إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / الإسلام / الحياة الإسلامية / إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .. المفاضلة والتمييز في الإسلام ( د. كمال إبراهيم علاونه )

سورة الحجرات - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .. المفاضلة والتمييز في الإسلام
( 1 - 2 )
د. كمال إبراهيم علاونه

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .. المفاضلة والتمييز في الإسلام ( د. كمال إبراهيم علاونه )

سورة الحجرات - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .. المفاضلة والتمييز في الإسلام
( 1 – 2 )
د. كمال إبراهيم علاونه

أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس مجلس إدارة شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)}( القرآن المجيد ، الحجرات ) .

الإسلام رسالة دينية عالمية لجميع بني آدم ، يمتاز بالريح الطيبة المليئة بالحنان والرحمة العامة للجميع والإحسان المتنامي ، وهو دين المؤاخاة البشرية العالمية العامة ، جاء بالبشرى الطيبة لإنقاذ البشرية من الشر ليحل محله الخير العام ، في كافة الأشكال والصور الإنسانية الحية ، لا يوجد به حواجز طائفية أو نعرات عرقية أو عنصرية أو لونية أو سواها . وهو لا يوصد أبوابه أمام أي إنسان يرغب في اعتناقه والسير على هداه أو صراطه المستقيم القويم ، جاء بها النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ( صلى الله عليه وسلم ) بوساطة الملك جبريل عليه السلام مبلغا عن رب العزة تبارك وتعالى ، فهو رسالة شاملة للمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، العامة والخاصة . لقد دعا الإسلام إلى التعاون والاعتصام بحبل الله المتين ، قال الله سبحانه وتعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [1].
الإنسان في الإسلام ، بغض النظر عن جنسه أو سلالته أو عرقه أو أصله الاجتماعي أو القومي ، هو خليفة الله في الأرض ، قال الله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [2] . فالإنسان في الإسلام مخلوق كرمه الله سبحانه وتعالى على سائر المخلوقات ، ولم يذكر عنصره أو منبته ، بل ذكر خلافته في الأرض لاستصلاحها والاستفادة من خيراتها جنبا إلى جنب مع أخيه ، ومن حقه أن يكون مكرما دونما التفات إلى عنصره أو جنسه أو لونه أو نسبه .
فلا تمييز في الإسلام بين الأجناس البشرية البيضاء والحمراء والسوداء والصفراء وسواها ، أو بين المهاجرين والأنصار ، أو بين المسلمين الذين كانت أصولهم أسرى أو عبيد لدى الآخرين ، بأي حال من الأحوال ، فالإسلام دين رحمة للناس كافة . عن ذلك يقول الله سبحانه وتعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [3] . وفي آية أخرى ، قال الله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [4].
وقد نادى الإسلام بالمساواة بين جميع الناس ، وحثهم على عدم السخرية من بعضهم البعض ، سواء أكانوا ذكورا أو إناثا ، وعدم الهمز واللمز والتنابز بالألقاب ، ودعا إلى اجتناب الظن السوء بالآخرين وعدم التجسس أو الغيبة لئلا تنتشر الكراهية بين الناس ، وذلك لأن كل الناس آدميين ، من نسل آدم وحواء ، لا فرق بينهم وقد خلقهم الله لعبادته ، ولكي يتعارفوا فيما بينهم . قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ . يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [5] . والمفاضلة هنا بين بني آدم فقط في التقوى والصلاح والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [6] . وفي سورة قرآنية أخرى ، نطقت الآيات القرآنية بالدعوة إلى التقوى لأن الله عز وجل خلق الناس جميعا من نفس واحدة ، قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [7] . إذن فالناس كلهم مخلوقون من نفس واحدة كما بين لنا رب العزة والجبروت ، وهذه النفس البشرية هي آدم عليه السلام ، خلق من ضلعه أمنا حواء عليها السلام ، ثم تكاثر آدم وحواء وخلفوا مجموعة من البشر وبدورهم تكاثروا وتناسلوا وانجبوا غيرهم وهكذا .
فالأصل والمنبت الإنساني واحد ، وهم بذلك سواسية في الخلق والتكوين ، ولكن الظروف والبيئة هي التي تفرق بين عاداتهم ونمط تفكيرهم . بهذا فان الإسلام دعا إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وان التمايز الثقافي لا ينتج عن الخلق أو نوع السلالة أو اللون البشري وإنما هناك جملة عوامل تصب في هذه الخانة وهي التعليم والبيئة الحياتية والإمكانات المتوافرة لهذه الفصيلة أو الجماعة أو الشعب أو الأمة أو تلك .
واعتبر الإسلام أن اختلاف الألسنة التي يتحدث بها الناس واختلاف الألوان البشرية هي من الآيات الدالة على خلق الله للبشر ، وليست للتمييز العرقي أو الجنسي أو اللوني أو الاثني أو القومي أو الوطني أو الأصل الاجتماعي أو الثروة أو غيرها بين الناس ، وهي آيات للتفكر فيها من قبل العلماء بعظيم صنع الله ، قال الله تعالى : { وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ } [8] . بذلك فان تباين الألسنة واختلافها هي من الأمور التي ستبقى إلى ابد الآبدين وينبغي على الجميع أن يستوعب ذلك ، وان لا يكون هناك تمييز أو تفريق بين الألوان بأي حال من الأحوال ، ولا بأي صورة من الصور ذلك أن الله هو الخالق ولا دخل للإنسان في تحديد لونه .
والإنسان والحالة هذه هو مجرد مخلوق لا ضلع له في تحديد لون بشرته ، وبالتالي لم الاختلاف والادعاء بالتفوق في هذه الحالة ، فالذي خلق الإنسان الأبيض أو الأصفر أو الأسود أو الأحمر هو الله نفسه تجلت قدرته . ويفترض أن تكون بين هذه الأجناس والألوان الألفة والتعاون والإخاء ليعمروا الكون وليعبدوا الله حق عبادته .
لقد ساوى الإسلام بين البشر كافة في النشأة الأولى ، حيث وردت آية قرآنية بهذا الخصوص : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا } [9] . وكما أن الله جل وعلا ، خلق الناس من نفس واحدة ، فكل نفس أيضا ستموت ، إن عاجلا أو آجلا ، وهي مساواة حقيقية بين كافة المخلوقات البشرية . قال الله تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [10]. ولم يمايز الإسلام بين الناس في المصير المحتوم ، في الموت أيضا ، حيث أن مصيرهم إلى زوال ، فلماذا يلجأون إلى التمييز العرقي فيما بينهم ؟
على أي حال ، إن الإسلام ليس كغيره من الأديان الأخرى ، ساوى بين الجميع ، حث على العدل والإحسان ، واعتبر أن التمييز بين الأجناس على أساس عرقي أمر غير مقبول بل إن له عواقب وخيمة على المجتمع الإسلامي بكافه شرائحه ، قال الله جل وعلا يخاطب المؤمنين :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [11] . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن قصة ” لقمان الحكيم ” في إحدى سور القرآن المجيد ، وهذا الولي من أولياء الله أو الحكيم هو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح ( آزر أبو إبراهيم عليه السلام ) . وقيل لقمان هو عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل أيلة . وقيل إن لقمان عاش ألف سنه وأدركه نبي الله داود عليه السلام . كان لقمان اسود من سودان مصر مشقق الرجلين ذا مشافر أي عظيم الشفتين . قال النبي الكريم محمد ، صلى الله عليه وسلم ، عن لقمان الحكيم : ” لم يكن لقمان نبيا ، ولكن عبدا كثير التفكر حسن اليقين ، أحب الله تعالى فأحبه ، فمن عليه بالحكمة ، وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق ، فقال : رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء ، وإن عزمت علي فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني ” [12].
وقد آتاه الله عز وجل الحكمة ، واخبرنا الله سبحانه على لسان لقمان حكم متعددة شاملة وجامعة مانعة أسداها لإبنه ، حيث قال الله عز وجل في القرآن الكريم :
{ وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ . وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } [13].
هذه الوصايا الحكيمة التي ذكرت في القرآن المجيد هي تكريم للقمان – اسود اللون – الذي حباه الله بأن آتاه الحكمه لتكون نبراسا لإبنه أولا ولمن جاء بعده من الأمم التالية على مدار الزمان لرسم الخلق القويم ونبذ الخلق الذميم . هذه الوصايا جاءت من إنسان اسود اللون من سائر خلق الله لا فرق بينه وبين غيره من الأولياء والصالحين الذين حباهم الله بغض النظر عن لون جلدهم . وهذا الذكر الرباني للقمان الحكيم هو نوع من التكريم الإسلامي لهذا الولي الحكيم الذي من الله عليه بالحكمة والوعظ السوي القويم في المجالات الدينية والدنيوية على السواء . ومن عدالة الإسلام الظاهرة والباطنة على السواء ، ما فعله النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين عين أسامة بن زيد بن حارثة ( وهو من الموالى ) قائدا للجيش الإسلامي وكان أبو بكر وعمر بن الخطاب ، وهما من كبار الصحابة ( وخلفاء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فيما بعد ) جنودا في هذا الجيش [14] .
إستطاع الإسلام – إبان عهد الرعيل الإسلامي الأول – وما تلاه ، أن يقوم باستقبال مجموعات المسلمين الداخلين في دين الله أفواجا بكل محبة واخوة وترحاب ، وأن يبني الدولة الإسلامية العالمية ، في وقت قصير على أسس العدالة والإنصاف والمساواة بين الجميع ولم تقم هذه الدولة القوية على معيار الأجناس أو الأعراق البشرية : ” ذلك أن خلو الدين ( الإسلامي ) من تفضيل جنس على جنس ، وتسويته المطلقة بين من اعتنقوه كافة ، سمح للفرس والروم والترك وسائر الموالي أن يزاحموا العرب بالمناكب في ميادين النشاط العلمي والأدبي والفني ، وأن ينتزعوا القيادة منهم في هذه الآفاق الحرة ” [15] .
قال النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يؤكد على المساواة بين الناس : ” الناس كأسنان المشط ” [16] . وأكد النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع في مكة المكرمة في السنة العاشرة للهجرة النبوية الشريفة ، على مبادئ الإنصاف والعدالة دون محاباة عصبية أو تفاخر بالأصل الاجتماعي أو العرقي أو الأنساب بين الجميع ، بقوله : ” أيها الناس ، إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم ، وآدم من تراب ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ، وليس لعربي على عجمي فضل الا بالتقوى ، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! قالوا : نعم . قال : فليبلغ الشاهد منكم الغائب ” [17] . وفي حديث نبوي آخر ، قال الرسول الأعظم محمد ، صلى الله عليه وسلم : ” ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من غضب لعصبية ” [18] . وما حادثة المؤاخاة الإسلامية التاريخية بين المهاجرين والأنصار المسلمين في التاريخ الإنساني الا أكبر شاهد تاريخي على المساواة الإسلامية المميزة بين الناس بصرف النظر عن أصولهم الاجتماعية والاقتصادية واللونية . فقد آخى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين الأغنياء والفقراء ، الأسياد السابقين والعبيد السابقين ، على السواء ، من أبناء مكة المكرمة والمدينة المنورة فاصبحوا اخوة في العقيدة والدين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، بل كانوا يتوارثون بعضهم البعض حتى نزلت آيات المواريث . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين ، في قضية المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، على اختلاف أصولهم وأجناسهم العربية والحبشية والفارسية والرومية : ” تآخوا في الله أخوين أخوين ” [19] . ولم تقتصر الاخوة الإسلامية على المهاجرين والأنصار الأوائل ، وإنما هي حالة عامة بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، كانت وستبقى إلى الأبد ، إلى قيام الساعة ، يقول الله سبحانه :
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [20]. والإسلام بعدله وكرمه ودعوته الحقة نبذ التخاصم البشري واللجوء إلى العصبيات القبلية أو الشعوبية أو الأممية ، في العالم منذ بدء الخليقة وحتى نهايتها . يقول العلامة المسلم محمد الغزالي عن العصبية العنصرية والتفوق الجنسي لبعض الأمم أو الشعوب على الأخرى بأنها مجرد هراء لا أساس له من الصحة ، وينفي وجود العصبيات المتزمتة في الدين الإسلامي الحنيف ، قائلا :
عصبيات للأسر ، عصبيات للأوطان ، عصبيات للأجناس ، أما الحقائق الكبرى التي تعلو هذه النزعات الطائشة – وتحكمها بحزم – فان العالم في جاهليته القديمة أو الحديثة لا يلقي باله إليها .. لأنها تعكر عليه نعيم الأمجاد الزائفة التي ينتجها في ظلال هذه العصبيات … إن هذه العصبيات – برغم ما يساندها من قوانين وتقاليد هي في نظر الدين ( الإسلامي ) حماقة كبرى ، والاعتراف بها هدم للأركان الأولى من الرسالات التي أنزل الله هداية للعالمين [21] .
روي أن أبي ذر الغفاري ، رضي الله عنه ، قال : كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية ، فنلت منها ، فذكرني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : ” أساببت فلانا ؟ قلت : نعم ، قال ” أفنلت من أمه ؟ قلت : نعم ، قال : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ” [22] . في أعقاب هذا التأنيب النبوي لأبي ذر الغفاري ، تاب توبة نصوحا ، وطلب من الذي سبه في أمه ( وكان قال له يا ابن السوداء ) – كما جاء في بعض الروايات – أن يطأ بقدمه على وجهه ، فرفض الرجل . وروى الحافظ ابن عساكر ، أن رسول الله محمد بن عبد الله ، عليه الصلاة والسلام ، قال : ” يا أيها الناس ، إن الرب واحد ، والأب واحد ، وإن الدين واحد ، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنما هي اللسان ، فمن تكلم بالعربية فهو عربي ” [23]. وقد جاء هذا الحديث النبوي الشريف في خطبة ودعوة للصلاة جامعة ، في رد على رجل يدعى قيس بن مطاطية حيث جاء إلى حلقة علم فيها : سلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ، وبلال الحبشي – وكانوا زمن الجاهلية ممن بيعوا كعبيد – وحاول الحط من كرامة صحابة رسول الله هؤلاء الثلاثة .
على أي حال ، إن بلال بن رباح الحبشي ، هذا العبد ذي اللون الأسود الذي اعتقه الإسلام أصبح له مكانة طيبة بين المسلمين ، واصبح له اسم خالد في تاريخ الدعوة الإسلامية على مدى الأجيال الإسلامية المتعاقبة ، نال سمعة عالمية وشهرة دولية ، في الحياة الإسلامية ، من جيل إلى جيل ، ومن قرن إلى آخر ، حتى أيامنا هذه . كان يقول عن نفسه : إنما أنا عبد حبشي .. كنت بالأمس عبدا . فقد كان عبدا لدى قبيلة ( بني جمح ) وبعد بزوغ فجر الدعوة الإسلامية سرا في مكة المكرمة في الديار الحجازية ، أعلن إسلامه ، فوصل الخبر إلى سيده ، الذي حاول منعه من الإسلام واللحاق بدعوة الإسلام الحنيف ، فعرض عليه أن يتخلى عن إسلامه ، فرفض بلال فاخذ جلاده يعذبه ويسومه سوء العذاب يوميا في لهيب الصحراء عند الظهيرة . وكان بلال يردد ( أحد .. أحد ) ، يعني أن الله أحد لا شريك له . بعد تعرضه للتعذيب الشديد اعتقه أبو بكر الصديق ، أحد صحابة النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وقال للجلادين الذين يعذبون بلالا المسلم ، مدافعا ومكافحا عن حريته في اعتناق ما يشاء من الدين ” أتقتلون رجلا يقول ربي الله ” ، فاصبح بلال حرا ، بعد دفع مبلغ من المال فدية له . وفي معركة بدر الكبرى بين المسلمين والكفار من قريش جعلت الكلمات التي رددها بلال الحبشي أيام تعذيبه من قبل سيده الذي جلده في الجاهلية ( أمية ابن خلف ) ” أحد .. أحد ” رمزا وشعارا للمعركة الأولى الفاصلة بين الجانبين ، كناية عن الاحترام لهذا الشعار الإسلامي الذي اتخذه بلال بين رباح ، غير العربي ، فهو من عرق أفريقي حبشي ، لم يتنازل عنه تحت كافة أنواع العذاب النفسي والجسدي اليومي المتواصل . وقد صار بلال الحبشي المؤذن للصلاة زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعند فتح مكة المكرمة ، بعد أن رجع مع المسلمين وعددهم عشرة آلاف مسلم ، من المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية السياسية والإدارية إلى مكة المكرمة ، بقيادة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم بعد انتصار المسلمين الفاتحين صعد بلال بن رباح على مبنى الكعبة المشرفة في المسجد الحرام ، وهو اقدس بقعة في العالم عند الأمة الإسلامية ، ليصدع بالأذان الإسلامي مناديا للصلاة ( الله اكبر ، الله اكبر ) . لقد وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، قائد الأمة الإسلامية ، بلال بن رباح قائلا عنه إنه : رجل من أهل الجنة . إنه تكريم ما بعده تكريم لهذا المسلم الذي جاء من منبت الرقيق ، فانطلق الرجل ( الحبشي الأسود ) من الرق إلى أفق الحرية الواسع الرحب في ظل الإسلام حتى وفاته في زمن الخليفة عمر بن الخطاب ، ودفن جثمانه في دمشق [24] .
وسلمان الفارسي ، في الإسلام ، الذي بيع كعبد لبعض اليهود في يثرب قبل مقدم الإسلام ، مثال آخر ، على إعلاء الإسلام لحرية العبيد وتحريرهم من الرق ، وعدم إيلاء العرقية أو العنصرية أية أهمية ، حيث إنه في السنة الخامسة للهجرة النبوية الشريفة ، تجمع المشركون لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والأمة الإسلامية في المدينة المنورة ، فحشدت الجموع الكافرة من قريش واليهود في المدينة لملاحقة المسلمين في عقر دار الهجرة . وبعد المشاورة بين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، لردع المهاجمين الظالمين ، اقترح سلمان الفارسي ، على المسلمين أن يحفروا خندقا لصد هجمات الأعداء عنهم والدفاع عن حمى الإسلام والمسلمين . تم تنفيذ اقتراح الرجل المسلم سلمان الفارسي ، العبد السابق من قرية ( جي ) من أهل اصبهان الفارسية ، غير العربي . فحفر المسلمون الخندق ، ولعظيم امتنان المسلمين لسلمان الفارسي لهذه الخطة الحربية المحكمة ، في ذلك الوقت ، كان الأنصار في يوم الخندق ينادون ” سلمان منا ” ، ونادى المهاجرون ” سلمان منا ” ، أما النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فقال : ” سلمان منا آل البيت ” . أما علي ابن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فكان يلقب سلمان الفارسي ب ” لقمان الحكيم ” وهي عبارات طيبة كناية عن الاحترام والتبجيل لهذا الإنسان المسلم الذي كان اصله من بلاد فارس ( إيران اليوم ) . ولم يتمكن نحو أربعة وعشرين ألف مقاتل من الأحزاب من المشركين واليهود من احتلال المدينة ، ومكثوا خلف الخندق شهرا كاملا حيث هزمهم المسلمون بإذن الله ، فاضطرت قريش أن تعود خائبة من حيت أتت . وفيما بعد تولى سلمان الفارسي منصب أمير إمارة المدائن ، بتكليف من الخليفة المسلم ، وكان يقول عن الإمارة : حلاوة رضاعها ، ومرارة فطامها . ورفض نعيم الحياة الفانية مؤثرا نعيم الحياة الآخرة ، حيث كان يرفض العطايا ، ويعمل في صناعة ( الخوص ) أي السكاكين . هذا المثال نموذج من الأمثلة الإسلامية في رفع مقام غير المسلمين ، بعيدا عن التعصب والعنصرية العرقية أو الاجتماعية أو الاقتصادية لم تظهر في أي دين أو مذهب في أي عصر من العصور [25] .
وها هو صهيب الرومي ( صهيب بن سنان ) الذي سباه الروم وهو غلام من بلده ( الأبلة ) عندما كان والده واليا عليها لكسرى الفرس ، وبيع عبدا لشخص يدعى ( عبد الله بن جدعان ) بضم الجيم ، الذي أعتقه وحرره من ربقة العبودية وهيئ له مهنة التجارة للعمل بها معه ، فاصبح صهيب تاجرا ثريا ، في كنف الإسلام . وعند اعتزام النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، الهجرة من مكة إلى يثرب ( المدينة المنورة ) كان من المفترض أن يسافر صهيب بصحبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) الا أنه تأخر بسبب إعاقة أهل قريش له . فأراد صهيب أن يلحق بالمسلمين ، فلحقه بعض قناصة قريش ، فتفاوض معهم على أن يدعوه وشأنه مقابل ماله الذي خبأه في مكة فوافقوا وتركوه وقفلوا راجعين من حيث أتوا . فقال النبي لصهيب عن ذلك : ربح البيع أبا يحيى . تحدث صهيب ذات مره عن نفسه ، يروي المعاملة الحسنة التي لاقاها من إمام وقائد الأمة الإسلامية الأول ، فقال :
لم يشهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مشهدا قط ، إلا كنت حاضره … ولم يبايع بيعه قط إلا كنت حاضرها ، ولم يسر سرية قط … ولا غزا غزوة قط ، أول الزمان وآخره ، إلا كنت فيها عن يمينه أو شمال … وما خاف – المسلمون – أمامهم قط إلا كنت أمامهم … ولا خافوا ورائهم إلا كنت ورائهم … وما جعلت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بيني وبين العدو أبدا حتى لقي ربه [26] .
وعندما اعتدي على الخليفة عمر بن الخطاب في محراب المسجد في صلاة الفجر قال عمر في وصيته : ليصل بالناس صهيب ، فهل هناك ، في هذا المجال ، اعظم من تكريم الإنسان المسلم في حمى الإسلام ، مهما كان اصله الاجتماعي أو الاقتصادي أو العرقي .
ولا بد من القول ، إن الله سبحانه وتعالى كرم بني آدم في الخلق ، كلهم أجمعين ، لا فرق بينهم ولم يحدد جنس أو جماعة منهم وحدها ، لحسبها ونسبها ولغتها ولونها وشكلها ، بل شملت عملية التكريم كافة بني البشر من ناحية التكريم الإلهي ، قال الله تعالى في القرآن المجيد : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [27] . وقال الله سبحانه وتعالى في سورة أخرى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } [28] .

المصادر والمراجع

[1] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، آية 103 .
[2] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، آية 30 .
[3] القرآن الكريم ، سورة الأنبياء ، آية 107 .
[4] القرآن الكريم ، سورة سبأ ، آية 27 .
[5] القرآن الكريم ، سورة الحجرات ، الآيات 11 – 13 .
[6] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، آية 110 .
[7] القرآن الكريم ، سورة النساء ، آية 1 .
[8] القرآن الكريم ، سورة الروم ، آية 22 .
[9] القرآن الكريم ، سورة فاطر ، آية 11 .
[10] القرآن الكريم ، آل عمران ، آية 185 .
[11] القرآن الكريم ، سورة المائدة ، آية 8 .
[12] ذكره ابن عطيه .
[13] القرآن الكريم ، سورة لقمان ، الآيات 12 – 19 .
[14] محمد الغزالي ، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام ( القاهرة : دار الكتب العربية ، دون تاريخ نشر ) ، ص 137 .
[15] المرجع السابق ، ص 138 .
[16] حديث نبوي ، في مسند الشهاب القضاعي ، الجزء 1 ، ص 310 .
[17] سيرة ابن هشام ، الجزء الرابع ، ص 1022 – 1024 .
[18] رواه أبو داود .
[19] عبد السلام هارون ، تهذيب سيرة ابن هشام ( القاهرة : مكتبة السنة ، 1989 ) ، ص 115 .
[20] القرآن الكريم ، سورة الحجرات ، آية 10 .
[21] محمد الغزالي ، مرجع سابق ، ص 10 – 11 .
[22] [1] عبد السلام هارون ، تهذيب سيرة ابن هشام ( القاهرة : مكتبة السنة ، 1989 ) ، ص 115 .
[ 23 ] القرآن الكريم ، سورة الحجرات ، آية 10 .
[ 24] محمد الغزالي ، مرجع سابق ، ص 10 – 11 .
[25] رواه البخاري ومسلم .
[ 26] رواه ابن عساكر .
[ 27] خالد محمد خالد ، رجال حول الرسول ( بيروت : دار الفكر ، دون تاريخ نشر ) ، ص 80 – 92 .
[ 28] المرجع السابق ، ص 44 – 57 .

ملاحظة هامة : يتبع .. ( 2 – 2 )

=============

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .. المفاضلة والتمييز في الإسلام
( 2 – 2 )

د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية والإعلام
رئيس مجلس إدارة شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )
نابلس – فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)}( القرآن المجيد ، الحجرات ) .
والمسلمون سواسية ، لا فرق بين غني وفقير ، بين موظف وعامل ، طبيب ومهندس ، لا فرق بينهم جميعا في كافة أنحاء المعمورة ، من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها . من الأمثلة اليومية الحية على المساواة بين الناس ، ذكورا وإناثا ، في الركن الثاني من أركان الإسلام ( بعد الشهادتين : اشهد أن لا إله الا الله ، واشهد أن محمدا رسول الله ) الصلاة اليومية المكتوبة أو المفروضة ذات الأوقات الخمسة ( الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء ) انه يمكن للمصلين الرجال في الصلاة ، وللنساء أيضا ، أن كل من يأتي أولا يصف في الصف الأول وراء الإمام ثم إذا امتلأ الصف الأول يصف للصلاة في الصف الثاني ، ثم الثالث وهكذا ، لا فرق بين أي منهم سواء أكان ابيضا أو اسودا أو احمرا ، وزيرا أو عاملا أو موظفا عاديا . والحال ذاته ، ينطبق على النساء في تعبئة الصفوف للصلاة ، الا أن النساء تأتى للصلاة في المسجد خلف الرجال ويفصل بينهم الأولاد ، لتحاشي الاختلاط الاجتماعي ، أثناء العبادة ، وفي هذا فإن للإسلام فلسفة روحانية خاصة للعبادة يتميز بها .
ومن الأمثلة الموسمية السنوية الإسلامية لحياة العدل والمساواة المعاشة في الحج وهو الركن الخامس من أركان الإسلام الأساسية . يقف المسلمون الرجال يوم الحج الأكبر ( يوم عرفة ) بزي إسلامي ابيض واحد يدعون الله ويبتهلون إليه ، لا تمييز ولا فرق بين كبير وصغير أو بين ابيض واسود أو بين عربي وعجمي أو بين رئيس أو وزير ومسلم عادي . الجميع سواسية كأسنان المشط ، في مستوى إيماني إسلامي واحد ، فهو مظهر من المظاهر الاحتفالية الإسلامية السنوية التي تنم عن المحبة والإخاء ، تحت ظل الإسلام ، لا فرق بين من يأتي من قارات : آسيا أو أفريقيا أو أوروبا أو الأمريكيتين أو استراليا ، ومن أي دولة كانت .
فالإسلام هو الذي يجمع بين الجميع في موقف إيماني واحد ، الجميع يمارس الشعائر والطقوس الدينية عينها ، وإن تعددت الألسن واللغات والألوان والأجسام وسواها . فالحج له منافع دينية ودنيوية في الآن ذاته إذ أن المسلم :
وفي وقوفه بعرفه هو وإخوانه على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وألوانهم في صعيد واحد وزي واحد ووقت واحد ، لا فرق بين رئيس ومرؤوس وصغير وكبير وغني وفقير يهتفون كلهم في لغة واحدة : ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ) . ويتضرعون إلى الله بقلوب ملئت بالخشية وأيد ضارعة بالدعاء ، وألسنة تلهج بالثناء على الله بما هو أهله إشعارا بالمساواة ، وفيه يظهر أيضا معنى الأخوة الشاملة التي يحرص الإسلام على غرسها في نفوس أتباعه [1].
إن الإسلام لا يخصص أمكنة للصلاة أو العبادة لفئة دون أخرى ، أو لون دون آخر ، ولا يحدد ساعات محددة لهذا اللون أو ذاك ، كما يحصل في بعض الأحيان في الديانات الأخرى ، في قارات أمريكا أو أفريقيا أو آسيا وسواها . على أي حال ، كما رأينا فان الإسلام دعا إلى تحرير العبيد الذين كانوا مضطهدين أيام الجاهلية الأولى ، وقد حث القرآن الكريم على عتق الرقيق من العبودية واستعباد بني جلدتهم لهم ، واتخذت عملية التحرير أو العتق شكلين : الأول : التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ، والثاني : كفارة بعض الذنوب والسيئات . قال الله تعالى : { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ } [2] . وجعل تحرير الرق من الأمور التي يتقرب بها الإنسان إلى خالقه ، وخصص لها نصيبا مفروضا من مصارف الزكاة الثمانية ، قال الله تعالى : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [3] . وقال النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم : ” أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار ” [4] .
وقال النبي محمد ( ص ) في حديث نبوي آخر : ” إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ” [5]. فأين هذه التعاليم الإنسانية الإسلامية الراقية وعملية الاستغلال الاقتصادي لفئات بشرية في العالم من أقصاه إلى أقصاه ، في الأنظمة الرأسمالية والشيوعية وغيرها على مدى الحقب والأزمان ، إنها مساواة إسلامية حقيقية تؤتي ثمارها الطيبة بين أبناء المجتمع الواحد ، بلا عصبية أو إجراءات فصل أو تمييز عنصري ، بل على العكس من ذلك ، إن العنصرية منبوذة في المجتمع الإسلامي الواحد بصرف النظر على الغنى والفقر أو مكان الإقامة أو الولادة .
بناء على ذلك ، نقول إن الإسلام نفى العنصرية نفيا قاطعا جملة وتفصيلا ، إذ لا مكانة للعرقية في الإسلام ، وإنما التقوى هو الأساس للمفاضلة والتكريم والتشريف بين جميع أبناء الأمة الواحدة ، مهما تعددت أعراقهم وأجناسهم ولغاتهم والوا نهم وقاراتهم وأماكن سكناهم وتطورهم الحضاري والعلمي ، فالجميع سواسية كأسنان المشط الواحد ، كل أسنانه متساوية في صف واحد غير منتقص الكرامة الإنسانية . والإسلام بدعوته إلى نبذ العنصرية القائمة على اللون أو العرق أو اللغة أو الطبقة وغيرها ، فلأنه يعرف أن هذه الدعوات غير القويمة تسوم الإنسان بكل ضروب العذاب من القسوة والظلم والاستبداد والاستعباد ، والكراهية والبغضاء والفرقة الاجتماعية ، وتسمم كل ينابيع الحياة . لذلك فالإسلام ينبذها لاداركه العذاب النفسي والجسدى والروحي الذي يلحق بهذه النظرة الاستعلائية ، فقد حاربها أيما محاربة ويستعيض عنها بالدعوة إلى التسامح والإخاء الإسلامي الشامل .
وفي زمن الخليفة الراشدي المسلم الثاني عمر بن الخطاب الذي لقب بالفاروق ، لعدالته وإنصافه بين الناس كافه ، وقع تعد على أحد الرعايا المسلمين من مصر ، إذ جاء أحد المصريين يشكو إلى الخليفة عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) الوالي المسلم على مصر وهو عمرو بن العاص حيث اعتدى محمد بن عمرو بن العاص على المصري بسبب خلاف على فرس للمصري . فضرب محمد ابن عمرو بن العاص المصري بالسوط قائلا له أثناء عملية الضرب : ” خذها وأنا ابن الاكرمين ” ، وخاف عمرو بن العاص من المصري أن يرفع مظلمته إلى الفاروق عمر بن الخطاب فحبسه مدة من الزمن ، لتتناسى القضية ، ولكن المصري بعد إخلاء سبيله توجه إلى عمر بن الخطاب ليشكو له مظلمته . فاستقدم الخليفة عمر بن الخطاب واليه على مصر عمرو بن العاص وابنه محمد ، وأجلسهما مجلس القصاص الإسلامي ، وطلب الخليفة عمر من المصري أن يضرب محمد بن عمرو ابن العاص بالدرة ( العصا ) على مرأى من أبيه ، كما ضربه بالسوط . وقال له : اضرب بها ” ابن الاكرمين ” ، يعنى محمد بن عمرو بن العاص . وبعد أن اثخن المصري ابن عمرو ابن العاص ضربا قال له عمر : أجلها على صلعة عمرو ! فوالله ما ضربك بها الا بفضل سلطانه … قال عمرو فزعا : يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت . وقال المصري معتذرا : يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني ، ثم التفت الخليفة عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص وقال له المقولة المنصفة الخالدة : ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ” [6] . نعم ، إن كل إنسان ولد حرا من بطن أمه ، فلماذا تلجأ فئة أو شعب أو طائفة لاستعباد العباد بشتى الطرق والوسائل وتسعى إلى قهرهم وظلمهم لتروي الظمأ الذي تعاني منه المتمثل في النقص النفسي ومحاولة تغطية ذلك بالتكبر والاستعلاء على الآخرين . فعملية الاستعلاء إن دلت على شيء فإنما تدل على مرض نفسي وآفة اجتماعية تنخر أوصال المجتمع ، وهذا ما تنبه له الإسلام واستبعده كلية ووضع حلا جذريا له من الأساس ليعيش الناس في وئام لا في خصام .
هذا ، وإن وجدت بعض الأنظمة في التاريخ الإسلامي التي حاولت تفضيل عنصر على آخر ، فهي لا تمثل الإسلام بأي صورة من صوره الإنسانية النبيلة المشرقة ، فهي قد شتت عن القيم والمبادئ الإسلامية السمحة ، ولا يعتد بها إنما يعتد بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، لأنهما هما الركنان الهامان للتشريع الإسلامي بل هما النبعان الغزيران بالمبادئ الإنسانية القائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية ، وإحساس الغني بأوضاع الفقير على مدى العصور والأزمان . فمثلا ، كانت سياسة الدولة الأموية القائمة على تفضيل العنصر العربي على العناصر الإسلامية الأخرى ، بجعلها الخلافة الإسلامية ( ملكية وراثية في بني أمية ) وتهميش دور العناصر غير العربية إلى حد ما ، أحد أهم الأسباب التي هدمت بنيان الخلافة الأموية في دمشق في المشرق العربي وحولتها إلى الدولة العباسية الإسلامية غير المتعصبة إلى جنس أو عرق بذاته ، في العراق في بغداد عام 132 هـ الموافق 750 م .
وأما الخلافة الإسلامية في الدولة العباسية ، التي نبذت التعصب للعنصر العربي فقد دام حكمها لفترة طويلة من الزمن حتى 656 هـ :
وهكذا سقطت الدولة الأموية التي مدت الفتوح العربية إلى أقصى المشرق وأقصى المغرب ، والتي نظمت الدولة ، وعربت الدواوين وشجعت العلوم والأدب ، فنمت في ظلها نواة تلك الدوحة العالية التي بلغت عنان السماء زمن الدولة العباسية . والسر في ذهابها يرجع إلى سياستها العنصرية فقد اعتبرت نفسها دولة عربية قبل أن تكون دولة إسلامية … ولذلك لم ينظر العباسيون إلى جنس بعينه من رعاياهم يتعصبون له على نحو تعصب الأمويين العرب ، بل نظروا إلى الشعوب التي تتألف منها الأمة الإسلامية نظرة واحدة لا تكاد تختلف ، واعتبروهم رعية لهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم [7] .
وإن الشبهات التي يحاول البعض – من المستشرقين والشعوبيين والقوميين والملحدين وذوي النظرة الضيقة – إلصاقها بالإسلام الحنيف ، هي بعيدة كل البعد عن التعاليم الأخلاقية الإسلامية الحقيقية ، وباطلة قولا وفعلا ، على حد سواء ، لأن النموذج الإسلامي الحقيقي التطبيقي هو صدر الإسلام أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين الأربعة ، حيث انتفت العنصرية والفئوية والشعوبية في بوتقة اندماجية إسلامية أخوية وتعاونية شاملة وجامعة لجميع الأجناس والأعراق العربية والأعجمية والرومية . في الجزيرة العربية والمناطق المحيطة بها من الجهات الأربع ، فكانت فسيفساء إسلامية مترابطة ، ومتراصة البنيان ، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، المبني على أسس العقيدة الإسلامية الثابتة على مدى الأجيال .
بهذا فان الإسلام ، ذو العروة الوثقى ، قدم ويقدم افضل الحلول الناجعة لوقف الزحف العنصري على الأفكار البشرية في كل زمان ومكان . عن التعاون الوثيق بين العرب والمسلمين الجدد أيام الفتوحات الإسلامية ، يقول عبد الحميد العبادي :
هذا التعاون الوثيق بين العرب وبين العناصر المسلمة الجديدة واستظلالهم جميعا بظل الإسلام والدولة الإسلامية من أقوى الأسباب في مد نطاق الفتوح الإسلامية … وكان هذا يكاد يكون متعذرا أو مستحيلا لو اقتصر الأمر على العرب الخلص وحدهم نظرا لقلة عددهم بالنسبة للأقاليم الشاسعة التي أقدموا على غزوها … فالوحدة التي شملت جميع العناصر الإسلامية من عرب وفرس ومصريين وبربر هي السر في امتداد الدولة الإسلامية شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا [8] .
ومن الأمثلة على تحرير العبيد وإعلاء شأنهم في الإسلام ، يقول ( ول ديورانت ) : ” … وإن المرء ليدهش من كثرة أبناء العبيد والجواري الذين كان لهم شأن عظيم في الحياة العقلية والسياسية في العالم الإسلامي ، ومن كثرة من أصبحوا ملوكا وأمراء ، أمثال .. المماليك ” [9] .
في حالة المماليك ، وهم الأرقاء الأجانب الذين استقدمهم المسلمون وخاصة الأيوبيين من مختلف البلاد والأمصار ، كان أكثرهم من الأتراك والمغول والشراكسة [10] ، استطاعوا أن يقيموا دولتين للمماليك في مصر وهما : دولة المماليك البحرية بين الأعوام (1250 – 1390 م ) . مهد لدولتهم امرأة من الإماء الأرمنيات التركيات هي ( شجرة الدر ) التي كانت جارية للخليفة العباسي المستعصم وانتقلت إلى جواري الملك الصالح الأيوبي الذي اعتقها بعد أن أنجبت لهما ولدا ثم حكمت ثمانين يوما بعد وفاة زوجها الصالح الأيوبي عام 1249 م ، ثم تزوجها قائد جيشها أتابك العسكر عز الدين ايبك الذي اختاره الأمراء سلطانا . لقد توالى الأرقاء على قيادة الجيش والسلطنة في دولة المماليك البحرية ليصل عددهم إلى خمسة وعشرين سلطانا ما عدا شجرة الدر [11] . والدولة المملوكية الثانية هي المماليك البرجية بين الأعوام ( 1382 – 1517 م ) الذين تألفوا من الحرس الخاص للمملوك قلاوون ( 1279 – 1290 م ) من سلاطين المماليك البحرية إذ كانوا من الأرقاء الشراكسة . وقد وصل عدد السلاطين من المماليك البرجية إلى ثلاثة وعشرين سلطانا ، هذا في حين كان يتم اختيار السلاطين في المماليك البرجية عن طريق انتخاب الأمراء للسلطان ولم تكن عملية الاستخلاف في هذه الدولة وراثية [12] ، وكان متوسط بقاء السلطان في الحكم نحو ستة أعوام .
وحتى الإسلام عند بداية سطوع نجمه ، لم يكن متعصبا ولم يدع إلى العصبية القبلية أو الشعوبية في البلاد التي فتحها ، وكانت أخلاق الفاتحين المسلمين تتمثل في تخيير أهل البلاد والأمصار التي يصلونها ، بين ثلاثة خيارات هي : إما الإسلام ، إذ يترك أهل البلاد وشأنهم . وإما الجزية ، فتقبل منهم ، ويكف عنهم المسلمون ، وان احتاج أهل الذمة إلى المساعدة نصرهم المسلمون . وأما الخيار الثالث فكان المنابذة والمجاهدة الحربية . وقد تجلت هذه الخيارات في العديد من المعارك أو الفتوحات الإسلامية التي خاضها الجيش الإسلامي ، كما حدث في معركة اليرموك ومعركة القادسية وغيرها [13] .
كما أن الإسلام ، في تاريخ الخلافة والإمارة الإسلامية على مدى العصور لم يستثن النصارى أو اليهود من العمل في الوظائف العامة في الدولة كالوزارة أو الدواوين العامة أو المناصب العليا في مختلف الأجهزة المدنية أو حتى العسكرية ، بل إنه في حالات متعددة وصل بعض النصارى أو اليهود إلى الوزارة ، والشواهد كثيرة في التاريخ الإسلامي ، القديم والحديث ، على السواء . فمثلا كان الأمويون يستعملون نصارى ( مسيحيين ) في وظائف الدولة ، واستخدم ( المعز لدين الله ) عيسى بن سنطور النصراني واستناب بالشام منشة اليهودي :
فمال الوزير عيسى إلى النصارى ، وشجع منشة اليهود فضج الناس بالشكوى ! فألقى الخليفة القبض عليهما وأخذ من عيسى ثلاثمائة ألف دينار ، وغرم منشة مبلغا ضخما . وفي سنة 529 هـ استوزر الحافظ لدين الله مسيحيا أرمنيا يدعى بهرام ويلقب تاج الدولة ! وقد عمد بهرام هذا إلى فصل المسلمين من وظائفهم وتعيين المسيحيين بدلهم … وقد كان مسلك هذا الوزير المتعصب سببا في إثارة المسلمين ضده … فلما هاج الجمهور ضده عزل عن الوزارة … ونحن نتساءل في أي عهد من التاريخ المسيحي استوزر الملوك المسيحيون يهودا أو مسلمين ؟ بل في أي عهد استوزر الكاثوليك بروتستانتيا أو بالعكس ، إن المسلمين وحدهم هم الذين فعلوا ذلك [14] .
وفي عهد خلافة الحافظ لدين الله في مصر ، اسند منصب الوزارة إلى النصراني الأكرم بن زكريا ، أمير الدواوين ، وفي عهد الخلافة الفاطمية في القاهرة ، اسند المنصور أبو علي ( الملقب الآمر ) الخليفة الفاطمي العاشر ، منصب الوزارة إلى ( أبو نجاح النصراني المعروف بالراهب ) ، فاقترف مظالم متعددة مما أدى إلى بغضه لدى عامة الناس ، وتهجم هذا الوزير النصراني على مكانة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فأمر الخليفة بقتله [15] .
وبهذا نستطيع التأكيد بأن الإسلام محا سياسة التمييز ، بكافة أنواعها وأشكالها ، التي كانت سابقة ، ويستطيع أن يمحو سياسة التمييز والفصل العنصري اللا حقة التي قد تأتي مستقبلا ، فأبطل العمل بالتمييز على أساس سلالة الدم ، أو الطائفة الدينية والإقليمية والشعوبية ، والطبقية والحرفية والصناعية والبيئية واللغوية وغيرها . واعتبر تلك المعايير للتمييز أو التفريق بين الناس معايير زائفة منحرفة من رواسب الجاهلية ، واستبدلها بقواعد الكرامة الإنسانية والمساواة والعدالة القائمة على الأخوة والمحبة والتعاون بين جميع الناس دون تفريق بين الأجناس ، وبذلك استبدل الإسلام العادات والتقاليد الهابطة بالقيم والمثل والأخلاق الفاضلة السامية . قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [16] . بناء على ما سبق ، من مناداة الإسلام بالتقوى والعدالة الاجتماعية والإنصاف وتكافؤ الفرص بين الجميع ، فان الآلاف من مختلف الديانات يلجأون إلى اعتناق الإسلام سواء في حالات الظلم والتمييز العنصري في أمريكا من قبل المسيحيين أو في الهند من قبل الهندوس أو الوثنيين أو في قارة أفريقيا من قبل المسيحيين والوثنيين أيضا وتحول آلاف المسيحيين الأوروبيين إلى الإسلام ، وذلك لأن الإسلام دعوة إصلاحية ينبذ التنازع والتفرقة بين الناس مهما كانت الحجج والذرائع والمبررات .
يؤكد العالم جوان كوماس ، استاذ الانتروبولوجيه في مدرسة الانتروبولوجية الوطنية في مكسيكو ، في كتاب ( العرقية إزاء العلم ) الصادر عن اليونسكو في مطلع العقد الخامس من القرن العشرين على نبذ الإسلام للعنصرية بقوله : ” ولم يظهر الدين الإسلامي ، من جهته أية صلابة أو تعصب عنصري حيال الشعوب الأخرى منذ اللحظة التي يعتنق فيها هؤلاء دين الإسلام ” [17] .
ومن نافلة القول ، إن الإسلام خصص أحد أركانه وهو ركن الزكاة للتكافل الاجتماعي والاقتصادي والمالي بين الغني والفقير بصورة دائمة ومنتظمة سنويا وموسميا ، لتحاشي التمييز أو المفاضلة العنصرية الاجتماعية أو الاقتصادية .
والإسلام ، وان تطرق إلى المعاملة الإنسانية الأخوية بين جميع المسلمين ، من مشارق الأرض ومغاربها ، فانه أيضا لم ينس غير المسلمين ( أهل الذمة ) الذين يعيشون في كنفه ، من العطف والمعاملة الكريمة اللائقة بكرامة الإنسان الآدمية الحقة ، فهو لا يقطع عنهم حقوقهم الفطرية الطبيعية ويعاملهم بالحسنى . قال الله تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [18] .
هذا في عصر الإسلام الأول ، أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث كان الناس يتهافتون على الإسلام لعدالته ودعوته الحقة للمساواة بين الجميع ، ولم يفتر الناس من مختلف الملل والنحل من اتباع منهج الإسلام لينصفهم ويعدل بينهم ويعاملهم بما هم أهل له من العزة والكرامة والإنسانية ، على مر العصور ، ونلاحظ أن المئات بل الآلاف سنويا من الهندوس في الهند أو السود في الولايات المتحدة يعتنقون الإسلام لأنه يلبي رغباتهم في الحرية والمساواة والعدالة بين الأجناس لا فرق بين جنس وجنس وعرق وعرق ، اذ انه لا إكراه في اتباع الدين الإسلامي . وهذا يتمثل في قول الله سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [19] .
بقي أن نقول ، إن الإسلام دعا إلى عدم المفاضلة أو التفريق بين أنبياء ورسل الله عز وجل ، بصورة صارمة لا تقبل الجدل ، فجعل الإيمان بالرسل كافة ، الذين بعثهم الله سبحانه وتعالى ، من القضايا الإيمانية الثابتة ، على مدى الأزمان ، السابقة واللاحقة ، فقد نطقت الآيات القرآنية بذلك ، إذ يقول الله جل جلاله : { آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [20] .

المصادر والمراجع

[1] عبد الفتاح حسن رواه المكي ، الإيضاح في مناسك الحج والعمرة للإمام الرباني يحيى بن شرف النووي ، وعليه الإفصاح على مسائل الإيضاح ( مكة المكرمة : المكتبة الامدادية ، 1997 ) ، ص 36 .
[2] القرآن الكريم ، سورة البلد ، الآيات 12 – 13 .
[3] القرآن الكريم ، سورة التوبة ، آية 60 .
[4] رواه البخاري .
[5] رواه البخاري ، باب العتق وفضله .
[6] عباس محمود العقاد ، عبقرية عمر ( صيدا : منشورات المكتبة العصرية ، دون تاريخ نشر ) ، ص 118 .
[7] عبد الحميد العبادي ، الإسلام والمشكلة العنصرية ، مرجع سابق ، ص 79 – 83 .
[8] المرجع السابق ، ص 70 .
[9] عمر الخطيب ، مرجع سابق ، ص 156 .
[10] فيليب حتي وآخرون ، تاريخ العرب ( بيروت : دار غندور للطباعة والنشر ، 1994 ) ، ص 763 .
[11] المرجع السابق ، ص 762 – 763 .
[12] المرجع السابق ، ص 763 – 764 .
[13] أنظر محمد الغزالي ، مرجع سابق ، ص 118 – 121 ، ص 135 – 137 .
[14] المرجع السابق ، ص 59 – 60 .
[15] المرجع السابق ، ص 62 – 63 .
[16] القرآن الكريم ، سورة المائدة ، آية 2 .
[17] أونسكو ، العرقية إزاء العلم ، مرجع سابق ، ص 12 .
[18] القرآن الكريم ، سورة النحل ، آية 125 .
[19] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآيات 256 – 257 .
[20] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، آية 285 .

انتهى .

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إن أكرمكم عند الله أتقاكم .. المفاضلة الربانية بين البشر (د. كمال إبراهيم علاونه)

إن أكرمكم عند الله أتقاكم .. المفاضلة الربانية بين البشر د. كمال إبراهيم علاونه Share This: