحسب الآية -62 من سورة البقرة:” إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون “.

ومن كل ذلك نفهم أن الذين هادوا عاشوا في مراحل مترددة بين إيمان وعصيان ثم رجعة إلى الله وتوبة, فسموا بذلك هودا أي التائبين. والتهويد تعني المشي الرُّويد والبطيء مثل الدَّبيب, لتصف واقع القليل المؤمن من بني إسرائيل والمتردد في إيمانه, وليس بالضرورة تعني معتنقي المذهب (اليهودي) الذي ظهر بعد خروج بني إسرائيل من مصر بما يقرب من ثمان مائة سنة. وقد رجح معظم اللغويين والمفسرين تسمية هود تعود إلى التوبة والرجوع إِلى الحق, فهو هائدٌ, وقومٌ هُودٌ. وفي التنزيل العزيز: إِنَّا هُدْنا إِليك, أَي تُبْنا إِليك. إذن التَّهَوُّدُ تعني التوبةُ والعمل الصالح وإن كانت بشكل متردد. لذلك خاطبت الآيات القرآنية الذين هادوا من بني إسرائيل بخطاب توجيهي أمراً ونهياً, ولم تعني بأي حال من الأحوال جماعة عزرا من سارقي نسب بني إسرائيل, ولا العابرين بين مسرورقات الشعوب والحضارات القديمة من العبرانيين, ولا معتنقي المذهب (اليهودي) الجديد. فهؤلاء قد حسم رب العزة مسيرتهم باللعنة والغضب والذم والتنديد بهم وبكفرهم. وبذلك أَعتقِدْ أن الكثير من المفسرين وقعوا في إرباك بين من هادوا وتابوا من قليل بني إسرائيل المؤمن والمتردد, وبين (اليهود) الملعونين أتباع مذهب عزرا. فخضعوا لمعنى المدح من التهود إن أحسن أصحابه من بني إسرائيل العودة إلى الله, ولم يدركوا أن هذا المدح لا يعني غيرهم, والعلم عند الله. وعلى ذلك نبني لنأكد أن كل ما كتبه الكهنة في كتاب (التوراة) من روايات وقصص بخصوص أنبيائهم وتسلسل أنسابهم, أو بخصوص الخلق وبداية الكون, لا تعني من بعيد أو قريب أنبياء الله ورسله, وإن حملوهم نفس أسماء أنبياء الله ورسله. لأن جميع هذه الروايات والقصص كانت بمضامينها وزمانها مخالفة لحقائق القرآن ووعيّ الإنسان الذي خلق عاقلا من عصور وسنين لا يعلمها إلا الله, كما أن أحداثها وأهدافها وشخصياتها وعبرها لم تتجاوز بحدودها حواري بابل وإسقاطات الكهنة المرضية التي إضطلعنا عليها سابقا, لذلك كان سياق هذه القصص مخالف لكل الإكتشافات العلمية والجغرافية والفلكية وغيرها من المسلمات العقلية والمنطقية.

وقد بينا سابقاً كيف أن الحضارة النطوفية في فلسطين قد تزامنت, بل سبقت العمر الزمني لولادة (آدم) بحسب ما ورد في روايات (التوراة), وهناك من الحضارات المكتشفة في فلسطين وحولها وغيرها قد سبقت عمر (آدم التوراة) بمليون سنة أو أكثر. فكل ذلك يبين جهل كهنة (التوراة) بحضارات الشعوب التي لم تتداولها حواري بابل, أو التي لم تأرخها مكتبة بابل سابقة الذكر, كما يؤكد ذلك جهل الكهنة بأنبياء الله ورسله وأوليائه ورسالاتهم والشعوب المرسلة إليهم. لأنه من الغير المنطق أو المعقول أن يكون أصحاب تلك الحضارات المكتشفة الذين هم أبناء وأحفاد آباء توارثوا الأرض منذ أن خلق رب العزة آدم عليه السلام, قد سبقوا جميعهم ولادة (آدم التوراة). وهذا ما ينطبق بالتأكيد على جميع الأنبياء والرسل الذين تواجدوا في المرحلة الزمنية التي تفصل بين آدم ونوح عليهم السلام, من الذين لا يعلم زمنهم ولا أحداثهم ولا أسمائهم إلا الله عليهم جميعاً السلام, كما ينطبق ذلك على الناجيين مع نوح في الفلك من القليل مِنْ مَنْ آمن معه, وتوضح هذه الحقيقة الآية -9 الكريمة من سورة إبراهيم التي نصت على الآتي:” أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ”. فقوم نوح وقوم عاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله, ولا أدري بعد هذا النبأ الرباني كيف رفض بعض المفسرين وعلماء الدين من السابقين واللاحقين هذا الوضوح, وجروا وراء أضاليل (التوراة) وحكاياته الساقطة, لينهلوا من أضاليلها شروحات تحدد عمر الأقوام السابقة بعد أن جعلوها تتماشى مع أعمار (أنبياء التوراة), التي لا تتجاوز عمر (آدمهم) المفترض. ليبنوا على ذلك فهمهم في تفسر للآيات القرآنية التي إختصت في نوح عليه السلام والناجين معه في الفلك, أو تلك التي إختصت في ذرية النبي العربي إبراهيم وأبنائه إسماعيل وإسحاق. أو تلك التي إختصت في بني إسرائيل الذين هم كما ذكرنا سابقا ذرية مختلفة عن بني يعقوب عليهم السلام. وليأخذ هذا البعض بعد ذلك وبدون تدقيق من شجرة الأنساب الواردة في في سفر التكوين أساسا لفهم الأقوام والأنبياء الذين ذكرهم القرآن الكريم. وليسير على خطاهم اللاحقين من العلماء آخذين كسلفهم بهذا التسلسل الممسوخ لحياة البشرية. ليتم الإدعاء بعد ذلك بأن الناجين مع نوح كان فقط أولاده حام وسام ويافث. جاعلين من النبي نوح عليه السلام هو ذاته ذاك السكير المتعري سابق الذكر. ومدعين بعد ذلك أن من نسل أولاده الثلاثة المفترضين بعد (نوح) تفرعت شجرة الأنساب (التوراتية التي بدأت بآدم). وهذا ما أكده (سفر التكوين-9- 18-21), الذي ذكر الآتي:” وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك (بعد الطوفان) ساما وحاما ويافث. وحام أبو كنعان. هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح. ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض”. ولكي يوجد كهنة بابل مبررا لإختلاف اللغات بين الشعوب التي تشعبت في أنحاء الأرض, كتبوا القصة الصبيانية الأخرى في (سفر التكوين-5-9) الذي ذكرت الآتي:” ونزل الرب لينظر المدينة والبرج (المقصود برج بابل الذي بناه نبوخذ نصر في القرن السادس قبل الميلاد) الذين كان بنو آدم يبنونهما (المقصود أن أبناء آدم عاشوا حتى القرن السادس قبل الميلاد!), فقال الرب: هاهم شعب واحد, ولهم جميعا لغة واحدة! ما هذا الذي عملوه إلا بداية, ولن يصعب عليهم شيء مما ينوون أن يعملوه (المقصود أن بنو آدم بعد أن بنوا برج بابل, من الممكن أن يرتفعوا أكثر في بنائهم ويهددون مُلك الرب)! فلننزل ونبلبل هناك لغتهم, حتى لا يفهم بعضهم لغة بعض. فشتتهم الرب من هناك على وجه الأرض كلها (وهكذا بمشهد صبياني رخيص وجاهل حلت مشاكل لغات البشرية المختلفة بعد أن كانت لغة واحدة قبل القرن السادس قبل الميلاد, ناكرين بذلك أن تكون هناك شعوب وحضارات عاشت قبل هذا التاريخ), فكفوا عن بناء المدينة (لأنهم بلحظة تغيرت لغتهم ولم يعد يفهم أحداً منهم لغة الآخر, وأصبحت للشعوب لغات مختلفة). ولهذا سميت بابل, لأن الرب هناك بلبل لغة الناس جميعا, ومن هناك شتتهم الرب على وجه الأرض كلها”. لتكون بذلك هاتين القصتين الساقطتين في كل المعايير, هما الأساس الذي بنيت عليه نظرية أنساب البشرية بعد نوح, ولتكون بذلك السامية المشتقة من إسم سام إبن (نوح) المفترض والوارد ذكره في شجرة أنساب (التوراة), هيّ حاوية لغات الشعوب التي تبلبلت ألسنها بكذبة الباطل الأخرى التي أطلقها (التوراتيون) في القرن التاسع عشر. لأنها سلسلت لغات كل الشعوب ومن ضمنها اللغة العربية بكل لهجاتها في ثلاثة حاويات (السامية والحامية واليافثية). لتشطب من اللغات بعد ذلك الحامية واليافثية وتبقى السامية وحيدة على مسرح اللغات. لكن الغريب في أمر شجرة الأنساب (التوراتية), أن الكهنة لم يراعوا فيها حقائق التاريخ والجغرافيا. إذ جعلوا من عمر (نوح التوراة) الذي هو في هذه الحالة جد كنعان المفترض, وكنعان بحسب (التوراة) هو الأب الأول للكنعانيين! مخالف بشكل كلي لجميع الإكتشافات الأثرية التي أثبتت أن تواجد الكنعانيين في فلسطين, قد سبق ولادة جدهم المفترض (نوح التوراة). الذي لم تتجاوز ولادته عام 3000 ق.م. بينما أعطى الكهنة عمرا لبنو آدم (أجداد نوح المفترضين) نفس عمر بناء برج بابل الذي أشاده نبوخذ نصر في القرن السادس قبل الميلاد! فكل ذلك يوضح سخافة هذه القصص (التوراتية), وسخف من أخذ بها. ليزعم بعد ذلك بأن الناجين مع نوح كان أولاده الثلاثة سام وحام ويافث فقط, الذين تبلبلت ألسنتهم وتغيرت لغاتهم وتلونت جلودهم, ليشكلوا آباء مفترضين لشعوب لها حضاراتها وتاريخها وخصوصيتها, وشهدت على وجودها الإكتشافات الأثرية المحفوظة بين عظام أجدادها.

وفي ذلك يقول الباحث مصطفى إنشاصي في دراسته سابقة الذكر, الآتي:” كان يجب على المؤرخين والكتاب المسلمين أن يدركوا أن تلك الأنساب غير صحيحة, وأنه لا يمكن أن يعتمدوا التوراة كتاب موثوق في تاريخ الأنساب وأصول الأعراق البشرية. أضف إلى ذلك أنه إذا لم يلتفت السلف إلى هذه الحقيقة, كان يجب أن يلتفت مؤرخي وكتاب عصرنا من المسلمين وغير المسلمين… ولأننا لسنا أهلاً للعلم ولا الفتوى, ولا نشكك في علم سلفنا رضوان الله تعالى عنهم, ولا التابعين وأهل العلم والتفسير في الأمة, إلا أننا أيضاً لن نسلم بصحة أو حرفية ما قالوا, خاصة وهم لا حجة لهم ولا دليل إلا روايات التوراة وما أصبح معروفاً في تراثنا باسم الإسرائيليات التي حشوا بها كتبهم”. والأغرب من كل ذلك أن النبأ الرباني واضح في الآية -9 الكريمة من سورة إبراهيم, كما أن الإكتشافات الأثرية ضحضت كل تلك الروايات (التوراتية). ورغم ذلك ما زال البعض من المؤرخين والباحثين وعلماء المسلمين ينقل عن (التوراة) دون تدقيق في المعنى أو المضمون, ومازال البعض كذلك يعتمد على شجرة الأنساب (التوراتية) في توثيق أصول وأنساب العرب القديمة دون واعز أو رقيب.

وما زال البعض يقر بأن الناجين مع نوح كانوا أبناؤه الثلاثة فقط. ناكرين بذلك نجاة الذين آمنوا مع نوح وركبوا معه في الفلك كما أخبرنا القرآن الكريم, الذي لا يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟. فالآيات القرآنية واضحة في أمر الناجين مع نوح عليه السلام. وفي ذلك ذكرت الآية -40 من سورة هود الآتي:” حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ, كما ذكرت الآية -119 من سورة الشعراء الآتي:” فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ”. كما ذكرت الآية -64 من سورة الأعراف الآتي:” فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ”. وذكرت الآية-73 من سورة يونس الآتي:” فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ”. ثم ذكرت الآية-15 من سورة العنكبوت الآتي:” فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ”. فمن جميع هذه الآيات الكريمات التي ذكرت نوح عليه السلام أو تلك التي لم تذكر في هذا المجال, لا نجد آية واحدة تتحدث عن أن الناجين مع نوح كانوا أبناؤه الثلاثة سام وحام ويافث, أو أحد من أهله بالإسم. والآية-42 من سورة هود ذكرت إبن نوح لكنها لم تسميه بالإسم, ولم يكن كذلك من الناجين, حيث نصت هذه الآية على الآتي:” وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ”. فجميع هذه الآيات الشريفات ذكرت من معه, ومن كل زوجين إثنين, ومن آمن معه, والقليل الذين آمنوا, ومن معه في الفلك. وكانت واضحة بأمر الناجين مع نوح عليه السلام الذين شكلوا آباء لذريات شكلت شعوب هذه الأرض. وقد أكد هذه الحقيقة رب العزة في الآيه-48 من سورة هود:” قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰۤ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ”.

وفي ذلك يقول الباحث مصطفى إنشاصي في دراسته سابقة الذكر, الآتي:” كان يجب على المؤرخين والكتاب المسلمين أن يتوقفوا مع الحقيقة القرآنية قطعية الدلالة, بأنه كان هناك آخرين آمنوا مع نوح ونجوا من الطوفان لم تذكرهم التوراة ولم تذكر أنساب ذريتهم… كان عليهم أن يلفت انتباههم ذلك ليدركوا أن التوراة كتاب غير موثوق بل كاذب وأن ما جاء فيه ما هو إلا خرافات وأساطير”. ونستطيع القول رغم هذا الوضوح الرباني خالف كل الناهلين من القصص (التوراتية) هذه الحقائق القرآنية. ليقروا بشجرة الأنساب (التوراتية) التي ذكرت تفرعات شعوب الأرض بعد (نوح) كانت فقط من أبناءه الثلاثة المفترضين, وأن ما بين نوح وآدم بحسب هذه الشجرة ثمانية آباء فقط (نوح هو إبن لامك بن متشولح بن خنوخ (إدريس) بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم). وليقروا أيضا أن بين إبراهيم وسام المفترض إبن نوح, كذلك ثمانية آباء ( إبراهام بن تارح بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وليضيفواعلى نسب النبي محمد عليه الصلاة والسلام بعد عدنان وهو النسب الموثق عن رسول الله, وصلة التسلسل (التوراتي) التي توصل عدنان بإسماعيل بن إبراهيم. ليدعوا أن ما بين عدنان وإسماعيل هناك كذلك ثمانية آباء من شجرة الأنساب (التوراتية), وهم ( أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيذار!) بن إسماعيل بن إبراهيم. مع أن الأحاديث النبوية واضحة في هذه الوصلة وتكذب هذا التسلسل (التوراتي).

فقد ورد في الحديث الشريف, الآتي:” عن إبن سعد عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُمَا كان الرسول إِذَا انْتَسَبَ لَمْ يُجَاوِزْ فِي نِسْبَتِهِ مَعَدَّ بْنِ عَدْنَانَ, ثُمَّ يُمْسِكُ وَيَقُولُ: كَذَبَ النَّسَّابُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: وَقُرُونَاً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً”(جلال السيوطي- جامع المسانيد والمراسيل- الجزأ الخامس- حديث رقم 16225- دار الفكر). وفي (نفس المرجع- الجزأ-20-الحديث رقم- 16222) ورد الآتي:” عن ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: “أَنَّ النَّبيَّ كَانَ إِذَا انْتَهٰى إِلٰى مَعَد بْنِ عَدْنَانَ أَمْسَكَ وَقَالَ: كَذَبَ النَّسّابُونَ, قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالٰى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ شَاءَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَعْلَمَهُ لَعَلِمَهُ”. وفي معجم الطبراني الأوسط (8/154 حديث رقم-8249) ورد فيه الآتي:” وروي بإسناد جيد عن عائشة أنها قالت: إستقام نسب الناس إلى معد بن عدنان”. والحديث ورد بنفس النصوص أو قريب منها في معظم كتب التفاسير والأحاديث. فلا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل, وإنما الخلاف في عدد وأشخاص من بين عدنان وإسماعيل, وما بين إبراهيم ونوح, وما بين نوح وآدم, فهؤلاء جميعا لا يعلمهم إلا اللّه. ورغم هذا الوضوح الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, إدعى الناهلين من (التوراة) في تصنيف العرب بأن العرب هم ثلاث فئات بالإعتماد على هذه الوصلة (التوراتية).

فإدعوا أن الفئة الأولى هم عرب بائدة شكلوا أصل العرب وكانت مواطنهم الجزيرة العربية, لكنهم زعموا أن هذه الأقوام إندثرت, ولم يبق أحد منهم على أديم الأرض ينتسب إليهم, لهذا سميت العرب البائدة! وهم: عاد, ثمود, طَسْم, جَدِيس, عِمْلاق, أُمَيْم, جُرْهُم, حَضُور, وَبـَـار, عَبِيل, جاسم, وحَضْرَمَوت. لكن هؤلاء الزاعمين لم يذكروا مثلا أن عاد وثمود لم يبادوا عن بكرة أبيهم, لأن نسلهم بقيّ مستمراً مع من آمن منهم برسلهم ونجاهم الله وتكاثروا بالتزاوج, كما تكاثر قحطان أو عدنان, بل تناسلوا أكثر منهما بحكم الفرق الزمني الكبير الذي يفصل بين زمنيهم والذي لا يعلمه إلا الله!

أما الفئة الثانية سميت عرب عاربة وهم القحطانيون, فقد إدعوا أن القحطانية هي أم العرب بعد البائدة, فقالوا أنها سكنت اليمن ومن هناك تشعبت قبائلها وبطونها. وأعادوا قبائل قحطان وبطونها إلى تسلسل النسب (التوراتي) بعد ربط سبأ بيعرب بن قحطان, فإدعوا أن سبأ هو بن يشجب بن يعرب بن قحطان, ليقولوا أن قحطان العربي هو يقطن إبن عابر (وهو كذلك الجد الثامن لإسماعيل بحسب شجرة الأنساب التوراتية).‏ وبذلك ألحقوا قحطان بشجرة الأنساب (التوراتية), وأكد على ذلك عبد الرحمن بن خلدون في كتابه (تاريخ ابن خلدون- الجزء الثاني- باب في أخبار العرب ودولهم منذ بدء الخليقة), حيث ذكر الآتي:”أن لعابر في التوراة ولد إثنين من الولد, هما فالغ ويقطن وعند المحققين من النسابة أن يقطن هو قحطان عربته العرب هكذا”. وبهذا أخذ البعض من علماء الحديث والأنساب وبعض المفسرين الذين تناولوا شجرة الأنساب (التوراتية) في تصنيف العرب, أو لشرح الآيات الخاصة في بني إسرائيل. وهيّ نفس الطريقة التي أخذ بها سلفهم عن بعض (اليهود) الذين أعلنوا إسلامهم. لكن السؤال المحير هو: إذا كان قحطان إسما عربياً فلما يتم تعريبه؟ ليتم إلحاق نسبه بسلسة الأنساب (التوراتية) الخاصة بإبن نوح المفترض سام! وكل ذلك يعيدنا إلى ما أكد عليه الأكاديمي عبد المجيد همو سابق الذكر, والذي ذكر الآتي:” أخذت الإسرائيليات في تفسير القرآن حيزاً كبيراً عند المفسرين, ولقد إتبعوا ما قالته التوراة حرفاً بحرف وكلمة بكلمة”. ليصبح يقطن (التوراتي) أب لكل العرب العاربة! ثم زعموا أن يقطن هو إبن يمن بن قيدار (وقيدار هو أحد أبناء إسماعيل المفترضين الإثني عشر), لكن كيف يكون يقطن (بن عابر) الجد الثامن لإسماعيل في شجرة الأنساب (التوراتية) هو ذاته يقطن حفيد إسماعيل, فهذا لم يستطيع الإجابة عليه كل الناهلين من كتاب (التوراة), ليدخلوا في نسب (يقطن التوراتي) كل القبائل العربية التي خرجت من اليمن وحملت الجزور القحطانية على أنها تعود إلى يقطن بن عابر. والهدف واضح هو جعل أصول العرب العاربة تعود إلى عابر الأب المفترض للعبرانيين. وبذلك قرر بعض المؤرخين وعلماء الحديث والتفسير الذين أخذوا بالروايات (التوراتية) الساقطة, أن يمحوا أصول العرب بالعرب البائدة, وليبقوا على العرب العاربة بعد أن أرجعوها إلى الأب المفترض يقطن بن عابر! وهكذا جعل بعض علماء الأمة من السابقين واللاحقين الذين هرولوا خلف (التوراة), من العرب بلا أصول عربية, ليبقى (يهود) مقاطعة يهوديت الإدارية ومعتنقي مذهب عزرا من اللاحقين هم من تبقى في فرع سلسلة سام المذكور في شجرة الأنساب (التوراتية). وفي ذلك يقول الباحث مصطفى الإنشاصي الآتي:” ومن المفارقات العجيبة للمفسرين والمؤرخين المسلمين أنهم كانوا يميلون إلى ترجيح صحة أنساب التوراة في نسب قحطان. ولم يقل لنا واحد ممن عد قحطان بأنه يقطن, لماذا قحطان (الفرد) من دون كل تلك الأمم التي بادت بقي حياً وذريته من بعده لليوم”؟! فالأمر كان واضحا, فهذه التقسيمات لم تكن معروفة في الجاهلية, كما أنها لم تكن موجودة في فترة نزول رسالة الإسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, والمعروف أن مدوني الأنساب كانوا جميعهم من (اليهود) الذين إستخدموا (التوراة) لإفساد عقيدة المسلمين.

ليقولوا بعد ذلك بالفئة الثالثة من العرب التي لا أصول عربية لها وهي العرب المستعربة. أما العرب المستعربة فأعادوها إلى أصول إعتقدوا بجهلهم بحقائق التاريخ أنها أصول غير عربية وذميمة. بعد أن أعادوا أصل العرب المستعربة إلى (إسماعيل الأرامي المذموم توراتيا وإبن الجارية المصرية هاجر المنبوذة بحسب التوراة), فإدعوا أن النبي إسماعيل تزوج من رعلة الجرهمية, فتعلم من الجراهمة اللغة العربية لأنه كان (أراميا), فسميّ نسله الذي يعودون إليه, وإليهم يعود رسول البشرية محمد بن عبد الله عليه السلام بذلك عرب مستعربة. وهذا ما أكد عليه المهرولون خلف (إله التوراة) بعد أن أقروا بأن ولد لإسماعيل إثنى عشر إبناً, تشعبت منهم إثنى عشر قبيلة سكنت مكة, ثم إنتشرت في أرجاء الجزيرة وخارجها. ولم يبقى في مكة بحسب هذا التسلسل (التوراتي) إلا (قيدار) الذي تناسل أبنائه حتى كان منهم عدنان! ليقولوا أن العدنانية التي أخذت إسمها من عدنان, هو ذاك عدنان المذكور في شجرة الأنساب (التوراتية) الذي تعود أصوله إلى أصول غير عربية. لتكون تلك الوصلة بين إسماعيل وعدنان سابقة الذكر هيّ التي قال فيها رسول الله كذب النسابون, قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالٰى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً. من كل هذا الإدعاء نكتشف أن كل هؤلاء المهرولين خلف (التوراة) أرادوا القول أن اللغة العربية التي تحدث بها القحطانيون (العرب العاربة) هيّ إحدى لهجات (العبرية), كون أن قحطان هو يقطن بن عابر. وبذلك تصبح (العبرية) التي لم تكن قد ظهرت بعد في الجزيرة (ظهرت كلغة ذات أبعاد مترابطة ومتكاملة في منتصف القرن العشرين ميلادي, أما اليديشية التي يتحدث بها الأشكانزيم هي مجموعة من لغات أوربية, أما السفرديم فيتحدثوا بلغة اللادينو الإسبانية), هيّ اللغة المهيمنة التي تشكل أم لغات المنطقة بدل العربية. والغريب في هذا الإدعاء أن عزرا الذي ظهر في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد وأطلق (اليهودية) لم يكن يعرف العبرية, لأن الثابت تاريخيا أن عزرا وكهنة (التوراة) كانوا يتحثون بالأرامية التي هي لغة أهل بابل العراق, والتي هيّ إحدى لهجات اللغة العربية. والدليل على ذلك هو ما جاء في (سفر اشعيا-36-11) الذي ورد فيه الآتي:” فقال الياقيم وشبنا ويواح لربشاقا كلم عبيدك باللغة الآرامية لأن نفهمها ولا تكلمنا باليهودية على مسامع الشعب الذين على السور”.

كما أراد المهرولين القول بأن العدنانية التي كانت منازلها الأولى في الحجاز أخذت العربية من القحطانيون لأن أصولها غير عربية. وبذلك أقروا أن إسماعيل لم يتكلم العربية لأنه كان يتكلم لغة أبيه الأرامية. وبذلك نفوا على الأراميون أن يكونوا عربا. والمعروف تاريخياً أن الأراميون بالأساس هم من القبائل العربية التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية إلى بلاد الشام والعراق قبل الألف الثالث قبل الميلاد, وتشهد على ذلك لهجاتها التي تصنف من لهجات اللغة العربية. وقد تأثرت لغة الأراميون العرب بفضل ما شهدته بلاد الرافدين من غزوات من الشعوب المحيطة, وخصوصا تلك الشعوب القادمة من الشمال والشرق أو من بلاد الفارس, ليدخلها بعض المفردات الغير العربية, لذلك صنفت من ضمن لهجات اللغة العربية. ورغم أن الأراميون هم عربا لكن ليس بالضرورة أن يكون النبي إبراهيم من قبائلهم, لأننا سنكتشف أن النبي إبراهيم كان عربياً ويتحدث العربية بلهجة أهل مكة, وهي العربية الفصحى والنقية قبل أن يأتي إبنه النبي إسماعيل إلى مكة ليُدعى أنه تعلمها من الجراهمة. فلو رجعنا إلى الإعتقاد الخاطيء الذي أعاد أصحابه نسب النبي إبراهيم إلى عابر بن سام بحسب (سفر التكوين- الإصحاج-10-11):” وسام أبو كل بني عابر ولد له أيضا بنون. بنو سام: عيلام وأشور وأرفكشاد ولود وأرام (ابو الأراميين). وبنو أرام: عوص وحول وجاثر وماش. وأرفكشاد ولد شالح وولد شالح عابر وولد عابر فالج وولد فالج رعو وولد رعو سروج وولد سروج ناحور وولد ناحور تارح. وولد تارح أبرام (المقصود ابراهيم) وناحور وهاران”. فنجد أن هذا التسلسل المفترض لأبناء نوح المفترضين يذكر أن ابراهيم هو ليس من أبناء أرام, بل من أبناء أرفكشاد. والغريب أن يأخذ المهرولين من هذا التسلسل الجزأ الخاص في تصنيف أصول العرب, ولم يأخذوا منه الجزأ الخاص في نسب إبراهيم أرفكشادي بحسب هذا التسلسل. ليدعوا أنه أرامي بحسب ما ذكره الكهنة في (سفر التثنية-26-5), الذي ورد فيه الآتي:” ثم تصرح وتقول أمام الرب الهك اراميا تائها كان أبي فإنحدر إلى مصر وتغرب هناك في نفر قليل فصار هناك أمة كبيرة وعظيمة وكثيرة”. ليدعوا حرفا بحرف مثلما إدعى الكهنة المتأرجحين في كتابهم بين أرامية إبراهيم وعدمها. وأعتقد أن الذين أخذوا من المهرولين بأرامية إبراهيم كان عليهم أن يدققوا بإسم والده في (التوراة) الذي هو تارح وليس آزر, كما كان عليهم أن يدركوا أن (أبراهام التوراة) هو ذاك الديوس كما أوضحنا ذلك سابقاً في قصة فرعون وأبيمالك, الذي لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يكون هو ذاته النبي إبراهيم عليه السلام. الأمر الذي يؤكد أن هذه الشخصية (التوراتية) ليس هو النبي العربي إبراهيم إبن آزر الذي ذكره القرآن الكريم بحسب الآية-74 من سورة الأنعام:” وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ”. وما يؤكد على عروبة النبي إبراهيم هو ما ذكرته الآية-4 من سورة إبراهيم, التي نصت على الآتي:” وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”. فذكر إبن كثير في تفسير هذه الآية الأتي:” هذا من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلاً منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم”. والمقصود أن رسل الله إلى الناس كانت تتحدث بلغة القوم المرسلين إليهم لتتم الغاية من الرسالة, وينطبق ذلك على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسل بلسان قومه, وإن كان رسولا إلى البشرية جمعاء, لأن قومه هم الذين سيحملون رسالته إلى البشرية. وتأكد هذه الحقيقة أن الأقوام التي عاش بينها النبي إبراهيم في حركته من العراق إلى بلاد الشام إلى فلسطين إلى مصر إلى مكة, كان من الضروري أن تتحدث جميعها لغته لفهم نهجه التوحيدي في رفض عبادة الأصنام والدعوة إلى الإسلام. وهذه اللغة من الضروري أن تكون لغة أبنائه إسماعيل وإسحاق والأحفاد وذرياتهم الذين منهم يعقوب ويوسف عليهم جميعاً السلام.

ولمعرفة اللغة التي تحدث فيها النبي إبراهيم لنقرأ معاً الآية-27 من سورة الحج:” وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ”. ومعنى أذن في الناس أي نادي في الناس من أهل مكة وحولها, ولكيّ ينادي في الناس يجب أن يناديهم بلغتهم ليفهموا عليه, والمعروف أن لغة أهل مكة وحولها هيّ اللغة العربية الصافية والنقية التي لم تتأثر بغزوة غريبة. كما لم تثبت الوثائق المكتشفة أن إستعمرت مكة, أو دخلتها جيوش غريبة لتغير في لغة أهلها, والهجمة الوحيدة التي وصلت إليها هي جيوش أبرهة (أصحاب الفيل) التي أفناها رب العزة بحجارة من سجيل. الأمر الذي يؤكد أن لسان سيدنا إبراهيم كان لسان القوم الذي أذن فيهم, وهو اللسان العربيّ الصافي, وهذا ما يثبت أن إبراهيم عليه السلام كان عربيا نقيا وكذلك هو حال أبنائه وأحفاده. ومن مضمون ما جاء عن إبن عباس بأن المقصود بقوله: وأذن في الناس بالحج, أي ناد في الناس بالحج داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت. الذي أمرناك ببنائه. فذكر أنه قال: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم (أي قوة صوته لا تصل إلى أبعدهم), فقال: ناد وعلينا البلاغ. فقام على مقامه, وقيل على الحجر وقيل على الصفا, وقيل على أبي قبيس, وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد إتخذ بيتا فحجوه, فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض, وأسمع من في الأرحام والأصلاب, وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك. وما يؤكد أن لغة إبراهيم العربية بقيت ذاتها هيّ لغة كل ذريته من الأنبياء, الآيتين (33-34) من سورة آل عمران:” إنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.فعندما ذكر رب العزة نوح عليه السلام لم يذكر أبنائه وخصوصا سام المفترض بهذا الإصطفاء, لكنه أكدها على آل إبراهيم العرب (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ) وأن تلك الذرية متواصلة ولم تنقطع مع نسله, وأن ذلك شمل إبنه العربي النبي إسماعيل, ومن نسل إسماعيل العربي ولد القريشي الهاشمي سيد البشرية العربي محمد بن عبد الله, الأمر الذي يؤكد عروبة آباءه وأجداده الذين منهم النبي يعقوب وإسحاق وإسماعيل وإبراهيم.

ويؤكد هذه الحقيقة الحديث النبوي الشريف الذي رواه أحمد ومسلم عن واثلة بن الأسقع مرفوعاً:” إن الله إصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل, ثم إصطفى من بني إسماعيل كنانة, ثم إصطفى من قريش بني هاشم, ثم إصطفاني من بني هاشم”. وروى الترمذي أن رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قال: إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيم إسْمَاعْيِلَ, واصْطَفَىَ كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ. وَاصْطَفَىَ قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ. وَاصْطَفَىَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ. وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ صحيح مسلم وسنن الترمذي. فكل ذلك يؤكد أن العرب هم العرب لا بائدة ولا عاربة ولا مستعربة, بل عرباً منذ فجر التاريخ. كما يوضح ذلك صواب رأي مَنْ ضعف أو نفى صحة الحديث المروي في مسند أحمد وسنن الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه كان يقول:” سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم”. على ذلك نبني لنقول أن السامية التي لا تصلح بأن تكون حاوية للغات المنطقة, كما لا تصلح أن تكون إسم عرق أو جنس, ولا يوجد في تعداد الإكتشافات التاريخية أية دليل يؤكدها. كما إن إنتزاعها من شجرة أنساب (التوراة) الساقط تاريخيا ودينيا وأخلاقياً, لتطلق على مجموعة اللغات, ثم قصرها لتكون خاصة بالعشيرة المفترضة الخارجة عن التاريخ, لا يجعل منها بذلك أن تكون هوية عرقيه أو حتى قوميه. وإدعاء ذلك ما هو إلا درب آخر من دروب الخداع والتزوير. وهكذا إعتبرت السامية أصلا للغات ولهجات ألمنطقة, فالمفقود إعتبر أساسا للموجود ليحل مكانه, وهذا ما ينطبق كذلك على شجرة أنساب (التوراة) بكل تفرعاتها التي حلت مكان أصول حقيقية, لتمسخ عمر البشرية على قدر قصص (التوراة) الممسوخة والصبيانية والساقطة أخلاقيا. وفي ذلك ذكر شربنتية أصطفان, الآتي:” إن الكتاب المقدس لا سيما العهد القديم كتاب محير نعلم قبل أن نفتحه أنه الكتاب المقدس عند اليهود و(المسيحيين), ونتوقع أن نجد فيه كلام الله غير ممزوج بأي شيء: أي نوعاً من كتاب للتعليم أو اللاهوت الأدبي.

وعندما نفتحه نجد فيه قصصاً من ماضي (شعب) صغير قصصاً كثيراً ما تكون لا فائدة منها, فيها روايات لا نستطيع أن نقرأها بصوت مرتفع دون أن نخجل منها, وحروباً وإعتداءات وقصائد لا تحملنا على الصلاة وإن سميناها مزامير, وفضائح أخلاقية قد تخطاها الزمن وكثيراً ما هي مبغضة للنساء, كتاب محير ولكن هل هو كتاب مقدس”(عبد المجيد ههمّو- التوراة من كتبها وكيف). لذلك لا يمكن التسليم بأن (اليهودية) التي فرضها عزرا على منطقة يهوديت الإدارية بدعم كلي من النظام الإخميني, هي التي أتى بها موسى عليه السلام, الذي لم يدعوا إلا إلى الإسلام, كما أنها لا تشكل جنس أوهوية قومية. لأن شذاذ الآفاق لا يتحلون بخصائص تشريحية مشتركة, مثل لون البشرة, وشكل الرأس, وشكل الأنف, وقصر القامة وطولها. وقد بينا في سياق هذا الفصل أن معتنقي مذهب عزرا من (اليهود) هم غير الذين هادوا المخاطبين بالقرآن الكريم. كما بينا أن مدعي نسل (بني إسرائيل) من (التوراتيين) القدامى أو الجدد هم غير بني إسرائيل الذي فضلهم رب العزة تفضيل هداية على العاليمن. كما أنهم لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يكونوا من بني يعقوب, أو أن يكونوا من قبائل الأسباط. أو يكونوا من ذريات المصطفين من الأنبياء. أو يكونوا هم العبرانيون إن كانت العبرانية تخص النبي إبراهيم أو أحد من أبنائه أو أحفاده, أو إن كانت تخص القليل من الذين آمنوا مع موسى من بني إسرائيل وخرجوا من مصر. لأن كهنة (التوراة) لم يعبروا إلا بين حواري بابل وبين مسلوباتهم التي سطوا عليها من ديانات ووثنيات الشعوب القديمة وقصصها التي سجلوها على لوائح تخصهم, أو نقشوها على لوحات في معابدهم ليقولوا هم من بنى إمبراطوريات إقليمية وليس (داود أو سلمان). ولم تكون في أي حال تلك ممالك إسرائيل أو يهوذا, بنفس القدر التي لم تكن القدس في يوم من الأيام إسمها أورشليم, أو أن يكون قد بنيّ فيها هيكلا. كما أسقطنا مقولة حدوث السبيّ البابلي (لليهود) إن كان من جهة الأشوريين, أو كان من جهة الكلدانيين, وأثبتنا أن أول تواجد (لليهود) في فلسطين, كان لمجموعة عزرا التي إعتنقت الزرادتشية, ودخلت فلسطين كطابور خامس زرعه الإخمينيين لتجسس على أهلها. وأخيراً بينا جهل وسخف كل من أخذ بشجرة أنساب (التوراة) التي جعلت من عمر (آدم التوراة) أصغر من عمر آخر الحضارات المكتشفة في فلسطين. كما بينا أن العرب هم عربا من بداية التاريخ وليسوا بائدة أو عاربة أو مستعربة, بنفس القدر الذي أثبتنا أن النبي إبراهيم وكل ذريته عليهم جميعا السلام, كانوا عرباً ويتحدثون اللغة العربية النقية والصافية. وأمام كل هذه النتائج أوجه دعوة صادقة إلى كل علماء الأمة والباحثين وأئمة المساجد بالتوقف عن الأخذ بالإسرائيليات, لأن مدعي هذا النسب ليسوا أهل كتاب, و(التوراة) الذي بين أيديهم هو كتاب شيطاني ووثني, جمع بين (إله التوراة) المتلون والمتحول والمركون في حواري بابل, وبين العشيرة (اليهودية) التي أطلقها عزرا, لتكون هيّ عصابة المرابون التي تقف اليوم خلف كل نكبات وويلات الأمة والدين. والله أعلم.

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

البيرة – بالفيديو – مؤلفات د. حمزة ذيب حول شتى المواضيع الإسلامية والسياسية والجامعية ( حوار : الصحفي هلال علاونه مدير شبكة إسراج)

رام الله – شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )  Share This: