إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / الإسلام / المرأة المسلمة / قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي.. الذكرى الرابعة عشر لوفاة أمي 22 نيسان 1999 – 2013 م ( د. كمال إبراهيم علاونه )

أمي العزيزة أحبك

قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي.. الذكرى الرابعة عشر لوفاة أمي
6 محرم 1420 - 1434 هـ / 22 نيسان 1999 - 2013 م

قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي.. الذكرى الرابعة عشر لوفاة أمي 22 نيسان 1999 – 2013 م ( د. كمال إبراهيم علاونه )

أمي العزيزة أحبك

قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي.. الذكرى الرابعة عشر لوفاة أمي
6 محرم 1420 – 1434 هـ / 22 نيسان 1999 – 2013 م

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس مجلس إدارة شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)}( القرآن المجيد – الفجر ) .

النشأة والهجرة

في يوم الخميس – ليلة الجمعة 22 نيسان 1999 الموافق 6 محرم 1420 هـ ، ( 1932 – 1999 م ) ، بعد 67 عاما ، من الحياة المليئة بالعطاء والتضحية والعناء ، والتربية الحياتية ، انتقلت والدتي ( سهيلة – أم جميل ) ، إلى حياة البرزخ تمهيدا للولوج في الحياة الآخرة السعيدة إن شاء الله تبارك وتعالى . إنها والدتي الحبيبة ، التي عانت من ويلات الاحتلال البريطاني ، ولم تتمكن أسرتها من إلحاقها وإخوتها بمدرسة من المدارس القليلة آنذاك ، لسوء الأوضاع العسكرية والاقتصادية والسياسية ، فبقيت أمية لا تقرأ ولا تكتب ، أسوة ببقية أفراد أسرتها اليتامى ، ثم هجرت مع أسرتها في حرب عام 1948 ، عندما كان سنها 17 عاما ، ويتيمة الأب ، إبان نكبة فلسطين الكبرى ، من بلدة ساقية قرب يافا ، على ساحل البحر الأبيض المتوسط ، فنزحت في النزوح الفلسطيني الكبير من يافا لمدينة نابلس إلى مخيم عين بيت الماء ، وهو مخيم رقم ( 1 ) في فلسطين . وهناك تعارفت عائلة والدي على عائلة والدتي عندما جاء أبي ، وهو الشاب إبراهيم محمد شحادة علاونه لخطبة الفتاة الفلسطينية المنكوبة كبقية أبناء شعبها بفعل الاحتلال البريطاني البغيض والمنظمات الإرهابية اليهودية المسماة ( الهاغاناة ) وذلك بعد شهر من حركة النازحين الفلسطينيين الجدد ، من محافظة فلسطينية لمحافظة فلسطينية أخرى ، من السهل الساحلي إلى الجبل الداخلي في فلسطين الأرض المقدسة . فتشتت العائلة بين نازح في أرض الوطن الفلسطيني المقدس في نابلس أو غزة ، وبين لاجئ في عمان بأرض الأردن الشقيق ، فجاءت ظاهرة جديدة في حياة الشعب الفلسطيني الأصيل في هذه البلاد وهي ظاهرة ( المهاجرين والأنصار ) ضمن الوطن الواحد والشعب الواحد في أرض فلسطين المباركة ليكتمل المثلث الاجتماعي الجغرافي الفلسطيني : المدينة والقرية فالمخيم . يقول الله الحي القيوم ، تبارك وتعالى : {  وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)  فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)}( القرآن المجيد – آل عمران ) .
ويقول الله المحيي المميت عز وجل : { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)}( القرىن المجيد – الحج ) .

الخطبة والزواج .. بين المهاجرين والأنصار

يقول الله الحي القيوم عز وجل : { وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24)  }( القرآن المجيد – الروم ) .

شاهد الشاب إبراهيم اليتيم العزموطي ( وهو والدي ) الفتاة اليتيمة سهيلة اليافاوية ( والدتي ) عن بعد دون تعارف مسبق أو لقاء جمع بينهما للتعارف ، ولكن جدتي لأبي ( حليمة – أم إبراهيم ) وبعض النسوة من عزموط بمحافظة نابلس ، هن من شاهدن الفتاة العروس المنتظرة للشاب إبراهيم ، بالتنسيق مع جدتي الثانية فاطمة ( أم والدتي ) ، واتفقت أسرتيهما على المصاهرة والنسب ، وحدد المهر المعجل ب 150 دينارا أردنيا ، ومثله المهر المؤجل بحضور مأذون عقد الزواج الشرعي الإسلامي وبعض وجهاء قرية عزموط ووجهاء أهل العروس النازحين من ساحل الوطن الغربي . وجرت عملية تنظيم العرس عام 1949 ، كالأعراس الشعبية الفلسطينية ، بوليمة غذاء للجميع ، وأنجب الزوجان ، إبراهيم وسهيلة ، ابنا ذكرا بكرا بعد تشكيل الأسرة النووية ، بعد أكثر من عام ونصف من الزواج ، أسمياه جميل ، وتتالى مسلسل التكاثر الطبيعي والإنجاب إلى أن وصل عدد الذكور والإناث 10 أفراد نصفهم من الذكور والنصف الآخر من الإناث . وقد إبتدات عملية الإنجاب بذكر واختتمت بذكر ، جميل البكر ، وكايد الأخير ، وبينهما سهام وجمال وكمال وفاطمة ومحمود وسحر وسمر وسنيورة ، فسبحان الله أحسن الخالقين . فمنهم من يشبه والده ومنهم من يشبه والدته أو أخواله أو أجداده ، ومنهن من تشبه والدها أو والدتها أو جدتيها ، وقد عاشت أسرة المهاجرين والأنصار الجديدة حياة فلسطينية طبيعية وسط الهموم والغموم والمآسي في الأرض المقدسة ، والانتقال من مهنة لأخرى ، كانت المهنة الأولى والأخيرة للزوجين الزراعة وتربية المواشي كالأغنام والأبقار على نطاق واسع ، وزراعة الحبوب كالقمح والشعير والعدس والبيكة وزراعة المحاصيل الشتوية والصيفية على السواء ، ومن بين المحاصيل الصيفية الباميا والذرة . ثم التحق الزوج إبراهيم بعدة مهن حرة حسب الحاجة ، والأعمال كانت محدودة أمام أهل الريف أو أهل فلسطين عموما بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والعسكرية والسياسية السائدة من جيل إلى جيل .
ومضت الأيام والسنون ، وبعد خمسين عاما ، بعدما جاء موعد الموت للوالدة ( سهيلة أم جميل ) واقترب الأجل وساعة الرحيل ، واللحاق بالرفيق الأعلى ، وفق قول الله العزيز الحميد : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)}( القرآن العظيم ، الأعراف ) . وأزفت الآزفة ، بعدما استشرى المرض في جسم الأم الرؤوم ، نقلت الأم إلى مستشفى رفيديا ثم مستشفى الوطني في نابلس ، كونهما مستشفيان حكوميان ، وأنا ابنها الأوسط ، موظفا في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية وأمتلك التأمين الصحي الحكومي الشامل ، وهي مسجلة في بطاقة تأميني الصحية الحكومية ، مكثت عدة أيام بالمشفى مرة في مستشفى رفيديا واستقرت في مستشفى الوطني وسط مدينة نابلس ، والزوار يزورنها في المشفى ، من الزوج والأبناء والبنات وبعض الأقارب والأصدقاء والأنسباء وأبناء الحمولة .
وفي يوم الاثنين 19 نيسان 1999 ، بعد 17 يوما من عودتي من الديار الحجازية لتأدية فريضة وركن الحج ، ومناسك العمرة الإسلامية ، مع البعثة الإعلامية الفلسطينية ، وتأدية العمرة نيابة عن والدتي سهيلة ، برفقة والدي العزيز ، وفي ساعة من ساعات يوم عربي إسلامي حافل بالدعاء والعبادة ، لله جل جلاله ، أحسست بأن هاتفا قلبيا داخليا ، يخبرني بأن والدتي سينتهي أجلها المحتوم يوم الخميس المقبل ، دعيت أبني البكر هلال ، ابن الاثني عشر ربيعا ، وأمليت عليه خطبة رثاء وتأبين لميت عزيز ، وكنت مضمرا في نفسي أن هذه الخطبة والتأبين الإسلامي سيكون لوالدتي الحبيبة ، ولكنني لم أخبره ، بل أخبرته ، بأن هذا الخطاب هو لميت عزيز قد يلزم مستقبلا ، ولم يكن يدرك هلال الطفل في تلك الأيام ، لمن سيكون هذا الخطاب التأبيني ، ولكنه كان يحب الخطابة حبا جما كونه استطاع نيل المرتبة الأولى في الخطابة المدرسية على المدارس الحكومية الفلسطينية للمرحلة الأساسية العليا ، وبدأ هلال يقرأ مفردات الخطبة المنتظرة غيبا على مسامعي ويرددها بإتقان تام .

الحياة الاجتماعية قبل الموت ..

يقول الله الحميد المجيد عز وجل : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)}( القرآن المجيد – الأنبياء ) .
وجاء بصحيح مسلم – (ج 14 / ص 247) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ” .
كانت والدتي العزيزة ، إمرأة فلسطينية ، مدنية وريفية بكل معنى الكلمة ، مزارعة وتاجرة ، وأم رؤوم ، تحنو على الأبناء ، وتربطها علاقات وطيدة مع الجيران من النساء والفتيات في القرية وفي مخيمي عسكري القديم والجديد بمحافظة نابلس ، وتشارك الجميع في الأفراح والأتراح ما استطاعت الى ذلك سبيلا ، باعتباره واجبا من الواجبات الاجتماعية المتعارف عليها في قرية عزموط الصغيرة . ويبدو أنه لكونها نشأت يتيمة ، كانت تحب الأطفال اليتامى وتتصدق عليهم بسخاء ، وتواسى الأرامل ، والمفجوعين والفقراء ، وتنفق من أموالها . واهتمت بأسرتها ، فعملت على تزويج كافة بناتها الخمسة في حياتها ، وعملت على تزويج أربعة أبناء ذكور ، وبقي الصغير كايد الذي أوصتني به خيرا وعملنا على تزويجه في حزيران 2006 بعد وفاتها بسبع سنين .

سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ .. الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ

ورد في صحيح مسلم – (ج 13 / ص 169) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ فَقَالَ سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ ” .
وورد في سنن أبي داود – (ج 2 / ص 494) جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :” إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ قَالَ قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَا لِي قَالَ قُلْ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي فَلَمَّا قَامَ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَهُ مِنْ الْخَيْرِ ” .
وورد في مسند أحمد – (ج 31 / ص 209) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَنْ أَسْتَكْثِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ ” .
كانت والدتي متدينة ، تؤدي الفرائض والأركان الإسلامية من الصلاة والصيام والزكاة ، من واجباتها الاجتماعية الإسلامية ، وتحب الإسلام والمسلمين فقد أدينا مناسك العمرة معا بمكة المكرمة بالديار الحجازية ، في العشر الأواخر من رمضان 1996 م .
وكانت والدتي رحمها الله الغفور الرحيم جل جلاله ، تقرأ سورة الإخلاص كل يوم مائة مرة على الأقل ، وتقوم بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة ( سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ  ) ، في مسبحتها ذات أل 99 حبة ، وذلك في أواخر سني حياتها ، وكانت تحب زيارة المسجد الأقصى المبارك والصلاة فيه في جميع الأحوال ، وكانت تدعو لنصرة شعب فلسطين وتحريره من الاحتلال والمحتلين اليهود ، فقد ظلمت مرتين في الاحتلال الصهيوني الأول وطردها وعائلتها من يافا ، عام 1948 ، وظلمت في المرة الثانية بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في الاحتلال الصهيوني الثاني عام 1967 بعدما حرمت من رؤية أهلها وذويها وإخوتها في غزة وعمان في حلهم وترحالهم ، وحياتهم وموتهم . وكانت أمي تدعو لي ولإخوتي كثيرا جدا بالتوفيق والسداد وتحقيق الأماني والتطلعات ، وتعطف على الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى والمحتاجين والمرضى والمسنين ، وتنفق من أموالها على هذه الفئات المعوزة ، ماليا وعينيا ، وتحضنا على ذلك ما استطعنا لذلك سبيلا بصورة دائمة . يقول الله تبارك وتعالى : { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59)}( القرآن العظيم ، العنكبوت ) .
وكانت والدتي المرحومة بإذن الله ، تركز على الاهتمام بمبدأ كفالة الأيتام المسلمين في القرية وخارجها . وتهتم بمشاركة الناس في أفراحهم وأتراحهم عبر تقديم مساعدات مالية وعينية ( النقوط للاعراس الفلسطينية ) ، ففي الأعراس كانت تقدم اللبن والخبر والأرز والنقوط المالي للمساهمة في إعداد المناسف الشعبية ، وتشارك أحيانا في طبخها . وفي حالات الموت والعزاء لا تتخلف على مشاركة نساء المتوفى بالزيارات وقضاء الأيام الثلاثة لبيت الأجر ، وكانت تهتم بإعداد الأطعمة للفطور والغداء لأهل المتوفى من نفس العائلة أو العائلات والحمائل الثلاث في القرية : علاونه وصوالحة وحوامدة لا فرق لديها فعليها أن تقدم واجبها كذلك .

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا

يقول الله الواحد القهار جل جلاله : { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) }( القرآن المجيد – الأنفال ) .
وفي حرب حزيران عام 1967 ، كانت والدتي تؤوي شباب جنود الجيش العربي الأردني ، في حديقتنا الريفية الشجرية من التين والعنب واللوزيات ، وتقدم لهم المأوى واللباس والطعام فهم من جيل أبنائها ، وتستطلع لهم الأمور في القرية لحمايتهم من جنود الاحتلال اليهودي ، فكانت بمثابة نواة ثورية مجاهدة للحفاظ على حياتهم ليلا ونهارا .
وأتذكر عندما كان يأتي جنود الاحتلال الصهيوني لاعتقالي بتهم التحريض ضد الاحتلال ، في الأعوام 1983 و1985 و1988 و1989 ، تجادل ضباط وجنود الاحتلال اليهودي وتقف لهم بالمرصاد لتمنعهم من ضربي أو الاعتداء علي أو تكسير وتخريب أثاث المنزل . وبعد اعتقالي كانت تشارك بفعالية في المظاهرات والإعتصامات والمسيرات ، المناهضة للاحتلال والداعية لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين ، وفي بعض المرات كانت تقود مسيرات نسائية في القرية أثناء تجميع رجال وشباب القرية من قبل الاحتلال الصهيوني ليلا كعقاب جماعي ، للمطالبة بإخلاء سبيلنا ، رغم تهديدها من جنود الاحتلال بإطلاق النار عليها فلم تكن تأبه لتهديداتهم المهووسة ، خاصة إبان انتفاضة فلسطين الكبرى الأولى ما بين 1988 – 1994 .

نبأ الوفاة .. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ

يقول الله العلي العظيم جل جلاله : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)}( القرآن المجيد – آل عمران ) .
في يوم الخميس 22 نيسان – ابريل 1999 ، جاء الخبر المحزن وهو انتقال والدتي سهيلة يحيى النادي علاونه ( أم جميل ) إلى الرفيق الأعلى بعد زيارة أخيها الوحيد وأولاده في مخيم عسكر الجديد قرب نابلس ، بوقت قصير ، وعادت أختى الكبرى سهام أم النمر ، من عندها في المستشفى ، بسيارة طلب تاكسي ، منتصف الليل ، ليل الخميس – الجمعة ، وفرتها لها إدارة المستشفى ، لتجهيز الأهل وإعلامهم بأن الأم الرؤوم التي أنجبت عشرة أبناء ، ذكورا وإناثا قد انتهى أجلها المحتوم وانتقلت روحها الطاهرة لبارئها في السماوات العلى ، في إعلام للانتقال لحياة البرزخ الوسطى بين الحياة الدنيا الفانية والآخرة الباقية .
أُعلم الأبناء بوفاة أو موت الأم ، فتجمع الجميع ليلا في بيت الأسرة المركزي يبكون بمرارة غير معهودة ، مرارة الفراق ، فراق الأم الحبيبة ، هناك على سرير المستشفى ( المستشفى الوطني بنابلس ) ، بعد أن فارقوها في ساعات المساء المتأخرة ، بوقت قصير . رغم تماسكي النفسي والعصبي والجسدي إلا أنني أحسست إحساسا صعبا ، ولم ادر ماذا اقول سوى ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) وترديد قراءة سور قرآنية مثل الفاتحة ويس وتبارك الملك مرارا وتكرارا ، داخل نفسي أحيانا وبصوت مرتفع أحيانا أخرى .

{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)}( القرآن المجيد ، الرحمن )

تجمع الجميع في بيت الأسرة الريفي المتواضع في قرية عزموط ، بمحافظة نابلس ( جبال النار ) في قلب فلسطين الأم الكبرى . وتعالت أصوات القرآن المجيد ، في بيت الأسرة ، وفي مسجد عمر بن الخطاب بالقرية ، وتم الإعلان عن وفاة الأم التي أحبتها قرية عزموط والسواد الأعظم من أهل عزموط ، عبر مكبرات الصوت التي تصدح يوميا خمس مرات بالدعوة لتأدية الصلاة وإقامتها ، في صلوات الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ولكن هذه الوفاة تحمل في ثناياها الكثير الكثير من المآسي ، والفواجع النفسية والاجتماعية ، الفردية والعائلية والمجتمعية ، تمثلت في عدم تمكن إخوة وأخت المرأة الفلسطينية المتوفاة من وداعها الوداع الأخير ، والمشاركة في قراءة الفاتحة على روحها الطاهرة . فالمواطنة الفلسطينية ( أم جميل ) ، التي أحبت فلسطين ، وأنجبت من أجل فلسطين ، في صراع سكاني ( ديموغرافي ) مع يهود فلسطين المحتلين ، ترجلت وانتقلت من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة ، دون أن يتمكن أخيها الأكبر الشيخ أحمد النادي ( أبو محمد ) من مخيم الوحدات في العاصمة الأردنية عمان من وداعها أو حضور جنازتها ، فأقام لها بيت عزاء في سكنه ، ولم يتمكن أخيها الآخر علي النادي ( أبو يحيى ) بمخيم النصيرات بقطاع غزة من المشاركة في وداعها وحضور جنازتها ، أو الصلاة عليها ، كما يفعل الأخوة كالمعتاد عندما ينقل الجثمان من بيت الأسرة إلى المسجد الجامع لصلاة الجنازة ، ولم تتمكن أختها الكبرى ( زهر أم زكي الصافي ) كذلك من الحضور لقرية عزموط بمحافظة نابلس كونها في مخيم المحطة قرب مدينة عمان ، بينما شارك في وداعها أخيها الأصغر سنا محمد النادي ( أبو مصطفى ) كونه من مخيم عسكر الجديد .

من المشفى للبيت للتغسيل والتكفين الإسلامي

أحضر جثمان المواطنة الفلسطينية المتوفاة سهيلة رحمها الله ، من المستشفى الوطني بنابلس ، قبل صلاة الجمعة 23 نيسان – ابريل 1999 ، بساعتين تقريبا ، بموكب سيارات قليل ، وسيارة نقل الموتى ، وتلاوة عالية للقرآن المجيد من مكبرات الصوت في السيارات المرافقة ، وجرى تغسيل الميتة وتكفينها ، في بيت الأسرة ، من بنات المتوفاة بمساعدة بعض النساء كبيرات السن ، وسط هدوء وصمت لا يتخلله سوى الهمهمات والبكاء الساكت بلا صوت ، وحضر الأبناء الذكور من باحة البيت بعد الانتظار من تجهيز الميتة رحمها الله ، لنقل الجثمان للمسجد لتأدية الصلاة عليه ، بعد صلاة الجمعة الجامعة ، وقبل النقل قرأت أنا شخصيا على الجثمان في النعش ، سورة يس وتبارك الملك ، وبعض السور والآيات القرآنية المجيدة ، وسط غزارة دموع تنساب على وجنتي ، حزنا على فراق أعز مخلوقة عندي وفي حياتي ، فهي الوالدة والمربية ، والأم الرؤوم ، والصديقة وقت الضيق ، وأثناء ذلك كانت تصبرنا بعض النساء المسلمات الكبيرات في السن ، وتقول لنا البركة فيكم ، ومن خلف ما مات ، وهكذا ، وأنا قلبي معلق بوالدتي إحسانا وجزعا وحبا ورأفة ورحمة كما ربتني صغيرا وعلمتني كبيرا ، وقد لاحظت فرقا شاسعا بين وجه أمي قبل التغسيل وبعدة ، فقد بدأ وكأنه يشع نورا وضياء وطمأنينة في ليلة بدر قمرية بعد التغسيل والتكفين ، رغم أن الوالدة كانت مريضة هزيلة الجسم ولا تستطيع المشى وحدها فقد كانت مقعدة ، تتوكأ على عصا ، وكنت أبلغت الأخوات والنسوة أن لا يلطمن ولا يبكين بصراخ عال بل بصمت مطبق وحزن داخلي فقط ، فلم يلطمن على وجوههن في الوداع الأخير الخير لأمنا جميعا ، وسط التزام من الأخوات والنساء الحاضرات بالعشرات ، بينما كانت بعض النسوة اللواتي لا يتقيدين بالإسلام ولا يملكن أنفسهن والسيطرة على أعصابهن ، في مثل هذه الحالات من فقدان الأحبة في الحياة الدنيا الفانية عبر شق الجيوب والثياب ، يقلن لأخواتي ( لماذا عزاء أمكن باردا ؟؟ ) بمعنى لماذا لا تنحن ولا تبكين ولا تلطمن بهستيرية بغيضة ربما تكون تقليدية لدى البعض ، ومرفوضة إسلاميا قلبا وقالبا وهذا ما طبقناه فعليا .

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ .. اللهم اجعل قبر أمي رَوْضَة مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ

جاء في سنن الترمذي – (ج 8 / ص 500) دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَلَّاهُ فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ قَالَ أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلَّا تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ مَرْحَبًا وَأَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ قَالَ فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوْ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ قَالَ فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْتَقِيَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصَابِعِهِ فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ قَالَ وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا لَوْ أَنْ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الْأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ ” .
وغني عن القول ، إن للإنسان أجل محتوم ، لا يتغير ولا يتبدل ، ويفترض السعي الدائم والدائب لمرضاة الله خالق الخلق أجمعين ، وتجميع العمل الطيب والصالح ، لدخول الجنة والابتعاد عن عذاب القبر وعذاب جهنم . يقول الله الحي القيوم في محكم التنزيل : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) }( القرآن الحكيم ، آل عمران ) .
وفي الجانب الآخر ، كان أبناء وأحفاد الفقيدة أم جميل ، وبعض الشباب الآخرين من العائلة والقرية ، قد جهزوا حفر القبر ومساحته 1م عرض × 2 م طول بعمق 1.7 م الذي كانت عملية حفره سهلة جدا ، في حين توليت أنا وكايد ، إحضار الكفن من لباس وحناء وعطر وما إلى ذلك من مدينة نابلس ، بينما تولى آخرون أحضار الطوب والبلاط والأحجار المخصصة لدفن الموتى . ولاحقا بعدة أيام قليلة أحضر أخي جمال ( ابو محمد ) حجارة القبر من منشار حجر قريب ، وتمت عملية تنصيب القبر والشاهد مكتوبا عليه الفاتحة ، واسم والدتنا المتوفاة رحمها الله وتاريخ الوفاة ، فكان قبرا عاديا مصنوعا من حجارة ممتازة ولكنه قصير الطول لا يتجاوز شبرين عن مستوى الأرض عملا بالسنة النبوية الشريفة .

قَدِّمُونِي .. قَدِّمُونِي

جاء في صحيح البخاري – (ج 5 / ص 74) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ ” .

حمل النعش المفدى ، الأبناء لباب المنزل ثم التحق بهم مجموعة من الشباب الإسلامي الذي تبرع للمساهمة في نقل الجثمان للمسجد الذي يبعد عن منزل الفقيدة الغالية قرابة 500 م ، وكان لسان حال النعش يقول ( قَدِّمُونِي.. قَدِّمُونِي ) فقد أسرع المشيعون بسرعة عجيبة لنقل الجثمان للمسجد ، وأنا أحمل في ناصية النعش الأمامية إلى أن وصلنا لداخل المسجد ، كبيت من بيوت الله الذي تؤدى فيه الصلوات الخمس ، ولكن لهذه المرة في دخول المسجد طعم ومذاق غير مسبوقين أو معهودين ، دخلنا المسجد لأول مرة نحمل نعش أمنا الحبيبة ، وهي لحظات مؤثرة ، لا يستطيع الإنسان أن ينساها أو يتجاهلها ، ولكن قدر الله عز وجل نافذ لا محالة ونحن ملتزمين به ، فالحياة الآخرة خير وأبقى ، كضرورة حتمية آتية لا ريب فيها ، شاء من شاء وأبى من أبى ، ومكثت أبكى بصمت بدموع غزيرة ولكن بلا صوت مسموع أثناء الدرس الديني والخطبة الجامعة ليوم الجمعة ، وألقى إمام المسجد الشيخ جمال اشتيه ( أبو بكر ) خطبة الجمعة وتم تأدية صلاة الجمعة المفروضة ، ثم صلى الحاضرون صلاة الجنازة على جثمان الفقيدة ، بشكل كثيف جدا لم يشهد له مثيل ، وتوجه المشيعون للمقبرة الغربية في قرية عزموط ، ودفنت الفقيدة ، في لحدها الأخير ، حيث أنزلها فيه إخوتي جمال ومحمود بعدما طلبت منهم ذلك ، لأنني لم استطيع ولم أقدر جسديا ونفسيا على لحدها ، فقد كنت غارقا في الدموع الغزيرة الصامتة ، فكانت حبات مطر ساخنة تسقط على وجنتي ، ربما لتخفيف المصاب الجلل الذي لم أذقه قبل تلك المرة بأي حال من الأحوال ، وتولى إمام المسجد عملية تلقين الميتة ، بالشهادتين وبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عن سؤال منكر ونكير في القبر ، وما إلى ذلك ، وأثناء الدفن تولى ابني هلال ، حفيد الفقيدة ، قراءة بيان التأبين ، الذى رثى المتوفاه ، وأثنى عليها ، وتلاوة الأدعية الإسلامية على روحها الطاهرة ، وسط بكاء صامت للكثير من الموجودين وأصدقاء الفقيدة الغالية ، ثم وري الجثمان الطاهر الثرى ، واصطف بعض الناس وخاصة من خارج القرية من الأنسباء والأصدقاء ، للأبناء والعائلة ، لتقديم التعازي ( أعظم الله أجركم ، يسلم رأسك ) والردود تتوالى ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، شكر الله سعيكم ، بارك الله فيكم .

جنازة موت وزفة عرس .. بساعة واحدة في يوم واحد

وقبل الافتراق عن المقبرة ، بعد مواراة جثمان والدتي الطاهر في مدفنها بالقبر في مقبرة القرية الغربية ، بوقت قصير ، تقدم المحامي وائل علاونه ، وطلب الإستذان في إتمام عرس أبن عائلته مروان عادل ، الذي بدا يوم الخميس بسهرة معتادة للعريس ، أي قبل وفاة أمي ، حينما كانت في المشفى ، وكان ردي إيجابيا أن هذه أمنا وهذا ابن عائلتنا وحمولتنا فالميت لنا والعريس لنا ، ونبارك لكم سلفا ، وكان والدي يبدو هادئا ولكنه فقد شريكة حياته التي رافقت طيلة خمسة عقود من الزمن . وأتموا زفاف العريس بحفلة زجلية موسيقية شعبية . والشيء بالشيء يذكر ، لقد مر العريس مروان بنفس الظروف التي مررت بها فقد توفيت والدته وكان يومها عرس وزفة زجل شعبي وموسيقى صاخبة لأحد شباب القرية بشكل كثيف جدا ، وكما تدين تدان ، ولو عن طيب خاطر أو غضب وكظم غيظ لا فرق ولو بعد حين ، فسبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته .
وقبل ذلك ، كان أحد الأصدقاء الأعزاء جبريل معروف علاونه ، أبلغنا مشكورا بأن غداء أهل المتوفاه ( الزوج أبو جميل والأبناء الذكور والأحفاد – والدي وأنا وإخوتي وأبناءهم ) لديه في منزله ، لم ينضم لنا أخ المتوفاه وهو خالي أبو مصطفى ، وذهب بصحبة أبنائه لسكنه ، وهنا انتهى موكب الجنازة الحافل بالتهليل في الحارة الشمالية من القرية ، وبدأ موكب العرس في الحارة الجنوبية من القرية بلحظات قليلة .
توجهنا وسلكنا طريقا آخر غير طريق ، زفة العريس مروان ، الذي تربطنا به علاقات طيبة ، حزنا وحفاظا على سير زفة العريس بلا منغصات ، وأوجست في نفسي خيفة ، أن يتصرف أحد إخواني أو أبناء إخوتي تصرفا فجا مع أهل العريس ، وحاولت ضبط الوضع قدر الإمكان لتحاشي ، الصدام ، فسلكنا فجا غير فجهم ، فالبعض لا يستوعب أن تكون أمه أو جدته متوفاه ودفنت قبل دقائق ، والطبل والزمر يصدحان للعريس في سماء القرية بمكبرات صوت عالية وهمجية يصم الأذان ، للتوجه لمنزل جبريل الذي عزمنا على تناول طعام الغذاء ، في الحارة الجنوبية للقرية . قدم لنا الطعام ، وكنت شخصيا صائما لله تعالى ، فتردد والدي وإخوتي في تناول الطعام وشجعتهم على الأكل ولو بلقيمات ، وهذا ما كان ، إكراما للعائلة الكريمة أبناء المرحوم معروف ، الذين أكرمونا أكرمهم الله ، وبعد ذلك توجهنا لمنزلي شرق مسجد القرية على بعد 300 م حيث كنت معدا لبيت الأجر والعزاء في شقتي ، وتقديم القهوة السادة والتمر ، بينما كان بيت أجر وعزاء النساء في منزل والدي الذي يبعد 1 كم عن منزلي تقريبا .

في بيت الأجر ( العزاء ) .. أعظم الله أجركم .. شكر الله سعيكم

تهافت جميع أبناء القرية من الرجال والشباب والفتيان تقريبا ، على منزلي للعزاء ، لجميع أفراد الأسرة الذكور ، في أول يوم من أيام العزاء ، وكان البيت مكتظا جدا ، وتزايدت التعزية بأيام العزاء في اليوم التالي من الأصدقاء من خارج القرية ، من أصدقائي وأصدقاء إخوتي والأنسباء والأصهار والأخوال وغيرهم . ففي اليوم الثاني ، صادف أن كان علي أن ألقي محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في نابلس لحوالي 60 طالبا في مساق فلسطين والقضية الفلسطينية ، حيث كنت محاضرا في العلوم السياسية والإعلامية في تلك الجامعة ، دقت ساعة الصفر ، وأستأذنت من والدي وإخوتي ليبقوا في بيت العزاء وأن أذهب لساعة ونصف لإلقاء المحاضرة ، فركبت سيارتي الخاصة وذهبت لقاعة المحاضرة في مبنى أبو رعد في حارة السامريين ، ثم عدت أدراجي لاستقبال المعزين في منزلي قبل صلاة العصر ، وأثناء غيابي سأل عني من سأل ، أين كمال أبو هلال ؟ وكنت طلبت من الأهل أن يجبيوا بأنني ذهبت لنابلس لبعض الوقت وسأحضر قريبا ، وهذا ما كان .
مر اليوم الأول والثاني والثالث للعزاء ، وعند نهاية اليوم الثالث ، كنت ووالدي جمعنا معظم إخوتي وأخواتي ، وحصرنا إرث والدتي لتقسيم التركة ( الإرث أو الميراث ) حسب الشريعة الإسلامية ، وحصرنا الموجودات والديون ، وطلبت من إخوتي أن نبقى لوالدتنا صدقة جارية عن روحها ، من أموالها الخاصة التي ورثناها عنها ، عبر شراء مصاحف وعشرات الكتب الدينية من كتب تفسير ودعوة إسلامية من أمهات الكتب أذكر منها ، كتاب تفسير القرطبي للقرآن المجيد ، وأن نضعها في المسجد ، فأجمع الجميع على ذلك ، وتولينا شراء الكتب المعهودة من مكتبة متخصصة في الكتب الإسلامية ، ووضعناها في مكتبة مسجد عمر بن الخطاب في القرية ، وهي لا زالت في متناول القراء ومرتادي المسجد . وقسمنا الميراث على الجميع الوالد والأبناء والبنات ، وتبرعت بحصتي لأختي وأخي الأصغرين ، وهذا ما كان من جميع الإخوة والأخوات الكبار .
وأذكر أنه بعد إنتهاء مراسيم الدفن والعزاء ، غضب خالي الصغير محمد النادي أبو مصطفي من مخيم عسكر الجديد ، على 2 كم من قريتنا عزموط ، لأننا سمحنا لأهل العريس بإتمام الغناء وزفة العريس المذكور آنفا ، واتهمني زورا وبهتانا بأنني ذهبت لأفرح مع العريس وأهله ، رغما أنني كنت أكن في نفسي حزنا عميقا وجرحا داخليا لم أعهده من قبل ، ولكنه كان يتعامل بعاطفته ، وتعاملت أنا بعاطفتي وعقلي معا ، وكظمت غيظي ، وبعث لي لاحقا برسالة شفوية ، يؤنبني ويعاتبني على تصرفي المتعجل حسب رأيه ، وأوصلت له رسالة مفادها أنني أسال الله أن يسامحه ويهديه ، فأنا كنت أكثر المفجوعين للفقيدة والدتي ، وكانت تحبني حبا جما وكنت أبادلها ذلك الحب والحنان الأمومي بطاعة الأبن سائلا لها الرحمة والغفران من الله الحنان المنان ذو الجلال والإكرام ، ورغم إيماني بقضاء الله وقدره المحتوم أن كل نفس ذائقة الموت ، إلا أنني صدمت من هول الفراق ، وكانت دموعي لا تنقطع واختلي بعيدا عن أسرتي وإخوتي وأبكي بكاء مرا دون صوت رغم غزارة الدموع التي تنهال على وجنتي بحرارة عالية .
وبعد ذلك بأيام قليلة ، قدم والدي لمنزلي ، واستشارني بأنه يريد الزواج من إمرأة ثانية ، فوافقته على الأمر حالا ، لأن من حقه الزواج في الإسلام مثنى وثلاث ورباع إن استطاع العدل بين النساء حتى في حياة والدتي الكريمة ، فيكف بعد وفاتها ، أعلمت بعض إخوتي بالأمر فغضب بعضهم ، وشرحت لهم أن من حق الرجل أن يتزوج ، وكان عمر والدي آنذاك 72 عاما فهو من مواليد 1927 وكان هذا النقاش يدور في ربيع وصيف 1999 أي بعد وفاة والدتي بأيام ليست بعيدة عن تاريخ وفاتها . وأوضحت لإخوتي أن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم اختيار زوجته من أقرباء له أو منه بعد تشييع جثمان زوجته ، ولكن الكلام النظري أصعب من التطبيق الفعلي العملي على أرض الواقع ، فلم يستسغ بعضهم هذا الأمر . وبعد ذلك طلبت من زوجتي أم هلال وبعض أخواتي أن يبادرن ويطلبن بعض الفتيات اللائي فاتهن قطار الزواج لخطبة إحداهن لأبي زوجة وشريكة على سنة الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم . ولكن كنا نفاجأ بأن الرد كان يتم سلبيا لرجل سنه فاق العقود الزمنية السبع ، وكان البعض يرد ردا جارحا ، والبعض يرد ردا دبلوماسيا ، والبعض الآخر كان يرد ردا جميلا . لقد بقينا في حالة حيص بيص ، في مسألة زواج والدي ، فلم يقبل بزواجه إمراة ذات سن مناسب فوق الأربعين ، وكان أن بعض سماسرة الزواج في محافظة نابلس كانوا دخلوا على الخط لإقناع فتاة أو إمرأة بالزواج من الرجل الكبير في السن الذي يمثله والدي الكريم ، مقابل مبلغ مالي عظيم .
وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن ، فطيلة سنة ونصف تقريبا ونحن ندور في حلقة دائرة مفرغة ، بلا جدوى ، وبعد مغادرتي لاستكمال الحصول على الدكتوراه في الخرطوم عاصمة السودان الشقيق في العلوم السياسية ، ببعض أسابيع تمكن أحد سماسرة الزواج وأوجد فتاة عانس للزواج من والدي ، فتزوج المرأة الثانية ، واسمها إنعام من مخيم عسكر القديم . وكان سنها بنصف سن عمره تقريبا .
على أي حال ، إن الزواج للمرة الثانية ليس بالشيء البسيط لرجل كبير طاعن في السن ، ولكنه حاجة جسدية ونفسية واقتصادية واجتماعية وأسرية ملحة .

الحال بعد الوفاة

رأيت أمي الحنونة ( سهيلة أم جميل ) عدة مرات بعد وفاتها في منامي ليلا وفي نوم القيلولة النهارية ، في حالات عدة ، بعدما سألت ربي الخبير العليم أن يريني حالها ، فزارتي روحها عدة مرات بالبيت ، فأخبرتني ذات مرة ، أنها تلبس لباسا ابيض ، مع عمتي خديجة المتوفية قبلها مع ابنتها ، بسنوات عجاف طويلة وقالت لي إن حالها جيد . ورأتها بعض أخواتي في حالة جيدة وتحثهن على الصبر والمصابرة في الحياة الدنيا .

شهادة الدكتوراه لأجل تهجيرها من يافا

على أي حال ، بعد وفاة والدتي ( سهيلة ) رحمها الله سبحانه وتعالى ، اعتزمت الصعود العلمي لدرجة الدكتوراه ، فمال وماج في نفسي عنوان واحد وحيد لتقديمه لنيل الدرجة العلمية الجامعية الثالثة ( الدكتوراه ) في العلوم السياسية بجامعة النيلين بالخرطوم ، وهو ( سياسة التمييز الإسرائيلية ضد الفلسطينيين – سياسيا واقتصاديا وعسكريا واجتماعيا ثقافيا وإعلاميا ) في مناطق فلسطين المحتلة 1948 ، إنصافا لشعبي الفلسطيني العظيم ، المرابط في أرض الرباط ، وتذكرا وتذكيرا بوالدتي الحبيبة ، التي هجرت وأسرتها من يافا إلى نابلس عام 1949 بفعل الارهاب الصهيوني . وقد أهديت هذه الرسالة الجامعية عند إجازتها ، في 3 حزيران عام 2002 ، لشعبي الفلسطيني العربي المسلم ، ولروحها الطاهرة إكراما وتكريما لصبرها ومعاناتها في أرض الرباط الفلسطينية المقدسة من رب العالمين .

إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .. الدعاء للوالدة الحنونة

يقول الله المحيي المميت الذي لا إله إلا هو الغني الحميد : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}( القرآن المبين ، البقرة ) .
وجاء بصحيح مسلم – (ج 8 / ص 405) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ” .

وفي الذكرى الرابعة عشر لوفاة والدتي الغالية سهيلة النادي ( أم جميل ) 22 نيسان – ابريل 1999 – 2013 ، فإنني أسال الله العلي العظيم أن يتغمدها بواسع رحمته وأن يسكنها فسيح جناته في الفردوس الأعلى في جنات النعيم المقيم ، مع الأنبياء والصديقين والشهداء والأولياء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، فلها الفضل الأكبر علي وعلى إخوتي وأخواتي في التربية والتعليم والحياة الكريمة والإيثار ، فقد كانت نعم الأم الحنون الرؤوم ، ونعم حجر الأسرة في أركان عائلتنا ، ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يكرم مثواها ونزلها ، وأن يرحمها كما ربتنا صغارا .
ونقول كما جاء في مسند أحمد – (ج 17 / ص 495) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ : ” اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَ ذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ ” .
– { رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) } ( القرآن المجيد ، إبراهيم ) .
– { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) }( القرآن الحكيم ، نوح ) .
ونصيحة أخيرة للجميع ، كما يقول البارئ عز وجل عالم الغيب والشهادة : { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)}( القرآن الكريم ، الحديد ) .
إِنَّا لِلهَِّ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
سبحان الله والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم
اللهم يا ودود ، اللهم يا ودود ، اللهم يا ودود .. يا ذا العرش المجيد ، يا مبدئ يا معيد ، يا فعال لما يريد . أسالك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك ، وبقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك ، وبرحمتك التي وسعت كل شيء ، لا إله إلا أنت يا غياث المستغيثين أغثنا ،،،
اللهم ارحم والدتي المتوفاة منذ 6 محرم 1420 هـ / 22 نيسان 1999 ، رحمة واسعة وتغمدها برحمتك وحرمها على النار يا رب العالمين
اللهم قها عذابك يوم تبعث عبادك ، وأنزل عليها نورا من نورك ،
اللهم نور له قبرها ووسع مدخلها وآنس وحشتها ، وارحم غربتها وارحم شيبتها ،
اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِها نُورًا وَفِي بَصَرِها نُورًا وَفِي سَمْعِها نُورًا وَعَنْ يَمِينِها نُورًا وَعَنْ يَسَارها نُورًا وَفَوْقِها نُورًا وَتَحْتِها نُورًا وَأَمَامِها نُورًا وَخَلْفِها نُورًا وَاجْعَلْ لها نُورًا ، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة ، لا حفرة من حفر النار
اللهم أغفر لها وارحمها واعف عنها وأكرم نزلها
اللهم أبدلها دارا خيرا من دارها . وأهلا خيرا من أهلها . وذرية خيرا من ذريتها وادخلها الجنة بغير حساب . برحمتك يا ارحم الراحمين
اللهم انقلها من ضيق اللحود ومن مراتع الدود إلى جناتك جنات الخلود لا اله إلا أنت يا حنان يا منان يا بديع السموات والأرض تغمدها برحمتك يا ارحم الراحمين
اللهم إن كانت غير أهلا لوصول رحمتك فرحمتك أهلا لان تسعها
اللهم أطعمها من الجنة واسقها من الجنة وارها مكانها من الجنة وقل لها أدخلي من أي باب شئت
اللهم إنها في ذمتك وحبل جوارك فقها فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحق فاغفر لها وارحمها انك أنت الغفور الرحيم
اللهم إنها أمتك وابنة عبدك ابنة أمتك تحتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابها فارحمها فإنك أنت الغني الحميد
اللهم وارزقها لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقاءك ، فأنت العزيز الحكيم
اللهم ارجع نفسها إليك راضية مرضيه وادخلها في جنتك مع عبادك الصالحين
أللهم أنت الغني ونحن الفقراء وأنت غني عن عذابها فارحمها برحمتك الواسعة
اللهم إن كانت من المحسنات فزد في إحسانها وان كان من المسيئات فتجاوز عن سيئاتها إنك أنت الغفور الرحيم
اللهم اجعل ذريتها سترا بينها وبين نار جهنم
اللهم إجعلها شهيدة سعيدة في دار الخلود
اللهم اجعل ذريتها ذرية صالحة تدعوا لها بالخير إلى يوم الدين
اللهم ادخلها جنتك بكرمك جنات النعيم
اللهم إني أسالك الفردوس الأعلى نزلا لها
اللهم وابني لها بيتا عندك في الجنة واجعل ملتقاها بأبنائها وبناتها وزوجها هناك
اللهم واسقها من حوض نبيك محمد صلى الله عليه وسلم شربة هنيئة مريئه لا تظمأ بعدها أبدا
اللهم وأظلها تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ولا باقي إلا وجهك فأنت الحي القيوم
اللهم بيض وجهها يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأنت ذو الجلال والإكرام
اللهم يمن كتابها ، اللهم وثبت قدمها يوم تزل فيه الأقدام .
اللهم اكتبها عندك من الصالحين والصديقين والشهداء والأخيار والأبرار اللهم اكتبها عندك من الصابرات وجازها جزاء الصابرات.
اللهم إني أسالك في هذه الساعة إن كانت في سرور فزد في سرورها ومن نعيمك عليها. وان كانت في عذاب فنجها من عذابك وأنت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
اللهم تقبل منها القليل وتجاوز عنها التقصير ، وابدل سيئاتها حسنات فأنت العزيز الحكيم السميع العليم
اللهم اجعل مرضها كفارة لجميع ذنوبها. واجعل آخر عذابها عذاب الدنيا اللهم إني أسالك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا وباسمك الطاهر الأعظم أن تتقبل منا دعاءنا لها بقبول حسن
وان تجعله خالصا لوجهك الكريم
اللهم ثبتها بالقول الثابت وارفع درجتها واغفر خطيئتها وثقل موازينها
اللهم أغفر لها كل شيء ويسر لها كل شيء ولا تحاسبها بشيء يا حنان يا منان يا سريع الحساب
اللهم إنها في كفالتك وفي ضيافتك فهل جزاء الضيف إلا الإكرام والإحسان وأنت أهل الجود والكرم
اللهم إنها في حاجة إلى رحمتك وأنت الغني في غنى من عذابها فارحمها
اللهم حرم لحمها ودمها وبشرتها عن النار
اللهم استقبلها عندك خالية من الذنوب والخطايا واستقبلها بمحض إرادتك وعفوك وأنت راض عنها غير غضبان عليها
اللهم افتح لها أبواب جنتك وأبواب رحمتك أجمعين
اللهم إني أسالك يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم ، يا حنان يا منان يا بديع السموات والأرض أن تجعلها من الذين أحسنوا واستبشروا
اللهم إني أسالك يا ارحم الراحمين أن تكون ممن بشرت عند الموت بروح وريحان وجنة نعيم
اللهم يا باسط اليدين بالعطايا يا قريب يا مجيب دعوة الداعي إذا دعاه يا حنان يا منان يا رب يا ارحم الراحمين يا بديع السموات والأرض يا احد يا صمد أعطها من خير ما أعطيت به نبيك محمد صلى الله عليه وسلم عطاء ماله من نفاد من مالك خزائن السموات والأرض . عطاء عظيم من رب عظيم. عطاء ماله من نفاد عطاء أنت له أهل عطاء يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك
اللهم يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ارحمنا بعدها وارحم أمة محمد رحمة كافية تغنينا عن رحمة من سواك
اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وكبيرنا وصغيرنا
اللهم من أحييته منا بعدها فأحييه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفاه على الإيمان .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم .
وأخيرا أقول : الحمد الله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله { وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا } . والسلام على والدتي يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث مع الأحياء .
والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هيئة العلماء والدعاة في بيت المقدس – فلسطين تخرج الفوج الأول من تفسير ” جزء عم ” من القرآن الكريم

 خريجات هيئة العلماء والدعاة - بيت المقدس بفلسطين مع الداعية نائلة صبري

القدس المحتلة – شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )