إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / الميكيافلية والقناعة السياسية والشخصية المصرية – بقلم : د. عادل عامر
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

الميكيافلية والقناعة السياسية والشخصية المصرية – بقلم : د. عادل عامر

د. عادل عامر

الميكيافلية والقناعة السياسية والشخصية المصرية

الدكتور عادل عامر

• الشعب المصري إنما هو شعب سريع الفساد وسريع الصلاح في آن واحد، فهو شعب يسهل إفساده ويسهل إصلاحه أيضا ومن الممكن لحكومته أن تحوله إلى أفسد شعوب الأرض في فترة وجيزة ومن الممكن أن تجعله أصلح شعوب الأرض في نفس الفترة أيضا. إن المصرى يصبح وحشا فى أى حالة تمس الأرض أو العرض، أو دفاعا عن الدين أو طلبا للثأر، فالأرض بالنسبة للمصريين مجال خارج المساومة، وهو ما يفسر حالات الاعتصام، فإذا شعر أن مورد رزقه فى خطر يتشبث بالأرض.

ومن هنا نجد أن الآخر يرى فى المصرى عدة صفات مثل

• القدرة على التكيف السريع والمرونة والفطنة كصفات إيجابية والمسايرة والمجاملة كصفات سلبية.

• اللجوء إلى النكتة للتنفيس أو الترويح عن النفس.

• المبالغة في تأكيد الذات والقدرة الفائقة على تجاوز الصعاب.

• استنكار السلطة في دخيلة النفس والميل إلى التملص من المسئولية.

• الميل إلى العمل الفردي والنفور من العمل الجماعي

• الرغبة في تحقيق الأهداف بأقصر الطرق.

• الإنعزالية: فالشعب المصري شعب إنطوائي لا يحبذ الحركة والمغامرة بل يفضل البقاء في مكانه وإن كان هذا المكان لا يلائمه من حيث الرزق أو من حيث الراحة، وقد انعكس هذا المعلم على طموحات المصريين فجمدها أو قضى عليها ويبدو هذا المعلم بوضوح في مسألة السفر لأجل العمل خارج مصر وليس هناك من غرض آخر يدفع بالمصري ليسافر خارج موطنه سوى غرض الرزق، حيث نجد المصري لا يسافر إلا بعقد عمل يضمن له وظيفة هناك خارج مصر فهو لا يفكر مطلقا في المغامرة والذهاب إلى بلد غير مشهود له برخاء العيش ويضمن له رزقه كبلاد أفريقيا مثلا.

• من معالم الشخصية المصرية التى يراها الآخر الإتكالية، فطوال تاريخه يتكل على نهر النيل ويقبع إلى جواره فإذا أصابه القحط حلت المجاعة وضاعت البلاد وإن زاد ووفرت مياهه عم الرخاء والشبع، وكما اتكل المصريون على نهر النيل اتكلوا أيضا على حكوماتهم واعتقدوا أن بيدها كل شئ فمن ثم أسلموا لها أنفسهم في طواعية وانتظروا الخلاص على يديها، ولعل هذا يفسر سر تعلق المصريين بالعمل عند الحكومة فهو مقدم عندهم على أي عمل آخر وإن كان أفضل وذلك لكون الحكومة مضمونة في نظرهم ورزقها ثابت أما مصادر الرزق من الأبواب الأخرى فغير مضمون وتشكل عقيدة الرزق عند المصريين حجر الأســاس في نظرتهم العامة للحياة.

وحين تسقط منظومة التاريخ تتسرب إلي عقول الشعوب أمراض كثيرة تتأكد مع غياب الذاكرة وسقوط منظومة القيم واختلال مفاهيم الانتماء وتشويه صورة الوطن وحقوق المواطنة .. وحين تسوء أحوال الفنون يتصحر وجدان الشعوب وتتراجع المساحات الخضراء فيها ويخبو صوت الضمير فلا نفرق بين نهر يجري ومستنقع نعيش فيه ولاشك أن هذه الثلاثية فى مصر قد أصابتها إنتكاسة طويلة  وبالنظر إلى واقعنا المعاصر وخصوصًا قبل الثورة نجد أننا نسينا أو تناسينا القيم الروحية، والمبادئ المتأصلة فى الشعب المصرى: الوفاء والمروءة، والصدق والعفو، والشجاعة والحياء، والأمانة والرحمة، وغيرها من الأخلاق الجميلة، واتجهنا بعقولنا وأعمالنا – فى كثير من الأحيان- إلى الحياة المادية، التى تراجعت فيها منظومة القيم السابقة.  كما أننا قبل الثورة كنا أمام ظواهر عقلية متخلفة تشكلت في السنوات العجاف وكبرت علي ثقافة الجهل والتخلف وأمراض التطرف الفكري بكل أشكالها، هذه العقول نشأت في ظل الكبت السياسي والقهر المعنوي والإنتخابات المزورة ومحاولات الإستقطاب الأمني وتحريض فئات المجتمع علي بعضها البعض طمعا في كراسـي السلطة وحين تفتحت الأبواب خرجت هذه الأمراض وانتشرت في الشوارع تؤكد وجودها وبالعودة إلى أهم سمات الشخصية المصرية (التدين، التسامح، الاستقرار، الارتباط بالأرض والأسرة، الرضا، القناعة، النكتة، الدعابة، السخرية التي تجنح أحيانا للحزن، غير أنها كثيرا ما تلجأ إلي الصبر والزهد والتقوقع داخل الذات) وهو الأمر الذى يفسر الكثير من سلبيتها وتخاذلها، وطاعتها العمياء، حتي لو ظلمت وانتابها القهر والتسلط والاضطهاد، وساعد علي ذلك ندرة ثورة الشخصية المصرية علي الواقع، أما الثورات التي حدثت، فكانت متقطعة تدل علي الفردية لا الجماعية بمعناها الواسع، مع استثناءت قليلة، وبخاصة في عصرها الحديث. وكان لنكسة 1967 أثر كبير في تغير الشخصية المصرية حيث ظهرت فيها سمة التعبير عن خداع الذات والتسليم لزعامات كاريزمية بعيدة عن التخطيط السليم، وما لبثت الشخصية المصرية تبحث عن هوية دينية تتستر بها بعد فشل الهوية القومية الاشتراكية ومن هنا بدأت التيارات الدينية نشاطها سواء كانت معتدلة أو متطرفة، إلي ذلك فقد كان لمعاهدة السلام دور ما في الارتماء في أحضان أمريكا سياسياً بما تبعته هذه الخطوة من تغيرات ثقافية واجتماعية بناء علي التفاعل مع ثقافات غربية مختلفة تستقبلها الشخصية المصرية بمشاعر متناقضة، ناهيك عن زمن الانفتاح الاقتصادي وما أحدثه من تنامي للقيم الاستهلاكية والرغبة في الثراء السريع دون جهد حقيقي وشيوع قيم الفهلوة وانتهاز الفرص والسفر لدول الخليج الذي أثر فى الشخصية المصرية بما شمله من تغيير في الأنماط الاستهلاكية والثقافية والدينية تبعا للنموذج الخليجي، ربما أدي إلي زعزعة النماذج القائمة والمستقرة منذ قرون لصالح النموذج السلفي من ناحية أو النموذج المستغرب من ناحية أخري. من جانب آخر، فإن قانون الطوارئ الذي أمتد العمل به لأكثر من 25 سنة أدي إلي شيوع حالة من القهر والخوف وانعدام الثقة بين السلطة والشعب وإطلاق يد السلطة الأمنية تعبث بأقدار المجتمع في كل صغيرة وكبيرة مما اتاح الفرصة لتغلغل الفساد الذي يحتمي بالسلطة ووصول عناصر تفتقر إلي الكفاءة والضمير إلي مراكز عليا تحت سقف الولاء والطاعة، في نفس الوقت الذي ابتعدت فيه العناصر الموهوبة والمتميزة عن مراكز التوجيه والتأثير وتحول الاغلبية إلي بقية صامتة تسعي للحصول علي لقمة العيش وتتقى شر سطوة السلطة المطلقة تحت ظل قانون الطوارئ، فلجأت إلي تعلم مهارات الفهلوة والتحايل والكذب والالتواء والتنازل عن أشياء كثيرة كان يعتز بها المصريون مثل الكرامة والضمير والصدق والشهامة واستبدل هذا بحالة من الخضوع والخداع والنفاق والتحايل ومد اليد تسولاً أو رشوة أو سرقة وقد أكد بعض الباحثين على عدد من صفات الشخصية المصرية قبل الثورة ومنها: • التكيف السريع والقدرة علي التلون مع الموقف ونقيضه، والإدراك في لمح البرق، وفيما يشبه الإلهام، بما هو مطلوب في هذه اللحظة، فيستجيب علي الفور، وهو قادر علي أن يعيش في أي ظروف ويتعامل مع أي شخصية، ويتباهي بأنه يستطيع أن يلاعب الجن الأحمر، ويتعامل مع ملائكة السماء والأرض في نفس الوقت دون أن يجد غضاضة ودون جهد كبير..وهذه النزعة الفهلوية هي التي أعطت المصريين القدرة علي التعايش مع حكام وولاة بلغوا غاية الظلم والقسوة، فهو إن لم يذعن فسوف يتعرض للعقاب والنقمة ولن يجني شيئا، وتحول هذا التكيف مع الزمن إلي وصولية وانتهازية.

• العلاقة الملتبسة مع السلطة، فالفهلوي برغبته الدائمة والملحة في تأكيد الذات يشعر في قرارة نفسه بالسخط علي الأوضاع التي توجد التمايز والتفرقة أيا كان نوعها، ويتفرع عن ذلك عدم اعترافه برؤسائه والتنكر لهم، مع أنه في الواقع يبدي الخضوع ويستخدم عبارات فيها مبالغة شديدة للتفخيم (أفندي وبيه وباشا وسعادة الباشا).

• الإسقاط والتهرب من المسئولية، وهي واحدة من أسلحة الفهلوي، حتي يلقي بالمسئولية علي غيره من الناس أو علي ظروف خارج نطاق الذات، تبرر ما يقع فيه من خطأ أو تقصير.

• الفردية وغلبة الأنا، وعدم التوافق مع العمل الجماعي وليس هذا من قبيل الأنانية فحسب، وإنما لتأكيد الذات وعدم تعرضـها للاحتكاك مع غيرها، مما قد يؤدي إلي مواقف تنكشف فيها الإمكانات الحقيقية.

• السلفية والميل إلي الماضي، وهو ما انعكس بوضوح علي التدين المصري، فالنماذج الشائعة في التدين والالتزام متقمصة من شخصيات السلف والعيش بروحهم، وكلما كان الرمز متشبها بشخصية السلف كلما كان أكثر تأثيرا في المصريين، وهذا نابع من بغض الحاضر ومحاولة الهروب منه.

وإذا نظرنا للمصريين أيام الثورة وتفكيرهم فى الأحـداث القائمة نجد أن صفات العقلية المصرية التى تحدثنا عنها قبل الثــورة بدأت تتغير كالتالى

الصدمة:

والصدمة هنا قد تأخذ معنى إيجابيا من حيث كونها حدثا مفاجئا لم يكن في توقعات أو حسبان من أشعلوا شرارة الثورة, إذ تطورت الأمور بسرعة وخرجت عن الإطار المبدئي الذي فكروا فيه, إذ تجاوزت الثورة أحلام مفجريها, لذلك فهم لم يستوعبوا الحدث بكامل أبعاده, إذ تجاوز الحدث أحلامهم، وعلى الجانب الآخر قد تكون الصدمة حدث سلبي لأولئك الذين لا يرغبون في التغيير, فهم في هذه الحالة في وضع جديد لا يتوافقون معه إذن فنحن أمام صدمة نجاح لفريق من الشعب المصري وصدمة فشل لفريق آخر, وبالتالي نتوقع أن الفريقين يمران بحالة استثنائية من الاهتزاز وعدم القدرة على الاستيعاب.

الخوف:

وهو شعور يتبدى بأشكال مختلفة لدى الشرائح المختلفة للشعب والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاث:

(1) المشاركون في الثورة:

وهؤلاء ينتابهم خوف على مصير الثورة وعلى نجاحها, ويتوجسون من محاولات إجهاضها أو الالتفاف عليها أو تفريغها من مضمونها.

(2) الصامتون:

وهؤلاء نسبة كبيرة في الشعب المصري, وهم معنيون بلقمة العيش والشعور بالأمن, ولذلك فهم يعيشون حالة خوف مما يحدث من تقلبات وتغيرات وانشقاقات وتهديدات على المستوى السياسي والأمني والاجتماعي, وهم مرعوبون من غياب الأمن وتهديدات اللصوص والبلطجية ويخشون تهديد معاشهم, ويمنعون أبناءهم وبناتهم من الذهاب للمدارس خشية اختطافهم أو الاعتداء عليهم ويتعزز الخوف لدى هؤلاء بحقيقة غياب الدور الأمني للشرطة بشكل كلي أو جزئي, فما زالت الدلائل تشير إلى ضعف الأداء الأمني وإلى توحش بعض فئات الشعب ممن استغلوا هذا الغياب وانقضوا على كل ما يمكنهم الانقضاض عليه, ولا يجد الناس من يستنجدون به في مثل هذه الظروف.

(3) المناهضون:

وهؤلاء لديهم مخاوف من نجاح الثورة وضياع مكاسبهم التي عاشوا عليها مع النظام السابق, والأخطر من ذلك أنهم يخشون الملاحقة القانونية والغضب الشعبي جراء ما اقترفوه من جرائم ومخالفات إبان حكم نظام مبارك والحزب الوطني الفاسد، وهؤلاء المناهضون يعرفون أن لديهم تاريخا مسجلا بالصوت والصورة يمكن لأي شخص أن يشاهده على الإنترنت وأن محاولات تغيير الأقنعة لديهم ستكون مفضوحة ومشينة ولذلك فهم في موقف صعب للغاية

ويزيد من حالة الخوف التضخيم الإعلامي للأشباح والفزاعات مثل فلول الحزب الوطني والسلفيين والإخوان المسلمين والجهاديين العائدين من الخارج والخارجين من السجون .. كل هذا يشكل هاجسا مؤرقا لكثير من الناس خاصة من يرفضون هذه الفئات ويخافونها، والخوف ليس فقط مدعوما إعلاميا ولكنه مدعوم خارجيا من بعض القوى التي تتخوف من سيطرة تيارات بعينها على مقاليد السلطة في مصر. والخوف ليس بالضرورة أن يكون متعلقا بأسباب نوعية لدى الناس بعد الثورة, إذ التغيير نفسه يعتبر مصدرا للخوف لدى البشر حتى ولو كان التغيير إيجابيا, فالناس جبلوا على الطمأنينة لما هو سائد والخوف من المجهول.

وعلى الرغم من مشاعر الخوف السائدة وحالة إنعدام الأمن إلا أنه من الناحية الأخرى تم كسر حاجز الخوف, واكتسب الناس جرأة غير معتادة تبدت في الكثير من الاحتجاجات والاعتراضات التي بدأ فيها صوت الشعب عاليا وربما صاخبا أكثر من اللازم.

صورة الذات:

من المؤكد أن هناك تغيرا إيجابيا في صورة الذات لدى المصريين بحيث أصبح المصري يشعر بقدرته على إحداث التغيير ويشعر بالفخر والاعتزاز أنه أنجز ثورة سلمية رائعة بهرت العالم كله, وأنه أسقط نظاما دكتاتوريا مستبدا في فترة وجيزة، والنقلة في صورة الذات واضحة جدا خاصة إذا وضعنا في الاعتبار الصورة السلبية التي كانت سائدة قبل الثورة وكانت مليئة بمشاعر الدونية والإحساس بالهوان والضعف وقلة الحيلة والمذلة والخضوع لدرجة جعلت المصريين يكرهون أنفسهم ويكرهون بعضهم بل وربما يكرهون مصريتهم ويشكلون أحلامهم خارج حدود الوطن.

الانتماء:

على الرغم من التدهور الشديد فى هذه القيمة لدى المصريين قبل الثورة وخاصة لدى الشباب, فإن حالة الانتماء تحسنت كثيرا بعد الثورة في نظر الكثيرين من المراقبين, ويعكس هذا رفع الأعلام المصرية بكثافة عالية في المظاهرات والمسيرات, وترديد شعار “ارفع رأسك أنت مصري”, واهتمام الشباب بنظافة الشوارع وتجميلها, والمطالبة باسترداد المال العام والمحافظة عليه، لقد شعر الناس أن بلدهم كانت مخطوفة وعادت إليهم, واختفت عبارة “دي بلدهم مش بلدنا”, وعاد الشعور بملكية الوطن والرغبة في رفعته.

التعصب:

على الرغم من تنامي نزعات التعصب والطائفية قبل الثورة ووجود أحداث مؤسفة تتصل بهذا الأمر إلا أنه في أثناء الثورة وفي ميدان التحرير على وجه الخصوص ذابت هذه العصبيات والنزعات الطائفية ورأى الجميع هذه الحالة من التآلف بين التيارات المتصارعة, وظهر كيان وطني موحد ومتوجه نحو الهدف الأسمى وهو تخليص مصر من النظام الفاسد وإعادة بنائها بشكل صحيح ولكن للأسف لم تستمر هذه الحالة لوقت طويل بعد سقوط رأس النظام, وإنما ظهرت بعض الأحداث الطائفية التي هددت الثورة, وظهرت الدعوات الدينية من تيارات مختلفة مما كرس الكثير من المخاوف من عودة الانقسامات الفكرية والدينية والطائفية بدرجة تهدد استقرار الوطن وتهدد مكاسب الثورة, خاصة أنه حتى الآن لم تتشكل المنظومات السياسية التي تستوعب الاختلافات الطبيعية في البشر بشكل آمن

الإحباط:

ربما زال قليلا بعد نجاح الثورة في زحزحة الدكتاتور وبعض أركان حكمه, إلا أن الناس شعرت بأن أشياء كثيرة ما زالت تستحق التغيير, ولكن السلطة القائمة لا تحقق طموحات الناس في هذا التغيير ولا تواكب الإيقاع الثوري السريع، وتتسم السياسة الحالية بعد الثورة بالاكتفاء بردود الأفعال المتأخرة, وهذا ما يجعل الناس يشعرون بالحاجة إلى الضغط المستمر والاستنفار الدائم للحفاظ على الثورة ولتحقيق أهدافها، إضافة إلى ذلك فإن هذه هي أول ثورة تقوم بهذا الحجم ولا تحكم بنفسها وإنما تحكم من خلال وكيل عنها, وعلى الرغم من الموقف العظيم للجيش المصري في الثورة وأنه حماها بكل معنى الكلمة, إلا أن توقعات الناس تتجاوز كثيرا ما يقدمه المجلس الأعلى للقوات المسلحة لهم, وهذه من طبيعة الثورات والتي تختلف عن طبيعة القائد العسكري الذي يعمل ألف حساب لحركته. وإذا إستمرت حالة الإحباط هذه فإنها قد تؤدي إلى درجة من درجات اليأس التي تزرع من جديد في نفوس الناس وتختلف درجة الإحباط من فئة لأخرى، حسب رؤية كل فئة لمتطلباتها وطموحاتها ومدى تحقق تلك المتطلبات والطموحات, ولهذا يجب أن نفرق بين أولئك الذين كانوا في ميدان التحرير والمظاهرات من جانب وبين أولئك الذين ظلوا في بيوتهم من جانب آخر، والإحباط يتطور لدى بعض قطاعات الشعب في صورة حالة من الحزن والأسى, ويتطور لدى البعض الآخر في صورة غضب واحتجاج.

التوحش الشعبي:

وهو يظهر كرد فعل للقمع الطويل السابق للثورة, وللمزاج الثوري الفائر, وللتوقعات العالية في مجالات كثيرة وللاحباطات المتراكمة قبل وبعد الثورة، وهذه الحالة من التوحش تظهر في صورة احتجاجات فئوية صاخبة ومتجاوزة للحدود أحيانا, أو في صورة قطع الطرق وتهديد الناس أو في صورة أعمال عنف وبلطجة أو في صورة إعتداء على مسئولين أو في أحداث شغب طائفية أو في استعراض القوة لبعض التيارات والفئات والأشخاص، وهذه الحالة من التوحش الشعبي يخشى في حالة استمرارها أن تؤدي إلى فوضى هائلة نتيجة سقوط كل معايير القانون والأدب والاحترام, وتحطيم كل الثوابت الاجتماعية بدعوى الثورة والتغيير وتنامي ظواهر الاختلاف في المجتمع الأوسع وداخل الأسرة, وهذه وإن كانت مسألة طبيعية في حياة البشر إلا أن سخونتها وارتفاع صوتها في المجتمع المصري بعد الثورة مع غياب آليات لتنظيم الإختلاف ربما تؤدي إلى حالة من التصارع الخطر لو لم يتم ترشيدها وتوجيهها الوجهة الصحيحة, فعلى الرغم من كون الاختلاف ظاهرة إيجابية حين يكون اختلاف تنوع إلا أنه يصبح ظاهرة سلبية حين يكون اختلاف تضاد وصراع.

الشك والتخوين:

وقد بدا هذا مركزا حول رموز النظام السابق لما ارتكبوه من أعمال فساد وإفساد على مدى سنوات طويلة, إلا أن الأمر الآن أصبح يتجاوز هذه الدائرة ويتسع يوما بعد يوم ليشمل كل من بيننا وبينه خصومة شخصية أو اختلاف في الرؤية، ومن هنا أصبح كل شخص معرضا للتشكيك في وطنيته وانتمائه, ولا يعدم أحد تسجيلا صوتيا أو مرئيا يثبت به أن شخصا بعينه كان معاديا للثورة أو كان من رموز الفساد, أو هو ينتمي إلى فلول الحزب الوطني, أو كان متعاونا مع جهاز أمن الدولة, أو تربح من الفساد. وقد أحدث هذا حالة من العداء المتبادل الذي يهدد استقرار المجتمع وأثر كثيرا على سير الحياة الطبيعية وجعل الكثيرين من رجال الأعمال ينكمشون ويخافون المساءلة بحق أو بغير حق, خاصة مع تلاحق البلاغات للنائب العام من كل حدب وصوب وانتشرت القوائم السوداء ضد كل من أدلى برأي أو بتصريح يظن أنه معاديا للثورة أو مناهضا لها, واختلط الأمر بين العداء الحقيقي للثورة والتآمر ضدها, وبين اختلاف الآراء حولها، وقد ساد شعور عام بأن الكثيرين فاسدون ومتآمرون ومناهضون, وهذا يزيد من حالة الشك والتوجس وانعدام الثقة وفقدان الأمان

ضعف التربية السياسية:

تعود الناس لعقود طويلة أنهم مهمشون, وأن السياسة يختص بها قلة من الناس في قمة السلطة وعلى رؤوس الأحزاب, وأن السياسة هي نشاط نخبوي بالضرورة, وأن ممارستها دائما محفوفة بالمخاطر, وأن الانتخابات شكلية ويتم تزويرها, وأن إرادة الشعب لا وجود لها ولا تأثير، لذلك حين تغيرت الأحوال ظهرت الضرورة للكثير من التربية السياسية التي تعلي من إرادة الشعب, وتجعل صندوق الانتخابات هو الوسيلة المقبولة للتغيير, وتجعل الناس يعرفون كيف يقولون نعم أو لا في الانتخابات والاستفتاءات المختلفة, وأن لا يقعوا تحت تأثير محاولات الاستهواء والاستلاب, وأن يتكون لديهم عقل نقدي يزن الأشخاص والبرامج الانتخابية, ويعرف معاني الحرية والعدل والمساواة والمواطنة والديمقراطية.

العلاقة بالسلطة:

قبل الثورة كانت العلاقة قائمة على ما تمن به السلطة على الشعب من إصلاحات، فكانت النتيجة بعد المواطن عن ممارسة أو المشاركة فى العمل السياسى، ولكن تشهد العلاقة بالسلطة بعد الثورة بعض التناقضات المنطقية والوجدانية , فالناس يشعرون بالإمتنان الشديد للجيش الذي حمى ثورتهم وأمن وجودهم وحافظ على أرواحهم ودمائهم في وقت كانت تتهددهم مخاطر جمة خاصة وأن الشرطة أخذت موقفا معاديا أو متخاذلا وأحيانا متآمرا، ومع هذا الشعور الرائع تجاه الجيش نجد بعض المشاعر الأخرى التي ربما تستعجل الخطوات, وتستعجل تحقيق الأهداف ومحاسبة المخطئين والفاسدين من أركان النظام السابق, وقد تنطلق بعض الأصوات إلى ما هو أبعد من استعجال الخطوات والبعض الآخر يطالب بتسليم السلطة إلى هيئة مدنية لتجنب دخول الجيش في مجادلات وصراعات الحياة السياسية اليومية ولكي يبقى الجيش في منزلته الرفيعة درعا للوطن. هذه التناقضات في العلاقة ظهرت بوضوح في الفترة الأخيرة, وأدت إلى ردود فعل متوترة أحيانا على الجانبين, خاصة فيم يتعلق بمسألة الدستور ومحاسبة مبارك وكبار مساعديه

ثانيا : رؤية الآخر للعقلية المصرية قبل الثورة (هل فهمنا الآخر؟):

يرى الآخر أن المصرى يولد منذ طفولته وهو يحمل عدة صفات من بينها “الاستهانة بالمجتمع” و”اللذة الفورية”، دون الاهتمام بالمصلحة العامة، وهى الصفات التى تجعل الشخص يمكن أن يسرق ويقامر، بالإضافة إلى أن ميوله السياسية إما أن تكون للمحافظة أوأن تميل للتطرف دون وجود وسطية، ضاربا المثل بالشيوعيين فى السبعينيات “قلبوا متطرفين فى الوقت الحالى

أصل المرض هو أن الشخصية المصرية نفسها تتغير وتصبح أقل تسامحا وأكثر احتقانا، ويظهر ذلك عند أول خلاف بين الجيران أو فى العمل أو فى الشارع، فكل واحد متربص بالآخر، والأصوات ترتفع عند أول نقاش والعنف اللفظى والبدنى هو الغالب على الخلاف الهادئ الحضارى والسلاح جاهز والجريمة واردة فى كل لحظة.

• المصريون يرفضون فكرة الصدام مع الحكام، والمعروف تاريخيا أن معظم قيادات مصر إن لم نقل جميعها هي قيادات وافدة عليها من الخارج والغريب أنها تتفاعل مع هذه القيادات ويتعايش معها المصريون وكأن حكم بلادهم أمر لا يعنيهم، فما يعنيهم فقط هو الرزق وما دام هو في متسع فليست هناك مشاكل، والسادات حين قرر الإعتراف بإسرائيل ربط خطوته هذه بقضية الرزق وأعلن أمام الشعب أن الصلح مع إسرائيل سوف يحقق الرخاء للبلاد وكان هذا هو الدافع الكبير الذي دفع بالمصريين إلى التحالف معه في هذا الموقف ومباركته.

• سوء فهم التقدم و التخلف حين يحصرهما في الوسائل التكنولوجية و الموضة، وأن التقدم يقاس كما أن التبعية الفكرية نوع من الأسر الخفي .

• الخضوع وخاصة عند الفلاح المصري، فيرى الغرب أن هذه العادة متأصلة فيه بعمق حتى “أنه يفضل أن يموت على أن يتمرد ويثور” حيث أن مئات من سنوات القمع و الكبت و المعاناة قد جعلته شكاكا للغاية وهو يمارس الظلم والطغيان في غير رحمة على أولئك الذين يقلون عنه فى الوضع الاجتماعي، وهو متكبر ومتغطرس على أولئك الذين يساوونه في المركز الاجتماعي بينما يكون خاضعا لأولئك الذين يفوقونه في المركز الاجتماعي بل و يمتهن نفسه إلى حد الإذلال و الاهانة “.

ثالثا : رؤية الآخر لنا بعد الثورة (هل أصبحنا نموذجا؟) :

أثبتت الثورة للآخر أن الشاب المصرى ثائر وغير خاضع، مقاوم، وإن كان قد يبدو أنه متواكل صبور، فلا يمكن استيعاب المصري فى جماعة إستبدادية سواء فى الأكل أو الملبس أو غيره، وأصبح صاحب مبادرة

الشباب الثورى لا يقبل المهادنة ويطالب بإزالة عهود الاستبداد والاستغلال كما يطالب بالتغيير الجذرى إلى الأفضل من قبل الأقدر على تكوين مستقبلهم وفتح آفاق رحبة لامتصاص البطالة والقضاء على الفقر، والاستغلال الأمثل لمقدرات البلاد وإطلاق الطاقات وروح التنافس والإبداع، وجعل التعددية السياسية والحزبية مبنية على أسس ديمقراطية فيها الحقوق والحريات مكفولة، والتداول السلمى للسلطة يمارس عملياً كل ذلك أراده الشباب لأنفسهم بعد أن عجز الآباء عن التعامل مع الفئة الشبابية وتركها على قارعة الطريق تعانى من التهميش والإقصاء والإلغاء، وتعانى من سوء الحال والنكد اليومى الذى يطالها بقسوة ولا تجد له حلاً.

على هذا الأساس، فإن الشباب أصروا على تحقيق التغيير وجعلوه واقعاً، وأصبح لا مناص للتغيير والوصول إلى الديمقراطية نتيجة إلى التحرك العالمى السريع بشكل متدفق الذى لم يستوعبها، السياسيون التقليديون ولكنه واضح وملائم أكثر لروح الشباب الذين هم على دراية وعلم بكل ما يحدث حولنا من العالم، فلم يعد هناك ما يمكن التعتيم عليه، كما أن انتشار المدونين والمدونات بين الشباب، جعل منهم كتلة رأى متحركة وأصبحوا قادرين على التعبير عن رأيهم دون خوف أو قلق.

كان يرى الآخر أيضاً قبل ثورة 25 يناير أن المصريين غير منظمين ولا يتقنون مهارات العمل الجماعى، إلا أن الثورة والاستفتاء على التعديلات الدستورية نفيا ذلك بشكل قاطع، حيث وقف المصريون فى طوابير طويلة بشكل منظم وحضاري، كما شهد ميدان التحرير أثناء الثورة تظاهرات مليونية واعتصامات استمرت 18 يوماً، إضافة إلى اللجان الشعبية التى تم تشكيلها لحماية الأحياء، ولا يمكن لذلك أن يتم دون قدر كبير من العمل الجماعى.

أنه لسنوات ظل البعض يردد على مسامعنا أن المصريين ميالون إلى العنف خاصة الطائفى، ويوردون أمثلة لوقائع حدثت تؤكد ما يطلقونه، كما كان يغذى ذلك إسدال ستار من الغموض على الكثير من التفاصيل، إلا أن ثورة 25 يناير جاءت لتنفى ما كان يتردد؛ حيث لم تتعرض كنيسة أو معبد يهودى لاعتداء طوال فترة الغياب الأمنى، منوّها إلى أن المعبد اليهودى فى شارع عدلى وسط القاهرة يقع فى مسار المظاهرات، وهو واضح وعليه نجمة داوود، إلا أنه لم يحدث أى اعتداء عليه رغم الغياب الأمنى، فى الوقت الذى أحرقت فيه مؤسسات رسمية

ويرى الآخر أيضا أن الاستفتاء على التعديلات الدستورية أثبت زيف الإدعاء بأن المصريين لا يقبلون على المشاركة السياسية، وأن أقصى ما يريدونه هو حاكم فرعون يكون عادلا إلى حد ما، مرجعاً حالة “الخمول” السياسى سابقا إلى أنه لم يكن يشعر أحد بأن صوته له قيمة، مشدداً على أن نسبة الـ41% الخاصة بالمشاركة فى الاستفتاء تعد مرتفعة، خاصة إذا تم الوضع فى الاعتبار أن أكثر من 10 ملايين مصرى فى الخارج كانوا مجبرين على عدم المشاركة. ومن وجهات نظر الآخر فى العقلية المصرية والسلوك المصرى بعد الثورة نجد أن السفير الألماني في القاهرة وصف الثورة المصرية بالثورة الديمقراطية وقال “نشارك الشعب المصرى ذات الشعور، وننظر للشعب المصرى بإكبار، ونود فى هذا السياق أيضاً تقديم دعمنا، حتى تتوج هذه الثورة الديمقراطية بالنجاح الحقيقى لكل أفراد شعب مصر”ومن هنا جاءت ردود الفعل الرسمية والتعليقات الصحفية على ثورة يناير ايجابية للغاية، ووصفت المصريين بالعـــديد من السمات الرائعة. فى الإطار ذاته كشف إستطلاع أمريكى حديث للرأى أن الثورات الشعبية التى انطلقت فى عدد كبير من دول العالم العربى مثل مصر وتونس وليبيا أسهمت بشكل كبير فى تحسين صورة العرب لدى الرأى العام الأمريكى خاصة صورة المصريين. وأكدت نتائج الاستطلاع – التى أجرته منظمة (بروجرام أون إنترناشونال بوليسى إتيتيودز) الأمريكية ونشرته على شبكة الإنترنت وجود تغير إيجابى ملحوظ فى وجهات نظر الكثير من أفراد الشعب الأمريكى حيث ينظر حوالى 70% منهم بإيجابية للشعب المصرى بوجه خاص و56% للشعوب العربية بوجه عام. وأشار الاستطلاع إلى أن 60% من الأمريكيين دعموا هذه الحركات الثورية للمطالبة بالديموقراطية والحقوق الاجتماعية بالرغم من أن هذه الدول قد تكون فى المستقبل معارضة للمصالح الأمريكية ولكن هذا لا يمنع أن تتمتع جميع دول العالم العربى بحرية التعبير عن الرأى. وأكد أن هذه الانقلابات والثورات أثارت مشاعر الكثير من الشعب الأمريكى فأصبح 39% منهم أكثر تعاطفا مع الشعوب العربية فيما عبر 6% فقط منهم عن إحساسهم بعدم مصداقية تلك الثورات التى اندلعت مؤخرا. أما وجهة نظر شعوب دول حوض النيل والشعوب الأفريقية عامة فنجد أن جميع العواصم الأفريقية قد إنشغلت بالتعليق والتحليل لحدث الثورة المصرية, من رؤساء دول وحكومات إلى كُتاب وصحف وهيئات ثقافية. فى أفريقيا تفجر الحدث المصرى والتونسى فى أروقة جديدة فى أنحاء القارة والعالم, بدءا من المنتدى الاجتماعى العالمى فى داكارالذى حضره ممثلون لقوى شعبية من أكثر من مائة دولة متصدين لأساليب الهيمنة التى يفرضها منتدى “دافوس”للرأسمالية العالمية, ومرورا بالقمةالأفريقية فى أديس أبابا حيث كان موعد انعقاد منتدى ” الحكام” أو ما أسماه البعض ” نادى المستبدين” الذين تزايد قلقهم على مواقعهم بعد ثورة مصر, ولم يسعفهم هذا القلق بأى تعبير – حتى أضطرت مفوضية الاتحاد الأفريقي للإعراب عن قلقهم من” العنف فى ليبيا ” بعد أيام من وقوع الثورة هناك أيضا وقبل ذلك وبعده صدرت مئات التعليقات والكتابات عن نمــوذج مصر وأفريقيا هذا الاكتشاف المتبادل بين الثورة المصرية والقوى المختلفة فى القارة, صدرت عنه أولى التعبيرات فى شعارات مثل : “نحن نستطيع أيضا” أو تساؤل البعض ” عما إذا كان ذلك ممكنا عندنا ؟” ونعرف أن شعار ” نحن نستطيع” كان شائعا فى أفريقيا منذ اتخذه المرشح “باراك أوباما” للتلويح بإمكانية الوصول لرئاسة الولايات المتحدة! وما زال ” اللوبى الأسود ” فى أمريكا يردده, وهو اللوبى ذو التأثير الواسع فى أفريقيا ورغم حملة هذا “اللوبى” على العرب من قبل بسبب” الموقف من دارفور” فإن صحفه ومواقعه الإلكترونية هى التى تقود موجة التساؤل الإيجابى الآن عن” أفريقية” مصر, ودور شبابها فى طرح عملية التغيير التى ستطاول أفريقيا بالتأكيد.  وقد وقعت أحداث الثورة المصرية فى وقت احتاجت بعض القوى المتحركة فى القارة لدفع وضعها هنا وهنالك, كانت الانتخابات فى أوغندا، تعانى قهر الحكم واجراءاته, فدعت المعارضة لثورة مماثلة لما حدث فى مصر, وليعلق الرئيس موسيفينى بأنه سيواجهها بالعنف لأن الأسلوب المصرى ليس له مجال فى أوغندا ومثل ذلك وقع فى زيمبابوى وقريب منه فى نيجيريا والسنغال وكينيا فى تصريحات متبادلة بين الحكم والمعارضة وكأن “الحدث المصرى” على حدودهم المباشرة, وهو كذلك بالفعل بفضل وسائل الاتصال الحديثة، لم يكن الرئيس الأوغندى وحده فى التعبير عن هذا القلق من تصريحات المعارضة تجاهه, كذلك كان الموقف فى زيمبابوى من قبل الرئيس موجابى (وليس صدفة ما قرأناه عن إرسال قواته إلى القذافى ضد الثورة عليه فى ليبيا) بينما راح نائب الرئيس الغانى يكتب عن “الدرس المصرى للحكام الأفارقة”, بحكم أنه جاء بعملية إنتخابية فى ظروف ديمقراطية فى غانا إلى حد كبير، أما الرئيس الأثيوبى الذي خشي من آثار الثورة المصرية فقد توقع من آثارها فقط أن تصيغ مصر موقفا جديدا فى خلافها حول إتفاقيات مياه النيل، وكتب أساتذة من السنغال عن محاولتهم المبكرة لتأسيس حركة على نمط “كفاية” المصرية وإن لم تساعدها ظروف سابقة ولكنها جاهزة الآن.  فى إطار آخر إنطلقت التحليلات الصحفية والمقالات عن مدى إمكانية تحقيق نموذج الثورة المصرية فى البلدان الأفريقية, بعضها جاء كما قلنا من مواقع “اللوبى الأسود” الأمريكى الذى قارن بين حتمية عولمة “النموذج الشعبى” المصرى أو التونسى, وبين ما رآه من ” طابعه العربى البربرى ” فى الشمال الأفريقى وإمتد الأثر حتى جنوب أفريقيا, فراح كتاب اليسار هناك يعتبرونه تكرارا للثورة على نموذج “الابارتهيد” ” فى جنوب أفريقيا, حيث قادت الرأسمالية المصرية الوضع فى مصر إلى مثل أوضاع ” الأبارتهيد” والبانتوستان فى جنوب أفريقيا! وراح كتّاب فى نيجيريا وكينيا, يبدون تأملهم للأوضاع الاجتماعية التى تختلف فى مصر عنها فى بلادهم,ففى مصر نوع من الوحدة الاجتماعية لاتعرف التفتت القبلى والعرقى على نحو ما تشهده بلادهم من تنوع وتناحر, وعبر كاتب نيجيرى عن مدى صعوبة لقاء مثل هذه الملايين فى مدينة نيجيرية “على نحو ما التقت فى أم الدنيا ” على حد تعبيره بل وراح البعض يأمل أن يتكرر موقف القوات المسلحة فى بلادهم على نحو ما حدث فى مصر, وإشتكى البعض من قلة حيلة ” الفيسبوك ” فى بلادهم بسبب النظم القائمة هناك, بل وحذر البعض من اختطاف الولايات المتحدة للثورة بوقوفها المعتدل فى نظر البعض, وتعمق آخرون فى التحليل الاجتماعى فتحدث عن أثر “التدين المصرى” فى التسليم للحكم المستبد لفترة طالت, ولكن ها هى الجماهير المصرية تفرض تطورا جديدا فى هذا الجــــانب من حياتها.

رابعا : الثورة ودول حوض النيل :

إن ثورة 25 يناير تتحرك بقوتها الناعمة وجاذبيتها العالمية فى القارة السمراء وبقلب مفتوح مع كل شعوب أفريقيا لمصالحة الجميع وكل الأفارقة كما يتجلى فى زيارة وفد الدبلوماسية الشعبية المصرية لإثيوبيا وفى وقت باتت فيه “القوة الناعمة” موضع إهتمام بالغ فى العلاقات الدولية والدراسات السياسية والاستراتيجية.

إن مصر بعد ثورة 25 يناير باتت أكثر جاذبية فى الشارع الأثيوبى فى ظل أهمية التعامل مع المتغيرات الناجمة عن هذه الثورة الشعبية كما أن هناك تزايدا مطردا فى الاستثمارات المصرية فى إثيوبيا حيث أن هذه الاستثمارات قدرت فى شهر أكتوبر الماضى بمليارى دولار أمريكى وتتركز فى مجال البنية الأساسية من كهرباء وطرق وشبكات مياه الشرب والصرف الصحى.

إن القراءة الواعية لتاريخ مصر تقول بوضوح أن أى حاكم يهمل فى الحفاظ على مياه النيل يفقد شرعيته السياسية فى إدراك الشعب المصرى وإن المواجهة التى تخوضها مصر لتأمين حقوقها المائية التاريخية تتطلب أن يدير هذه المواجهة أصحاب الرؤى، فالمواجهة الدائرة حول مياه النيل ليست بعيدة عن الجدل المحتدم بشأن قضايا البيئة والمناخ والدعوات المشبوهة التى يطلقها البعض مؤكدة على الحاجة الماسة “لهندسة جغرافية جديدة “ومن هنا نجد أن الدبلوماسية المصرية بعد مرور مائة يوم على ثورة 25 يناير نجحت في تحقيق العديد من الانجازات التي لم نكن نتوقع أن تتم في هذا الوقت القياسي، فقد شهدت القاهرة توقيع اتفاق تاريخي للمصالحة الفلسطينية بين حركتي “حماس و”فتح” بعد انقسام دام أربعة أعوام, وبعد الكثير من التصريحات النارية لرئيس الوزراء الاثيوبي ميليس زيناوي ضد حقوق مصر في مياه نهر النيل, تغير الموقف تماما وتعهد بعدم اتخاذ أي إجراء من شانه أن يضر بمصر. ويرى مراقبون أن نظام حسني مبارك كان عقبة في طريق انجاز ملفات الدبلوماسية المصرية وإعادة مكانتها مرة أخرى.

الدبلوماسية الشعبية :

إنطلقت الدبلوماسية الشعبية المصرية بقوة خلال الفترة الماضية للبحث عن حل لأزمة دول حوض النيل، التى كانت قد تفاقمت كثيرا فى الآونة الأخيرة، خاصة بعد قيام أوغندا بالتوقيع على اتفاقية إطارية، رفضتها مصر والسودان، من شأنها أن تلحق ضررا جسيما بحقوقهما التاريخية فى مياه النهر، إذا قُدر لهذه الاتفاقية أن تدخل حيز التنفيذ بصيغتها الحالية حييث قام وفد من 35 شخصية مصرية، يضم ممثلين عن مختلف الأحزاب والقوى السياسية وشباب ثورة 25 يناير وشخصيات عامة، بزيارة لأوغندا وعاد منها إلى مصر متوجاً بإنجاز مهم، ألا وهو وعد من الرئيس الأوغندى يورى موسيفينى شخصيا بتجميد عملية التصديق على الاتفاقية الإطارية التى وقعت عليها حكومة بلاده رسميا لكنها لم تدخل حيز التنفيذ لأنها لم تُعرض بعد على البرلمان الأوغندى بل وقد ذهب الرئيس الأوغندى، فى معرض تأكيده على حسن النوايا، إلى حد التأكيد على أنه سيسعى جاهدا إلى إستصدار قرار جماعى من قادة دول حوض النيل لوقف تنفيذ الإتفاقية الإطارية، مؤكدا أهمية أن تكون مصر شريكة فى أى اتفاق يتعلق بحوض نهر النيل. وبجانب أوغندا، قام وفد الدبلوماسية الشعبية بزيارة إلى كلا من السودان واثيوبيا. كان طريق الدبلوماسية الشعبية إلى أفريقيا ممهداً بتاريخ مجيد وبحاضر مشرق، أما التاريخ المجيد فهو سياسة مصرية حاضنة لكل حركات التحرر الأفريقى، كان جمال عبدالناصر قد صاغها فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى، وظلت رغم رحيله منذ أكثر من أربعين عاما حاضرة بقوة فى ذاكرة زعماء وشعوب أفريقيا. وأما الحاضر فصنعته ثورة 25 يناير الموحدة لكل أطياف الشعب المصرى والملهمة لكل شعوب العالم، ومنها الشعوب الأفريقية، والعاكسة لأصالة شعب مصر وعراقة حضارته والواقع أنه ما كان لوفد الدبلوماسية الشعبية أن يستقبل أصلا بهذه الحفاوة، فى ظل التوتر الحالى للعلاقات مع دول حوض النيل، لولا توافر هذين العاملين اللذين لعبا دورا مهما فى تجاوز أخطاء وخطايا الرئيس المخلوع، والتمهيد لصفحة جديدة فى العلاقات بقلب مفتوح وبحسن نية. غير أن الإنصاف يقتضى فى الوقت نفسه أن نعترف بحقيقة مهمة أخرى وهى أن وفد الدبلوماسية الشعبية مارس الدور المطلوب بكل كفاءة وحرفية حيث أن الجميع عمل بروح الفريق، وأن الإعداد الذى سبق الزيارة كان جيدا ودؤوبا، وأن الجهود تكاملت لتصب كلها فى إتجاه واحد وهو تجسيد الوطنية المصرية فى أروع صورها ومعانيها. ولأن روح مصر الثورة كانت حاضرة فى هذين الوفدين من وفود الدبلوماسية الشعبية، اللذين ضما مسلمين ومسيحيين، شباناً ومخضرمين، سياسيين ومهنيين، وكأننا بالضبط فى ميدان التحرير، فقد كان من الطبيعى أن يصنعا ما يشبه المعجزة. ومن هنا سجلت الدبلومسية المصرية خطوات ملموسة فى ملف شائك ومهم على كافة الأصعدة الاقتصادية والسياسية بل هو فى صميم الأمن القومى، ألا وهو استعادة الدور المصرى فى القارة الأفريقية الذى يبدأ من إقامة علاقات استراتيجية مع دول حوض النيل، ولاشك أن جانب من هذه الخطوات يعود إلى الأولوية التى تعاملت بها مع هذا الملف، انطلاقا من شرعية جديدة كان لثورة 25 يناير الفضل فيها بعد أن نالت إعجاب دول العالم، واللافت فى هذا الصدد هو الاستفادة من الدبلوماسية الشعبية لتمهد الطريق بل وتتكامل مع الدبلوماسية الرسمية فى تجسيير وردم الهوة التى أوجدها النظام السابق فى العلاقات مع هذه الدول، لتستعيد مصر موقعها الطبيعى بين دول قارتها الأفريقية وبين دول حوض النيل الذى يربطهم معا شريان الحياة ومن حسن الحظ أن هناك شيئا ايجابيا يمكن البناء عليه فى دفع العلاقات إلى آفاق رحبة مع هذه الدول، يتمثل فى الاستثمارات المصرية فى دول حوض النيل والتى هى أحد الآليات الأساسية لإقامة علاقات متينة مبنية على المصالح المشتركة، فقد شهدت هذه الاستثمارات نموا كبيرا خلال العامين الماضيين، لتسجل الآن مايزيد على 5 مليارات دولار، وإن تركز نحو ثلثيها فى السودان حيث بلغت الاستثمارات المصرية في السودان3.5 مليار دولار خلال العامين الأخيرين لتحتل بذلك المرتبة الخامسة بين دول العالم والمرتبة الثالثة بين الدول العربية، وذلك وفقا لبيانات وزارة التخطيط والتعاون الدولى، فى حين تستحوذ اثيوبيا على ما يزيد على مليار دولار والبقية موزعة على اوغندا يليها كينيا ورواندا، كما أن معظم هذه الاستثمارات تتركز فى القطاع الزراعى والانتاج الحيوانى، إلى جانب الصناعة، وهو أمر بالغ الأهمية أيضا لتحقيق المصالح المشتركة حيث تستورد مصر نحو50% من احتياجاتها من الغذاء، ولا شك أن هذا الانتاج سيؤمن جانبا هاما من المواد الغذائية، وربما كانت الدوافع الاقتصادية وحدها صاحبة الفضل فى اتجاه القطاع الخاص المصرى للاستثمار بهذه الأسواق نظرا لارتفاع عائد الاستثمار، وهو مايؤكده استطلاع آراء بعض هؤلاء المستثمرين الأعضاء بجمعية رجال الأعمال المصريين التى قامت بدور مهم فى تنمية هذه الاستثمارات، الى جانب الشركة التى أسستها البنوك العامة الثلاثة لتمويل المشروعات الاستثمارية المصرية فى هذه الدول. ومما يدعو الى التفاؤل أن هذه الاستثمارات مرشحة للزيادة، خلال السنوات المقبلة بعد أن يسترد الاقتصاد المصرى عافيته وكذلك فى ضوء الفرص الواعدة فى القطاع الزراعي وكذلك الانتاج الحيواني الذى يستوعب الاستثمارات المصرية ويحقق المصالح المشتركة ويضمن عوائد جيدة وآمنة إلي حد كبير علي هذه الاستثمارات والتى تزايدت بعد توفير منظومة متكاملة لاستمرار استيراد اللحوم من إثيوبيا.  إن من أسباب بقاء واستمرار الجماعات،وحفاظها على مكتسباتها،هو أن تتبنى دينامية الحركة وفهم الواقع ودراسة الماضي البعيد ،والقريب منه على وجه الخصوص،و استشراف المستقبل القريب،والبعيد تحديدا،وطرح المتغيرات على طاولة النقاش الصريح من اجل تبني سلوكيات تتوافق وموقعها السياسي والجغرافي وحيثيات الوجود من حولها. كما انه لا يمكن إغفال دور رحابة الصدر في نشر الفكرة.فحينما يتكالب الأقربون على الجماعة لتعطيل مصالحها،وتصغير مكاسبها،ومنع استمرارها،فان الموقف الهجومي لن يزيد الوضع إلا تعقيدا،بل وسيعطي لأولئك المتربصين بالحركة الفرصة المناسبة للفت في عضدها ووقف استمرارها. وليس أدل على ما نطرح من سلوك حماس الأخير تجاه ما تفعله بعض الدول العربية من تنفيذ أجندات تخدم أولا و أخيرا مصالح الغرب وتحديدا الولايات المتحدة. فهي “رغم الحصار والدمار والتصفية الذي تتعرض له” تأخذ موقع المسامح بغير منة أو تفضل،بل وتكرر مرارا رغبتها في بناء جسور التعاون والاتصال والتفاهم مع هذه الدول.  ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدينامية في التعامل مع تفصيلات الواقع وتعقيداته،لهي الضمانة الأساس والحرز الحصين لبقائها فاعلة مؤثرة في الساحة العالمية”وليس فقط العربية منها”.وان هذا كله لهو نتاج التعاون والتعاضد غير المسبوق بين أفراد حماس كتلة حاكمة.ففي حين تجد في كثير من الدول العربية فردا واحدا متحكما متنفذا،تجد هنا جماعة مؤثرة متعاونة. فالفرد مهما كان له من القدرات والميزات و الخبرة،ومهما علا شأنه وارتفعت همته،و مهما زاد فكره ونفذت بصيرته،فانه يبقى فردا. لقد عادل رواد الإسلام السياسي مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” بمبدأ “الضرورات تبيح المحظورات” فولدو منه ميكيافلية إسلامية. إن كان مباحا لك أن تشرب الخمر إن لم تجد ماءا في الصحراء و لا إثم عليك ففي عصرنا الآن إن كان لديك حزب إسلامي ولم تجد مالا، يمكنك مد اليد إلى أكياس الدولار الأسود المفتوحة. و إن لم يكن فكرك مقنعا و شعبيتك كافية لنيل السلطة، يمكنك أن تشتري ذمم البسطاء المساكين وتستغل احتياجهم لتنال أصواتهم. إن كنت قياديا في حزب إسلام سياسي و منخرطوا  و أنصار الحزب منقسموا الفكر و الغايات، يمكنك إرضاء جميع أفكارهم وأحلامهم و لكن الطريقة الوحيدة لإرضاء كل الناس هي أن تقول لكل شخص أو مجموعة ما تريد أن تسمعه، فمثلا يمكنك أن تتحدث عن مبادئ الديمقراطية و تشدد على التزامك بها في اجتماع عام لجمهور يريد أن يكتشفك و في اجتماع خاص يمكنك أن تشفي شوق منخرطيك لخلافة راشدة سادسة، ولكن أحذر أن يصورك أحد الشباب فتبان مزدوج الخطاب و ضبابي المشروع فلا يفهمك الناس و لا يضع فيك ثقته عاقل. إن كنت قياديا أو خطيبا في حزب إسلامي يمكنك أن تخلط بين المفاهيم بطريقة غير مباشرة اعتمادا على تعابير ذات إحالة ضبابية كأن تردد مقولة ” الإسلام هو الحل ” و تصور دائما أن الحزب يمثل ” صوت الإسلام ” و تبدأ بعدها بتحذير مستمعيك أن دينهم في خطر من المنافسين السياسيين الآخرين إلى درجة شيطنتهم فيصبحون أعداءا له حتى وجبت مقاومتهم عبر إقصائهم بأي طريقة مهما كانت وإن وصلت إلى درجة التشويه و التكفير و التخوين. أنت بهذا الآن حامي حماة الدين و الوطن و لهم استعداد غير مسبوق لتصديقك. أنت صوت الإسلام و هو القادر بقداسته على كل شيء بل أنت القادر مع هذا الخلط أن توهمهم بأنك تستطيع أن توفر مئات الآلاف من مواطن الشغل في ظرف زمني قصير يتميز بأزمة اقتصادية و ركود. يمكنك إقناع جمهورك ببرنامج مبني على معطيات غير واضحة وإحصائيات غير دقيقة إن لم نقل مغلوطة. يمكنك أن تخلق لديهم قناعة مركبة من القداسة والحلم فيها اشفاء لمحنة الواقع الآني و إرضاء لتطلعات الغد. قناعة تجعلهم يدعمونك في المستقبل إن تحققت وعودك و يجارونك إن نجحت نسبيا و ينفضون من حولك إن لم يعادوك إن فشلت. هكذا تبرر ممارسات حركة الإسلام السياسي أتهامي لها باللاعقلانية و انتهاج الخطاب الديني الشعبوي، فهل تنجو بهذا الأسلوب من متغيرات العصر التي سيحدثها تقدم الزمن والأزمات القادمة ؟  الخطاب يعبر عن الفكر والفكر هو انعكاس للمادة. إذا كان واقعنا الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي يبرر نجاح الخطاب اللاعقلاني فتغير هذا الواقع يفرض ضرورة تغيير الخطاب.إذا استطعنا كأقطاب سياسية مختلفة و متقاربة القوى أن نصل إلى أتفاق ينهي حالة الصراع الراهن بيننا و نجسده في عقد يلتزم به كل طرف و ننتقل بهذا الالتزام من حالة الضرورة إلى مرحلة التبطن فيصبح أخلاقية عامة، وهذا لن يحصل إلا عبر المرور بمطبات و أزمات. إذا كانت الاديولوجيا تنبثق من الأزمة و تتطور خلال أطوارها، وإذا اعتبرنا أن ايديولوجيا معينة غير عقلانية و تعبيراتها الخطابية لا تتوجه إلى العقل فهي تتأثر بعمق بالأزمات فلا تعدل من نفسها و لكن تضطر إلى الهدم وإعادة بناء أسسها النظرية على أساس مطابق لموجبات الواقع. كلما تقدم الزمن يصبح التغيير أسرع و بوجود سبل متنوعة لتنقل المعلومات وتبادلها سيختصر شعبنا الكثير من الوقت والمسافات لإحداث أي تغيير على أكثر من مستوى. لا يمكن لحالة الصراع الداخلي أن تدوم فالفوضى ستكون عارمة إن تواصلت و لأن المنظومة القيمية لمجتمعنا مثالية في الأصل سيكون من الطبيعي أن نحتكم إليها كمرجع أول يسير عملية الحوار بين الأفراد بطريقة حضارية مع التفاعل مع الإحداث الجديدة التي يضيفها مناخ الحرية. هذا الحوار الحضاري، الذي يعكس في النهاية تطور الوعي الجمعي، سيكون الآلية التي تنظم العلاقة بين المواطن والدولة و المدني والسياسي عموما لتطوير ما يسمى بالوعي الديمقراطي و كنتيجة حصول تطور في هذا الوعي و ارتفاع الذكاء السياسي في الوسط الاجتماعي تحصيلا لبناء على أخطاء أهمها التطلّع المثالي الذي لا يقوم على معطيات قائمة في الواقع _ ستحكم العقلانية المادية العلاقات المختلفة بين مكونات المجتمع إن حالة الفوضى و تدني مستوى الوعي الجمعي والسياسي خاصة هما الأرضية الخصبة للخطاب اللاعقلاني و الشعبوية التي تعكس اديولوجية غير منسجمة و متماسكة توقع أصغر المطبات تأثيرا واضحا عليها.  من أدبيات الأحزاب التي تأتي في فترة الأزمة أنها تكون ثورية و تحمل تصورات اقتصادية و اجتماعية و سياسية و فكرية مختلفة عن تلك التي أدت إلى حدوث الأزمة. مع هذا تظل حركة الإسلام السياسي غرة في تعاملها اللاعقلاني مع أول أزمة تقف أمامها فتحافظ على نفس السياسات التي انتهجها النظام القديم ما عدى الجزئية أو المشكلة الوهم المتعلقة بدور المنقذ لهوية ودين حافظا على ثباتهما في أعتى الظروف و بخاصة الاستعمار و العولمة. ستكون لحظة الفشل دافعا للتغيير فإما إلى تطور أو إلى تنكر من نوع آخر، إما انتهاج حل ايديولوجي ثوري صادق يتحدى الواقع أو الانتهاء إلى الاستسلام ثانية و بطريقة مختلفة لواقعية النظام العالمي. المحاكاة والتقليد هما من سُنَن الحياة والتطور؛ وهما علاقة بين طرفين، أحدهما قوي متفوِّق والآخر ضعيف متخلِّف. الضعيف المتخلِّف يدرك الفرق، ويشعر به، ويعاني عواقبه وتبعاته؛ ولكنَّه ما أن يستصعب تضييقه على مستوى “المحتوى” و”المضمون”، أي في الجذور والأصول من هذا الفرق، حتى يندفع ويُفْرِط في محاكاة وتقليد الأسهل والأيسر، والذي في متناوله، وهو “الشكل” و”المظهر”، محاوِلاً إيهام نفسه، على استعصاء اقتناعه بجدوى هذه المحاولة، أنَّ التماثل في الشكل يلغي الفرق في المضمون. في عالمنا العربي، ليس لدينا ما لديهم من صحافة ومجالس نيابية وبرلمانات؛ وليس لدينا، بالتالي، شيئاً يُعْتَدُّ به من محتوى العلاقة بين الإعلام والبرلمان، فنأخذ بالخيار المتاح، وهو محاكاة وتقليد تلك العلاقة الحيوية والضرورية والمفيدة في أوجهها وجوانبها الشكلية، وتتبادل صحافتنا، بالتالي، مع برلماناتنا وبرلمانيينا الشجار والخصومة وما يشبه الحرب الباردة؛ أمَّا المجتمع، الذي نضج سياسياً بما يكفي لتحلِّيه بفضيلة اليأس، فيفضِّل أن ينأى بأسماعه وأبصاره عن كل هذا الذي فيه يختلفون و”يقتتلون”، وكأنَّه يريد أن يقول للسلطة الرابعة ولتلك التي ينبغي لها، بحسب فرضية دستورية لم تحظَ بعد بتأييد الواقع، أن تكون ممثِّلاً لذاك الذي يوصف بأنه “مَصْدَر السلطات جميعاً”، إلام الخلف بينكما إلام، وهذه الضجَّة الكبرى علام. صحافتنا تُجْرِم في حق الشعب، وتستهزئ بذكائه، وتُفْسِد وعيه، إنْ هي سعت في تصوير أعمال المجلس النيابي، وكلام النواب في اجتماعهم البرلماني، مع ما يتبادلون من خصومة، على أنَّها أمور وأشياء تستحق وتستأهل أن تُنْقَل بالصوت والصورة إلى “المشاهدين الكرام”، وكأنَّها تَفْهَم “صناعة الرأي العام” على أنَّها بَثٌّ لوهم أنَّ المتربِّعين على العروش النيابية يمثِّلون شعبهم (بدعوى أنَّهم أتوا إلى ما هم فيه من نعيم برلماني من طريق الانتخاب) ويحقُّ، بالتالي، لشعبهم عليهم أن يحيطوه علما، عبر الصحافة ووسائل الإعلام، بأخبارهم، وجليل أعمالهم، مع أوجه قصورهم وتقصيرهم، علماً أنَّ خير واهم خبر يمكن أن نسمع هو أن تقرِّر الصحافة حَجْب المجلس النيابي والنواب عن أسماع وأبصار المواطنين لانتفاء أهميته وأهميتهم؛ فمُدَّعو صفة تمثيل الشعب لم يتكلَّموا حتى الآن، وعلى كثرة كلامهم، حتى نسمعهم! القناعة كنز لا يفنى؛ ولكنها ليست بالكنز إذا ما كان معناها أن نَقْنَع بما لدينا من نواب، ومن مجلسٍ يجمعهم على كل ما فيه خير لهم، وضرر للأمة، فانتفاء وجود شيءٍ ما قد يكون خيراً من وجوده؛ ولا ريب في أنَّ هذا يَصُح أكثر ما يَصُح على مجالسنا النيابية، التي كلَّما سعت في إظهار وتأكيد وجودها، وأهميته وضرورته، عَظُم وقوي لدينا الشعور بأنَّنا لم نَعْرِف البرلمان والحياة البرلمانية بعد. وإيَّاكم أن تظنوا أنَّنا ننزع عن مجالسنا النيابية ونوابنا هالة القداسة لِنُحيط بها الشعب، فإنَّ قسماً كبيراً، إنْ لم يكن القسم الأكبر، من أبنائه الذين يحق لهم الاقتراع، هو الذي انتخب، وبصرف النظر عن الدوافع والحوافز والوسائل والأساليب، ممثليه البرلمانيين. وهؤلاء “الناخبون الأحرار” هم أنفسهم الذين يمكن أن يقولوا في “استطلاع للرأي” يجرى، ولو بعد ساعات من انتهاء الانتخابات البرلمانية وظهور النتائج، إنَّ المجلس النيابي لا يحظى بتأييدهم، وإنَّ النواب المنتخَبين ليسوا من جنسهم، مصالح وأهداف وغايات وطرائق عيش وتفكير، وكأنَّ “صفقة الولاء” التي عقدوها مع “المرشَّحين” تنتهي بانتهاء التصويت! أمَّا لو سُئِل المُسْتَطْلَع رأيه بما يحيي في نفسه، ولو لدقائق معدودات، الشعور بالولاء، لَمَا تورَّع عن أن يجمع في إجابته الهجاء والمديح، أمَّا أن تظل حياتنا البرلمانية مفعمة بهذا الموات الديمقراطي والسياسي، فهو ما يفسِّر انتشار وشيوع ورسوخ تلك “الثقافة البرلمانية” التي تُتَرْجَم بما يجعل “النيابية” مرادفاً للفساد والانتهازية و”الميكيافلية الشخصية”، ولمبدأ “عشْ ودعْ الحكومة تَعيش”، ف “تجربتنا البرلمانية” علَّمت النائب أنَّ الزهد عن القيام بما انْتُخِب من أجله هو أقصر وأسْلَم الطرق إلى ما فيه نفعه الشخصي والعائلي! وإنِّي لمتأكِّد تماماً أنَّ النائب عندنا هو أكثر المواطنين تحرُّراً من وهم أنَّ “السياسة” لها في البرلمان ما، ومن، يمثِّلها، وإنَّ البرلمان مبنيٌ من حجارة سياسية؛ وهو، بالتالي، أكثرهم خبرةً وذكاءً في “أكل الكتف”.وإنَّه لشيءٌ يشبه ما ينجبه زواج المأساة بالمهزلة أن تُصارِع الصحافة عندنا من أجل حقِّها في الحصول على الشيء من فاقده، فالنواب متَّهمون بأنَّهم يسعون في حجب ما يملكون من معلومات قيمة وثمينة عن الصحافة، متطاولين على حقِّها في الحصول على المعلومات، ولو مِمَّن يملكون منها ما يؤكِّد أنَّهم آخر من يَعْلَم! إنَّ من الحكمة بمكان أن تَطْلُب العلم ولو في الصين؛ ولكن أين هي الحكمة في أن تطلب “المعلومات”، التي يمكن أن تَزِن شيئاً إذا ما قيست بميزان مصالح وهموم واهتمامات المواطنين، ولو من المجلس النيابي؟!المعلومات المفيدة حقَّاً للمواطنين، والتي يملكها النواب وحدهم، هي المعلومات التي نرى من خلالها كيف يجيدون اللعبة البرلمانية، ليس بمعناها السياسي، وإنما بمعناها الشخصي؛ فهل تتوقَّعون أن يحيطوكم علماً بأسرارها وفنونها ما طبيعة الأخلاق التي يمكن أن تتلاءم مع هذا السياق؟ أو بعبارة أشد وضوحا: هل ما درجنا على عَدِّه أخلاقاً في تراثنا يمكن أن نستمر في عده كذلك في سياق العولمة، أم أننا في حاجة إلى أخلاق جديدة نستوردها…؟! (تميل الأخلاق حيث تميل المصالح)، وعلاقة الأخلاق بالقوة (هل القوي في حاجة إلى الأخلاق كما يفهمها الضعيف؟)…إن موضوع الأخلاق والسياسة موضوع متشعب، تتعالق جوانب منه بالحياة العامة، وجدير بالملاحظة أن الأخلاق ترتبط بالزمن وبالقيم، كما ترتبط بالمجتمع في نهاية المطاف. ومن ثم فإن السلوك الأخلاقي، إذا تكلمنا عن الأخلاق العامة، يختلف اليوم بالضرورة عن السلوك الأخلاقي في مرحلة تاريخية سابقة أو لاحقة، وقد يتغير خصوصا إذا ربطناه بالشق الثاني في الموضوع الذي هو السياسة. يختلف –إذن– ما هو أخلاقي سياسيا أو ما هو سياسي أخلاقيا من لحظة زمنية إلى لحظة أخرى. وقد سبق لأرسطو أن بين أن الأخلاق والسياسة تعني مصلحة الإنسان كما تعني مصلحة المدينة، وكلاهما يرتبط لديه بمصلحة الفرد أو براحة الجماعة في عموميتها، أو ربما تعني عنده راحة ومصلحة كل فرد عضو في الجماعة وكل ما لـه علاقة مباشرة بالمجتمع. ولعل القول المأثور “ما لقيصر لقيصر وما لله لله” يلخص هذا الفهم، فما لقيصر لقيصر يفيد السياسة: القيصر يمثل السياسة. وما لله لله يفيد الأخلاق، معناه القيم، معناه السلوك: تتعلق الأخلاق –إذن– بالسلوك وبالتصرفات والقيم المعنوية المرتبطة بشخص الإنسان. وهذه العوامل كلها تُكوِّن الإنتاج الثقافي المرتبط بالمجتمع. طبعا سيظل السؤال مفتوحا حول مفهومي الأخلاق والسياسة، أما في ما يتعلق بالتساؤل حول العلاقة بينهما فأشير إلى موقف الفيلسوف الإسباني أران غورين، فهو يذهب إلى أن هناك أربعة أشكال أو طرق لتناول هذه العلاقة:

أ- الواقعية السياسية: وهي طريقة تؤثر سلبا على السياسة وتؤدي في نظر البعض إلى الإفلاس، لكن ينبغي التنبيه إلى أن مدلول الإفلاس عند السياسي يختلف عن مدلوله لدى الفرد المنتمي للجماعة الذي ينتظر أشياء أخرى.

ب- رفض السياسة واعتبارها مناقضة للأخلاق.

ج- المحاولة اليائسة لتخليق السياسة، وهي غالبا ما تنتهي بتسييس الأخلاق.

د- البحث المستمر عن تقريب السياسة من الأخلاق، وليس تقريب الأخلاق من السياسة، وذلك عبر النقد والنقد الذاتي المتواصل كحل وحيد لتنظيم هذه العلاقة المستحيلة على حد قول أران غورين. وهذه النقطة الأخيرة هي الأقرب في اعتقادي من موضوعنا…

أن على الناس أن يحترسوا من الميكانيكيين، وأن النجارين يمكن أن يكونوا هم الآخرون عديمي الأخلاق. والحقيقة أنه يمكن أن نعثر بين المهنيين بصفة عامة على من يتمتع بحد أدنى من الأخلاق، كما أن نسبة مهمة منهم عديمة الأخلاق أو ناقصة الأخلاق؛ علينا إذن أن نُطبِّع مشكلة الأخلاق، إذ لا يجب أن تطرح فقط في مجال السياسة…. فاللاأخلاق تخترق كل الحدود، بحيث توجد في السياسة وفي غير السياسة. صحيح أن السياسة كثيرا ما تتسرب إليها سلوكيات لا تمت إلى الأخلاق بصلة، ولكن هذه ليست ميزة خاصة بها. وهذه القضية من الأهمية بمكان، لأن السماح بتشويه سمعة السياسة جملة وتفصيلا يؤدي بالضرورة إلى ما يسمى بالعزوف عن السياسة، ويؤدي في نهاية المطاف إلى ضمان استمرار هيمنة السياسيين غير المتخلقين إلى ما لا نهاية؛ ولهذا يجب إعادة الأمور إلى نصابها. ومع ذلك أقر بأنه يجب فعلا التشدد في قضية الأخلاق بصدد السياسة أكثر من أي مجال آخر. لماذا؟ لأن السياسة تعني المصلحة العامة، وبالتالي انعدام الأخلاق لدى السياسي ربما تترتب عليه آثار أوخم من تلك التي قد تترتب على سلوك الميكانيكي غير النزيه. غير أن التشدد في المسألة الأخلاقية بالنسبة إلى السياسة أكثر من أي مجال آخر أصبح أمرا صعبا، لأن –وأنا أرجع دائما هنا في هذه الأمور إلى ماكس فيبر الذي من مساهماته أنه ذكر نوعين من السياسيين–: هناك السياسي الذي يعيش للسياسية، وهناك السياسي الذي يعيش بِالسياسة ومنها، أي يعتاش منها، وهذا التمييز، باعتراف فيبر نفسه، لـه ظروفه التاريخية. أما الآن فقد أصبح مستحيلا أن نجد سياسيا يعيش للسياسة فقط، لسبب بسيط وهو أن من يعيش للسياسة فقط ينبغي أن تتوفر لـه مداخل كافية. ففيما مضى كان للنبلاء وقت للتفرغ للسياسة أما في العصر الحديث، عصر الديموقراطيه، فعلى الجميع أن يهتم بالسياسة، ولكن ما هو الثمن؟ إننا مضطرون لأن نقبل بأن يعيش السياسي إلى حد ما من السياسة، وهكذا نرى أن لجميع الأحزاب في العالم كله موظفين، فعندما يكون الحزب كبيرا وتتعدد مرافقه (نقابات، وتعاونيات، ومؤسسات مدنية، وجماعات محلية…) يتحتم توفره على مجموعة من الأتباع والأطر يعيشون من السياسة، مما قد يفتح المجال لعدة انحرافات، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بالمال. طبعا هناك انحرافات كثيرة  إذا لم نأخذ قضية السياسة والأخلاق ضمن البيئة التي تطرح فيها لا يمكن أن نحظى بمقياس للمشاكل التي تنتج عنها، فالمغاربة عندما كانوا يسمعون مثلا عن “الثورة الجنسية” في السويد وفي البلاد السكندنافية في السبعينات اعتبروا ذلك نوعا من الانحراف الحضاري الشامل الذي لحق بلدان أوروبا الشمالية، لكن عندما نقف اليوم على إحصائيات البنك الدولي المتعلقة بالبلدان المرتشية نجد أوروبا السكندنافية على رأس البلدان الأقل ارتشاء، وهو ما يعني أن سلوك السكاندينافيين في ما يتعلق بالشأن العام وحقوق المواطنين أكثر نقاء، فهم عندما يدفعون الضريبة –عوض الرشوة– يساهمون في بناء الطريق والمدرسة والمستوصف، وعندما يصوتون على السياسي فذلك لأنه يخدم الشأن العام بنوع من التلقائية والطواعية وبنسبة عالية من المسؤولية. ينبغي –إذن– أن نتساءل عن الأخلاق والسياسة ضمن البيئة التي يندرجان ضمنها. فما هي الأخلاق؟ وما هي السياسية؟ إذا أردنا أن نعرف المعنى العام للسياسة في بلادنا: نسمع الناس يقولون باللغة الدارجة “غِيرْ بْسياسة” وهذا معنى إيجابي وصيغة أخرى للعبارة العامية “غِيْر بْلاَّتِ” أو اختصار لـ “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”، وكأننا بصدد نوع من التوحيد والتساهل ونكران الذات… أي بصدد مستوى عال من الأخلاق. ولكن في نفس الدارجة نسمع أن السياسة هي “تحَراميات” بمعنى نقيض المدلول السابق. أما عندما نستقصي المدلول اللغوي العربي فنجد أن لفظ السياسة يدل على ترويض الخيول، وبهذا المعنى أيضا نكون بصدد المعنى السلبي للسياسة، فالذي سيمارس الشأن العام سيروض الخيول ويقلل من جماحها، وفي آخر المطاف، إذا لم تكن لديه أخلاق سيستغل ترويضها… ثمة مزاوجة –إذن– في هذا السياق بين المدلولين السلبي والإيجابي للسياسة. أما إذا أردنا الوقوف على قضية السياسة والأخلاق من حيث مفهومها في جميع الأحوال وعند جميع الشعوب، فنتصور الأخلاق متعلقة بالذات والكينونة، أما السياسة فنتصورها علاقة للذات بالموضوع، أي علاقة للذات مع الآخر ومع المجتمع، وبالتالي فالأخلاق مفهوم وروح، بينما السياسة بنية وتجسيد لهذه الروح، وحيثما يُجسَّدُ المبدأ يبدأ نقصانه، وتبدأ واقعيته ونسبيته. ومن ثم يمكننا القول إننا كلما تأملنا واقع بلادنا –مثلا- إلا واكتشفنا حجم الأمية السائد فيها، وكذا حجم التخلف الموروث عبر خمس قرون عن الأتراك حتى الآن، وهذه نتائج للمدلول السلبي للسياسة؛ أي لمفهوم أخلاقي سلبي عن السياسة. فالسياسة ليست خيرا عميما، إنها خير قليل يهم بعض الناس المنشغلين بالشأن العام وبالسياسة، الذين ينظر إليهم من طرف الرأي العام أو من طرف العموم بنوع من الحسد. إنه خير عند القلة، لكن كلما زلت رجل الماسك بجمرة السياسة والشأن العام إلا ويحاسب حسابا عسيرا، وهذا ما يمكن أن نعده قيمة مضاعفة مضافة سلبا، ففي الوقت الذي يمكن للسياسي أن يمارس السياسة بحماس –دائما حسب ماكس فيبر– فإنه عندما يتحمل المسؤولية يكتوي بتلك الجمرة التي أمسك بها، وذلك نتيجة انعدام التوازن بين الذات والظروف الموضوعية، فينتهي به الأمر إلى الحسرة ولوم النفس: “ما لي ولهذا كله”. يعني ذلك أنه لو دخل في دائرة العموم وابتعد عن السياسة لما تحمل مسؤولية مضاعفة: ففي الوقت الذي انشغل فيه الناس بالتملك انشغل هو بالكينونة والحفاظ عليها، وعرض نفسه للمتابعة والمحاسبة من طرف أولائك الذين ينتمون للسياق الآخر، فيكون ضياعه مضاعفا. بهذا المعنى تكون السياسة ممرا ضيقا و”صراطا” بالمعنى الشعبي للكلمة، وها نحن نرى –مثلا– حالة الذين يشتغلون بالشأن العام في الجماعات المنتخبة أو في البرلمان… وبالتالي من الصعب على من يمسك بجمرة السياسة في وضعنا أن يلقى تجاوبا أو أن يحظى بالمعدل بالمعنى العام للأخلاق وهو يمارس السياسة.

كاتب المقال
خبير في القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية
ورئيس تحرير جريدة صوت المصريين الالكترونية
وعضو الاتحاد العربي للصحافة الالكترونية

ورئيس لجنتي الحريات والشئون القانونية بنقابة الصحفيين الالكترونية المصرية
محمول

01224121902

الدكتور عادل عامر

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حماس .. مرحلة التحصّن بالأمنيات ! د. عادل محمد عايش الأسطل

حماس .. مرحلة التحصّن بالأمنيات ! د. عادل محمد عايش الأسطل Share This: