إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / مهمة الحاكم حراسة الدين وسياسية الدنيا .. بقلم / د. عادل عامر
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

مهمة الحاكم حراسة الدين وسياسية الدنيا .. بقلم / د. عادل عامر

د. عادل عامر
مهمة الحاكم حراسة الدين وسياسية الدنيا
بقلم / د. عادل عامر
جاءت الشريعة الإسلامية من يوم نزولها بنظرية تقييد سلطة الحاكم، فكانت أول شريعة قيدت سلطة الحكام، وحرمتهم حرية التصرف، وألزمتهم أن يحكموا في حدود معينة، ليس لهم أن يتجاوزوها، وجعلتهم مسؤلين عن عدوانهم وأخطائهم. وتقوم النظرية على ثلاثة مبادئ أساسية: أولها: وضع حدود لسلطة الحاكم. ثانيها مسؤولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه. ثالثها: تخويل الأمة حق عزل الحاكم.

المبدأ الأول: وضع حدود لسلطة الحاكم:

كانت سلطة الحاكم قبل نزول الشريعة سلطة مطلقة لاحد لها ولا قيد عليها، وكانت علاقة الحاكمين بالمحكومين قائمة على القوة البحتة، ومن القوة كان الحاكم يستمد سلطانه، وعلى مقدار قوته كانت سلطته فكلما كان قوياً امتد سلطانه لكل شئ، وإن ضعف انكمشت سلطته وأصابها القصور والوهم. وكان الناس يدينون للحاكم بالطاعة، لا لأنه يحكمهم بل لأنه أقوى منهم، فكلما كان الحاكم قادراً على أن يسوق الناس بعصاه أو يغريهم بماله وجاهه فهم من الطائعين السامعين، فإذا ضعف واستطاع أحد منافسيه أن يتغلب عليه فإنه يستطيع تبعاً لذلك أن يتحكم في رقاب الرعية، وكانت الرغية تعتبر خدماً وعبيداً لصاحب السلطان سواءً أورث سلطانه أم اكتسبه.

ولما كان الحاكم يستمد سلطته من قوتة لم تكن سلطة أي حاكم تساوي سلطة الآخر، ولم تكن هناك حدود مرسومة للحكام لا يتعدونها، بل كان للحاكم أن يأتي ما يشاء ويدع ما يشاء دون حسيب أو رقيب. وجاءت الشريعة فاستبدلت بهذه الأوضاع البالية أوضاعاً جديدة تتفق مع الكرامة الإنسانية والحاجات الاجتماعية، فجعلت أساس العلاقة بين الحكام والمحكومين تحقيق مصلحة الجماعة لا قوة الحاكم أو ضعف المحكومين، وتركت للجماعة حق اختيار الحاكم الذي يرعى مصلحتها ويحفظها، وجعلت لسلطة الحاكم حدوداً ليس له أن يتعداها، فإن خرج عليها كان عمله باطلاً وكان من حق الجماعة أن تعزله وتولي غيره لرعاية شئونها. وقد بينت الشريعة مهمة الحاكم بياناً شافياً وحددت حقوقه وواجباته تحديداً دقيقاً؛ فمهمة الحاكم في الشريعة أن يخلف رسول الله في حراسة الدين وسياسة الدنيا([1])، ويسمى الحاكم في اصطلاح الفقهاء الإمام. والإمامة أو الخلافة –كما يرى الفقهاء- عقد لا ينعقد إلا بالرضى والاختيار([2])، وبموجب هذا العقد يلزم الإمام -أي الحاكم- أن يشرف على الشئون العامة للأمة في الداخل والخارج)[3]( بما يحقق مصلحتها، بشرط أن يكون ذلك كله في حدود ما أنزل الله على رسوله، وفي مقابل التزام الإمام للأمة بهذا الالتزام تلتزم له الأمة على لسان ممثليها الذين اختاروه إماماً أن تسمع له وتطيع أمره، ما لم يتغير حاله فيصبح فاسقاً أو يعجز عن مباشرة عمله([4])، فإذا تغير حاله انعزل بفسقه أو عجزه. فسلطة الإمام –أي الحاكم- في الشريعة ليست مطلقة، وليس له أن يفعل ما يشاء ويدع ما يشاء، وإنما هو فرد من الأمة اختير لقيادتها وعليه للأمة التزامات وله على الأمة حقوق، وله من السلطة ما يستطيع أن يؤدي به التزاماته ويستوفي به حقوقه، وهو في أداء واجباته واستيفاء حقوقه مقيد بأن لا يخرج على نصوص الشريعة أو روحها، وذلك طبقاً لقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} [المائدة: 49]، وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18]، وقوله: {لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]. وإذا كان الإمام –أي الحاكم- مقيداً بأن يتبع الشريعة وأن يحكم طبقاً لنصوصها، فمعنى ذلك أن سلطته مقيدة بنصوص الشريعة، فما أباحته فقد امتد سلطانه إليه، وما حرمته عليه فلا سلطان له عليه. والشريعة لا تبيح للحاكم إلا ما تبيحه لكل فرد، ولا تحرم عليه إلا ما حرمته على كل فرد.

المبدأ الثاني: مسئولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه: وبعد أن بينت الشريعة واجبات الإمام –أي الحاكم- وحقوقه وحددت سلطته على وجه السابق جعلته مسئولاً عن كل عمل يتجاوز به سلطانه، سواء أتعمد هذا العمل أم وقع العمل نتيجة إهماله. ولم تكن الشريعة في تقرير مسئولية الحكام عن تصرفاتهم إلا متمشية مع منطق الأشياء، فقد بينت للحاكم حقه وواجبه وألزمته بأن لا يخرج عن أحكام الشريعة، وجعلته كأي فرد عادي فلم تميزه على غيره بأي ميزة، فكان من الطبيعي –تحقيقاً للعدالة والمساواة واستجابة للمنطق- أن يسأل الحاكم عن كل عمل مخالف للشريعة سواء أتعمد هذا العمل أم وقع منه نتيجة إهماله، ما دام كل فرد يسأل كذلك عن أعماله المخالفة للشريعة([5]).

المبدأ الثالث: تخويل الأمة حق عزل الحكام: بينا فيما سبق أن الإمامة تنعقد بناء على عقد يختار فيه الشعب الإمام أي الحاكم، ويلتزم له بالطاعة في مقابل التزام الحاكم بالإشراف على شئون الأمة وقيادتها في الطريق التي رسمتها الشريعة. وينبني على هذا المنطق أن الحاكم الذي يقوم بمهمته في الحدود المقررة لها يجب له على الشعب السمع والطاعة، أما الحاكم الذي لا يقوم بالتزاماته أو يخرج على حدودها فليس له أن ينتظر من الشعب السمع والطاعة، وعليه هو أن يتنحى عن مركزه لمن هو أقدر منه على الحكم في حدود ما أنزل الله، فإن لم يتنح مختاراً نحّاه الشعب مكرهاً واختار غيره. وهذا الذي يقتضيه المنطق هو نفس حكم الشريعة الصريح، جاء به القرآن وأمر به الرسول، وعمل به الخلفاء الراشدين من بعده، فالله جل شأنه يأمر بطاعة أولي الأمر في حدود ما جاء به الرسول فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59]، والرسول عليه السلام يقول: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))، ويقول: ((إنما الطاعة في المعروف))، ويقول في ولاة الأمور: ((من أمركم منهم بمعصية فلا سمع ولا طاعة)). وبعد موت الرسول اختار المسلمون أبا بكر خليفة عليهم، فكانت أول خطبة يقولها تطبيقاً دقيقاً لهذه النصوص حيث قال: ((أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)). وولي عمر أمر المسلمين بعد أبي بكر، فكان حريصاً على إظهار معاني هذه النصوص وتثبيتها في الأذهان، خطب يوماً فقال: ((لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلت: وإن تعوج عزلوه؟! قال: لا، القتل أنكل لمن بعده)). هذه هي نظرية الشريعة جاءت بها في وقت كانت سلطة الحاكمين على المحكومين سلطة مطلقة، فلم تكن الشريعة حين قررت هذه النظرية تأتي بما يلائم الجماعة ويصلح لحالها، وإنما جاءت بالنظرية لأنها ضرورية للشريعة الكاملة الدائمة من ناحية، ولترفع بها مستوى الجماعة وتدفعهم نحو الرقي من ناحية أخرى، فالنظرية إذن شرعت للتكميل والتوجيه. وهذه هي النصوص التي تقوم عليها النظرية؛ جاءت عامة إلى آخر حدود العموم، مرنة إلى آخر حدود المرونة، بحيث تنطبق في كل زمان ومكان، ولا تضيق بما يمكن أن يستجد من حالات. وقد سبقت الشريعة الإسلامية بنظريتها كل القوانين الوضعية في تقييد سلطة الحاكم، وتعيين الأساس الذي تقوم عليه علاقة الحاكمين بالمحكومين، وفي تقرير سلطان الأمة على الحكام، وأول قانون وضعي اعتراف بعد الشريعة بسلطان الأمة على الحكام هو القانون الإنجليزي، وكان ذلك في القرن السابع عشر أي بعد أن قررت الشريعة نظريتها بأحد عشر قرناً، ثم جاءت الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر وعلى أثرها انتشر هذا المبدأ في القوانين الوضعية. وتسير القوانين الوضعية في تقرير النظرية على هدى الشريعة الإسلامية، فتجعل الحد بين الحاكمين والمحكومين الدستور الوضعي الذي يبين حقوق الأفراد والجماعات والحكام ومدى سلطان كلٍّ، كما جعلت النظرية الشرعية الحد بين الحاكمين والمحكومين نصوص الشريعة وهي الدستور الإسلامي. كانت دولة الإسلام في عهدها الأول قائمة على تنزيل الشرائع وترجمتها إلى حركة وحياة يعايشها الناس في كل لحظة من لحظات حياتهم..وكان ذلك هو مقتضى إكمال الدين وارتضائه الذي شهد به المولى عزّ وجل (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)..فقد أكمل الله عزّ وجل التنزيل، وارتضى تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام لهذا التنزيل. وتحويل الدين إلى حركة حياة معاشة هو مراد الله تعالى في رسالاته، وذلك هو الدين القيم (وأن أقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيِّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون* منيبين إليه واتقوه ولا تكونوا من المشركين* من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون)..(قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قِيَما ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين* قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين* لا شريك له وبذلك أُمرتُ وأنا أول المسلمين).

وكانت مهمة ولاة الأمر من المسلمين تحقيق تلك الترجمة العملية لدين الله في حياة الناس، (الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوُا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).ولهذا نصَّ فقهاء الإسلام على أن مهمة الحاكم المسلم هي (حراسة الدين وسياسة الدنيا بالدين) وذلك هو موضوع “الخلافة”!!..إذاً فهذه هي طبيعة الدين المنزّل من عند الله تعالى..الدنيا كلها ميدانه ومجاله..ولكن طغيان البشر يجعلهم يفتاتون على حق الله تعالى،  فيعتدون على دينه، ويسجنونه في أضيق نطاق..(علاقة خاصة بين الإنسان وربه..يتحكم فيها الإنسان، متى ما شاء أن يقيمها أقامها..أو إذا شاء أهملها..ولا دخل لأحد في تلك المسألة الشخصية!!)..وإن سمحوا للدين ببعض المساحة في المجتمع، فهي في إطار يجعله ممارسة ضمن (الأعراف والتقاليد، والفلكور الشعبي)..أما أن يكون له سلطان على الناس..أما أن يصوغ الحياة بكاملها وفق منهاج خالقها جل وعلا..فذلك ما يرفضه الطغيان البشري الذي يسمونه “علمانية”!!..والعلمانية وباءٌ غريب على الأمة التي عاشت بالإسلام بضعة عشر قرنا..وباءٌ اندفع إلينا من خلف البحار..من المجتمعات التي حرّفت دين الله تعالى، وأبدلت نعمته كفراً، وأحلت قومها دار البوار..بل هي مجتمعات في الأصل تلقت الدين محرفاً ومبدلاً مغيَّراً، على أيدي الأحبار والرهبان الذي كتبوا أهواءهم وسموها ديناً، وطمسوا شرائع أنبيائهم ومحوها..فتلك مجتمعات لم تعرف دين الله أصلاً..فضلاً عن أن تعيش في كنفه..فتمردت على أهواء الأحبار والرهبان..وكفرت بعبادتهم..ولكنها نصبت مكانهم آلهة أخرى!!.. وفي بلاد المسلمين..منذ أن غزاها الغرب بعلمانيته..قام حكامهم بإقصاء دين الله تعالى عن سلطان الدولة، وحبسوه في وزارة واحدة..سموها “الشؤون الدينية والأوقاف”..وجعلوا مجالها المساجد والزوايا والتكايا..والمواسم الدينية، وإثبات رؤية هلال رمضان وشوال، تفويج الحجيج والمعتمرين.. وهذه القضايا على انحصارها، إلا أنها في حقيقتها حية بحياة الدين الذي هي من شعائره..وما أعظم دورها لو أعطيت حقها من الاهتمام كما يجب أن يكون..غير أنه ترسخ نمط روتيني وبارد في أداء تلك الوزارات، جعلها تتعامل تلك القضايا الحية بجمود الجماد..وبرتابة منقطعة النظير..حتى صارت مضرباً للأمثال.. وحتى في البلاد التي أعلنت اتجاهاً نحو تطبيق الإسلام، مثل بلادنا ما زال أمامها درب طويل لتبلغ الواجب الذي يرفع التكليف..ورغم التغيير الإيجابي الذي طرأ على مفهوم وزارة الشؤون الدينية،  فصارت “وزارة الإرشاد والأوقاف”، واهتمت بجوانب من جوانب تفعيل حركة الإسلام..إلا أن دورها مازال محدوداً وقاصراً..ورواسب الفهم القديم مازالت موجودة..والإشكالات وجوانب القصور في الأداء كثيرة منها ما هو واضح للعيان..ومنها ما يحتاج إلى كشف وبيان.. وعلى المصلحين بذل النصيحة وبيان وجه الحق والصواب ن أكثر نعم الله على الحكام أن أطاع لهم العباد, وأمكن لهم البلاد, وجعل أمرهم في الناس مطاعاً, وحكمهم نافذا, وأمرهم ماضيا. وهذه الأمور تحتاج من كل ولاه الله مسؤولية الحكم أن يسال نفسه عن الحكمة من تسخير هذه الأمم الغفيرة وهذه الملايين الكثيرة لهذا الفرد الأعزل . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : -” إذا كان يوم القيامة , وجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد أحضر الملوك وغيرهم من ولاة أمور الناس فيقول لهم ألم أمكنكم من بلادي , وأطع لكم عبادي , لا لجمع الأموال وحشد الرجال بل لتجمعوهم على طاعتي , وتنفذوا فيهم أمري ونهي , وتعزوا أوليائي , وتذلوا أعدائي وتنصروا المظلومين من الظالمين . ” ولقد حدد هذا النص النبوي بعضا من مهام الحاكم تجاه شعبه وهي حسب النص:

1. حث الناس على طاعة الله عز وجل . 2. تنفيذ أمر الله وشرعه ونشره بين الناس.

3. العمل على رفعة أهل التقى والصلاح في المجتمع . 4. الوقوف في وجه أعداء الله ورسوله حتى يندحروا .

5. نصرة المظلومين والأخذ على يد الظالمين لكي يرتدعوا .

هذه هي الحكمة وهذا هو القصد. والحقيقة أن هناك العديد والعديد من الواجبات والمهام والتي حددها أهل العلم والدراية , وكلها من صميم عمل الحاكم وأولويات مسؤوليته , ويؤاخذ بل و يحاسب إن هو قصر في أدائها . كل هذه المهام وهذه المسؤوليات تختزل دور الحاكم في مهمتين أساسيتين : ” حراسة الدين , وسياسية الدنيا ” كما قال ابن خلدون في مقدمته. وهنا يطيب لي أن أعرض لواحدة – فقط – من مهام الحاكم الأساسية ألا وهي مهمة: حسن اختيار نوابه, وخلفائه, ومعاونيه. فلما كان من المستحيل على الحاكم أن يباشر كل أمور الناس بنفسه, و لأن ذلك فوق طاقته, كان لزاما عليه أن يختار من يعاونه على أداء هذه المهمة. وكان من اللازم أيضا أن يجتهد في أن يحسن اختيار موظفيه من : وزراء , وأمراء ومحافظين، ورجال أمن، و رجال إدارة، وصولا إلى العمد، والمشايخ، والخفراء . والحقيقة إن المستفيد الأول من حسن الاختيار هذا هو الحاكم نفسه. فحسن الاختيار هذا يؤدي إلى كسب قلوب الناس , وربطهم بالدولة , وتعلقهم بالحاكم . أما حين يساء الاختيار فإن الناس سيكتوون بنار فساد هؤلاء النواب وخيانتهم , وسيقعون تحت ظلمهم وبغيهم مما يضعف ولاء الناس لحاكمهم في المقام الأول . كما ويقطع صلة هؤلاء الأفراد بدولتهم . وكل هذا يقلل من الدوافع الذاتية لذود الإفراد عن بلادهم , وأرضهم , وأوطانهم . وبالتالي يعود وبال ذلك على الحاكم بالخسران وعلى الدولة بخراب العمران كما ذكر ابن خلدون. والتاريخ يخبرنا أن جزءا كبيرا من الخسائر التي خسرها كثير من الحكام إنما كان مرده إلى سوء اختيار من ولوهم للقيام على مصالح البلاد والعباد . وكان الرئيس عبد الناصر أكثر من لدغ من هذا الجحر مرات ومرات . وذاقت مصر – عبد الناصر – من هذا الوبال الكثير, ومن هذا الخراب ما لم تمحو أثاره السنون حتى يومنا الذي نحن فيه. وهذا يبين لنا أنه لا يكفي من الحاكم أن يحسن اختيار نوابه ومعاونيه و فقط. بل و يجب عليه مداومة مراقبتهم ومتابعتهم كل في مجال عمله . فقد يخون الأمين منهم , وقد يغش الناصح , وقد يخطئ المجتهد , وقد يظلم العادل . ومثل هذه الأمور تحتاج إلى التدخل السريع والتقويم العاجل حتى لا يستفحل خطرها. أما إن يترك كل وهواه فان مثل هذه التصرفات المشينة إنما تصب في خانة إضعاف شعبية الحاكم , وانصراف القلوب من حوله. إذا لابد من المراقبة والمحاسبة المستمرة, و الضرب على أيدي المفسدين بيد من حديد تربية وتأديبا, وليس شهوة وانتقاما. ويجب ألا يتشاغل الحاكم عن هذا الأمر بأي أمر آخر مهما كان حتى وان كانت عبادة كما قال أبو يعلى الحنبلي. فلا يجوز التفويض بدون متابعة, ولا يجوز الاختيار بدون مباشرة ومتابعة. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فالحاكم هو المسئول الأول عن كل فرد في هذه الأمة . أما هؤلاء الذين فوضهم الحاكم فليسوا في موقع مسؤولية عن الرعية، بل هم مسئولون فقط عما يقومون به من أعمال ( موظفون ) . ولذلك كان واجباً علي الحاكم أن يتصفح ويراقب ويتابع أعمال معاونيه بكل دقة حتى يقوم بمسؤوليته الكاملة عن الرعية , وحتى لا يتحول كل موظف في الدولة إلى حاكم أو جلاد . أن أفضل نصيحة يمكن لمخلص أن يقدمها لحاكم هي أن ينصحه بحسن اختيار خلفائه ونوابه ومعاونيه. لذلك لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه فقيه اليمن المشهور – طاووس بن كيسان – يقول له: يا أمير المؤمنين: “إن أردت أن يكون عملك كله خير فاستعمل أهل خير”.فقال عمر بن عبد العزيز: ” كفى بها موعظة “.إن حسن اختيار نواب الحاكم ووزرائه ومعاونيه وحسن مراقبتهم ومتابعتهم ومحاسبتهم من أهم الأولويات المنوطة بالحاكم . وعلى قدر تقصيره في هذه الأمور يكون التدني في منزلة الحاكم في قلوب شعبه, وفي منزلته ومكانته في التاريخ.

كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية
ورئيس تحرير جريدة صوت المصريين الالكترونية
وعضو الاتحاد العربي للصحافة الالكترونية

ورئيس لجنتي الحريات والشئون القانونية بنقابة الصحفيين الالكترونية المصرية
محمول

01224121902

الدكتور عادل عامر

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حماس .. مرحلة التحصّن بالأمنيات ! د. عادل محمد عايش الأسطل

حماس .. مرحلة التحصّن بالأمنيات ! د. عادل محمد عايش الأسطل Share This: