إسراج الأنباء
فلسطين - المسجد الاقصى المبارك
ENGLISH
head2
الرئيسية / أقلام وآراء / التأثير على الناخب أليست شهادة زور ؟؟؟ بقلم : د. عادل عامر
شبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

التأثير على الناخب أليست شهادة زور ؟؟؟ بقلم : د. عادل عامر

د. عادل عامر
التأثير علي الناخب أليست شهادة زور

الدكتور عادل عامر

 

تمثل الانتخابات بشكلها المعاصر، إحدى القضايا التي تُفرز أسئلة وإشكاليات فقهية عديدة، بدءًا من شرعية هذه العملية، والاختلاف الفقهي حولها؛ إذ يرى بعض المعاصرين أنها ليست مشروعة باعتبارها صنيعة من صنائع غير المسلمين ليس لها مثيل في العصور الأولى في الإسلام؛ ومن ثم ينظرون إليها أنها بدعة منكرة، بينما يرى السواد الأعظم من العلماء غير ذلك. كذلك علاقة الانتخابات بالشهادة، وحكم الإدلاء بالصوت، ولمن يكون، وحكم المقاطعة لهذه الانتخابات إن كان البعض يرون أنها لعبة سياسية لا جدوى منها،

وكذلك مسألة تغليب العصبية للقريب أو ابن البلد أو غيره على المصلحة العامة، وكذلك مسألة شراء الأصوات لضمان النجاح، وما الذي يفعله المرشح النزيه إن وجد خصما يلجأ إلى تلك الحيلة، وهل يحل له أو يحق له عندئذ أن يفعل ما يفعل خصومه حتى يدرأ المفسدة عن الأمة والشعب، وما علاقة ذلك كله بفقه الرشوة المحرم، وكذلك مسألة المرأة وعملية الانتخاب، هل لها أن تدلي بصوتها؟ أو أن تتقدم بالترشيح نيابة عن الأمة، باعتبارها فردًا من أفراد الشعب، أو ذلك مما يضر بها، ويجعل الأمر غير جائز من الناحية الشرعية؟.

وأيضا في مجال الدعاية الانتخابية، تبرز أسئلة متعددة في آداب هذه الدعاية، وحكم استغلال الدين كأحد العوامل التي تسهم في كسب الرأي العام، باعتبار أن الدين له مكانة عظيمة في نفوس الناس في دولنا العربية والإسلامية، وكذلك الذين يتخذون هذا الدين ونصوص الشريعة تكأة يضمنون بها أصوات الناخبين، ويكثرون من الاستشهاد بالقرآن مع أن لا علاقة لهم بالمصحف ولا بالقرآن، وكذلك أموال هذه الدعاية، وكون ذلك من باب التبرعات، أو تتبنى بعض الهيئات الحكومية أو الأهلية تأييد مرشح معين، وغير ذلك من الإشكاليات الفقهية الكثيرة، التي تعترض العملية الانتخابية، والتي يسأل الناس فيها كثيرا؛ مما يقتضي أن تُقدم لها معالجة فقهية صحيحة إن شاء الله.

وهذا ينقلنا إلى مسألة التصويت بالعصبية أن يقوم أبناء قرية معينة، أو مدينة معينة أو حي معين، أو أهل عائلة معينة، بالتصويت لقريبهم، ولابن بلدهم، وغير هذا من الأسباب التي للأسف استشرت في مجتمعاتنا. أحب أن أقول أيها الأحبة: إن الإسلام لما جاء وجد أهل الجاهلية يتعصبون لقبائلهم، ويتحزبون لانتماءاتهم العرقية، يفتخر بذلك بعضهم على بعض، فجاء الإسلام لينهى عن تلك العصبية الممقوتة، قال صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».

وجاء الإسلام ليرتب على ذلك ترك العصبية للأهل والأقارب؛ لأن فيها إتباعا للهوى وغمصا للحق، وإنكارا للعدل، وتسويغا للباطل، ورضا بالظلم، وهذه كلها أمور تناقض تعاليم الإسلام السمحة، وتخالف قيمه النبيلة. لقد جاء الإسلام يدعوا المسلمين إلى التمسك بالحق والعدل حيثما كان، قال الله جل وعلا ] وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[ [المائدة:8]. والمعنى لا يدفعنكم كراهيتكم لقوم، أو بغضكم لقوم، على ظلمهم أو انتقاص حقهم، بل اعدلوا فالعدل أقرب للتقوى، بل إن الإسلام يدعو المسلم أن يقول كلمة الحق ولو على نفسه، ولو على والديه، ولو على الأقربين، يقول جل وعلا: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[ [النساء:135]. إن الإسلام يلزم المسلم أن يكون قواما بالعدل، مؤديا لشهادة الحق، قاصداَ بقوله وفعله وجه الله، صادعا بالحق والعدل ولو على نفسه، ولو على أحب الناس إليه وآثرهم إليهم كوالديه وأقاربه وذوي رحمه .

إن الإسلام يحذر من العواطف في مثل هذه الأمور، ويحذر من الانحياز إلى صاحب الباطل بزعم قربه أو قرابته، فإن ذلك من إتباع الهوى، والانحراف عن الجادة. ولذلك فإني أقول: إن عليك أيها الأخ المواطن الكريم، عندما تتقدم إلى الاقتراع، وتدلى بصوتك، ألا تتعصب إلا للحق، وألا تنحاز إلا إلى العدل، وأن تكون قواما لله بشهادتك، عليك أن تختار لأمتك أفضل من يمثلها، ويقوم بمصالحها، ولو لم يكن قريبا لك، ولا من بلدك، عليك أن تتجنب اختيار من يسيء إلى الأمة، وإن كان أقرب إليك وأحب إلى نفسك؛ لأن هذا هو صحيح الإسلام.

شراء الأصوات

ويجرنا ذلك إلى قضية شراء الأصوات من بعض ذوي المال واليسار، حين يتدخل أصحاب الأموال، ليجمعوا ما بين الاقتصاد والسياسة فيقدمون الرشاوى للأمة بأشكال مختلفة.

ما حكم الذي يقدم رشوة لمواطن لكي يدلى بصوته لمصلحته؟

وما حكم الذي يأخذ هذه الرشوة؟

المعلوم من حقائق الشريعة أن الرشاوى بجميع أنواعها وأشكالها محرمة في شريعتنا الإسلامية، أبل وفي كل الشرائع، وكل الناس يعتبرون الرشوة رذيلة من الرذائل و الله تعالى يقول: ] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[ [البقرة:188].

والنبي صلي الله عليه وسلم يحرم قبول الرشوة بقصد أو بغير قصد، ويلعن الراشي والمرتشي والرائش أي الوسيط عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم«الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ. يَعْنِي الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا».ولهذا فإنه لا يجوز لأي مرشح شراء الأصوات من أي واحد من الناخبين كما لا يجوز لأي ناخب أن يبيع صوته لأي واحد من المرشحين؛ لأن الانتخاب أمانة وشهادة، والمطلوب من المسلم أن يؤدي الشهادة لله بما يرضي الله، فإذا أخذ مبلغا من المال، وأعطى صوته لمن يدفع له هذا المبلغ، فهي حينئذ شهادة زور، لا ترضي الله تبارك وتعالى، والذي يفعل ذلك مثله كمثل من يشهد على إنسان بريء أمام القضاء فيجرمه بغير حق، أو يشهد شهادة تؤدي إلى تبرئة مجرم، وهذه شهادة زور، وقد نهي النبي صلي الله عليه وسلم عنها بأبلغ صور النهي حين قال: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ». وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَازَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ. وهذا الكلام يجرنا إلى الحديث عن ضوابط الاختيار وآداب المرشح. إذا كانت الانتخابات هي الوسيلة التي تؤدي إلى اختيار من يمثل الأمة في شؤون الحكم، وإدارة البلاد، وتقديم التشريعات، ورفع الضرر، وإزالة الظلم والفساد، وغير هذا. وإذا كان المسلم وإذا كان المواطن يعطي رأيه في هذه الانتخابات، فإن من واجبه أن يختار السلطة والممثلين الإسلاميين الذين يحكمون وفق كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وما لم يجد مرشحا إسلامياَ فعليه أن يختار الأفضل من بين المرشحين أو على الأقل، يختار الأقل ضررا ولا يمتنع من إبداء رأيه، وذلك مبني على القاعدة الشرعية وهي اختيار أخف الضررين، وإن على من يمارس حقه في الترشيح والانتخاب أن يعرف الأحكام الشرعية الخاصة بهذا الأمر.

الشروط التي يجب توافرها فيمن يرشح نفسه لعضوية البرلمان

فالمرشح لنيل العضوية والقيام بتمثيل الأمة في البرلمان، يتطلب أن تتحقق فيه مجموعة من الشروط:

الشرط الأول: ألا تكون نيته التنافس على مناصب الدنيا، أو الحصول على مكسب من مكاسبها الزائلة فهذه آفة الآفات أن يتقدم لمصالحه الخاصة، وأن يضحك على الناس ويخدعهم بأنه يريد أن يحقق مصالحهم، والحقيقة أنه يسعى وراء مصالحه الشخصية، وربما ينفق في سبيل ذلك كثيرا من الأموال، يعمل على استرداد أضعاف أضعاف هذه الأموال من خلال تحقيق مصالحه الشخصية.

يجب أن تكون نية المرشح أن يدخل لتقديم الخير للأمة، وعدم التنافس على مناصب الدنيا، بل ابتغاء وجه الله، وقياما بحق هذا الوطن ونفع هؤلاء الناس.

أما الشرط الثاني: فعليه ألا ينافس من هو أكفأ منه، وأجدر لهذا الموقع، فإذا علم أن أحد المرشحين أكفأ منه وأجدر وأقدر على القيام بهذا الأمر فإن عليه ألا يقدم نفسه في مواجهته.

الشرط الثالث: كذلك من الشروط: أن تتوفر فيه القدرة على القيام بحق هذا العمل، وأداء واجباته وتبعاته من الإصلاح والمتابعة، وما تقتضيه النيابة عن الأمة في تحقيق مصالحها، ورفع الظلم والضرر عنها، مثلما ذكر الله تبارك وتعالى على لسان بنت الرجل الصالح، عن سيدنا موسى u : ] إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ[ [القصص:26]. ومثلما ذكر الله على لسان سيدنا يوسف u حين تقدم لولاية الشؤون المالية: ] اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ[ [يوسف:55].

أما أن يتقدم أي إنسان وليست لديه القدرة على القيام بهذا الأمر فهذا أمر يجعل طلبه غير مشروع.

ولهذا فإن الذين يستحقون أن يتقدموا للترشيح، هم أصحاب الكفاية العلمية والأخلاقيةـ الذين لهم قواعد جماهيرية في البلاد المختلفة التي يمثلونها، والذين لهم امتدادات من إخوانهم وأحبائهم، يرفعون إليهم مظلوميات الأمة، ويرفعون إليهم واقع الأمة، ويرفعون إليهم حاجات الأمة، ويساعدونهم على تحقيق مصالح الأمة. المرشح الذي يتقدم لا يجب أن يكون مرشحا منقطعا ليست له قواعد جماهيرية في مختلفة أرجاء الدائرة التي يمثلها بل يجب أن يكون هذا المرشح له قواعده في مختلف أرجاء الدائرة من إخوان صادقين ناصحين، ينقلون له نبض الجماهير، وأحاسيس الأمة، ينقلون إليهم مشاكلها ويساعدونه على أن يقف على واقع الأمر، وينقلون إلى الناس كذلك ما يتقدم به وما يقدمه، هذا ما يجب أن يتوفر فيمن يتقدم للترشيح نيابة عن الأمة.

آداب الدعاية الانتخابية

وعليه حينما يقوم بالدعاية أن يتمتع بمجموعة من الآداب:

الأدب الأول: مهم جدا ألا ينشغل في مرحلة الدعاية عن واجباته الشرعية وطاعته لله، المرشح الذي ينشغل بالدعاية عن الصلاة، وينشغل بالدعاية عن طاعة الله أحرى أن ينشغل بعد الدعاية عن الأمة التي وكلته، المرشح الذي لا يخاف الله تبارك وتعالى ولا يراقبه أحرى إذا كان لا يخاف من الله، ولا يراقب الله، أحرى ألا يراقب الذين انتخبوا وألا يسعى في مصالحهم بعد ذلك.

الأدب الثاني: التحلي بالخلق الإسلامي الرفيع بين الناس وأن يكون مهذبا في عباراته مؤدبا في ألفاظه جيدا في سلوكه.

الأدب الثالث: يجب عليه ألا يتكلف المبالغ الطائلة في حملته الانتخابية حتى لا يقع في الإسراف الذي جاء النهى عنه شرعا: ] وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ[ [الأنعام:141].

الأدب الرابع: ألا يذكر أحد منافسيه بالسوء وألا يفتري على الناس كذبا وبهتانا: ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ[ [الصف:7].

إن المنافسة الانتخابية لا تعطي لأحد الحق في أن يتجاوز الآداب والقيم الإسلامية في الحديث عن المخالف، لا يجوز لمن يتقدم نيابة عن الأمة أن يكون لسانه سليطا حديدا يعيب الناس بما ليس فيهم ويتكلم على الناس بالسوء.

إن الذي تكون حملته الانتخابية عبارة عن إساءة للآخرين، هو إنسان فج، لا يصح أن يعبر عن الأمة، ولا أن يمثلها في شيء؛ لأن مثل هذا الشخص حري إذا حقق مصلحته ألا ينظر إلى مصالح الأمة، وحري إن تكلم مع الناس عند الترشح بلسان لين أن يتكلم معهم بعد ذلك بلسان حديد قبيح شديد.

الأدب الخامس: من الآداب التي يجب أن يتمتع بها المرشح في دعايته أن يكون صادقا لا يعد بما يعلم أنه قد يكون غير قادر على تنفيذه، فإن الوفاء بالعهد من الإيمان وإن خُلف الوعد صفة من صفات النفاق.

الأدب السادس: ألا يقدم رشاوى للناخبين أي كان نوعها، سواء أكانت رشاوى مباشرة مادية مباشرة أم غير مباشرة، كأن يعين ابن هذا، ويعمل مصلحة لهذا بغرض شراء صوته؛ لا احتسابا لوجه الله.

آداب الناخب

وفي المقابل فإن على الناخب أن يبحث عن الأكفأ ليختاره ممن تتوافر فيه الكفاية والقدرة على القيام بالعمل الذي سيوكل له بعدالة وحكمة.
إذا توافرت الشروط التي سبق ذكرها في المرشح، فلا يجوز لك أن تختار غيره، ولو بحجة مبادلة الأصوات أو شرائها، لا يجوز أن تبيع صوتك في هذه الحالة بل عليك أن تختار الأكفأ الذي توفرت فيه شروط القدرة على القيام بهذا الواجب. – كذلك على الناخب أن يحذر أن يكون اعتبار الاختيار هو صلة القرابة أو الصداقة أو الجوار أو البلدية أو المصلحة أو العصبية للعائلة أو العصبية لفرقة ينتمي إليها ونحو هذا. – وأشد من ذلك أن تحذر أن يكون اختيارك قائما على أساس من الرشوة سواء كانت الرشوة مادية أو معنوية فهي حرام شرعا.

أما العمل السياسي الذي هو مجال لتنوع الآراء، وتعدد الآراء وغيرها فهذا أمر طبيعي، لم يمنع منه الإسلام على الإطلاق والأحزاب السياسية بمفهومها المعاصر، يمكن أن نقول إنها كانت موجودة منذ أيام الإسلام الأولى، في حياة النبي تعالي، وبعد وفاته ولو لم تأخذ صفة شبيهة أو اسما شبيها باسم الأحزاب المعاصرة. نحن نعلم أن بعض الصحابة كانت لهم بعض الآراء التي تختلف مع بعض مواقف الصحابة الآخرين، وقد كانوا أسمى من أن يسموا أنفسهم أحزاب، أو غير ذلك، لكن خذ على سبيل المثال حين انتقل النبي تعالي إلى الرفيق الأعلى وأراد المسلمون اختيار الخليفة حصل اجتماع في سقيفة بني ساعدة حضره المهاجرون والأنصار، وحصل فيه أول خلاف سياسي يمكن أن تعتبره عمل حزبيا سياسيا؛ إذ طلب الأنصار أن يكون الخليفة منهم، وطلب المهاجرون أن يكون الخليفة منهم، وأنا أسألك أيها الأخ الكريم ما هو عمل الأحزاب السياسية الآن؟ أليس أقصى أعمال الأحزاب السياسية المعاصرة أنها تريد أن تستلم الحكم، وأن يكون الرئيس منها، وأن تكون الإدارة منها.

هذا هو ما حصل بالضبط، اختلفوا وقدم كل منهم حججه ومبرراته إلى أن وصل الغالبية إلى قناعة بأن يكون الخليفة من المهاجرين، وأن المهاجرين هم الأمراء والأنصار هم الوزراء وقبل الناس ذلك ومن تردد في النهاية قبل، ونزل على رأي الأغلبية، هذا هو العمل السياسي، ثم ظهرت الأحزاب السياسية بعد ذلك، وفي كل وقت كانت هناك فئات لها مطالب محددة وهو ما يفعله أصحاب الأحزاب السياسية، ومن هنا فلا مانع إطلاقا في الإسلام من أن تقوم أحزاب إسلامية. والقول بأن الإسلام لا يعرف إلا حزب الله، وحزب الشيطان، فهذا خاص بالأمور العقدية والأمور التي فيها شق لصف الأمة، وكل الأحزاب السياسية التي تؤمن بالقواعد الدستورية التي ترى أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع وأن دين الدولة هو الإسلام، ولا تخالف الإسلام في شيء من ذلك وتؤمن بصحيح الإسلام وقواعده، وإن حصل اختلاف في بعض مسائله الجزئية والفرعية الكثيرة، فكلها داخلة في مسمى حزب الله متى كان هدف أصحابها الوصول إلى الحق. أما الحزب الذي نقول: إنه حزب الشيطان، فهو الذي يرفع لواء وأد الشريعة، ومنع الإسلام، وحرب شريعة الله تبارك وتعالى، هذه هي الحزبية البغيضة الممقوتة. ولهذا فالقول بأنه إذا نجح الإسلاميون في الانتخابات سوف يقيمون حزبا واحدا، ويلغون الديمقراطية هو قول كاذب غير صحيح، والذين يقولون بهذا بين الإسلاميين إن وجدوا فهم قلة نادرة تعيش على هامش الحركة الإسلامية وليس لها أدنى تأثير، أما الذين يتقدمون للعملية السياسية من الإسلاميين أصحاب الحركة الإسلامية، الراشدة الوسطية المعتدلة، فهؤلاء جميعا يؤمن بالتعددية الحزبية ضمن حدود الشريعة الإسلامية، ومن ثم فنجاحهم لن يؤدي أبدا إلى أي استبداد سياسي؛ بل هم أكثر الناس اكتواء بنيران الاستبداد، فكيف يتصور أن ينقلبوا مستبدين، بعد أن اكتووا بنار الاستبداد، إن هذا أمر غير وارد على الإطلاق، ولا يرد لا في كلامهم ولا في أدبياتهم، ولا في أقوال قادتهم. إن الديمقراطية التي تقبل بها المجتمعات المعاصرة بصورتها، نقبل منها ما يوافق الإسلام، وهو حرية الرأي وإعطاء الأمة حقها في اختيار من تراه مناسبا، وهذا كلام واضح لا بأس به؛ أن تسمى هذه العملية ديمقراطية، أو لا تسمى، لا مشاحنة في الاصطلاح، هذه هي الشورى التي أرادها الإسلام، ونحن نرفض ونقبل بحسب ما يرفض ويقبل الإسلام، والديمقراطية بهذا المعنى لا تعارض الإسلام أبدا، ولا يهمنا التسميات المهم هو المضمون.

إنفاق المال العام على الدعاية

وينقلنا ذلك إلى مسألة أخرى وهي قضية إنفاق الأموال العامة على الدعاية، بمعنى أن بعض المرشحين ربما كان تابع لمصلحة معينة أو جمعية خيرية معينة، وتقوم هذه الجمعية أو هذه الهيئة العامة التي لها ميزانية من ميزانية الدولة، بعمل دعاية من مال الأمة أو الأموال العامة لهذا المرشح أو ذاك، هذا هدر للمال العام في غير محله؛ لأن الأموال التي وضعت في ميزانيات الأمة، وضعت لتحقيق مصالح الأمة لا لتأييد مرشح معين والأموال التي تلقاها أصحاب الجمعيات الخيرية بغرض إقامة أعمال صالحة للأمة، لا يجوز استخدامها في غير هذا الغرض، أما ما تفعله كثير من الهيئات حينما تسعى لتقديم الدعم من الأموال العامة في الدولة أو أموال الجمعيات الخيرية لنصرت مرشح معين فهذا إثم كبير وذنب عظيم، نسأل الله أن يبرئنا منها وأن يبرئ أمتنا منه إن شاء الله.

الهجوم الشرس على الإسلام يفرض الاتحاد والتعاون بيننا

وكلمة أخيرة أختم بها هذه القضية.

إن أمتنا تعرض اليوم لأشرس هجمة هجمة غير مسبوقة تستهدف دينها وهويتها وخصائصها الحضارية والثقافية جمعاء، هجمة طالة المصحف الشريف بالتدنيس، وطالة مناهج التعليم بالتحريف، وطالة الأجيال الإسلامية بالتخريب، وطالة عاداتنا وتقاليدنا بالإفساد، وتجرأت على قدسية ديننا بالتعديل، وعلى حرمة الصلاة بإمامة المرأة، هجمة تستهدف عالمنا الإسلامي والعربي بالإذلال والإخضاع، هجمة تستهدف التحكم بعالمنا الإسلامي والعربي وبمقدراته بقوة أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها قوى الاستكبار العالمية، هجمة تسعى إلى صناعة حكومات وأنظمة حكم ومجالس نيابية مذعنة وخاضعة لسياساتها وقراراتها لتصل بذلك لفرض مشروعها الشرق أوسطي الأمريكي الصهيوني على منطقتنا بكاملها، وإن مواجهة هذه المخططات الأمريكية الصهيونية على المستوى السياسي أو الاقتصادي، أو الإعلامي أو التعليمي أو الاجتماعي أو الأخلاقي، صار فرض عين على كل فرد من أفراد هذه الأمة، مثلما يفعل جيل الحجارة في فلسطين، ويفعل المجاهدون في العراق، إن ساحة الصراع والتدافع، تفرض على الأمة كلها المشاركة في دعم جبهة الأبرار الصالحين أبناء الحركة الإسلامية، الساعين إلى رفع رأس الأمة إعادة مجدها، الساعين إلى تحقيق مصالح الجماهير، الساعين إلى حماية مقدرات الأمة، الساعين إلى محاربة الفساد المالي والإداري، الساعين بكل جهد مستطاع إلى إقامة الحق والعدل، وتحقيق تكافؤ الفرص إلى كل أبناء الأمة، وأن تكون الأمة كلها سواسية لا فضل لأحد على أحد، وأن يكون الناس جميعا لهم نفس الحقوق، وعليهم نفس الواجبات، وألا تتحكم رؤوس الأموال في الأمة، وألا يتحكم المفسدون في مقدراتها إن من واجبنا أن نساعد هؤلاء الأبرار الشرفاء، الذين يتقدمون لحمل الأمانة ومحاربة الظلم والفساد بكل صوره وأشكاله، علينا أن نساعدهم بكل جهد مستطاع، إن التفرج ممنوع، وإن الهروب من المعركة أشبه بالتولي عن الزحف، وإنه في غيبة أهل الحق يرتع أهل الباطل، في غيبة أهل الصلاح يرتع أهل الفساد، في غيبة المصلحين يتحكم المفسدون، في غيبة الشرفاء الأطهار يتحكم اللصوص المرتشون، ويتحكم أهل الباطل، يتحكم العابثون بمقدرات الأمة.

للمشاركة السياسية أهداف عظيمة

إن خوض الحركة الإسلامية الانتخابات البرلمانية وغير البرلمانية كلما أتيحت لها الفرصة لذلك يحقق أهدافا عظيمة منها:

أولا: تثبيت حقهم في المشاركة السياسية، وحقهم في الوجود السياسي كغيرهم من الأطراف السياسية، وكغيرهم ممن يحكمون ويتحكمون، وإسقاط الفكرة الخبيثة القائلة بإقصاء الدين عن السياسة، أو بمنع العمل السياسي والحزبي على أسس دينية.

ثانيا: إن من فوائد ذلك أيضا: تسجيل حضور الصوت الإسلامي بثقافته وأفكاره ومعتقداته ومطالبه في مجال تدبير الشؤون العامة للأمة ورفع الظلم والقهر عنها.

ثالثا: وإن من فوائد المشاركة كذلك: إتاحة الفرصة للإسلاميين للاحتكاك المباشر مع جماهير الأمة، من خلال الدعاية الانتخابية، ومن خلال تدبير الأمة، ومتابعتها لمن تم انتخابهم.

رابعا أخيرًا: وبالإضافة إلى هذا فإن المشاركة في الانتخابات تمكن أصحابها من تحقيق الخبرات الكثيرة والتجارب والمهارات التي لا يمكن تحقيقها في الانكفاء والانكماش والانعزال عن مجرى حياة الناس ومشاكلها وقضاياها. وإن من واجبنا أن نساعد الحركة في إيصال أعضائها؛ ليقوموا بهذا الواجب ليحققوا هذه الفوائد الكثيرة وإن من واجب الأمة ألا تقف متفرجة، وألا تستسلم لليأس والإحباط، وألا تقبل دعاوى اليأس، بحجة أن النتائج محسومة سلفا، وبأنه لن يستطيع الإسلاميون أن يفعلوا شيئا، وبأن القوة ورأس المال سوف تحقق أغراضها، وبأن سيكون هناك تزوير وغير هذا. إن وقوفنا متفرجين وعدم مشاركتنا وهروبنا هو هروب من الميدان، وإن حماية صناديق الاقتراع من التزوير، وحماية إرادة الأمة من التزوير، لا يتحقق إلا بتدافع الجماهير إلى لجان الاقتراع، وإصرار الجماهير على أن تقول رأيها وتدلي بصوتها، وأن تعبر عن إرادتها وتختار من تراه مناسبا. أما الخريطة الحزبية ففى سيولة وغموض مزعج، يوجد 50 حزبًا، وفي كل يوم مسعى لتسجيل حزب جديد، جميعها إلا قليل أحزاب ورقية، بلا أثر فاعل بين الناس، حتى الأحزاب الحقيقية التي تستحق اسم أحزاب ضعيفة محدودة التأثير نسبيًا، جميعها (الحقيقية والورقية) في مرحلة الشعارات، تقول كلامًا لكنه غير محدد، ولن يتضح مقصوده إلا بالتطبيق، والتطبيق مستبعد، على الأقل ليس الآن، لأن ليس لأي منها فرصة كبيرة لحيازة أغلبية في مجلسي الشعب والشورى، إلا عن طريق التكتل في تحالفات انتخابية. يقودنا هذا إلى الحديث عن واقع الاجتماع السياسي بعيدًا عن القوى التي لها تجسد منظور فيه، هذا الواقع هو المعضلة الصعبة التي تواجه المجلس العسكري والأحزاب وكل القوى، لم يصنعه أحد، وفي نفس الوقت الجميع مسؤولون عنه بدرجات مسؤولية مختلفة. لحديث السياسة في العالم الثالث أطر ليست غيره، للشعارات في غيره دور مركزي، لاستنادها إلى أيديولوجيات مؤصلة نظريًا، تشرح الواقع ومتفاعلة معه، أما فيه فلا يوجد أيديولوجيات بالمعنى الدقيق، وشعاراته إن أحسنّا الظن أماني، لذلك فكل ما تتحدث به أحزابه أماني تتجاهل الواقع كأنه غير موجود، وبالتالي لا أثر لها عليه، وإن اكتسبت بعض الشعبية فبقوة الحلم، والأحلام لا تصمد لواقع، فإذا أرادت الحصول فيه على موضع لقدم فبشروطه هو لا بشروط شعاراتها، لذلك ستجد عند أحزاب العالم الثالث قدرًا ما من الانتهازية، يصل ذروته عند أحزاب السلطة. هذا ما يسبب القلق الذي يبديه الحديث عن احتمال عودة فلول الحزب الوطني من خلال الانتخابات المقبلة، لأن الواقع يهيئ لها العودة، بل إنه من صنعها من البدء. القضية جزء من ظاهرة أحزاب السلطة في العالم الثالث، وأمثلتها تربو على الحصر دون تماثل، فلا تماثل بين الحزب الوطني المنحل مثلًا وحزب البعث المنحل في العراق، والذي قد يكون في سبيله إلى الانحلال في سوريا، رغم أنهم جميعًا أحزاب سلطة، أي ثمة سلطة قررت أن تنشئ حزبًا، مبني على منافع متبادلة بينها وبين المنتمين إليه، تلك أحزاب لا تعتمد أساسًا على التزوير كما يظن البعض، يقع التزوير أحيانًا إنما في أضيق الحدود وللضرورة، أما الأساس فاعتمادها على مرشحين يتمتعون بالمال والعصبيات المحلية مما يمكنهم من حشد الأصوات، ويكملون جاذبيتهم بالقدرة على تقديم الخدمات لناخبيهم لقربهم من السلطة. ضرر تلك الأحزاب أنها تستغل الواقع البائس بدلًا عن أن تسعى لتغييره، هي لم تصنع الواقع، إلا أنها تساهم في إفساده. أهملتُ الحديث عن الاحتجاجات الشعبية عن عمد، لأن دورها واضح لا يحتاج إضاءات، صرخة إعلان عن ألم، صوت تنبيه لا أكثر، حتى إن أسقطت نظامًا، لن تستطيع إسقاط واقع أو تغييره.

كاتب المقال
خبير في القانون العام
ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية
ورئيس تحرير جريدة صوت المصريين الالكترونية
وعضو الاتحاد العربي للصحافة الالكترونية

ورئيس لجنتي الحريات والشئون القانونية بنقابة الصحفيين الالكترونية المصرية
محمول

01224121902

الدكتور عادل عامر

Print Friendly, PDF & Email

Share This:

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القوى الفلسطينية بين النذير المصري والتهديد الإسرائيلي / بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

القوى الفلسطينية بين النذير المصري والتهديد الإسرائيلي بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي Share This: