إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / تغير شخصية مصر الداخلية و الخارجية بعد ثورة يناير .. بقلم : د. عادل عامر
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

تغير شخصية مصر الداخلية و الخارجية بعد ثورة يناير .. بقلم : د. عادل عامر

د. عادل عامر
تغير شخصية مصر الداخلية و الخارجية بعد ثورة يناير

بقلم : د. عادل عامر
أن الشخصية المصرية حدث لها نوع من التجريف خلال عهد الرئيس السابق.. بعد اندلاع ثورة 25 يناير كان المنحنى النفسى المشاعر يسير فى الاتجاه الإيجابى إلى أن بدأت المليونيات المتكررة أعقبها الوقفات والمطالبات الفئوية مختلفة لجميع القطاعات ودخل فيها نوع من البلطجة والضغط الإعلامى إلى أن ازداد الأمر سوءاً باستضافة قاتل السادات فى القنوات الإسلامية ليبدأ الانفلات وما صاحبه من قطع طرق ومياه والقيام بجرائم يعاقب عليها القانون دون رادع أو عقوبة مما انعكس سلباً على مشاعر المصريين.. فبات الجميع يفكر فى أمنه الشخصى نتيجة خلط الأوراق ومانجم عنها من فقدان الأمان.. وهنا بدأ الشعور بالخوف والقلق من المستقبل.. وأعتقد أن ما انتاب المصريين من مشاعر سلبية يرجع للمناخ السائد والذى يخلط ما بين الحرية والفوضى.. وهو أمر ينذر بخطورة بالغة وإذا كنت توصلت من خلال دراستى قبل الثورة إلى أن الشخصية المصرية حدث لها تجريف فإننى أوكد أن الشخصية المصرية حالياً تعانى مزيداً من التجريف. لكى نعيد للشخصية المصرية مكانتها فلابد من وقفة حقيقية نتحاور فيها بصراحة وبوضوح عن مطالبنا.. ولابد للدولة إظهار هيبتها وبقوة أمام أى انفلات فضلاً عن ضرورة قيام «حواء» المصرية بدورها والذى توارى بفعل بعض التيارات المتطرفة التى تريد سلب مكاسبها ولكى يحدث ذلك لابد من تكاتف جميع فئات الشعب حتى نعيد ثورتنا إلى مسارها السليم ومعها تعود إلينا الفرحة.

ولكن مع ثورة 25 يناير أصبح الآن من المؤكد أن نتكلم عن أن هناك الكثير من المعتقدات الخاطئة التى كشفها لنا الشباب ومنها أنه يجب عندما نتحدث عن الشخصية المصرية يجب أن يكون ذلك بحذر وتحوط، ولا تتحدث عن المطلقات ولا نصدق خرافة جمود الشخصية المصرية واستمرارها دون تغيير، والابتعاد عن التوصيفات الجامدة أو التعميمات الجوفاء مثل أن المصري صبور أو لا يثور أو خانع ولا يلجأ إلى العنف. الدراسات السابقة أثبتت أن المصرى يصبح وحشا فى أى حالة تمس الأرض أو العرض، فهو قد يقتل ابنته وأمه وزوجته إذا فرطت فى شرفها، أو دفاعا عن الدين أو طلبا للثأر، فالأرض بالنسبة للمصريين مجال خارج المساومة، وهو ما يفسر حالات الاعتصام، فإذا شعر أن مورد رزقه فى خطر يتشبث بالأرض، كما أثبتت الثورة أن الشاب المصري ثائر وغير خاضع، مقاوم، وإن كان قد يبدو أنه متواكل صبور، فلا يمكن استيعاب المصري فى جماعة استبدادية سواء فى الأكل أو الملبس أو غيره، وأصبح صاحب مبادرة. الشباب الثورى لا يقبل المهادنة ويطالب بإزالة عهود الاستبداد والاستغلال كما يطالب بالتغيير الجذري إلى الأفضل من قبل الأقدر على تكوين مستقبلهم وفتح آفاق رحبة لامتصاص البطالة والقضاء على الفقر والاستغلال الأمثل لمقدرات البلاد وإطلاق الطاقات وروح التنافس والإبداع وجعل التعددية السياسية والحزبية مبنية على أسس ديمقراطية فيها الحقوق والحريات مكفولة والتداول السلمي للسلطة يمارس عملياً.. كل ذلك إرادة الشباب لأنفسهم بعد أن عجز الآباء عن التعامل مع الفئة الشبابية وتركها على قارعة الطريق تعانى من التهميش والإقصاء والإلغاء، وتعانى من سوء الحال والنكد اليومى الذى يطالها بقسوة، ولا تجد له حلاً. على هذا الأساس، فإن الشباب أصروا على تحقيق التغيير وجعلوه واقعاً، وأصبح لا مناص للتغيير والوصول إلى الديمقراطية نتيجة إلى التحرك العالمي السريع بشكل متدفق الذي لم يستوعبها السياسيون التقليديون ولكنه أوضح وملائم أكثر لروح الشباب الذين هم على دراية وعلم بكل ما يحدث حولنا من العالم، فلم يعد هناك ما يمكن التعتيم عليه، كما انتشار المدونين والمدونات بين الشباب، مما جعل منهم كتلة رأى متحركة وأصبحوا قادرين على التعبير عن رأيهم دون خوف أو قلق. كما أن العلاقة مع السلطة لا بد أن تتغير للاستفادة من حماس وقوة واندفاع الشباب وتوجيه ذلك بحكمة ورجاحة عقل وخبرة الكبار والحكماء من الشعب، فنحن نعيش فى وطن واحد يجمعنا كلنا شبابا وكهولا، ويجب أن نحدد مصيرا معا مستفيدين بكل الإمكانيات والطاقات المتاحة. رغم أن التفاؤل هو السمة المميزة لشخصية كاتب الكوميديا فيصل ندا إلا أن الخوف طغى على نغمة الأمل التى اشتهر بها وهو ما يؤكده قائلاً: قمنا بثورة عظيمة شهد لها العالم حين حققت أول مطالبها بتنحى الرئيس السابق مما أسعدنى كغيرى من أبناء مصر.. واعتقدت أن الروح الحلوة التى طغت على ميدان التحرير ستنعكس على حياتنا القادمة لكن للأسف ما حدث من سيطرة تيار واحد على المشهد السياسي لتحقيق مصالح شخصية واختفاء صناع الثورة الحقيقيين فضلاً عن قيام بعض قنوات الإعلام بنقل الأحداث بصورة تساهم فى شحن وإثارة الرأى العام انعكس سلباً على نفسيتنا.. فأصبح التخوين والتراشق بالألفاظ هو السائد بالإضافة إلى طغيان الصالح الشخصي على العام.. الأمر الذى أصابنى بخوف يصل لحد الرعب حتى أنني كمؤلف عجز تفكيري عن الكتابة.. فدائما ما كنت أتنبأ بالمستقبل من خلال رؤيتي على الورق لكن ما أشهده حاليا يشعرني وكأنني داخل سيرك كبير كل اللاعبين فيه يضعون الألوان التي تخفى وجوههم الحقيقية.. فكانت النتيجة توقف قلمي عن الكتابة لحين إشعار آخر!!..

إن الثورات دائماً ما تأتى كالأنهار.. فتبدأ هادئة ثم يأتى الفيضان لتطرق مياهها الأخضر واليابس بعدها تعود لطبيعتها.. لذا كنا نشعر بالطمأنينة والأمل فى بدايات الثورة أعقب ذلك قلق وخوف من المستقبل وهو ما نعيشه الآن لكن هل سيسفر ذلك عن ضبط الأوضاع وتتحق الآمال فيما بعد.. فرغم قيامها بمشاركة نخبة من المثقفين اجتمعوا على التصدي للقهر والظلم الذى عايشته لسنوات طويلة إلا أن تلك النخبة توارت نتيجة عدم التنظيم طبق رغبات قيادة تجمعهم.. الأمر الذى أدى للفوضى التى نشهدها حاليا لنصاب بالحزن والخوف على المستقبل وتزداد تلك المخاوف مع ارتفاع نسب الفقر والبطالة فهما وقود لإشعال (ثورة جياع) تهدد بالقضاء على كل ما هو جميل وتفسد ثورتنا البيضاء التى نجحت بالالتفاف حول المصلحة العامة من أجل مستقبل أفضل..

إن ثورة 25 يناير تتحرك بقوتها الناعمة وجاذبيتها العالمية في القارة السمراء وبقلب مفتوح مع كل شعوب أفريقيا لمصالحة الجميع وكل الأفارقة كما يتجلى فى زيارة وفد الدبلوماسية الشعبية المصرية لإثيوبيا وفى وقت باتت فيه “القوة الناعمة” موضع اهتمام بالغ فى العلاقات الدولية والدراسات السياسية والإستراتيجية. بشخصية مصر الخارجية وهنا نكاد نجزم بأنها قد تغيرت تماما بعد الثورة سواء في قرارات مصر وتعاملها مع أشقائها من الدول العربية أو غيرها من دول الجوار وهذا التغيير بالطبع نابع أولا وأخيرا من الشعب المصري نفسه وليس من حكومته لأن الحكومة الآن قبل ان تتخذ أي قرار تفكر الف مرة في رد فعل الشعب المصري علي هذا القرار ويكفي مايبرهن علي التغيير أن الشعب المصري قد استرد كرامته المهدرة داخل الدول العربية الشقيقة بل داخل دول العالم أجمع فقد تغيرت النظرة للمواطن المصري في كل الدنيا وتلاشت نظرة الاستهتار والدونية التي وصلت الي أسوأ مراحلها قبل الثورة حتي انهم قالوا ان حياة المواطن المصري لاتساوي أكثر من ثمن غسالة أو ثلاجة وفي الحقيقة أن الذي أوصلنا لذلك هو النظام الفاسد الذي سقط بكلمة الشعب وارادته وخير دليل علي تغير شخصية مصر الخارجية بعد الثورة هو رد فعل إسرائيل تجاه الإحداث في مصر فهل كان من الممكن ان تمر أحداث اقتحام السفارة الاسرائيلية هكذا لو لم يكن هذا التغيير الكبير ثم لجوء اسرائيل للتهدئة مع مصر وتقديم اعتذار رسمي عن قتل الجنود المصريين علي الحدود رغم ان هذا الفعل ليس من أخلاقيات الدولة العبرية وماهو معروف عنها من صلف وغرور ولكن هذه الخطوة غير المسبوقة منها أحد أهم النتائج الايجابية لتغير شخصية مصر الخارجية بعد ثورة يناير. نأتي ثانيا الي شخصية مصر الداخلية فهل تغيرت فلسفة القائمين علي الوضع في التعامل مع الشعب؟ والاجابة بالطبع لا فمازالت الحكومة تتعامل مع الشعب بمنطق عدم المكاشفة والمصارحة واقرب دليل علي ذلك هو تصريح وزير من الحكومة حكومة الثورة بضياع أموال المعاشات ثم يأتي وزير آخر من الحكومة ليقول ان هذه الأموال موجودة بالفعل ناهيك عن عدم شعور المواطن باي تقدم في معيشته ولكن في نفس الوقت نحن ندين سلوكيات الشعب وعدم فهمه للأحداث التي تمر بها البلاد حتى قيل ان الشعب غير مؤهل ثقافيا لمثل هذه الثورة العظيمة.. وهكذا تتضح لنا شخصية مصر بعد الثورة. إن مصر بعد ثورة 25 يناير باتت أكثر جاذبية فى الشارع الأثيوبي فى ظل أهمية التعامل مع المتغيرات الناجمة عن هذه الثورة الشعبية كما أن هناك تزايدا مطردا فى الاستثمارات المصرية فى إثيوبيا حيث أن هذه الاستثمارات قدرت فى شهر أكتوبر الماضي بمليارى دولار أمريكى وتتركز فى مجال البنية الأساسية من كهرباء وطرق وشبكات مياه الشرب والصرف الصحى. إن القراءة الواعية لتاريخ مصر تقول بوضوح أن أى حاكم يهمل فى الحفاظ على مياه النيل يفقد شرعيته السياسية فى إدراك الشعب المصرى وإن المواجهة التى تخوضها مصر لتأمين حقوقها المائية التاريخية تتطلب أن يدير هذه المواجهة أصحاب الرؤى، فالمواجهة الدائرة حول مياه النيل ليست بعيدة عن الجدل المحتدم بشأن قضايا البيئة والمناخ والدعوات المشبوهة التى يطلقها البعض للان الان في امس الحاجة الماسة “لهندسة جغرافية جديدة

ان معاناة المصريين من مشاعر متضاربة من فرحة عارمة أعقبها قلق ممزوج بالأمل ثم خوف يصل لحد الهلع النفسى.. وهو أمر طبيعى مصاحب للثورات دائما.. فالثورة هى إزالة لكل دعائم النظام السابق بما فيه من معتقدات وأفكار فهى كالزلزال ومن ثم لابد أن يصاحبها هزة مجتمعية شديدة.. ودائما ما أشبه الثورات بعملية الولادة وبالحامل حين يفاجئها مخاض الولادة حيث ينتابها ألم شديد سرعان ما يتحول إلى سعادة غامرة عند خروج المولود إلى الحياة وهو ما نعايشة الآن ومن ثم علينا بتحمله بصبر وهدوء خاصة وأننا عانينا طويلاً فى صمت دون حد أدنى من الأمل أما الآن فمعاناتنا أصبح لها معنى.. فقد فتح الجرح ولابد أن ينزف حتى يخرج ما فيه من ملوثات ليندمل بعد تنظيفه جيداً، لذا علينا التمسك بروح التفاؤل التى انتابتنا فى بداية الثورة وإدراك أن ما نعانيه شىء عادى وطبيعى. وأخيراً أناشد وسائل الإعلام بتحرى الدقة ومراعاة عدم إثارة الناس عند بث الأحداث لإننى أعتبر ذلك من الأسباب الرئيسية المؤدية لمشاعر الإحباط التى يعانى منها البعض. وإذا كانت أصابع الاتهام تشير إلى الإعلام وتحمله مسئولية المشاعر السلبية التى تنتاب البعض.. فالدكتورة جيهان رشتى عميدة كلية الإعلام جامعة القاهرة سابقاً تنفى وترفض هذا الاتهام بانفعال قائلة: الإعلام ينقل الحقيقة ولا يصنعها.. فإذا كان الواقع سيئاً وكذب المسئولين لا يزال مستمراً فضلاً عن تصريحات بعضهم المتخبطة بين التأكيد والنفى.. فما ذنب الإعلام؟!..وجدير بالذكر أن ما يواجهه الإعلام من اتهامات حاليا يذكرنى تماماً بما حدث أثناء نكسة 67 حين حمل البعض الإعلام مسئولية الهزيمة متهماً إياه بنقل أخبار مغلوطة بينما كان دور الإعلام يقتصر على نشر البيانات العسكرية التى تقدم إليه.. لذا أناشد الجميع بالكف عن إلقاء التهم جزافا على وسائل الإعلام المختلفة

ومن هنا نجد أن الدبلوماسية المصرية بعد مرور مائة يوم على ثورة 25 يناير نجحت في تحقيق العديد من الانجازات التي لم نكن نتوقع أن تتم في هذا الوقت القياسي، فقد شهدت القاهرة توقيع اتفاق تاريخي للمصالحة الفلسطينية بين حركتي “حماس و”فتح” بعد انقسام دام أربعة أعوام, وبعد الكثير من التصريحات النارية لرئيس الوزراء الاثيوبي ميليس زيناوي ضد حقوق مصر في مياه نهر النيل, تغير الموقف تماما وتعهد بعدم اتخاذ أي إجراء من شانه أن يضر بمصر. إنطلقت الدبلوماسية الشعبية المصرية بقوة خلال الفترة الماضية للبحث عن حل لأزمة دول حوض النيل، التى كانت قد تفاقمت كثيرا فى الآونة الأخيرة، خاصة بعد قيام أوغندا بالتوقيع على اتفاقية إطارية، رفضتها مصر والسودان، من شأنها أن تلحق ضررا جسيما بحقوقهما التاريخية فى مياه النهر، إذا قُدر لهذه الاتفاقية أن تدخل حيز التنفيذ بصيغتها الحالية حييث قام وفد من 35 شخصية مصرية، يضم ممثلين عن مختلف الأحزاب والقوى السياسية وشباب ثورة 25 يناير وشخصيات عامة، بزيارة لأوغندا وعاد منها إلى مصر متوجاً بإنجاز مهم، ألا وهو وعد من الرئيس الأوغندى يورى موسيفينى شخصيا بتجميد عملية التصديق على الاتفاقية الإطارية التى وقعت عليها حكومة بلاده رسميا لكنها لم تدخل حيز التنفيذ لأنها لم تُعرض بعد على البرلمان الأوغندى بل وقد ذهب الرئيس الأوغندى، فى معرض تأكيده على حسن النوايا، إلى حد التأكيد على أنه سيسعى جاهدا إلى إستصدار قرار جماعى من قادة دول حوض النيل لوقف تنفيذ الإتفاقية الإطارية، أهمية أن تكون مصر شريكة فى أى اتفاق يتعلق بحوض نهر النيل. وبجانب أوغندا، قام وفد الدبلوماسية الشعبية بزيارة إلى كلا من السودان واثيوبيا. كان طريق الدبلوماسية الشعبية إلى أفريقيا ممهداً بتاريخ مجيد وبحاضر مشرق

أما التاريخ المجيد فهو سياسة مصرية حاضنة لكل حركات التحرر الأفريقى، كان جمال عبدالناصر قد صاغها فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى، وظلت رغم رحيله منذ أكثر من أربعين عاما حاضرة بقوة فى ذاكرة زعماء وشعوب أفريقيا.

وأما الحاضر فصنعته ثورة 25 يناير الموحدة لكل أطياف الشعب المصرى والملهمة لكل شعوب العالم، ومنها الشعوب الأفريقية، والعاكسة لأصالة شعب مصر وعراقة حضارته ألا وهو استعادة الدور المصرى فى القارة الأفريقية الذى يبدأ من إقامة علاقات استراتيجية مع دول حوض النيل، ولاشك أن جانب من هذه الخطوات يعود إلى الأولوية التى تعاملت بها مع هذا الملف، انطلاقا من شرعية جديدة كان لثورة 25 يناير الفضل فيها بعد أن نالت إعجاب دول العالم، واللافت فى هذا الصدد هو الاستفادة من الدبلوماسية الشعبية لتمهد الطريق بل وتتكامل مع الدبلوماسية الرسمية فى تجسيير وردم الهوة التى أوجدها النظام السابق فى العلاقات مع هذه الدول، لتستعيد مصر موقعها الطبيعى بين دول قارتها الأفريقية وبين دول حوض النيل الذى يربطهم معا شريان الحياة. ومن حسن الحظ أن هناك شيئا ايجابيا يمكن البناء عليه فى دفع العلاقات إلى آفاق رحبة مع هذه الدول، يتمثل فى الاستثمارات المصرية فى دول حوض النيل والتى هى أحد الآليات الأساسية لإقامة علاقات متينة مبنية على المصالح المشتركة، فقد شهدت هذه الاستثمارات نموا كبيرا خلال العامين الماضيين، لتسجل الآن مايزيد على 5 مليارات دولار، وإن تركز نحو ثلثيها فى السودان حيث بلغت الاستثمارات المصرية في السودان3.5 مليار دولار خلال العامين الأخيرين لتحتل بذلك المرتبة الخامسة بين دول العالم والمرتبة الثالثة بين الدول العربية، وذلك وفقا لبيانات وزارة التخطيط والتعاون الدولى، فى حين تستحوذ اثيوبيا على ما يزيد على مليار دولار والبقية موزعة على اوغندا يليها كينيا ورواندا، كما أن معظم هذه الاستثمارات تتركز فى القطاع الزراعى والانتاج الحيوانى، إلى جانب الصناعة، وهو أمر بالغ الأهمية أيضا لتحقيق المصالح المشتركة حيث تستورد مصر نحو50% من احتياجاتها من الغذاء، ولا شك أن هذا الانتاج سيؤمن جانبا هاما من المواد الغذائية، وربما كانت الدوافع الاقتصادية وحدها صاحبة الفضل فى اتجاه القطاع الخاص المصري للاستثمار بهذه الأسواق نظرا لارتفاع عائد الاستثمار، وهو مايؤكده استطلاع آراء بعض هؤلاء المستثمرين الأعضاء بجمعية رجال الأعمال المصريين التى قامت بدور مهم فى تنمية هذه الاستثمارات، الى جانب الشركة التى أسستها البنوك العامة الثلاثة لتمويل المشروعات الاستثمارية المصرية فى هذه الدول.

ومما يدعو الى التفاؤل أن هذه الاستثمارات مرشحة للزيادة، خلال السنوات المقبلة بعد أن يسترد الاقتصاد المصرى عافيته وكذلك فى ضوء الفرص الواعدة فى القطاع الزراعي وكذلك الانتاج الحيواني الذى يستوعب الاستثمارات المصرية ويحقق المصالح المشتركة ويضمن عوائد جيدة وآمنة إلي حد كبير علي هذه الاستثمارات والتى تزايدت بعد توفير منظومة متكاملة لاستمرار استيراد اللحوم من إثيوبيا. وقد نرى تضخما للذات لدى بعض الأفراد والطوائف والمجموعات بعد الثورة وينتج عن ذلك ارتفاع نبرة المطالبات والاحتجاجات والاعتراضات أكثر من اللازم والذي كان يصل في بعض الأحيان إلى حالة من “التوحش الشعبي” يهدد الاستقرار في بعض الأحيات ويفتئت على السلطة القائمة, ولكن هذه الأشياء تعتبر أعراض جانبية للثورة يمكن تجاوزها مع الوقت طالما ظل التيار الشعبي العام في حالة من التوازن والإيجابية .

كاتب المقال
خبير في القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية
ورئيس تحرير جريدة صوت المصريين الالكترونية
وعضو الاتحاد العربي للصحافة الالكترونية
ورئيس لجنتي الحريات والشئون القانونية بنقابة الصحفيين الالكترونية المصرية

محمول

01224121902

الدكتور عادل عامر

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حماس .. مرحلة التحصّن بالأمنيات ! د. عادل محمد عايش الأسطل

حماس .. مرحلة التحصّن بالأمنيات ! د. عادل محمد عايش الأسطل Share This: