إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / الفرص الضائعة في حياة المصريين .. بقلم : الدكتور عادل عامر
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

الفرص الضائعة في حياة المصريين .. بقلم : الدكتور عادل عامر

د. عادل عامر

الفرص الضائعة في حياة المصريين
بقلم : الدكتور عادل عامر

لقد كان أكثر ما يميز عصر مبارك هو أنه عصر الفرص الضائعة فرص عديدة كان يمكن أن تكون بداية حقيقة للتحرك إلى الإمام لاستعادة نهضة الدولة المصرية, لكنها ضاعت الواحدة تلو ألأخرى وكانت الأخيرة فيها الانتخابات البرلمانية في 2010, التي سبقت اندلاع الثورة بأقل من شهرين, لكن تم إجهاض الفرصة كالعادة.

إن واحدا من أهم الأخطاء التي اتفق معظم المراقبين عليها هو تلك العلاقة المركبة بين جمال مبارك وأحمد عز وقد كان من أهم أسباب مشكلات مصر السياسية في الفترة الأخيرة وجود وسيطرة أحمد عز على الحزب الوطني, وإزاحته لمعظم الحرس القديم أو تحجيمهم, واستغل قدرته المالية في التحكم في كل القواعد الحزبية, ويذهب البعض إلى أن وجود أحمد عز إلى جوار جمال مبارك, كان واحدا من الأسباب المهمة في زيادة نفور المصريين منه.

لقد كانت الانتخابات البرلمانية الأخيرة (2010), التي أدارها أحمد عز وجمال مبارك, هي المفجر لما شهدته مصر بعد ذلك حيث تم الاتفاق بين عز وجمال على الفوز بكل المقاعد إن أمكن لهم ذلك وبالتالي إسقاط كافة القوى المعارضة التي شاركت في الانتخابان لكن مبارك الأب فوجئ بهذه النتائج وغضب غضبا شديدا لأن الأمور بهذا الشكل تتجه نحو الأسوأ وهو ما حدث بالفعل.

أن المجموعة التي أدارت ألأزمة ومنهم صفوت الشريف وزكريا عزمي وعلي الدين هلال ومفيد شهاب وأحمد عز وبالطبع جمال مبارك، راهنوا على ثلاثة أمور الأول الاقتناع بتلك القوة الرادعة والمسيطرة لجهاز ألأمن الذي نقل دائمًا الإحساس بالثقة إلى كافة المستويات في ألدولة وعلى رأسها مبارك الأب نفسه, والثاني هو التجارب السابقة لتلك الجماعات المعارضة, من مظاهرات وإضرابات لم تسفر إلا عن أخبار صحفية وتلفزيونيه أما العامل الثالث الذي كان مستقرا في نفوس من أداروا الأزمة ابتداءً من 25 يناير- فهو الإحساس, بل القناعة بأن المصريين لن يثوروا, وأنهم بطبيعتهم يرضون بما قسمه الله لهم, وتعاملوا مع الشعب باعتباره جثة هامدة إن الخط العام الذي تعامل المسئولون الرسميون في إطاره منذ البداية، هو الخط الذي يتبنى الهجوم على الإخوان المسلمين, واتهامهم بأنهم يقودون البلاد إلى الفوضى, ويحاولون أن يحققوا أهدافهم الخاصة, وهو الخط نفسه الذي تبنته وزارة الداخلية في بياناتها، بدءًا من مساء الخامس والعشرين من يناير 2011, وفي هذا الإطار تمت إعادة بعض الحلقات لبعض البرامج الحوارية -عبر التليفزيون المصري- تتبنى الهجوم على الإخوان. لقد كان واضحا أن رد الفعل لدى الحزب الحاكم والحكومة لم يكن بالمستوى المتوقع في الأيام الثلاثة الأولى من الاحتجاجات والمظاهرات, ولم يكن لدى هؤلاء القدرة على قراءة أن الشعب وصل إلى مرحلة لن يتجاوب فيها معهم..، كان المصريون يحتاجون إلى التغيير, الذي كان إحدى الكلمات الأكثر حضورا في القاموس السياسي المصري في السنوات الأخيرة, لكن الطرف الآخر (النظام) كان يتعامل معه بقدر كبير من الحساسية, بوصفه شكلاً من أشكال الضعف أو ليّ الذراع

إنه في “يوم 25 يناير بدت الصورة وكأن قناة الجزيرة قررت أن تكون طرفا أساسيا فيما هو حادث على أرض مصر فمنذ اللحظة الأولى ضربت القناة عرض الحائط بكل التقاليد المهنية، والأعراف المرتبطة بحياد وسائل الإعلام ومواثيق شرف المهنة, واتخذت اتجاها محددا, ومارست قدرا كبيرا من المغالاة في نقل الصورة، وتضخيم ما يحدث، وتبني توجهات المعارضة بشكل عام, والإخوان المسلمين على وجه خاص”.

“توازى ذلك مع قيام الجزيرة مباشر بفتح شاشتها لما قدمته باعتباره تعليقات المشاهدين, وهي تحمل قدراً أكبر من التحريض والسب والتجاوز، ضد النظام المصري القائم وأركانه وقتئذ، والتأكيد من خلال هذه التعليقات على أن ما يحدث في مصر هو ثورة مشابهة لما حدث في تونس, رغم أن الأمور كانت في بدايتها، ولم تكن تنبئ بذلك, ولم يكن مفهوما على الإطلاق لقناة إعلامية اختيارها أن تكون طرفا في صراع مع نظام

حتى جاء خطاب الرئيس يوم الثلاثاء الأول من فبراير ليلعب على الوتر العاطفي لدى المصريين وإيقاظ التعاطف مع كبير العائلة, وساد الحديث في الشارع وعلى الفضائيات عن هذا المعنى, معنى الاقتراب من الشخص والتعاطف معه.

كانت هذه فرصة كبيرة أخرى أمام الرئيس مبارك، ينبغي استغلالها للخروج من المأزق، والوصول إلى بر الأمان بشكل يحفظ الحد الأقصى من المكاسب، على البر السياسي والانتقال السلمي للسلطة، وتحقيق مطالب المصريين أو الجزء الأكبر منها, لكن الوضع تغير تماما مع عصر اليوم التالي، عندما بدأت تتدفق على ميدان التحرير ألوف من المؤيدين لمبارك، ومع بعضهم أكثر من عشرين من الخيول والجمال، من أهالي “نزلة السمان”، وهي منطقة بالقرب من أهرامات الجيزة، يعيش أهلها على السياحة وذلك في إطار الترتيبات التي كانت قد أعدت في تلك الليلة لإعلان تأييد مبارك.

لكن قناة الجزيرة أذاعت أن بعض المؤيدين لمبارك يستخدمون الجمال والخيول وهم يحملون الأسلحة والكرابيج والسيوف اقتحموا ميدان التحرير من أجل تفريغ الميدان وتفريق المتظاهرين.

إن الذين قادوا هؤلاء المتظاهرين للوصول إلى ميدان التحرير، هم الذين يتحملون وزر إفشال استغلال هذه الفرصة لحل ألأزمة وهم الذين يتحملون مسؤولية التطورات التي شهدتها الساعات التالية فيما بعد أن السياسة التي انتهجتها قناة الجزيرة دفعت بعض القنوات العربية الإخبارية الأحرى لأن تنحو نفس المنحى الذي اتخذته الجزيرة بدرجات متفاوتة, وذلك بعد أن شعروا بأنها سحبت البساط من تحت إقدامهم بتلك السياسة التحريرية وبهذا الموقف الحاد أنه قبيل إعلان تنحي رئيس الجمهورية بوقت قصير، كانت الصورة واضحة بأن كل طرف حسم خياره؛ الأول وهو الرئاسة والسلطة التي كان يديرها جمال مبارك بالمجموعة التي سبق الحديث عنها, والثاني وهو القوات المسلحة التي حسمت موقفها أيضا بالوقوف إلى جانب الشرعية بمفهومها العام, أي بجانب الناس وليس بجانب النظام وأشخاصه, وتحالف معها في هذه المرحلة جهاز المخابرات العامة, وكان الطرف الثالث هو الشارع, الذي كان يتعاطف مع مفهوم التغيير وإن كان انقسم بشأن حدود ذلك التغيير هل هو الإطاحة التامة بالرئيس؟ أم القبول بما طرحه من خريطة طريق للوصول إلى انتخابات جديدة في أغسطس أو سبتمبر التالييْن ثم يكمل مدته؟

أن اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة انعقد قبيل التنحي بيومين (9/2/2011) برئاسة المشير حسين طنطاوي، وبدون علم أو رئاسة مبارك لأول مرة، ولم يزد عدد الحاضرين فيه عن خمسة أشخاص، وأصدر بيانا أُطلق عليه “البيان رقم 1″، وهو ما يعني بالضرورة أن هناك بيانات أخرى متوقعة, وكان الاجتماع والبيان الصادر عنه وسيلة للضغط على الرئيس لإجباره على فعل شيء ما, وقد أثار هذا البيان عقب إذاعته هزة حقيقية داخل قصر الرئاسة, فقد وصلت الرسالة واضحة.

أما خطاب مبارك الأخير -الذي أعلن فيه تفويض سلطته إلى نائبه عمر سليمان بأنه “كان فظيعا..، أسوأ خطاب يلقيه الرئيس طوال عمره..، كان متعجرفا وخاليا من الإحساس، كان كارثيا، ولم يعط الانطباع بأنه كان سيتنحى على الإطلاق..”. وفور عرض الخطاب في التليفزيون الرسمي، ضجت الشوارع في جميع أنحاء البلاد بالمتظاهرين, وقد ملأ صراخهم سماء الليل, كان غضبهم ملموسا، كما لو كان يلف المدينة بأكملها.

وفي منتصف يوم الجمعة (يوم التنحي) استقل الرئيس مبارك طائرة مروحية من القصر الرئاسي بمصر الجديدة إلى مطار النزهة, ومن هناك استقل طائرة رئاسية إلى مقر إقامته في شرم الشيخ, وعندما وصل في الواحدة والنصف ظهرا، اتصل بالمشير حسين طنطاوي قائلاً: “حسين.. قررت أن أفوض المسؤولية كاملة لك وللجيش..، أنت صاحب السلطة الآن”، فرد طنطاوي: “لا يا سيادة الرئيس, سنجد وسيلة أخرى, لم يكن هذا ما نريده..”.

وقبل أن تغادر أسرة مبارك القصر الرئاسي بالقاهرة، ذهب علاء مبارك إلى عمر سليمان ليسأله عما يفعلونه الآن، فأجاب سليمان “خذ والدتك واذهب إلى شرم الشيخ”..، وكانت سوزان مبارك لا تزال في “الفيلا”، وهي إحدى المباني الخاصة بالأسرة في المجمع الرئاسي, وعندما همت الطائرة بالإقلاع عادت للتوقف من جديد لتخرج سوزان مهرولة إلى “الفيلا”، وتبين بعد ذلك أنها رفضت مغادرة “الفيلا” لأكثر من ثلاث ساعات, وعندما عادوا إليها وجدوها منهارة على الأرض تبكي، عاجزة عن السيطرة على نفسها، أو الوقوف على قدميها, وعثر عليها الجنود وهي ممددة على الأرض، ومحاطة بكل حُليّها وذكرياتها.

إنه في الأعوام الأخيرة من حكم مبارك لم يكن أحد لديه الشجاعة لإخباره بما يجب أن يفعل, أو يجرؤ على إبلاغه بشكل مباشر بالتنحي عن منصبه, حتى في أوقات الأزمات القومية، كان الناس يرقصون حول النيران, ولم يكن لديهم القدرة على التحلي بالأمانة مع بعضهم البعض. يعني مفهوم المشاركة السياسية: الاهتمام بالشأن العام والانخراطَ فيه عبر المؤسسات السياسية المختلفة كالانتماء للأحزاب، كما يعني المشاركة في التصويت وفي النقابات المهنية وفي النوادي والمشاركة في جمعياتها العمومية التي تقرر مسيرتها واهتمامها وتوجهاتها،

وتُعَد المشاركة السياسية في تقديرنا هي التعبير المعاصر عن مفهوم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»؛ خاصة لو ذهبنا إلى أن ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المفهوم المعاصر تتم من خلال المؤسسات وليس عن طريق العمل الفردي. وكما هو معلوم فإن السلفية تمتعت بشرعيتها لدى الجماهير في مصر والعالم العربي من خلال قيامها بالعمل الدعوي والاحتسابي والتربوي والتزكوي، ومن ثَمَّ فإن المشاركة في العمل السياسي يجب أن تكون بالقدر الذي لا يطغى على العمل الدعوي والتربوي والتزكوي ولذا فإن المدرسة السلفية في الإسكندرية التي يمثلها الشيخ ياسر برهاني والشيخ سعيد عبد العظيم والشيخ محمد إسماعيل المقدم ترى أن حزب النور هو ذراعها السياسي. وفي ظل التاريخ القصير نسبياً لحزب النور فإن المدرسة السلفية تعبر عن القوى التي تكاد تحرِّك الحزب وترسم توجهاته، وهو ما يطرح إشكالية العلاقة بين العمل الدعوي والعمل السياسي وطبيعة كلٍّ منهما التي تختلف عن الآخر، فبينما يتجه العمل الدعوي للإفصاح عن الحق والبيان الذي ربما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، فإن العمل السياسي قد يسلك مسالك مختلفة حول الأخذ في الاعتبار الواقع السياسي وأنه قد يؤخر بعض البيان، كما قد يجري عامل المصلحة التي هي جوهر السياسة الشرعية، وقد يذهب إلى إعمال المقاصد واعتبار المآلات وأخذ العرف والعادة والاستصحاب في اعتباره، وهنا أحد التحديات الكبرى، وهي: كيف يمكن إدارة العملية السياسية ومواجهة تحديات الواقع؟كما أن إدارة الواقع السياسي سوف تعني بالضرورة أن يعبر الفاعلون السياسيون المنتخَبون عن عموم الأمة وليس عن التيار الذي يمثلونه، ومن هنا فهناك فرق بين مفهوم الجماعة أو المدرسة وبين مفهوم الحزب السياسي الذي يعبر عن معنى أوسع قد يدخل ضمنه مخالفون للجماعة السلفية في العقيدة؛

كما هو الحال في العلاقة مع الأقباط في مصر مثلاً. كما أن الفاعلين المنتخَبين من المفروض أنهم يعبرون عن الأمة كلها بدرجة من الدرجات وليس فقط عن أولئك الذين ينتمون للجماعة السلفية وحدها وهذا في الواقع أحد التحديات التي تواجه التيار السلفي؛ فهو تيار يقوم على التماثل العقدي بينما السياسة تقوم على التعدد وربما التخالف في الرؤى السياسية، والتيار السلفي يقوم على التوحد في الرؤى بينما السياسة تقوم على التعدد والتنوع، والتيار السلفي يقوم على الثقة في مشايخه واتباع ما يرونه بينما السياسة قد تعني مناكفةً ومغاضبةً وجدالاً. وهنا فإن أبواب المشاركة قد فُتِحَت بينما حدودها ومجالاتها وقواعدها وضوابطها لا تزال غائمة بَعْد لم تتحدد بالنسبة للتيار؛ وهو ما يُعَد أحد التحديات التي تواجه هذا التيار بتقديرنا.

لأول مرة في تاريخ مصر يكون هناك حزبان سلفيان ضمن بنية الدولة المصرية التي لم تقبل أبداً بمشروعية وجود الإسلاميين ضمن مؤسساتها وهو ما قاد إلى مواجهات عنيفة بين الدولة والإسلاميين من التيارات الجهادية السلفية. وبعد ثورة 25 يناير قبلت لجنة الأحزاب حزبان سلفيان، هما: (حزب النور) الذي تدعمه المدرسة السلفية في الإسكندرية و (حزب الأصالة) وهو الحزب الذي يدعمه الداعية السلفي المعروف الشيخ محمد عبد المقصود ويترأس الحزب أخوه الذي كان لواءً في وزارة الداخلية بمصلحة الجوازات كما أنه كان عازفاً للموسيقى وفي الواقع فإن انشقاق حزب الأصالة عن حزب سلفي آخر هو حزب الفضيلة يشير إلى أحد التحديات الكبرى التي تواجه الأحزاب السلفية وهي القدرة على بناء تفاهمات داخلية تركز على المشترك العام أكثر من التركيز على مسائل الخلافات. ولا يزال في الطريق حزب متعثر بسبب الخلافات بينه وبين الأصالة وهو حزب الفضيلة والجماعة الاسلامية وحزبها البناء والتنمية  كما توجد أحزاب أخرى لم تستكمل توكيلاتهما مثل حزب الإصلاح.

كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية
عضو  والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية
محمول

01224121902

 

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القوى الفلسطينية بين النذير المصري والتهديد الإسرائيلي / بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

القوى الفلسطينية بين النذير المصري والتهديد الإسرائيلي بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي Share This: