إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / الديمقراطية السياسية والاجتماعية / د. عادل عامر
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

الديمقراطية السياسية والاجتماعية / د. عادل عامر

د. عادل عامر

الديمقراطية السياسية والاجتماعية

د. عادل عامر

الديمقراطية السياسية تبقى ناقصة بدون ديمقراطية اجتماعية. الأولى تهتم بمصدر السيادة والسلطة وحقوق المواطن السياسية ومساهمته في الانتخابات وتشكيل الأحزاب وإبداء الرأي ونشره… أما الثانية، والتي لها أولوية على الديمقراطية السياسية، فتهتم بتحسين أوضاع المواطن المادية، عن طريق مبدأ العدالة الاجتماعية من حيث توزيع خيرات البلد على كل المواطنين لأن للمواطن حق شرعي بنصيب عادل منها.

فالمساواة بين الأفراد في المجتمعات المنظمة تستند بشكل أساسي على هذه العدالة الاجتماعية. فأفراد الشعب المنبوذين والفقراء وقليلي الثقافة، لا يمكن أن يساهموا بشكل جدي في الحياة السياسية التي تتطلب معرفة بأمور الدولة وتسييرها وأمور السلطة ومداخلاتها. أولويات هؤلاء الناس هي لقمة العيش وليست السياسة. الحقوق الاجتماعية ضرورية لاعتبار الإنسان غاية في ذاته يجب احترامه ومساعدته على العيش الكريم. لأن هدف التنمية والتقدم في الدولة هو حرية المواطن ورفاهيته. الديمقراطية الاجتماعية تسهل مشاركة المواطنين في العمل السياسي بشكل فعّال لأنها تسد حاجاتهم المادية وتعيد لهم اعتبارهم وكرامتهم وبهذا يصبح للديمقراطية بشطريها معنا واقعيا ومتكاملا. في حال تأخر الديمقراطية الاجتماعية، من الضروري رغم ذلك تحريك الديمقراطية السياسية ، لأن أي توعية سياسية، ولو كانت في حدود ضيقة، تساعد الناس على معرفة مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. فإشراك الناس في العمل السياسي يحرك كثيرا من طاقات كامنة فيهم للمطالبة بمجتمع أكثر عدالة. ربط أنصار المذهب الليبرالي بين الديمقراطية و فكرة الحريات الفردية و هذا المذهب هو نظرية في السياسة و الاقتصاد كما ذهب إلى ذلك ماكس فيبر و أصحابها ينظرون إلى العمل السياسي من زاوية المشاركة السياسية و حق المعارضة و هذا ما عبر عنه هانري مشال بقوله (الغاية الأولى للديمقراطية هي الحرية) و من الناحية الفلسفية ترتبط الديمقراطية السياسية بفلسفة التنوير تلك الفلسفة التي رفعت شعار (لا سلطة على العقل إلا العقل) و تجسدت هذه الفكرة بوضوح في فلسفة هيقل الذي قال:(الدولة الحقيقية هي التي تصل فيها الحرية إلى أعلى مراتبها ) و القصد من ذلك أن جوهر الديمقراطية قائم على حرية إبداء الرأي و احترام الرأي المخالف وواجب السلطة هو حماية الحريات المختلفة ( السياسة و الاقتصادية و الاجتماعية و الفكرية) و في هذا السياق تظهر أفكار سبينواز الرافضة لفكرة التخويف التي تعتمد عليها الأنظمة الاستبدادية و هو يرى أن السلطة الحقيقية هي التي تحمي حرية الفكر و تضمن المشاركة السياسية للأفراد و من الناحية التاريخية تعتبر الثورة الفرنسية 1789 في نظر رجال الفكر و التاريخ أكثر الثورات التي حملت لواء الديمقراطية السياسية و خاصة دفاعها عن المساواة السياسية كما ذهب جفرسون في صياغته للدستور الأمريكي إلى المطالبة الحكومات الديمقراطية بحماية حق الأفراد في الحياة و التفكير و يمكن القول أن الديمقراطية السياسية تتميز بجملة من الخصائص أهمها :حرية الصحافة بجميع أشكالها و كذا تبني خيار التعددية الحزبية و الحق في المعارضة السياسية ،و ترقية و حماية الحريات الفردية المختلفة و الدفاع عن حقوق المرأة و الطفل باعتبار الإنجاب الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها كل هذه المبادئ، اختصرها كليسونفي مقولته: إن فكرة الحرية هي التي تحتل الصدارة في الإديولوجيا الديمقراطية و ليست المساواة. إن قدرة الأحزاب على استيعاب البعد الاجتماعي للمشروع السياسي يساعد على التقدم أكثر نحو الديمقراطية  في ظل النظام الاقتصادي العالمي الجديد, أو العولمة, فإنه يبرر صعود نجم الأحزاب الليبرالية وخصوصا الجديدة أو اليمينية منها في الساحة السياسية الغربية والأوروبية, ويعود السبب إلى أن تلك الأحزاب باتت جزءا لا يتجزأ من الديمقراطية الليبرالية التي تدفع نحو الملكية الفردية وحرياتها أي نحو التراكم المطلق وغير العادل لرأس المال في الدول الصناعية, لكن رغم هذا الصعود لتلك الأحزاب فإنه لا تزال أحزاب الديمقراطية الاجتماعية عنصر قوة وبدأت بعضها يستعيد مجده في بعض دول أوروبا.   لا شك أن الأزمة المالية العالمية الأخيرة هيأت الأجواء لصعود أحزاب اليسار إلا أنها لم تحقق ما كان يرتقب تحقيقه, إلا في بعض الدول الأوروبية التي كانت تاريخيا موطن الانطلاقة الأولى للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية وبالتحديد بعد الحرب العالمية, حيث استطاعت تولي الحكم فيها, ولا غرابة في ذلك, فالدول التي كانت خارجة للتو من الحروب المستنزفة عانت من أزمة اقتصادية واجتماعية حادة تمثلت في فقر ميزانياتها وموجات من البطالة المكدسة.   ومن الطبيعي أن استلمت تلك الأحزاب في النصف الثاني من القرن العشرين الكثير من الحكومات وتبنت الديمقراطية الاجتماعية نظاما, ذلك لأنه نظام يتبنى بشكل كبير الحقوق الاجتماعية, فهو لا يتبنى الحقوق السياسية من دون مرادفة الحقوق الاجتماعية معها, ولا يقر المساواة والعدالة السياسية من دون الاجتماعية منها, ولهذا كانت أهم قضايا تلك الأحزاب فرص العمل والتأمين الاجتماعي والعدالة في التوزيع وتأمين الحقوق العمالية والاهتمام بالطبقة المهشمة.   والجدير بالذكر أننا نعني بالديمقراطية الاجتماعية هنا النسخة الأوروبية منها وليس السوفيتية, وبعبارة أخرى نعني الديمقراطية الاجتماعية, وليس الاشتراكية, ونقطتا الاختلاف بينهما, أن الأولى لا تسعى نحو الملكية العامة للإنتاج كما هي الثانية بل بالعكس تدعو إلى الملكية الفردية كما هي الليبرالية, وكذلك لا تسعى الأولى لتغيير النظام بالقوة أي بالثورة كما هي الثانية.   هذا الإيجاز كان بمثابة المقدمة للقول بأن الديمقراطية الاجتماعية هي أنسب الديمقراطيات لبلدان العالم العربي, والسبب لا يعود إلى أن هذه الدول غير منتجة ولا تشكل رقما في النظام الاقتصادي العالمي الجديد, وبالتالي لان في حالة الاندماج الاقتصادي سيكون المتضرر الأكبر المجتمع فقط, وإنما أيضا لأنه  لا يكون تحقيق أي تقدم في التحول نحو الديمقراطية من دون هذا الوجه الاجتماعي, لكن الوجه المعرب منه, كيف?.   إن ما واجهته الدول الأوروبية والغربية بعد الحرب العالمية كانت أزمات اجتماعية تتمثل في البطالة والفقر والعوز وهو ما دفعها إلى تبني هذا البعد الاجتماعي في الديمقراطية, فالديمقراطية كانت موجودة بنسب متفاوتة في تلك الدول, وكل ما تم تبنيه قوانين مجتمعية تندمج مع النظام الديمقراطي العام وتتعايش معه.   أما في دول الديمقراطيات الناشئة التي لم تكتمل دورتها بعد فإن ما تحتاجه اجتماعيا هو ما يساعدها على تحولها نحو الديمقراطية, ولا يعني ذلك أنها لا تحتاج إلى قوانين في البطالة والتأمين والعدالة مثلا, وإنما الحاجة التي نعنيها هنا هي الحاجة الاجتماعية المرتبطة الصلة بشكل النظام السياسي المنشود, وهذه الحاجة هي أبسط أبجديات الاستقرار الاجتماعي وهو السلم الأهلي والاجتماعي.

كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية
ورئيس تحرير جريدة صوت المصريين الالكترونية
وعضو الاتحاد العربي للصحافة الالكترونية

ورئيس لجنتي الحريات والشئون القانونية بنقابة الصحفيين الالكترونية المصرية
محمول

01224121902

الدكتور عادل عامر

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حماس .. مرحلة التحصّن بالأمنيات ! د. عادل محمد عايش الأسطل

حماس .. مرحلة التحصّن بالأمنيات ! د. عادل محمد عايش الأسطل Share This: